إسلام ويب

ولكن في التحريش بينهمللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هذا العنوان نص من حديث فما معناه؟ وهل لم يعبد الشيطان في جزيرة العرب، وما واجب أهل الجزيرة تجاه ذلك، وكيف يحرش الشيطان بيننا، وما هي ألوان التحريش وما موقف الداعية المسلم تجاه كل ذلك؟ هذه الأسئلة تجد الإجابة عليها ضمن ثنايا هذه المحاضرة مع عشرين نصيحة تجاه هذا الأمر تفيدك إن شاء الله.

    1.   

    إن الشيطان فد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب

    الحمد الله مستحق الحمد وأهله، وأهل التقوى وأهل المغفرة، وصلوات الله وسلامه على خاتم رسله وأنبيائه، نبينا وسيدنا وإمامنا محمد صلى الله عليه وسلم ما تعاقب الليل والنهار، وصلى الله وبارك ورضي عن أصحابه الطيبين الأطهار، وعلى من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم القرار.

    أما بعد:

    سلام الله تعالى عليكم ورحمته وبركاته، إنها لحظاتٌ سعيدة أن ألتقي بكم، وأحل في مدينتكم هذه المدينة الطيبة، وأرى وجوهكم هذه الوجوه المشرقة، وأسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يغفر لي ولكم في هذه اللحظة، ما قدمنا وما أخرنا، وما أعلنا وما هو أعلم به منا.

    أما بعد:

    فكما سمعتم عنوان هذا الكلمة: (ولكن في التحريش بينهم) وهذا العنوان -كما تدركون جميعاً- جزءٌ من لفظٍ نبويٍ كريم، وهو خير ما عنونت به الدروس والمحاضرات، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: فيما رواه مسلم في صحيحه: {إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم} أي: أن الشيطان رضي من المسلمين في هذه الجزيرة بالخلافات والعداوات والأحقاد في قلوبهم، رضي بذلك واكتفى به؛ لأنه يئس أن يعبدوه.

    أقوال أهل العلم في يأس الشيطان من جزيرة العرب

    وقد يتساءل الكثيرون: كيف يكون هذا؟ مع أننا نعلم أنه حدث ويحدث في هذه الجزيرة، بل وفي بلاد الإسلام كلها أن هناك من أطاع الشيطان، وعبده، أو أطاعه فيما دون ذلك، فمن أهل العلم من قال: إن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم يخص المصلين، أي: "يئس أن يعبده المصلون" أما أولئك الذين أطاعوه وعبدوه فهم من الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى، ومن الذين فارقوا الشريعة وتركوا الملة، وخرجوا من الدين، وأصبحوا من غير المسلمين ومن غير المصلين، وهذا دليل على عظم شأن الصلاة.

    وقال آخرون: بل يئس الشيطان يوم رأى عز الإسلام، ورأى قوة الدين، وشاهد إقبال الناس على الحق، وإعراضهم عن الباطل، فأصابه من جراء ذلك إعراضٌ وقنوطٌ ويأس؛ ولكنه بعد ذلك يعود إلى قلبه الأمل، وتراوده الأماني والأحلام، أن يوجد من يعبده في هذه الجزيرة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر وهو في الصحيح أيضاً: {لا تقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دوس حول ذي الخلصة } وهو صنم كانت تعبده قبيلة دوس في الجاهلية، وهذه القبيلة في الطائف، وقد رأينا اليوم في هذه البلاد وفي غيرها، من رفعوا رءوسهم في إحياء شعائر الجاهلية الأولى، مصداقاً لما أخبر به نبينا صلى الله عليه وسلم فقد عاد الأمل إلى الشيطان أن يعبده الناس في هذه الجزيرة وفي غيرها، وكل هذه الاحتمالات وغيرها، تتفق على أنه سيوجد في هذه الأمة، وفي هذه الجزيرة بالذات، وفي غيرها من باب أولى؛ من ينساق وراء نـزغات الشيطان، ويقع حتى في لونٍ من ألوان العبادة له: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [يس:60-61].

    الناس في الإسلام سواء

    الإسلام لا يعبأ بالحدود الإقليمية، ولا يكترث للحواجز الجغرافية، ولا يقيم وزنًا للفواصل العرقية، لأن الرابطة الوحيدة عنده رابطة الإيمان والتقوى، والوحدة الإسلامية، ليس هذا من الزاوية والناحية النظرية فحسب، فإننا نجد أن الأديان والمذاهب والنظريات كلها أو جلها، تقول نظرياً أنها لا تفرق بين الناس.

    فـالنصرانية مثلاً تقول: إنه لا فرق عندها بين لونٍ ولون، وجنس وجنس، والميزان عندها هو القرب من الخير والحق والعدل والسلام!!

    والشيوعيةأيضاً تقول: إنها قامت لتحطيم كل الفروق والحواجز بين الناس، وإقامة الأخوة البشرية بينهم، وإزالة ألوان التفرقة، بما في ذلك التفرقة في المستوى المالي أو غيره!!

    ومثل ذلك الماسونية، فهي تزعم وتدَّعي أنها تقوم على الأخوة والعدل والمساواة! وهكذا، فالشعارات وحدها لا تكفي، والكلمات وحدها لا تغني، أما الإسلام فقد رفعه شعاراً، أنه لا فرق بين عربي وأعجمي، وأبيض وأسود، وغني وفقير، ومأمور وأمير، وقريب وبعيد إلا بالتقوى، ثم طبق ذلك عملياً، فكان المجتمع الإسلامي الأول نسيجاً متلاحماً متكاملاً منسجماً من أجناسٍ مختلفة، في انتماءاتها القبلية، وفي بلدانها ودولها ومدنها، ومختلفةً في ألوانها وأشكالها؛ ولكنها امتزجت كلها في لحمةٍ واحدة، وهي لحمة الإيمان والتقوى والعمل الصالح، وساهمت في هذا المجتمع الإسلامي العظيم.

    ولقد ضرب عمر رضي الله عنه أروع الأمثلة في ذلك، حيث كان يقول: [[والله لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لوليته، الخلافة]] وهو مولى!!

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم يولي عليهم في الغزوات والسرايا والبعوث، أحياناً أبا بكر، وأحياناً زيد بن حارثة، وأحياناً أسامة بن زيد وهو ابن مولى، فيوليه وهو مولى على وجوه الصحابة، من رجالات قريش وكبرائها، ووجهائها وأعيانها، أو من رجالات الأوس والخزرج في المدينة النبوية الشريفة.

    لقد حطم الإسلام أبَّهة العربي وكبرياءه، وفخره بقبيلته؛ إذ أن جدارة الإنسان لا تكتسب بالوراثة أو باللون أو بالبلد، إنما تنال بالأعمال الجليلة، والمواهب النبيلة، والطاقات الموجودة في الإنسان، أو الإنجازات التي تمت على يديه، وأيُّ فضلٍ لعربي ما حقق لنفسه ولا لدينه تقدماً.

    لون من التحريش بينهم

    وإذا كان العالم اليوم يعاني مما يسميه بالتفرقة العنصرية، فإن الأمر المدهش حقاً، أن ورثة الكتاب من أهل الإسلام، لم يتخلصوا بعد من لوثات الجاهلية الأولى، فأصبح الناس يتفاخرون داخل المجتمعات الإسلامية، أو يتميزون، ويتحيزون بحسب انتماءاتهم، أو أعراقهم أو أنسابهم، بل حتى داخل المجتمعات المثقفة، بل حتى في مراكز العلم والدعوة والجهاد، بل أصبح العالم اليوم يتحدث عن حروبٍ طاحنة، يعتبر الانتماء القبلي أحد أسبابها في نظر البعض، وهذا أحد ألوان التحريش الشيطاني، الذي يمارسه على المصلين في جزيرة العرب وفي غيرها.

    فلقد نجح الشيطان وجنوده من أبناء الصليب وغيرهم، في تقسيم الأمة الواحدة إلى شعوبٍ متطاحنة، يكره بعضها بعضاً، ويلعن بعضها بعضاً، ويحارب بعضها بعضاً، ويحاصر بعضها بعضاً وينصر بعضها أعداءها ضد البعض الآخر.

    لقد قدم النصارى لنا -أعني المسلمين- قدموا لنا أنفسهم على أنهم الصديق الحميم للجميع، بأساليب مختلفة، وبإخراجٍ دقيقٍ عجيب، فـالنصارى يظهرون أنفسهم متحالفين مع الحكومات -كل الحكومات- ضد الشعوب الثائرة لإنسانيتها، الغاضبة لكرامتها، ويظهر النصارى أنفسهم أنصاراً للشعوب ضد حكامها المستبدين، ويظهرون أنفسهم ثائرين وقائمين وغاضبين للمصابين بالنكبات والكوارث، من الفقر والجوع والمرض من خلال منظمات الصليب، التي ندفع نحن مئات الملايين من ميزانياتها، فهم مع الجميع ضد الجميع، وفي النهاية أصبح المسلم يمنح النصراني ثقةً كبيرة، ويفضله على أخيه في الإسلام، وأخيه في العروبة وجاره في الدار والقرار.

    1.   

    التحريش الديني

    إن أخطر ألوان التحريش؛ هو التحريش الديني.

    فالخلاف على الدنيا قديم، وليس من الخطورة بمكان؛ أن نختلف على قطعة أرض، أو على أمرٍ دنيوي، أو على لعاعة، أو على منصب، أو على كرسيٍ أو مالٍ أو جاه، ما لم يلبس هذا الخلاف لبوس الدين، أو يجعل الدين خادماً لأهداف الدنيا ومطامعها.

    إنما التحريش الخطير والأمر الجلل؛ أن يختلف الناس في دينهم فيصبحون شيعاً وأحزاباً، وقوارع القرآن تقرع آذانهم، تحذرهم صباح مساء أن يفرقوا دينهم: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ [آل عمران:105] وقوله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103] وقوله: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46] وقوله: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم:32] وقوله: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام:159] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره ثلاثاً، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تطيعوا من ولاه الله أمركم، وأن تعتصموا بحبله جميعاً ولا تفرقوا}.

    خطر عظيم يهددنا

    إننا اليوم أمام هجمةٍ عظيمة من الكفار، النصارى الذين يعملون اليوم على تحويل الأمة الإسلامية إلى أمةٍ غير ذات رسالة، أو اليهود الذين يسعون إلى جعل المنطقة الإسلامية منطقة نفوذ لليهود، تتعاون فيها خبرة اليهود مع رأس المال العربي أو الخليجي بالذات، أو مع اليد العاملة المصرية؛ لتكوِّن بناءً واحداً يهيمن عليه بنو إسرائيل.

    والمنافقون المندسون في الصفوف اليوم، والذين يستخدمون الأدب والشعر والصحافة والتلفاز والإعلام والمنصب والمدرسة والجامعة وكل وسيلة؛ لتغيير عقليات المسلمين وأفكارهم، وهؤلاء المنافقون يعتبرون طابوراً خامساً داخل الصف المسلم لأعدائنا من اليهود والنصارى.

    والمشركون الوثنيون، الذين يحاربون الإسلام، عبدة البقر في الهند يقتلون المسلمين، وعباد الأوثان، بل البوذيون، والهندوس، وألوان المشركين، وما يدريك أن يكون لنا معركة قادمة مع بعض هؤلاء؟! ربما ننسى في إوارها بعض عداوة أهل الكتاب، كل هذه الهجمة المشتركة تستهدف وجودنا، وعقيدتنا، وديننا، وأخلاقنا، وهي تحتاج -ولا شك- إلى جمع الكلمة لمواجهة هذا الكيد العظيم المدبر المدروس، المدجج بأحدث ألوان التقنية الغربية.

    أمام هذا نجدُ -أيضاً- هجمة من المتحالفين على المسلمين، المتحالفين على الانحراف الفكري، والانحراف العقدي، ممن يحملون الثارات التاريخية، والأحقاد المذهبية، ويتربصون بنا الدوائر، ويحاولون أن يحيطوا بنا إحاطة السوار بالمعصم، وهؤلاء وأولئك على بعد الشقة بيننا وبينهم، فنحن نحمل الهداية وهم يحملون الضلال والكفر البواح، ومع ذلك فقد استطاعوا أن يجتاحوا الكثير من المسلمين؛ بل من أهل السنة والجماعة، ومن أصحاب المنهج الحق، ومن المتبعين لسيد المرسلين عليه الصلاة والسلام.

    إذاً هم أولاً: أعداء معلنون بالعداوة، والشقة بيننا وبينهم بعيدة جداً.

    وهم ثانياً: قد نجحوا في تضليلنا وإفسادنا، وإهدار كرامتنا، ونهب ثرواتنا، وتغيير عقولنا، بل نجحوا في تغيير عقائد الكثير من المسلمين، وهناك دولٌ ومدن وأقاليم وأفراد وطوائف، قد لحقت بـالنصارى، وأخرى لحقت بـاليهود، مصداقًا لما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ثوبان: {ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان}.

    شباب الصحوة وجدل حول مسائل الاجتهاد الفقهي

    ومع ذلك أرى اليوم من شباب الصحوة؛ من لم يتفطن إلى بُعد الهوة والشقة بيننا وبين هؤلاء الأعداء، ولا إلى عمق التأثير الذي أحدثوه فينا وفي بلادنا، وأدياننا وعقولنا، وأصبح مشغولاً بالأقربين، يحاربهم ويعمل على مقاومتهم، ويتصدى لتأثيرهم، ويبذل وسعه في الوقوف في وجوههم، فصرنا في جدلٍ لا يهدأ، ولا يقر له قرار ولا يهدأ له أوار، حول مسائل اجتهادية تحتمل الخلاف.

    والعجب كل العجب؛ أن كل من حادثته في أمر الإسلام، وتفرق المسلمين، واختلاف الدعاة؛ وجدته يحمل قلباً يتحرق على هذا الاختلاف، ويتميز غيظاً لهذا التفاوت، ويحزن ويتباكى على هذا الصف المنقسم، والوحدة المشتتة؛ ولكننا في الوقت الذي نتباكى فيه على الوحدة، ونصيح فيه على الاختلاف، إلا أننا جميعاً جزءٌ من هذا الواقع الفاسد المريض، الذي يقيم معنا حيث أقمنا، ويرحل معنا حيث ارتحلنا، فإن بقينا في ديارنا بقي الخلاف والشتات معنا، وإن رحلنا لنصرة حقٍ هنا، أو إقامة جهادٍ هناك، نقلنا جراثيمنا وأمراضنا حيث انتقلنا، وهناك وجد التناقض والاختلاف بيننا كما وجد في بلادنا، وكأن هذا يوحي إلى أننا حين نبكي على الفرقة ونحزن لها؛ نتمنى أن يجتمع الناس على رأينا ومذهبنا، وعلى جماعاتنا، وعلى متبوعنا، وهيهات هيهات! ما اجتمع الناس على الحق حتى يجتمعوا على الباطل! وما اجتمع الناس على النص حتى يجتمعوا على رأيي أو على رأيك؟!

    ونحن جميعاً نقر من الناحية النظرية، أن المسائل الفقهية الخلافية مما لا ينبغي أن تكون مجال تضليل أو تفسيقٍ أو تبديع، وا ولاءٍ ولا براء، فلا ينبغي أن أسبك أو أعاديك أو أحاربك، أو أنقص من قدرك، لأنك اختلفت معي في مسألةٍ فقهية خلافية، ليس فيها حقٌ وباطل، وهدىً وظلال، وإنما فيها راجح ومرجوح، وصحيحٌ وأصح.

    فمن الناحية النظرية ربما نقر كلنا بهذا لكن حين أصلي إلى جوارك وأراك تضع يديك على صدرك وأنا أضعها تحت الصدر؛ أشعر بشيءٍ من عدم الرضا عنك، وأنسى أن هذه مسألة خلافية، تحتمل الاختلاف حولها، وحين أراك تخر ساجداً فتقدم ركبتيك، أنسى أن هذه مسألةٌ خلافية، أجمع العلماء أنه لا مدخل لها في أركان الصلاة، ولا في شروطها، ولا في واجباتها، وإنما الخلاف في الأولى والأفضل من ذلك، أنسى هذا وأحمل في صدري عليك شيئاً! لأنني أرى أنك خالفتني حينما قدمت ركبتيك قبل يديك وأنت تهوى إلى السجود.

    ومثله حين أصلي إلى جوارك، فأراك تجلس جلسة الاستراحة بعد الركعة الأولى أو الثالثة؛ فأجد في قلبي عليك شيئاً، وأحس أنك خالفتني في هذا الأمر، ولا يقف الحد عند مجرد الجدل بالتي هي أحسن، والنقاش العلمي الموضوعي، بل يتعدى إلى ارتفاع الأصوات، ويتعدى إلى التنابز وإلى الاختلاف، وربما قلت لك يوماً من الأيام: صحيح أن هذه المسائل فرعية وخلافية، ولكنها أصبحت شعارًا لفئةٍ أو طائفة، فلا بد من التميز بها.

    لماذا أجعل الأشياء في غير مواقعها الشرعية، وأخلف المدارات التي وضعها فيها الشارع الحكيم؟ وهكذا آلاف المسائل التي لو ذكرت لكم اليوم بعضها، ربما ثار الخلاف حول كلامي نفسه، وربما أحجم البعض عن مواصلة السماع لما أقول، لأنه رأى أنني لمست قضية تمسه وتخصه هو شخصياً، فنحن نوافق على ذم الخلاف والفرقة، ولكننا لا نوافق أن يمس أحد ما نهتم به ونعانيه، ونعتبره جزءاً من تكويننا وشخصيتنا ووجودنا، ولا نقبل النقاش الهادئ حوله مع الأسف الشديد!

    بل أحياناً يتعدى الأمر إلى أن نربط المسائل الاجتهادية الشرعية الفرعية، بأصل أو بمنهج، وذلك محاولةً منا لتأصيل الخلاف بيننا وتعميقه، وكأننا لم نقنع بالخلافات الحقيقية التي تعصف بالأمة، فصرنا نلتمس سبيلاً لمزيدٍ من الخلافات الوهمية، التي نريدها أن تجهز على البقية الباقية من إخائنا ومحبتنا ووحدتنا وصفاء قلوبنا، هذا مثل وهو متعلق بالمسائل الفقهية.

    المسائل الواقعية والشروط اللازمة فيمن يقوم بمعالجتها

    وهذه المسائل المتعلقة بالواقع أقرب إلى الاختلاف من المسائل الفقهية، فالمسائل الفقهية فيها نصوص -أحياناً- وفيها أصولٌ عامة، أما المسائل الواقعية فقد لا يوجد فيها نص يعالج المسألة بذاتها، وقد يدخلها شخص تحت نصٍ، ويدخلها غيره تحت نصٍ آخر، وأكثر هذه المسائل الواقعية تخضع لأبواب السياسات الشرعية، التي تتفاوت فيها الأنظار ويختلف فيها النُظَّار، وتحتاج لمن يعالجها ويعاينها إلى ثلاثة أمور، قد لا تتوفر للكثير ممن يبحثون في هذه الأمور:

    الأمر الأول: العلم بالشرع. فإن الله تعالى قال: وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً [الإسراء:12] وقال: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38] وقال: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:89] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ما تركت أمراً يقربكم من الجنة ويباعدكم عن النار إلا أنبأتكم به} وقال بعض الصحابة: [[ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم طائراً يقلب جناحيه في السماء، إلا بين لنا منه علمًا]] فقد علمهم كل شيء.

    فلا بد أن يكون من يتصدى للمسائل الواقعية الحادثة متدرعاً بالعلم الشرعي، من معرفة الأصول العامة، والنصوص الشرعية، والقواعد الكلية، التي هي كالنور الهادي لمعرفة ما حدث وجدَّ بين الناس.

    الأمر الثاني: المعرفة بالواقع. فأنت تريد أن تحكم على واقع، وكيف تحكم على شيء لا تعرفه؟ أرأيت لو أن شخصاً استفتاك في مسألة، ولو كانت من صغار المسائل، هل كنت تستطيع أن تفتيه في هذه المسألة وأنت لم تتصور سؤاله ولم تعرف الحادثة؟ هبها مسألة في الطلاق، أو في النكاح، أو في الحيض، أو في اللحوم أو في غيرها، لم تكن لتفتيه في ذلك ولو كنت تحفظ القرآن، والحديث، وتعرف الأصول والقواعد؛ إلا بعد أن تتصور الواقعة تصوراً صحيحاً، والفقهاء يقولون: الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، ولهذا في علم الأصول قسَّم العلماء الأحكام إلى قسمين:

    القسم الأول: الأحكام التكليفية: وهي الواجب والمحرم، والمندوب، والمكروه، والمباح.

    والقسم الثاني: الأحكام الوضعية، المتعلقة بأفعال المكلفين، من صحتها أو فسادها أو غير ذلك، وهذا لا يتسنى إلا بمعرفة أحوال الناس وأفعالهم، وإعطائها الحكم الذي تستحقه، فلا بد لمن يتصدى لمسائل الواقع؛ أن يكون عنده معرفةً بالواقع أو الوقائع التي يتكلم عنها.

    القسم الثالث: أن يملك الإنسان سعة العقل والفهم والإدراك. فإن الكثيرين يؤتون من ضعف عقولهم، وضعف مداركهم، وقلة فهمهم، فيطبقون الأشياء على غير مجالاتها، ويحكمون في الأمور بغير حكم الله ورسوله فيها؛ بسبب أنهم لا يملكون القوة في التصور، خاصةً إذا تصورت أننا في هذا الزمان نواجه أحوالاً وأوضاعاً ومسائل وأموراً في غاية التعقيد والتشابك والصعوبة، وهي بحقٍ تعد من النوازل، التي تحتاج -في كثيرٍ من الأحيان- إلى أن يتنادى علماء الأمة وفقهاؤها، إلى مؤتمرات ومجامع ومجتمعات ليتباحثوا ويتناقشوا ثم يخرجوا فيها برأيٍ موحد، أو بآراءٍ متقاربة.

    ولذلك لما جاء التتار مثلاً إلى المسلمين في القرون السابقة، في القرن الخامس والسادس والسابع، جاء التتار ثم أظهروا الإسلام، ووجد معهم أئمة ومؤذنون وقضاة، وكانوا يحملون المصحف، ويقرءون القرآن، ويصلون، ووقع عند الناس لبس عظيم، فكان من الناس من يقول: كيف نقاتلهم وهم مسلمون؟ ومن الناس من يقول: نقاتلهم لأنهم معتدون وبغاة، واختلف الناس في ذلك، حتى بعض العلماء والمنسوبين إلى العلم، إلى أن قام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فأصدر فتواه الشهيرة في أمر التتار، وهي موجودة في مجموع الفتاوى، وأزال اللبس الموجود عند الناس في ذلك، ونبه إلى أنه لا يمكن أن يحيط بمثل هذه المسائل إلا من عرف الشرع وعرف الواقع، ثم أفتى في ذلك بفتواه الشهيرة المعروفة.

    مسائل واقعية اختلف فيها

    وأنت اليوم لو نظرت للواقع، لوجدت مسائل كثيرة حادثة، تكلم فيها الكثيرون بعلم، وتكلم فيها الكثيرون بغير علم، وكانت من أسباب الخلاف.

    ومن أمثلة ذلك: الجهاد الأفغاني، والجماعات القائمة بالجهاد هناك،

    ومثل ثاني: الجهاد والقتال، والدفاع عن النفس في البوسنة والهرسك.

    ومثل ثالث: طبيعة النظرة إلى الأنظمة والحكومات القائمة في العالم الإسلامي، والتي تحكم بغير شريعة الله تعالى، والموقف منها، وحكم الاشتراك فيها، أو الدخول في مجالسها أو برلماناتها أو أجهزتها أو غير ذلك.

    ومثل رابع: حكم المشاركة في المؤسسات القائمة في العالم الإسلامي، والتي يكون فيها منكرات، ويضطر الذي يدخل فيها إلى بعض التنازلات، وإلى السكوت عن بعض المنكرات التي يعلم أنها حرام؛ تحصيلاً لمصلحة أو دفعاً لمفسدة، هل هذا يجوز أو لا يجوز؟

    هذه المسائل أنا لم أعرضها لأقول فيها رأياً؛ ولكنني عرضتها كنماذج للقضايا الخلافية الاجتهادية، التي تحتاج إلى معرفة بالشرع، ومعرفة بطبيعة الواقع التي تتكلم فيه، وإلى سعة في العقل والفهم والإدراك، وهي أيضاً -مع هذا كله- من المسائل الاجتهادية، التي لا يمكن أن تكون سبباً في الفرقة والخلاف والتباعد والولاء والبراء وغير ذلك.

    فالمسائل الاجتهادية الواقعية؛ ينبغي أن نملك فيها قدراً من التفاهم والنقاش الموضوعي العلمي الهادي، بعيداً عن الحرب التي يشنها أحدنا على الآخر، أو الولاء والبراء في مثل هذه المسائل.

    وفي المسائل الدعوية. فمع الاتفاق على أن الدعوة إلى الله واجبة وعلى أهميتها، إلا أننا نجد اختلافاً واسعاً بين الدعاة من أهل العقيدة الواحدة، ومن أهل المنهج الواحد، في مسائل كثيرة جداً.

    فمثلاً: الجماعات العاملة للإسلام، والتفضيل بين هذه الجماعات أو الانتماء إليها.

    مثل ثان: وسائل الدعوة إلى الله تعالى، هل هذه المسائل توقيفية، لا يجوز لنا أن نستخدم وسيلة إلا أن تكون قد استخدمت قبلنا، استخدمها الرسل وأذنوا بها عليهم الصلاة والسلام؟ أم أن وسائل الدعوة اجتهادية، ومن حقنا أن نستخدم كل وسيلةٍ مفيدة، ما لم تكن محرمة علينا بنصٍ شرعي؟

    مثل ثالث: الأولويات في الدعوة إلى الله تعالى، بماذا نبدأ بالدعوة؟ إلى غير ذلك.

    هذه وتلك وما قبلها؛ أمثلة لمسائل من الأمور التي يثور فيها الخلاف بين المسلمين، بل بين طلبة العلم والدعاة إلى الله تعالى، وهي من أكثر الأشياء تفريقاً للصفوف وتمزيقاً لوحدتها.

    الآثار المترتبة على الخلاف في المسائل الدعوية السابقة

    وقد ترتب على إثارة هذه المسائل وغيرها؛ آثارٌ خطيرة لا بد من الإشارة إليها، هذه الآثار تقع بيننا شئنا أم أبينا، وباختصار أقول لكم من هذه الآثار:

    أولاً: فساد القلوب:

    إن القلوب إذا تنافر ودها      مثل الزجاجة كسرها لا يجبر

    فالقلوب قد تغيرت ولم تعد على ما كانت عليه، ودخلها التباغض والشحناء والكراهية وسوء الظن وغير ذلك من الأمراض، وأصبح من العسير أن أتعامل مع أخي فلان دون حساسية، أو دون أن أحمل في قلبي شيئاً من الكراهية، أو البغضاء عليه.

    ثانياً: ضياع الأوقات في القيل والقال، والكلام في فلان وعلان، وهذه الجماعة أو تلك، وربما أصبحت -عند الكثيرين- تشغل من الوقت أكثر مما ينشغل الإنسان بقراءة القرآن، أو تعلم السنة، أو العبادة، أو الدعوة إلى الله، أو غير ذلك من الأعمال، وأنت ترى أن الناس اليوم إذا رأوا في الشارع اثنين يتخاصمان التفوا حولهم واجتمعوا، وإذا رأوا سيارتين اصطدمت إحداها بالأخرى؛ تجمع الناس وتجمهروا، لينظروا من أخطأ ومن أصاب، وهذا يتحمل (50%) وذاك يتحمل (60%) فمن طبيعة الناس إذا لم يوجهوا ويعلموا ويرشدوا، أن يهتموا كثيرًا بأسباب الخلاف والفرقة، ويدندنوا حولها، ويركضوا وراءها، ويغفلوا عن الأمور الجليلة المهمة.

    ثالثاً: ضياع الجهود وتناقضها، وتدمير بعضها البعض فأنا اليوم -مثلاً- أكتب ورقة أحط فيها من قدر فلان وأتكلم عنه، وربما اتهمته بما هو منه براء، وربما رددت عليه بالحق أو بالباطل، وأنشر هذه الورقة بالآلاف بين الناس، وكل همي أن يعلم الناس أن فلاناً مخطئ غير مصيب، ففلان هذا يرى في نشر هذه الورقة ظلماً له، واعتداءً عليه، وهضماً لحقه، فيقوم ويبذل جهوداً كبيرة في مصادرة هذه الورقة ومحاربتها، وفي النهاية لم أستطع أنا أن أوصل ما أريد إلى الناس، وأصبح جهدي يضيعه هذا، وأصبحت أنا أستنـزف منه جهداً كبيراً في مقاومة ما أعمل، فلا أنا الذي انتفعت ولا هو، وصار الناس لا يدرون أين يكون الحق!

    رابعاً: تنفير الناس من الدعوة إلى الله وأهلها، وانحراف بعض الناس بسبب الخصومة والصراع حولهم، فكل إنسان يجره إلى مذهبه أو طريقته أو طائفته، وربما كان من نتائج ذلك؛ أن ينحرف ويترك الخير، وآخرون عزفوا عن الدعوة وعن التعليم؛ لأنهم يقولون: إذا كان فلانٌ -وهو من هو في العلم أو الدعوة أو الجهاد- عنده مثل هذه الأشياء، ويتهم بمثل هذه الأمور، فما هو الظن بنا ونحن لا نظن يوماً من الأيام أن نصل إلى منـزلته ودرجته ومرتبته، إذاً فمن الأولى لنا أن ننـزل من أول السِلََّم، وألا نشتغل بهذه الأمور ولا نسلك هذا الطريق، فأصبحنا نصد -أحياناً- عن دين الله تعالى ودعوته وطريقته، من حيث نشعر أو لا نشعر.

    خامساً: أننا أعرضنا عن العمل الجاد المثمر، أعرضنا عن العلم النافع، ولم نعد نملك الجلد فيه، وأعرضنا عن العبادة الصحيحة التي فيها صفاءُ القلب، والقرب من الله تعالى، وهي من أسباب دخول الجنة، وأعرضنا عن الدعوة الصادقة للمجتمعات، والقدرة على اختراق المجتمع والتأثير فيه، والوصول إلى طبقاته، إلى الرجال والنساء والشباب، وإلى المنحرفين والتجار والمسئولين، لماذا؟ لأننا انشغلنا عن ذلك كله بالقيل والقال.

    1.   

    عشرون نصيحة

    إن ما سوف أقوله لكم الآن هو دين أدين الله تعالى به، فأنا لا أكلمكم لأنصر مذهباً على مذهب، ولا طائفةً على أخرى، ولا أدعوكم لشخصٍ على حساب شخص آخر، اللهم إلا أننا ندعوكم إلى شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، إيماناً به، وحباً له، ودعوةً إلى دينه وشريعته، والتزاماً بسنته، وتعلماً لسيرته، وصلاةً وسلاماً عليه صلى الله عليه وسلم صلاةً وتسليماً دائمين إلى يوم الدين، فهو إمام الأئمة، وقدوة الدعاة والعلماء، أما من سواه من الأشخاص؛ فلا ينبغي أن يكونوا متبوعين لنا، أو أن نكون دعاةً لفلانٍ أو علان، إن ما نقوله لكم نقوله نصرة لدين الله تعالى، وإن شاء الله أن الله تعالى لا يعلم من قلوبنا إلا أننا نقول ما نقول رغبةً في جمع كلمة أهل الخير والحق، وتوحيد صفوفهم، وأن يقوموا بعمل جاد ينصرون به دين الله تعالى، ويكون نكاية للكفر والشرك والنفاق وأهلها، هذا كل ما نتمناه ونريده، ونسأل الله تعالى أن يجمعنا جميعاً على الحق.

    إنني أعلم قبل أن أذكر هذه النصائح، أن أهل هذه البلدة المباركة، هم بحمد الله تعالى على أحسن حال، من الوحدة والوفاق والانسجام، والبعد عن أسباب الفرقة والخلاف، ولكنني لا أتحدث معكم إلا لأمرين:

    أولاً: أن ذلك تحذيراً من سلوك سبيل التفرق، الذي لم يأل الشيطان جهداً معكم ومع غيركم، والتحذير من الشر قبل وقوعه أولى من التحذير منه بعد وقوعه.

    الإقبال على النفس

    ثانياً: أني لا أخاطبكم في أشخاصكم، ولكني أخاطب كل شابٍ مؤمن، وكل داعية، وكل غيور على دين الله، وكل حريصٍ على نصرة هذا الدين قرب أم بعد.

    بتكميل النفس بمعالي الأمور، علماً وعملاً ودعوةً وعبادة، فإن هذه الأشياء فيها شغل أي شغلٌ، الإقبال على النفس باستخدام العقل الذي أعطاك الله تعالى، وألا تعير عقلك غيرك، قال الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا [سبأ:46] لا تجعل عقلك تبعاً لقولي أو رأيي أو شخصي أو قناعتي، ولا لفلانٍ أو علان، بل هذا العقل الجوهرة النفيسة التي أعطاك الله، استخدمها واعرض ما أقوله لك أنا أو غيري على هذا العقل؛ لتعرف بنور العقل المنور بالشرع -أيضًا- تعرف الحق من الباطل، والخطأ من الصواب، والنافع من الضار.

    والإقبال على النفس -أيضًا- بتنقصها وازدرائها وعتابها.

    لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها      لنفسي من نفسي عن الناس شاغل

    فإن الكثيرين ينطلقون في انتقاص غيرهم ونقد غيرهم؛ من منطلق الإحساس بالكمال الموهوم، أو الإحساس بالفوقية اللاشعورية، فبذلك يزدري غيره، فلو أقبل على نفسه، ورأى ما فيها من النقائص والجهالات والعيوب والظلم والأمراض الخفية؛ لرأى أن له شغلاً بنفسه عن غيره، وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس:

    أقبل على الروح فاستكمل فضائلها     فأنت بالروح لا بالجسم إنسان<

    الحرص على تأليف القلوب

    ندعو

    والخلاف قائم شئنا أم أبينا، وستقوم الساعة والمسلمون مختلفون فيما بينهم في مسائل تقل أو تكثر، وإذا كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم اختلفوا في مسائل فقهية، واختلفوا في مسائل اجتهادية، واختلفوا في مسائل دعوية وجهادية؛ فغيرهم أولى وأحرى بالاختلاف، وإذا كان الخلاف قائماً ولا بد، فليكن تأليف القلوب هدفاً يتنازل الإنسان من أجله عن بعض المصالح المؤكدة، لأنه تنازل من أجل ما هو أعظم وآكد من هذه المصالح.

    ألم ترَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلى وتنازل عن هدف كان يتمناه ويحبه، وهو بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، كما في حديث عائشة المتفق عليه. تنازل عن هذا من أجل تأليف قلوب الناس، وعلَّل ترك هذا بقوله: {لولا أن قومك -أي: عائشة- حديثوا عهدٍ بجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم}.

    ألم ترَ أن النبي صلى الله عليه وسلم، علل عدم قتل المنافقين الموجودين في الصف المسلم، والذين كان لهم دور خطير في إشاعة الفتنة بين المسلمين، اعتذر عن قتلهم بقوله -كما في حديث جابر المتفق عليه-: {لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه} فعمل صلى الله عليه وسلم على تأليف القلوب وجمعها، ولو أدى ذلك إلى التنازل عن بعض الأشياء التي نعتقد أنها حق وصواب وخير، وأن فيها مصلحة، فإن مصلحة جمع الكلمة وتأليف القلوب وتوحيد الصف؛ من أعظم المصالح التي أمر الله تعالى بها ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    إننا -أحياناً ومن حيث لا نشعر- نلقي حطباً على نار الاختلاف والفرقة، وكأن العمل على وحدة المسلمين ذنب لا ينبغي أن نطالب به ولا أن ندعو إليه؛ أو على الأقل كأن وحدة المسلمين ليست مطلباً شرعياً، ينبغي أن يكون أمراً يتحرك في قلوبنا، ويسري في دمائنا وعروقنا.

    حسن الخلق والدفع بالتي هي أحسن

    قال الله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35] فكن من الذين صبروا، ومن أهل الحظ العظيم بحسن الخلق والدفع بالتي هي أحسن.

    إن الكثيرين من أهل الخصومات والعداوات والمواقف، ربما انطلقوا في البداية من تصرفٍ قاسٍ، أو كلمة شديدة من فلانٍ أو علان، فكرهوه وأبغضوه، ثم بدأ هذا البغض وهذه الكراهية تتحول أو تتفلسف في مواقف فكرية، ومخالفاتٍ منهجية وغير ذلك، فبعضهم إذا رآك فهششت له وبششت وتلطفت واستخدمت معه الواجب الشرعي في حسن الخلق، استخرجت ما في قلبه، وقلمت أظفار ضغنه كما قال الشاعر:

    وذي رحمٍ قلمت أظفار ضغنه بحلمي عنه وهو ليس له حلم

    فلا بد أن تطيع الله تعالى في هؤلاء، قال الله -تعالى- لرسوله صلى الله عليه وسلم: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي أنقذهم الله تعالى به من النار، وهداهم به من الضلال، وبصرهم به من العمى، وجمعهم به بعد الفرقة، ومع ذلك قال: وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] أي: قاسي الخُلق، سيء المعاملة؛ لانفضوا من حولك وتركوك، فما بالك بغيره من الناس، حتى ولو كانوا دعاةً، ومصلحين، وعلماء، وطلبة علم، وقادة وغير ذلك، لو كانوا أصحاب غِلظة في المعاملة، وقسوة في الأقوال والأفعال؛ لانفض الناس من حولهم، فلنعمل على جمع كلمة المسلمين وتأليف قلوبهم، بحسن الخلق والتلطف، والدفع بالتي هي أحسن، ومن عصى الله تعالى فيك فإياك أن تعصي الله تعالى فيه، بل قل: لا أجد فيمن عصى الله تعالى فيَّ إلا أن أطيع الله تعالى فيه، فإن أساء الظن بي أحسنت به الظن، وإن جهل عليَّ حلمت عليه، وإن ظلمني عدلت معه، وإن هجرني سلمت عليه، وابتسمت في وجهه:

    وإن الذي بيني وبين بني أبي      وبين بني عمي لمختلفٌ جدا

    فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

    ولا أحمل الحقد القديم عليهمُ     وليس زعيم القوم من يحمل الحقدا<

    محبة الخير للآخرين

    ويكون ذلك بالحرص على كمالهم وهدايتهم، والحرص على أن يقبلوا مني النصيحة التي أقدمها لهم، فأنا لا أنطلق من منطلق التنقص لهم، ولا من منطلق الحطَّ من قدرهم، ولا أقصد بما أقول إسقاط فلان أو علان، أو إزالته عن مكانته، بل أريد أن أؤيده وأساعده وأنصره وأقف معه، وأفرح لفرحه وأحزن لحزنه، ومع ذلك إذا قدمت له النصيحة فهي النصيحة التي أتوج بها كماله، ولهذا قال الله تعالى في الآية السابقة: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ [آل عمران:159] فالعفو عن أخطائهم والاستغفار لهم هو طلب الكمال لهم، والحرص على بلوغهم هذه الدرجات العليا.

    إن الحريص على انتشار الخير الذي يملكه هو ويريد أن يوصله إلى الناس، لا يستنفر مشاعر الآخرين ليردوا ما عنده إن كان عاقلاً، بل يحرص أن يتسلل إلى قلوبهم بأفضل الوسائل، وما أريد بيانه أن أقول لك: ليس شرطاً أن أُشعر زيداً من الناس في البداية، أنك يا زيد قد أخطأت وتعديت، وقلت وفعلت، ويجب عليك، ويجب عليك؛ لأن هذا الأسلوب التعليمي المباشر قد لا يقبله الكثيرون، ومن الصعب عليهم أن يعترفوا بأنهم أخطئوا، وقد لا يكون الخطأ خطأً محضاً، وقد يكون بتأويل، أو باجتهاد، أو بعضه صواباً، وقد يكون صواباً وأنت المخطئ لأنك لست معصوماً، ولست الناطق الرسمي باسم القرآن والسنة، فانتبه لهذا.

    وبناءً عليه لا يلزم أن تشعره في البداية أنه أخطأ، بل أعرض عليه بالأسلوب الهين اللين الناصح، الذي لا يشعر معه بأي لونٍ تمارسه أنت، من ألوان التسلط أو الأستاذية أو الاستعلاء أو الاتهام، بمعنى أنني حين أدعوك أحرص على ألاَّ أثير مشاعر الرفض في قلبك، بل أحرص على أن يتسلل الكلام إلى قلبك، دون شعور منك بأنني أعطيتك شيئاً جديداً، لماذا؟ لأنني لست أهدف إلى أن تشكرني وتذكرني، ولا أهدف إلى أن أقول: أنا أعرف وأنت لا تعرف، وأنا على صوابٍ وأنت على خطأ، هدفي أن يوجد هذا الخير والحق، ولهذا كان الإمام المتجرد الشافعي رضي الله عنه يقول: والله لوددت أن هذا الخلق تعلموا العلم وأنه لم ينسب إليَّ منه حرف.

    تجنب الاستبداد في القول والعمل والعلم والدعوة

    إن الاستبداد بالرأي، والفردية والاستئثار بالقرار، يثير مشاعر الآخرين، ويحرك في نفوسهم رغبة البحث عن خطأٍ موجود عندك أو زللْ، أما إذا كانوا شركاء معك في الرأي وأهل شورى، فإن المحذور يزول حينئذ، فإذا مكنك الله تعالى من عمل، أو مكنك من دعوة، أو جعل بيدك مقاليد مؤسسةٍ من المؤسسات، أو فوض إليك بقدرته ورحمته خيراً من الخير، فلتكن هذه الأشياء التي تملكها أنت تحت تصرف الجميع، وليشعر الكل بأن هذه مكسب لهم جميعاً، وليست مكسباً لشخص، ولا لجهة معينة أو طائفة خاصة، فهذا العمل الذي أملكه هو ملك لكم جميعاً، فشاركوا فيه واستفيدوا منه، وأنا لا أفرض عليكم فيه شيئاً أبداً، فنحن شركاء في هذه الدعوة وفي هذا العمل.

    وإذا كنا نرى أن الاستبداد السياسي الذي يعصف بالعالم الإسلامي؛ من أهم أسباب الانشطار والتمزق في المجتمعات، فإننا نعلم أن الاستبداد الدعوي هو من أهم أسباب التمزق داخل الصف الإسلامي.

    العناية بالجوانب الإيجابية لا بالجوانب السلبية

    إن كثرة التركيز على النقائص والعيوب، حتى لو كانت النقائص والعيوب موجودة فعلاً، ليس من المروءة في شيء، فكونك دائماً تنظر نظرة التنقص، وتنظر بالعين التي تبحث عن العيوب، هذه ليست من المروءة في شيء.

    فمثلاً: كوني دائماً أركز على جانب أخطاء الناس، فكل درس أو محاضرة أو مجلس لي؛ عنايتي فيه أن الناس أخطأوا في كذا وكذا، هذا لا ينبغي فإن من الممكن أن أذكر أخطاء الناس، لكن أذكرها ضمن غيرها، فمثلاً إذا تكلمت عن أمر من أمور الشرع، أصَّلْتُه وذكرت ما فيه من النصوص، وفضائله وأحكامه، والطريقة الشرعية فيه، وأثنيت عن بعض الإيجابيات الموجودة عند الناس، ثم بعد ذلك أذكر بعض العيوب والأخطاء الموجودة في العمل أو في التطبيق، لأن هذا أدعى للقبول، وأحرى بالتأثير.

    مثال ثانٍ: انتقاد الآخرين، وأن يكون دأبي وديدني في مجالسي وأسفاري ودروسي وقيامي وجلوسي، ومحاضراتي هو نقد فلان وعلان، وهذا أخطأ، وهذا زاد وهذا نقص، وهذا قال وهذا لم يقل، وهذا ارتفع وهذا انخفض، حتى لو فرض أنه بالحق؛ لما كان هذا سائغاً، فليس من الأسلوب أن أربِّي لى معرفة أهل البدع، ومعرفة البدع والرد عليها، بل الأسلوب أن أربي الناس على السنة، ومعرفة السنة وأهل السنة وتعظيمها، أما الكلام عن البدع وأهلها فيأتي تبعاً، ويشكل جزءاً أو محدداً من جهدي وعملي ونشاطي.

    مثالٌ ثالث: النصيحة. كونك دائماً تركز على النصيحة، فكلما لقيتني قدمت لي نصيحة، أنا أشكرك على نصيحتك، وأدعو لك بظهر الغيب أنك نصحتني، ولكن هل تعتقد أن كل النفوس تتحمل كثرة النصح؟ ثم ما هو السر في كون النصح دائماً وأبداً يأتي منك دون غيرك، وأنك لا تجيد إلا أسلوب الملاحظة؟ هي نصيحة. ولكنها على شكل ملاحظة، فكثرة الملاحظات قد يوجد من أولي العزم وأولي الإيمان والصبر من يتحملها ويفرح بها ولكن ليس كل الناس من هذا القبيل، ولا كل الناس بهذا المعيار.

    وعلى كل حال ربما يلاحظ أن كونك دائماً وأبداً تقدم الملاحظات بعد الملاحظات، فأنت اليوم تقدم لي ملاحظة على محاضرتي، وغداً تقدم لي ملاحظة على شخصيتي، وبعد غدٍ تقدم لي ملاحظة على أسرتي، وبعده تقدم لي ملاحظة على أسلوبي وهكذا، هذا دليل على أن عندك قوة لملاحظة العيوب، وأنك قد صرفت وركزت نظرك إليها، فأنا أدعوك على أن تنظر بعينين، عينٌ تدرك المحاسن وعينٌ تلاحظ العيوب، حتى يكون لديك اعتدال وتوسط في ذلك.

    وأنت لو لاحظت منهج الرسول صلى الله عليه وسلم وهو القدوة والأسوة؛ لوجدت أنه تكلم في المناقب كثيراً، فأثنى على قبائل وبلاد وأمم وأشخاص كثيرين جداً، حتى إن ثناءه عليه الصلاة والسلام على هؤلاء، يجمع في مجلدات، {أبو بكر وعمر هما السمع والبصر} {أبو قتادة خير فرساننا} و{سلمة بن الأكوع خير رَجَالنا} و{عثمان تستحي منه الملائكة} و{علي يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله} وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن سلام.

    وأثنى صلى الله عليه وسلم على قبائل قريش، وعلى الأنصار، وعلى المهاجرين، حتى على أهل فارس حيث قال: {لو كان الإيمان بالثريا، لناله رجال من هؤلاء} فتجد ثناء الرسول صلى الله عليه وسلم كثيراً، لأن هذا الثناء أسلوبٌ تربويٌ مؤثرٌ وقوي، يثير كوامن الخير في نفس الإنسان، وفي نفس المجموعة، وفي نفس القبيلة، إذا كان ثناءً معتدلاً، ليس فيه مجاملة ولا تزلف ولا مبالغة ولا خروج على حدود الاعتدال.

    أما المثالب فإنك تجد النبي صلى الله عليه وسلم كان يقتصد في ذكرها، وهي أحاديث ليست بالكثيرة، مثلاً: استأذن عليه رجل فقال: {ائذنوا له بئس أخو العشيرة، ثم قال صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: إن من شر الناس، من ودعه الناس اتقاء فحشه} فذكر هذا الرجل بغير المناقب، بل ببعض المثالب الموجودة فيه، إلى أشخاص آخرين، ولم يكن هذا هو الأصل والقاعدة، وإنما كان هذا استثناءً في سيرته صلى الله عليه وسلم.

    فالنظر للجوانب المظلمة دائماً، في أعمال الناس، في الأشخاص، في الأعمال الخيرية، الأعمال الدعوية، الأعمال الجهادية، الجماعات، الكتب، كل هذا ليس من المروءة في شيء.

    الاعتراف بإنجازات الآخرين والإشادة بها

    الكثيرون قد يعترفون بالإنجازات على سبيل التمهيد لما بعدها، فمثلاً دعني أقول لك: إنني حين آتي لأنتقدك، أقول: صحيح أنك طالب علم وأنك عالم، ومن الواضح أنني حين أقول هذا الكلام، أمهد به لأقول لك: ولكن ثم أبدأ بعد ذلك وأقلب عليك أو أقلب لك ظهر المجن، فأصبح واضحاً أن تلك المقدمة المختصرة التي اعترفت لك فيها ببعض الأشياء، لم تكن أكثر من مدخل لأقول لك بعد ذلك ولكن، ثم أنثني عليك فلا أدع لك حسنةً إلا أتيت عليها، مثل إنسان يقول: صحيح أنَّ فلاناً يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيم الصلاة، ولكن شهادته أن لا إله إلا الله، لا تتعدى أنه يؤمن بربوبية الله ولا يؤمن بألوهيته، وشهادته أن محمداً رسول الله لم يتبعها عملٌ ولا تطبيق، وإقامته للصلاة هي من باب الرياء والنفاق، فلو كان ما يقوله هذا الإنسان عن ذاك صحيحاً لما كان لشهادته معنى، لأن شهادة أن لا إله إلا الله لا تعني الاعتراف بربوبية الله -تعالى- فحسب، فهذا الأمر يعترف به حتى المشركون، وإنما تعني الاعتراف بالربوبية أولاً، وتعني الاعتراف بالألوهية ثانياً، وأن الله وحده هو المستحق للعبادة دون غيره، ثم تعني -أيضاً- الاعتراف لله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله.

    فينبغي أن أعترف بإنجازات الآخرين، أفراداً كانوا أو جماعات أو أمماً أو طوائف، أعترف بإنجازاتهم أصالةً، وأتحدث عنها بشيءٍ من التفصيل والإفاضة والصدق والموضوعية، ويكون القصد من هذا الحديث من باب معرفة الخير لأهله، ومن باب إزالة الشكوك والظنون والأوهام، ومن باب تأليف القلوب، ومن باب تربية النفوس على معرفة الحق والثناء على أهله، ومن باب العرفان بفضائل أهل الفضائل، وهذا من الدين ومن المروءة. فلا بد من الاعتراف بإنجازات فلان، وإنجازات الفئة أو الطائفة الفلانية.

    لا تجعل من الأشخاص أو الجماعات أوالمصطلحات، منطلقاً للحديث والدعوة

    فليذهب الأشخاص أياً كانوا، ولتذهب الرايات واللافتات والأسماء، وليبق دين الله وشريعته، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فالأشخاص والجماعات والأعمال والكتب؛ ما هي إلا وسائل لنصرة دين الله عز وجل، فلماذا نختلف نحن حول فلان وفلان، مع أننا نتفق جميعاً على أصل الشريعة والدين والسنة؟ ولماذا نختلف على المصطلح الفلاني، مع أننا قد نتفق على مضمون هذا المصطلح أحياناً؟ ولماذا نختلف حول هذه الجماعة أو تلك، مع أننا متفقون على أمر الدعوة إلى الله تعالى؟

    قال لي قائل يوماً من الأيام: فلانٌ يتكلم فيك، فقلت له: ماذا يكون إذا تكلم فلانٌ في؟ أنا أعلم أن محبتي ليست من الضروريات، ولا من الأمور التي أدعو الناس إليها، فإنسان اجتهد وتأول فكرهني لأمر رآه عليَّ، قد لا يضيره ذلك، وقد يستطيع هذا الإنسان أن يقوم بعملٍ للدين عظيم وكبير، يرفعه الله تعالى به عند الأولين والآخرين، حتى لو كان يسيء الظن بي وبغيري من الدعاة، أو طلبة العلم، وقد يكون هذا الإنسان صادقاً ديِّناً غيوراً صالحاً، فيجعله الله تعالى يوم القيامة من أهل الفردوس الأعلى حتى لو كان يسيء الظن بي أو بفلان، وسوء الظن بي إن كان صواباً فهو عمل مشكور، وإن كان خطأً فربما يكون من الاجتهاد أو الخطأ المغفور، وأنا أسامحه عن ذلك، وليس لدي استعداد ولا أوافق على أن أجعل من شخصي -مثلاً- أو شخص زيدٍ من الناس، معركة تثور من أجل فلان أو علان، ليس لدي استعداد أن أسمع ماذا قال، ولا أن أرد على ما قال! فقال لي هذا المتحدث: ولكن هناك من الناس من اغتروا به، قلت له: كم عدد الذين اغتروا بهذا المتحدث؟ قال: كثير ربما خمسين أو مائة قلت: طيب هذا الاغترار أهو أخطر، أم اغترار الذين اغتروا بـالخميني مثلاً يوم رفع عقيرته في الدعوة إلى مذهبه وطريقته؟ قال: لا، بل الاغترار بـالخميني أعظم وأصعب، قلت: الذين اغتروا بـالخميني أكثر أم الذين اغتروا بكلام هذا الإنسان، قال: لا، بل الذين اغتروا بذاك الداعية الرافضي أكثر عدداً وعدة. قلت له: لقد عجزنا عن دفع اغترار الكثيرين من الناس بأهل الكفر أحياناً، فهناك من اغتروا بـالنصارى واليهود، وعجزنا عن دفع اغترار الكثيرين من الناس بأهل البدعة الظاهرة المعلنة، وعجزنا عن دفع اغترار الكثيرين من الناس بالمنافقين الذين يتسترون بالإسلام، فلماذا نركز جهدنا وهمنا في دفع اغترار خمسين أو مائة بشخص، وهو اغترار لا يضر إن شاء الله تعالى في دنيا ولا دين؟ فلماذا تريد أن تثير معركةً حول شخصي، أو شخصِ فلانٍ أو علان؟ نحن نرى أن دين الله تعالى أعظم من الأشخاص وأعظم من الجماعات، وينبغي أن يكون الأشخاص والجماعات كلهم فداءً لدين الله تعالى.

    العدل والتوسط والإنصاف

    ولا بد من العدل في الأقوال والأحكام كلها، فإن الأعمال البشرية لا تخلو من نقص مهما سعت إلى الكمال، ولكنها أيضًا لا تخلو من خيرٍ وصواب مهما وجد فيها من النقص، مما نعنيه بالأعمال البشرية، الجماعات الإسلامية مثلاً، فوجود الجماعات وتكوينها وقياداتها وأعمالها، هذا عملٌ بشري، والنشاطات الجهادية، سواء في أفغانستان، أو الفلبين، أو البوسنة والهرسك، أو السودان، أو أي بلد إسلامي آخر، والنشاطات العلمية، الدروس والمحاضرات والكتب والحوارات، والمناظرات والدورات، إلى غير ذلك، كل هذه لا تخلو من نقائص، فينبغي أن ينظر إليها الإنسان بعين العدل والإنصاف، لا بعين البحث عن أخطاءٍ أو زلات، ولا بعين الذي يفترض لها الكمال المطلق، ولا يقبل فيها أي قدر من النقص.

    تصحيح النيات والمقاصد

    ليس الهدف هو إسقاط هذا الشخص أو تلك الجماعة؛ من أجل أن نحل محلها، أو نثبت زيغها أو زيفها، وهب أنني نجحت في إسقاط فلان وفلان، فمن للناس ومن للمسلمين؟ إذا أنت أسقطتني وأنا أسقطتك، وأنت نجحت في تشويه صورتي وأنا نجحت في تشويه صورتك، من للمسلمين؟

    من للشباب؟

    من للدعوة؟

    من للمساجد؟

    من للمنابر؟

    من للكتب؟

    فلنتق الله تعالى في دينه عز وجل.

    وقفت على كتاب يتكلم عن تناقضات أحد المؤلفين، فوجدته يذكر أن هذا المؤلف تناقض بمائة أو ألف، أو بأكثر من ذلك من التناقضات العلمية، فقلت في نفسي: لا بأس! من حق الإنسان أن ينتقد غيره، فوجدت أنه يعلق عقب كل موقفٍ يذكر فيه تناقضاً لهذا العالم أو المحدث، ويفرغ بعض ما في قلبه من الحقد، فأنا أقبل منك -مثلاً- أن تقول: إن فلاناً تناقض، فصحح الحديث في موضع وضعفه في موضعٍ آخر، أو حسنه في موضع وحكم عليه بأنه موضوع في مكانٍ ثانٍ، أقبل منك ذلك؛ لأنك يمكن أن تثبته لي بالأرقام والصفحات، لكن لماذا تعلق على هذا بعد كل مرة، بأن هذا دليل على جهله، وهذا دليل على عدم فقهه، وهذا دليل على عدم معرفته باللغة، وهذا دليلٌ على أنه يُخدم في هذه الأعمال، لماذا تنفث أحقادك من خلال هذه الأشياء العلمية؟ ولماذا لم تجعل عملك علمياً محضاً حيادياً بعيداً عن العواطف؟ ودع القراء هم الذين يحكمون ويقولون الكلام الذي تريد، أو يقولون ضده ويلتمسون العذر لهذا الإنسان، ففرقٌ بين من ينتقد نقداً علمياً موضوعياً، وبين من نيته وقصده إسقاط هذا العلم، أو هذا الشيخ، أو هذا الداعية، أو هذا الإمام.

    الاختلاف لا يعكر الأخوة وروابط الولاء

    فأمامنا القرآن الكريم، الذي يُجمع المسلمون على أنه نصٌ قطعي الثبوت، ومن شك أو تردد في حرف منه كفر، وأمامنا السنة النبوية الصحيحة، وهي كثيرةٌ جداً وتغطي مساحةً واسعة من أعمال الحياة العلمية والدعوية والجهادية والسياسية وغيرها، وأمامنا إجماع علماء الأمة، الأمة التي عصمها الله أن تجتمع على ضلالة، فهذه الأصول الثلاثة تشكل المنهج الكلي الذي يجب أن نتفق عليه، ولا نقبل له خرقاً بحالٍ من الأحوال، ولا يعني هذا أن ما سوى ذلك من حق أي إنسان أن يتكلم فيه، أو يخرج عنه، وأن الناس فيما دون ذلك سواء؛ لكن يعني أنه لا داعي للتفرقة والتنازع والحرب، وأن نقيم راية الولاء والبراء والحب والبغض، على مسائل ليس فيها نصٌ ولا إجماع، وإنما هي آراءٌ واجتهادات، هي صوابٌ يحتمل الخطأ أو هي خطأٌ يحتمل الصواب.

    العناية بالمطالب الشرعية

    ولا بد من العناية بالمطالب الشرعية المتمثلة في المعروف الذي أمر الله به ورسوله، وفي المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله، بماذا أمر القرآن؟ أمر بالبر، والتقوى، والإحسان، والإسلام، والإيمان، والعلم، والصلاح، والخير، والعمل الصالح، والعلم النافع، والعبادة، وصلة الرحم، والإقساط، وكل هذه الأمور من جلائل الأعمال التي ينبغي أن نوجه نفوسنا وغيرنا من المدعوين إليها، ومثل ذلك الحديث النبوي، وعن ماذا نهى القرآن؟

    نهى عن الكفر والنفاق والشرك والعدوان والقطيعة، وغير ذلك من المفاسد التي ينبغي أن نشغل أنفسنا وغيرنا بتعلمها، والنهي عنها ومحاربتها والتحذير منها، ولو تأملنا كم تأخذ هذه الأشياء من وقت الدعاة، لوجدنا أنها لا تأخذ إلا القليل، أما الكثير من الوقت -خاصةً حينما نجتمع- فإننا نصرفه في أمورٍ لا نُسأل عنها يوم القيامة، فلو أننا أقبلنا على تعلم دين الله تعالى أصولاً وفروعاً، عقائداً وأحكاماً، وتعلم العبادة وتطبيقها، وتعلم الأخلاق الفاضلة، من صلة الرحم، والإحسان للجيران، والزملاء، والأقربين والأباعد، وغير ذلك، والدعوة إلى الله تعالى، وأن نصل إلى كل طبقات المجتمع، فنستطيع أن نصل إلى كل الشباب، ونصل إلى التجار، ونصل إلى المرأة، ونصل إلى الأطفال، ونصل إلى جميع الطبقات، ونخاطبها بالدعوة ونؤثر فيها، وأقل ذلك أن نكسب قلوبها وولاءها لدين الله -تعالى- ودعوته؛ لفعلنا خيراً كثيراً، ولو أننا أقبلنا على القراءة والانتفاع ومعرفة ما يجري، والجهاد في سبيل الله -تعالى- ومتابعة أخبار الجهاد، ومناصرة المجاهدين في كل مكان، وأقبلنا على الخطابة، وأقبلنا على التدريس؛ لوجدنا من جراء ذلك خيراً كثيراً، ولم يبق لدينا وقت نصرفه في قيل وقال.

    إن الفراغ من أهم الأسباب التي تجعلنا -أحياناً- ننصرف تلقائياً لتلك الأقوال التي لا نخرج منها بطائل، وأيُّ ثمرةٍ يجنيها شابٌ وهو قد قضى عمره من سن السادسة عشرة إلى الثاني والعشرين، لا يحسن إلا الكلام في فلانٍ وعلان، مع أنه لا يزال غض الإهاب طرياً، لم يملك ناصية العلم والمعرفة، ولا عنده معرفةُ بالأصول، ولا غير ذلك، لأنه شُغل عنه بهذه الأقوال، وشغل ببنيات الطريق:

    فهذا الحق ليس به خفاءُ فدعني من بنيات الطريق

    سعة الأفق

    إن الكثيرين وقعوا ضحية التفكير الضيق، والإطار المحصور بسبب فساد التربية أحياناً، أو بسبب طبيعة التكوين والمواهب، فالكثيرون لا يرون إلا ما هو أمام أعينهم، واهتماماتهم في الغالب اهتماماتٌ صغيرة ومحدودة ومحصورة، لقد استحوذت مشكلةٌ خاصة محصورة صغيرة على تفكيري، وملأت في عقلي، ولسبب أنني لم أنشغل بما هو أهم منها، بل ربما لم أدرِ بما هو أهم منها.

    فمثلاً: إنسان جاره فقير، لا يجد ألوان الأطعمة والمأكولات، فتجد أن هذا الإنسان يتصور أن مشكلات الدنيا انحصرت في هذا الجار الفقير، الذي لا يجد ألوان الأطعمة والأغذية والمأكولات، لكن لو تصور هذا الإنسان الآلاف المؤلفة، ممن يموتون جوعاً أو عطشاً أو فقراً، أو لا يجدون الغذاء أو الكساء أو الدواء؛ لتصور مشكلة هذا الجار الفقير في إطارها الطبيعي الصحيح.

    ولذلك تجد أن الأمم في الأزمات الكبرى العامة التي تجتاح الأمة كلها، تتغير فيها التحالفات، وتتفاوت الاهتمامات؛ وذلك لأن صدمة الحدث وقوته غيرت تفكير الكثيرين، وأجبرتهم إجباراً على النظر والتفكير، واقتحمت مجالات ومدارات التأمل لديهم، واضطرتهم إلى تغيير اهتماماتهم، ولكن في أزمنة السلم والهدوء يتكرس عقل البعض كثيراً لما حولهم، وما يرون ويسمعون في محيطهم القريب، دون أن يفتحوا نوافذ العقول إلى سماع ورؤية ومشاهدة الهموم الكبرى التي تعدل اهتماماتهم.

    أرأيت لو أننا -مثلاً- تصورنا التنصير الذي يهدد المسلمين -وقد تكلمت عنه كثيراً بما لا أجد حاجةً لإعادته الآن- فتصورنا خطر التنصير الآن على الأمة الإسلامية، في هذا البلد وفي كل بلد، وتصورنا خطر الصلح الذي يدار اليوم مع اليهود في ما يسمى بإسرائيل، وتابعنا ما يجري في الساحة الإسلامية، سواء في أفغانستان، أو في السودان، أو في البوسنة والهرسك، أو في جميع القضايا الإسلامية، وأمر آخر: لو أننا عرفنا نوع الانحرافات التي تقع من الشباب الموجود في مجتمعنا، ماذا يواجهون، وماذا يفعلون، ما حجم تأثير المخدرات، ما حجم تأثير الأفلام السيئة، وما حجم تأثير البث المباشر! ما حجم تأثير قرناء السوء! لوجدنا أمراً خطيراً.

    لو أننا أدركنا المشكلات التي تعانيها المرأة في مجتمعنا، من الظلم أحياناً، والاعتداء على حقوقها، وبخسها ما أوجب الله تعالى لها، أو هضمها، أو منعها من الميراث، أو جهلها بدينها، أو غير ذلك، إلى عشرات بل مئات بل ألوف الاهتمامات، التي لو وضعها الإنسان كلها أمام نظره، لاعتدل أمامه الميزان فأعطى كل ذي حق حقه.

    ضرورة التناوب في القيام بفروض الكفايات

    إنني أعترف لك اليوم؛ أنه لا أنا ولا أنت نستطيع أن نقوم بالواجبات كلها، فأنا قد أستطيع أن أقوم عنك بواجبٍ واحد من الواجبات الكفائية، وأنت تقوم بواجبٍ آخر، فإذا قمت أنا بعملٍ وأنت قمت بآخر، تم بحمد الله عمل عظيم كبير، وهذا لا يعني أننا اختلفنا في مناهجنا ودعواتنا، بل يكمل بعضنا بعضاً، ويعزز بعضنا بعضاً، فمنا من يهتم بأمر السياسة، وماذا جرى للمسلمين، ويحلل الأحداث، ويكشف مخططات الأعداء، ويبصر الأمة بالخطر الذي يهددها في عقيدتها وفي بلادها وفي ثرواتها في شبابها، إلى غير ذلك. وهذا الإنسان لا نضطره ضرورة أن يبحث في الفقه، وأن يشتغل بالوعظ، وأن يتكلم في أمور العقائد، وأن يحيط بكل قريب وبعيد، فنقول: جزاه الله خيراً وكثر الله خيره، ويكفينا منه أنه سد عنا هذه الثغرة، وكفانا هذا الباب وهذا السبيل.

    وأمامنا إنسانٌ آخر اشتغل بالفقه والتعلم، وثالثٌ اشتغل بالوعظ والإرشاد، ورابعٌ اشتغل بالدعوة، وخامسٌ اشتغل بجمع الأموال والتبرعات، وسابعٌ اشتغل بالجهاد في سبيل الله ومناصرة قضايا المسلمين، وثامنٌ وتاسعٌ وعاشر... ونحن نعتبر أن هذه الأعمال كلها يكمل بعضها بعضاً، ولا يعني أن من اشتغل بشيءٍ لا بد أن يشتغل بكل شيء، وأن من أصبح شيئاً لا بد أن يكون كل شيء، يكفي أنه قام ولو ببعض الواجب.

    مع أنه لابد من قدر مشترك عند الجميع، من معرفة الدين، ومعرفة العلم الشرعي الفرضي الذي هو فرض عين على كل إنسان، والاعتدال والتعقل، والحرص على مبادئ الأخوة الإسلامية، والأمة عبر التاريخ كله كانت تطبق مبدأ التخصص، ففلانٌ فقيه، وفلانٌ محدث، وفلانٌ مجاهد، وفلانٌ سياسي، وفلانٌ حاكم، وهكذا.

    الكلمة الطيبة

    قال الله تعالى: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء:53] والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {الكلمة الطيبة صدقة} فأحياناً صفاء قلبي نحوك يغريني بأن أتساهل في العبارات والألفاظ، وهذا في الواقع غير صحيح، فإن فُرض أن قلبي قد صفا، فربما لا تصفوا قلوب الآخرين، فأجعل هناك كلمةً طيبةً لا يكون فيها مجال للتأويل وسوء الظن، أو دخول الشيطان، والفكرة الواحدة قد تعبر عنها بأكثر من تعبير تقول:

    تقول هذا مجاج النحل تمدحه          وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير

    مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما      والحق قد يعتريه سوء تعبير

    فأنت أحياناً ترى شخصاً مهتماً بالسياسة، ودراسة الأحوال السياسية للمسلمين، بإمكانك أن تقول: جزاه الله خيراً كفانا هذا الباب العظيم، الذي قل من يهتم به، فتكون بذلك قد أثنيت عليه، وإن كنت بينت أنه اهتم بجانبٍ واحد فقط. وأحياناً قد تقول: هذا الإنسان لا هم له إلا الكلام في السياسة، فتكون ضمنت هذه الكلمة شيئاً من معنى التنقص والازدراء للجهد الذي قام به.

    وأحياناً ترى شاباً متحمساً للدعوة، فتقول: هذا الإنسان جزاه الله خير، صحيحٌ أنه متحمس، فهذه الكلمة توحي بأن لك عليه ملاحظات، وأن هناك انتقادات كثيرة، ولو أنك قلت: إن هذا الإنسان ما شاء الله تبارك الله، هذا الشاب إذا رأيت توقده وتحمسه واندفاعه؛ حرك في قلبك كوامن الغيرة لدين الله تعالى، لكان في ذلك قولاً بالتي هي أحسن.

    حسن الظن

    أحسن الظن بإخوانك الآخرين، والتمس لهم سبعين عذراً، فإن لم تجد فقل لعل له عذراً، لا أعرفه، وبالحق والصراحة أقول لكم، وقد جالست الكثيرين من الدعاة وطلبة العلم والشباب: لقد رأيت أننا جميعاً نحتاج إلى حسن الظن، وأحياناً نفسر فعل فلان أو قوله على أنه لا يحتمل إلا أمراً واحداً، ولو أننا أعطينا عقولنا بعض الفرصة والفسحة، لوجدنا أن هذا الفعل أو القول له ألف تفسيرٍ وتفسير، ولكن ضاقت عقولنا عن أن نحسن الظن به.

    التماس العذر

    هب أنه أخطأ فعلاً، وأنه لا مجال لحسن الظن في هذا الخطأ، لماذا لا تلتمس العذر له، ولإخوانك المسلمين؟ وتنظر في الأسباب التي أدت إلى هذا الخطأ، انظر مثلاً إلى المسلمين الذين خرجوا من جحيم الشيوعية، سبعين سنة وهم تحت مطارق الشيوعية، هل تظن أنه بمجرد سقوط الشيوعية سيتحولون إلى علماء وإلى دعاة، وإلى عباد، وإلى أناسٍ اعتقادهم صحيح، وقولهم صحيح، وعملهم صحيح! أبداً، فإذا وجدت إنساناً منهم يشرب باليسار، أو يرتكب معصية أو مخالفة، أو يقصر حتى في الصلاة، قلت: هذا ليس بمسلم! لا، بل هذا مسلم، ولكنه ظل أكثر من سبعين عاماً تحت تسلط الشيوعية، التي فرضت عليه سوراً حديدياً، وحرمت عليه حتى أن يقتني المصحف، فضلاً عن أن يقرأه أو يحفظه أو يتعلمه أو يعمل به أو يدعو إليه، فلا بد أن تضع في اعتبارك الظروف والأسباب والملابسات والخلفيات، التي جرت إلى الوقوع في هذا الخطأ.

    ومما ينبغي أن يقال في مجال التماس العذر، أن العلماء الكبار، والدعاة والمخلصون، والقادة المشهورون، وأهل البلاء في الجهاد والدعوة -على سبيل الخصوص- ينبغي أن يلتمس لهم الأعذار فيما وقعوا فيه بوجهٍ خاص، وقد ألف الإمام ابن تيمية كتاباً سماه "رفع الملام عن الأئمة الأعلام".

    دع الخلق للخلاق تسلم وتؤجر

    لماذا تكون مجالسك كمجالس القصابين والجزارين؟ تتكلم في فلانٍ وفلانٍ، وتعطي الفرصة حتى تتكلم فيهم بالظن، أظن فلاناً كذا، وأخشى أن فلانًا كذا، لماذا لا تربي نفسك، ومن حولك على ألا يكون ثمَّ مجالٌ للكلام في الناس، ولو مت وأنت لم تتكلم فيهم ما ضرك هذا شيئاً، ولو لقيت الله تعالى وأنت لم تلعن فرعون وهو أكفر الخلق في زمانه، ما سألك الله لماذا لم تلعنه بذاته؟

    استحضر أنك في آخر الزمان

    فإن هذا ولا شك من أواخر الزمان، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {بعثت أنا والساعة كهاتين} وكلما تقدم الزمن بالناس، بعُد عهدُهم بالرسالة والنبوة، وقلَّ العلم ورفع العلم ونشر الجهل، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس في الصحيح وغيره، وأصبح الإنسان في حيرةٍ من أمره، وقلَّ الخير وكثر الشر، وقلَّ الإخلاص، وكثرت الفتن، إلى غير ذلك، فينبغي أن تتصور هذه الصورة الكلية، حتى تكون معتدلاً، وتعرف ماذا يجب أن تعمل.

    عليك بالورع والاحتياط

    الورع والاحتياط فيما يتعلق بأمر الناس، أفراداً وجماعات، ولأن تخطئ بحسن الظن؛ خير من أن تخطئ بسوء الظن، ولأن تخطئ بالعفو خيراً من أن تخطئ بالعقوبة.

    جمع كلمة الدعاة وطلبة العلم

    وأخيراً أقول لكم: إننا لن نفلح في جمع كلمة المسلمين؛ ما لم نفلح في جمع كلمة الدعاة وطلبة العلم، ولن نفلح في جمع كلمة الدعاة وطلبة العلم من أهل السنة على أمرٍ سواء، ما لم يكن هذا الهم -همُّ توحيد الأمة، وتوحيد الدعاة، وتوحيد الشباب، وتوحيد الصحوة- ما لم يكن هذا هماً يقلقنا، ويملأ عقولنا، ويجعلنا نتقلب على فرشنا في الليل لا يجد النوم إلى أعيننا سبيلاً، من الأحزان التي نعانيها بسبب التفرق والشتات والاختلاف والتطاحن والتنازع، أما ما دمنا ننام ملء جفوننا ولا نبالي، ولا نقيم وزناً لهذه القضية، ولا تحزننا وتقلقنا وتحرق قلوبنا، فإننا لن نستطيع أن نقوم بهذا العمل.

    أسأل الله جل جلاله، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيءٍ عليم، أن يجمع كلمة المسلمين على الحق إنه على كل شيء قدير.

    1.   

    الأسئلة

    .

    حكم وجود الخادمات الكافرات في الجزيرة العربية

    السؤال: يقول: لا يجتمع في جزيرة العرب دينان، لماذا يوجد عندنا البوذي والهندوسي، ويستقدمون الخادمات البوذيات، وهم أناسٌ متدينون، نرجو التعليق؟

    الجواب: لا شك أن هذا من مخالفة هدي الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هو أيضاً -من وجه آخر- من مناصرة المشركين على المسلمين، لأنه ما من بلد ينتسب إليها هؤلاء إلا وفيها مسلمون مضطهدون، أو فقراء محتاجون، فأولى بك أن تستقدم مسلماً، أولاً: تزيده معرفةً وعلماً بدينه ليرجع داعية عارفاً بصيراً، وثانياً: تنفعه ببعض المال وتنصره على غير المسلمين.

    دور إيران في أفغانستان

    السؤال: نرجو بيان أثر إيران في الوقت الحاضر على الجهاد الأفغاني؟

    الجواب: لـإيران أثرٌ سلبي على الجهاد الأفغاني، ومحاولةٌ قوية للتدخل سواءً عن طريق حزب الوحدة، أو عن طريق دعم المليشيات، أو عن طريق تأجيج نار الخلاف بين المجاهدين الأفغان، وقد نقلت مصادر عدة أن هناك أسلحة كثيرة، بل هناك مجندون مما يسمى بالحرس الثوري الإيراني دخلوا إلى كابل.

    اللجنة الخماسية

    السؤال: كثيرٌ من الشباب يسألون عن اللجنة الخماسية وأهدافها.

    الجواب: اللجنة الخماسية مكونة من مجموعة من أهل العلم، على رأسهم سماحة الشيخ الوالد عبد العزيز بن باز، ومهمة هذه اللجنة الخماسية، هي النظر في الدعاة وطلبة العلم والمشايخ، وذلك أن الدعاة وطلبة العلم والمشايخ كانوا يحالون في الماضي إلى بعض الجهات الأمنية وغيرها، فرأى بعض أهل العلم أن الأولى أن يكون العلماء وطلبة العلم هم الذين يناقشون مثل هذه القضايا باعتبار وجود خلفية مشتركة بين هذين الطرفين.

    أخبار الجهاد الأفغاني

    السؤال: هذا يسأل عن أخبار الجهاد الأفغاني، وما يحدث من فرقة بين الفصائل والمجاهدين؟

    الجواب: نعم هناك فرقة بين فصائل المجاهدين، وبالذات بين الحكومة من جهة، ممثلة بالدرجة الأولى بـالجمعية الإسلامية رباني وأحمد شاه مسعود، ومن طرف آخر الحزب الإسلامي حكمتيار، ولعل دور المليشيات واضحٌ جداً في تأجيج نار الخلاف، لأن هناك نوعٌ من التحالف بين المليشيات، وبين الجمعية الإسلامية، وهناك اختلافٌ في طريقة حل هذه المشكلة، فـحكمتيار يرى أنه لا بد من حلها وحسمها بصورةٍ واضحة، بأن يخرجوا بالقوة إذا لم يخرجوا بالموافقة والطوع والرضا.

    أما الجمعية فترى أن هؤلاء غالبيتهم من الجهال، الذين يمكن تعليمهم والاستفادة منهم، ويمكن إبعاد بعضهم على المدى الطويل، دون أن نضطر إلى مواجهة صريحة ومباشرة معهم، والأمر لا شك يتطلب مزيداً من الجهد والتأمل والنظر والمدارسة.

    والمشكلة أنني أعتقد أنه لا يملك أحد من الطرفين حسم المعركة لصالحه، فلو وجدت المعركة بينهم -وأسأل الله أن لا يكون ذلك- فلا أعتقد أن الحكومة تستطيع أن تحسم الأمر ضد الحزب الإسلامي، ولا الحزب الإسلامي يستطيع أن يحسمه ضد الحكومة، بل ستكون حرب استنـزافية قد يطول أمدها ولا يخرج منها بطائل.

    حضور الشيعة المسجد

    السؤال: يحضر إلى هذا المسجد أحياناً بعض الشيعة لأداء الصلاة، لكن يلاحظ عليهم الآتي: عدم أداء الصلاة مع الإمام، قيامهم ببعض البدع والمخالفات في الشريعة؟

    الجواب: إما أن يلتزموا بالسنة التي أقيمت هذه المساجد عليها، وإما أن يمنعوا من ذلك.

    تفضيل الكفار على المسلمين

    السؤال: ما حكم الذين يفضلون غير المسلمين على المسلمين، حين يقولون: حكمهم أحسن من حكم المسلمين؟

    الجواب: ينبغي أن ينظر ماذا يقصدون، فإن قصدوا تفضيل دين غير المسلمين على دين المسلمين، فلا شك أن هذا كفرٌ وردة، أما إن قصدوا تفضيل شيءٍ معين، فقد يكون مثلاً عمل هذا الإنسان أحسن من عمل هذا، أو قيامه بواجبه أحسن من قيامه بواجبه، أو خبرته أقوى من خبرته، أو حكمه أعدل من حكمه، ومع الأسف هذا قد يقع، والرسول صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: {اذهبوا إلى الحبشة فإن بها ملكاً -أي: النجاشي- لا يُظلم عنده أحد}.

    دعوة اللاجئين وحفظ مكانتهم

    السؤال: توجيه الإخوان العاملين بمعسكر اللاجئين لتعاملهم مع الموجودين فيها، ماذا ترى في ذلك؟

    الجواب: الحقيقة أرى أن عليهم مسؤولية عظيمة وكبيرة جداً.

    أولاً: ينبغي أن ندرك أن هؤلاء مهما كانوا فهم قابلون لقدر من التأثير، فينبغي أن نبذل جهوداً مكثفة للتأثير عليهم، وعلى تفكيرهم وعقولهم وإدراكهم، وأن نتعامل معهم بإنسانية وحفظ لمكانتهم، وأن لا نهينهم أو نذلهم أو نحتقرهم، ومع ذلك أن نحرص على دعوتهم إلى الله تعالى ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.

    فإن منهم ولا شك إذا صدقنا في الدعوة، من سيقبل الدعوة ويكتب الله له الهداية، ويكفيك فخراً حديث: {لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْر النعم}.

    ثانياً: منهم من قد لا يهتدي، ولكن أوجدت عنده -على الأقل- شكاً في النظريات والتصورات والمذاهب والمعتقدات الموجودة لديه، وهذا الشك قد يوجد -ولو بعد سنين- من يزيده حتى يتحول إلى نوعٍ من الهداية.

    ثالثاً: هب أنك لم تفلح في إيجاد شكٍ لديه، على الأقل أنك فتَّرتَ الحماس الموجود عنده لمذهبه.

    المساهمة في البنوك الربوية

    السؤال: على رغم انتشار الفتاوى المبينة لحرمة المساهمة في البنوك الربوية، إلا أن الكثيرين من الناس لم يمتنعوا عن ذلك لشبهٍ باطلة يحتجون بها، فحبذا لو نبهت على ذلك؟

    الجواب: أما المشاركة في البنوك الربوية فلا يجوز أبداً، والربح الذي يكسب من ورائها هو سحت يأكله صاحبه سحتاً، قال الله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275] فالبنوك تتعامل عن طريق الإيداع بفوائد، فتعطيهم ألفاً ويعطونك ألفأً ومائة مثلاً، أو تأخذ منهم سلفةً فتردها لهم بزيادة.

    وهذا هو عين الربا، وقد جاء فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يزيد على سبعة عشر حديثاً، فيجب على كل مؤمنٍ أن لا يُدْخل إلى جيبه درهماً واحداً من حرام، ولا إلى جوفه، أو إلى جوف ولده أو زوجه، وليتق الله تعالى، وقليل من المال الحلال يبارك الله تعالى فيه، خيرٌ من كثيرٍ لا يبارك الله تعالى فيه.

    السودان وتطبيقهم للشريعة

    السؤال: ما هي حقيقة السودان؟ وهل هم حاكمون بالشرع؟

    الجواب: في السودان حكومةٌ تسعى إلى تطبيق الشريعة الإسلامية بجدية إن شاء الله تعالى، وقد كتب الله لها مجموعة من الانتصارات، أولها: الانتصار على النصارى في الجنوب وقد أبهج ذلك كل مسلم غيور.

    الثاني: انتصارها على الفقر، وعلى البنك الدولي الذي يتمنع ويبتز المسلمين، حيث حققوا من معدلات التقدم الاقتصادي، والاستغناء والاكتفاء، حتى أصبحت الدول العربية حتى مصر، وهذه الدولة -أعني دولتنا- تستقدم منهم، وتتعامل معهم بشراء بعض البضائع كالذرة أو السكر أو غيرها، مع أن هذا لم يكن في الماضي، بل إن السودان أرسلت إلى أفغانستان وإلى البوسنة والهرسك ألواناً من المساعدات، وهذا التقدم الاقتصادي أمرٌ عجيب.

    والانتصار الثالث: هو في القضاء على بعض المخالفات والمنكرات، وإقامة ما يسمى بالشرطة الشعبية التي تقوم على إزالة المنكر، وهي أشبه ما تكون بهيآت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    لكن يبقى أن قيام كيان إسلامي متكامل وناضجٌ أمر يتطلب بعض الوقت، ويتطلب مزيداً من الجهود، فكلامنا لا يعني تزكية مطلقة لكل ما يجري في السودان، فإن النقص موجود، وهناك ملاحظاتٌ تحتاج إلى استكمال، ملاحظات إعلامية، ملاحظات في التعامل مع الآخرين وملاحظات في غير ذلك.

    كتب الردود في الساحة

    السؤال: تطرح في الساحة بعض الكتيبات والأشرطة، التي تحمل وجهة نظر معينة، مما يسوغ فيه الاجتهاد لبعض العلماء وطلاب العلم، وقد تكون أحياناً خاطئة، ألا ترى أن ردة الفعل القوية ضد تلك من أسباب الخلاف والفرقة؟

    الجواب: بلى أنا أرى أنه أصلاً لا داعي لردة الفعل، أرى أن مثل هذه الأشياء ينبغي أن ندعها ضربةً في الجدار، وليس في رأس فلانٍ أو علان، فما يضير أن شريطاً خرج ضد فلانٍ أو فلان، أو كتاباً أو غير ذلك، ولماذا نجعل هذا ميداناً للنقاش في مجالسنا وأحاديثنا؟ ونضخم هذا ونشتغل بالرد عليه وما أشبه ذلك.

    الغيبة وخطرها

    السؤال: ما رأيك عما انتشر وعم البلاء به من الغيبة، خاصة وقد ألبست لباساً شرعياً؟

    الجواب: هذه من النصائح التي يجب أن نضيفها فالغيبة هي ذكرك أخاك بما يكره أحياناً نصور الغيبة على أنها ملاحظات، وأحياناً على أنها من الجرح والتعديل، وهل أنت أبو حاتم، أو ابن أبي حاتم وهل أنت أبو زرعة أو يحي بن معين أو أحمد أو البخاري أو النسائي حتى تجعل من نفسك إماماً في الجرح والتعديل، تتكلم في من هم أحسن منك أحياناً، أو أكبر منك سناً، أو أكثر منك علماً، أو أتقى لله، أو أقدم منك، أو على الأقل في نظرائك وأقرانك؟!

    الصحوة خطرٌ على أمريكا

    السؤال: سمعنا مقولةً قبل فترة من كاتبة أمريكية تقول: إن الخطر على أمريكا يأتي من فلان، ثم ذكرت أحد الدعاة، فما هو الخطر الذي يملكه فلان ضد أمريكا؟

    الجواب: ما أدري، أشك أن مثل هذا الكلام يقال، لكن أمريكا قد تعتبر خطراً عليها من الصحوة، ومن رموز الصحوة بشكلٍ عام، ولا شك أن أمريكا تخاف من الإسلام، وهناك كتاب "الفرصة السانحة" خصص فصلاً للخطر الإسلامي، وقد قرأت هذا الكتاب وقرأت ملخصاً له، وهو يؤكد على الخطر الإسلامي، وبعده ظهر كتاب آخر أخطر منه اسمه "الترقب العظيم" خصص فيه فصلاً عنوانه: مارك محمد، بدلاً من ماركس، ونقول محمد صلى الله عليه وسلم.

    فهو يقول: إن الإسلام هو الخطر البديل بعد سقوط الشيوعية، وهناك أخبار عن أن أمريكا بل وروسيا، وجهوا رءوسهم النووية وأسلحتهم صوب بلاد في العالم الإسلامي، وهذا يؤكد أنهم يحسون بجدية الخطر، وأنا أتعجب وأتساءل ماذا تملك بلاد العالم الإسلامي، حتى يقيم الغرب لها هذا الوزن الكبير؟

    وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.