إسلام ويب

صراع الحق والباطلللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصراع بين الحق والباطل حقيقة ماثلة للعيان عبر العصور، وفي عصرنا الحاضر شاعت مقولة بأن عصر الأديان قد ولى، وأن الصراعات القائمة ستكون على ا لماديات والمصالح.. لكن الدلائل تشير إلى غير ذلك خصوصاً بعد سقوط الشيوعية.. حول هذه الدلائل وحول ما ينتظر الامة الإسلامية من العداء وواجبها تجاه ذلك يدور هذا الدرس.

    1.   

    قدم الصراع بين الحق والباطل

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعـد:

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [الحشر:18-19].

    عباد الله! إن تاريخ الحياة البشرية منذ آدم عليه الصلاة والسلام إلى اليوم، هو تاريخ الصراع بين الحق والباطل، ولقد مضى اليوم من عمر البشرية كثير، كما دلت على ذلك النصوص، بل إن هذا العمر قد ذهب معظمه وبقي أقله، قال الله عز وجل: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر:1-2] وقال سبحانه: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [الأنبياء:1] وقال: يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا [الأعراف:187] إلى غير ذلك من النصوص والآيات.

    وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما في الصحيح: {بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى} مشيراً إلى أن بعثته صلى الله عليه وآله وسلم، كانت من علامات قُرب الساعة، ودنو القيامة، وقرب نهاية هذا العالم الدنيوي.

    وإذا أدركت ذلك، ثم التفت إلى الوراء لتقرأ في تاريخ الأمم والشعوب كلها، لوجدت أن معظم هذا التاريخ، لم يكن تاريخ الصراع على المرعى، ولا كان تاريخ الصراع بين القبائل، ولا كان تاريخ العُشاق الذين ذهب الواحد منهم يضرب البحار والفيافي والقفار بحثاً عن معشوقته.... كلاَّ!!

    وإنما كان تاريخ الصراع والحرب بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والإيمان والكفر، والنبوة والشرك، هذا هو التاريخ.

    انتصار الحق واندحار الباطل

    ولم يكن للباطل ظهور ولا انتفاش ولا انتشار ولا امتداد إلا في غيبة الحق؛ فإن أمامنا قاعدة ربانية راسخة، أنه كلما ظهر الحق خنس الباطل واختفى وهرب، قال الله عز وجل: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً [الإسراء:81] وقال تعالى: قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ [سبأ:49].

    ولما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحاً، كان في مكة، بل كان في الكعبة ثلاثمائة وستون نُصباً -صنماً- فكان عليه الصلاة والسلام يطعن هذه الأنصاب والأصنام بعودٍ في يده، فتتهاوى وتتساقط واحداً بعد الآخر، وهو يقول صلى الله عليه وسلم: جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً [الإسراء:81] وقال تعالى: جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ [سبأ:49].

    إن تاريخاً طويلاً من الوثنية في جزيرة العرب ومن الشرك ومن عبادة الأوثان، حين كان العرب يعتبرون الصنم هو إلههم ومعبودهم ومرجعهم ومستشارهم، ومع ذلك هذا التاريخ الطويل العريض كله مسح في غداةٍ واحدة، حينما دخل النبي المصطفى المختار عليه صلوات الله وسلامه مكة فاتحاً، فكان يطعن الأصنام بعود، ما احتاجت إلى شيء آخر، ما احتاجت إلى فأس ولا إلى منجل، وإنما كان يطعنها بعود في يده، فتتهاوى وتتساقط، وكان ذلك إيذاناً بأن بنيان الباطل زائل مهما ضُربت حوله الطبول، ورفعت حوله الأعلام، وجندت له الجنود، فإن بناء الباطل مبنيٌ على شفا جرفٍ هار، فانهار به في نار جهنم.. فمتى ظهر الحق اختفى الباطل، ومتى علت كلمة التوحيد اندحر الشرك، إن كلمة الله تعالى لا يقف في وجهها أحد، وإن دين الله تعالى منصورٌ بقوة الحق الذي يحمله، ومنصورٌ بأن الله تعالى معه، قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128] وقال تعالى: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17].

    1.   

    رجوع البشرية إلى التدين

    لقد خُيل للناس خلال فترة مضت، أن عصر (الإيديولوجيات) كما يقولون قد انتهى، وأن المرحلة الجديدة هي مرحلة تبادل المصالح، أو مرحلة الصراع على الماديات وعلى الدنيويات، وخدعنا العلمانيون كثيراً بمثل هذا الكلام، وكتبوه في الصحف، ونشروه في الكتب، وروجوا له في أجهزة الإعلام، في طول العالم الإسلامي وعرضه، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله، وأن هذا الكلام سوف يدخل إلى عقول الناس، وما علموا أن أول مكذبٍ لدعاويهم هو العالم العلماني الذي درسوا فيه، وأخذوا عنه وتخرجوا من جامعاته، ورددوا في بلاد الإسلام أطروحاته وأفكاره، فإذا بالعالم العلماني الغربي يكون أول مكذبٍ لهذه الدعوى الباطلة، فبعد سقوط الشيوعية، التي كانت تواجه الغرب بدأ العالم كله غربيه وشرقيه يتمحور حول العقائد.

    أسباب عودة العالم الغربي إلىالنصرانية

    فالعالم الغربي أدرك أنه مهددٌ بالعقيدة الإسلامية، وهي عقيدة تحمل من القوة والصفاء والسلامة والتأثير والعمق، والكمال ما يجعلها محل إغراءٍ للكثيرين ممن سلمت فطرهم وعقولهم، وأقبلوا على الحق، وليس هذا بحاجةٍ إلى تدليل؛ لأنه يكفي المسلم أن يعرف أن الإسلام دين الله تعالى، وأن هذه العقيدة يتلقاها المسلم اليوم كما تلقاها المسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، غضةً طرية، من القرآن الكريم مباشرة، ومن الحديث الشريف مباشرة، قال الله تعالى:إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9].

    فشعر العالم الغربي أن الإسلام يملك بذاته من وسائل القوة والتأثير والجاذبية الكثير، ولو كان الإسلام محجوباً بمساوئ أهله وعيوبهم، ولو كان الكثيرون يعزفون عن الإسلام لِأنهم يرون في المنتسبين إليه رداءة الأخلاق، أو التخلف العلمي، أو الغباء السياسي، أو التبعية للغرب أو الشرق، أو غير ذلك من الآفات والأمراض الكثيرة التي حاول الغرب أن يحجب بها مساوئ الإسلام، لكن رغم هذا كله، فإننا نجد عند العالم الغربي حركة في التوجه إلى الإسلام والالتزام بدين الله تعالى، ليس على مستوى العمال مثلاً، ولا على مستوى شعب من الشعوب، وإنما في قلب العالم الغربي وفي منطلق الحضارة، بل في مهد الحضارة.. في الجامعات الغربية وفي مراكز البحوث والدراسات!!

    وقد زرتُ أحد المراكز هناك، فأخبروني أنه يسلم عندهم أسبوعياً ما يزيد على عشرين، بعضهم من أساتذة الجامعات، وقد لقيت بعض هؤلاء، فرأيت فيهم الحماسة للدين والاغتباط بهداية الله تعالى والفرح برحمته: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].

    لقد بدأ العالم الغربي يشعر بخطورة الإسلام، ولهذا لم يجد أمامه إلا أن ينكفئ إلى الوراء، ليعود إلى العقيدة النصرانية بتحريفها وتبديلها وتغييرها، وما فيها من التناقض، وما فيها من المخالفة للعقل، وما فيها من المخالفة للدين، ولكنها هي الحل الوحيد أمامه.

    يريد أن يعود إليها وينفخ فيها روح الحياة من جديد، وقد ظهرت في العالم جماعات ودعوات ومنظمات تدعو إلى تجديد النصرانية، ولعل من أحدثها وأشهرها (جماعة بورٍ أجن) التي تدعو إلى الدخول في النصرانية أو اكتشاف الدين النصراني من جديد.

    إنهم يشعرون أن دينهم بحاجة إلى دماء جديدة، وإلى تغيير جديد ولأنه ليس ديناً حقيقياً، بل هو محرف، وهو منسوخ، فإنه لا مانع عندهم أن يجروا له عدداً من العمليات الجراحية؛ حتى يتلاءم مع الهدف المحدد الذي حركوه لأجله؛ لأنهم حركوه من أجل أن يوظف هذا الدين في مواجهة الإسلام وفي مقاومة المد الإسلامي، وليكون حصانةً فكرية وعقائدية ودينية، يغرون بها بسطاء العقول والسذج من بني قومهم لئلا يتأثروا بالإسلام.

    إننا في الوقت الذي نجد فيه أن كثيراً من الناس في بلاد العالم الإسلامي، يستكثرون علينا صحوتنا الإسلامية، وعودتنا إلى دين الله تعالى، وتمسكنا به وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، على رغم أنه الدين الحق، وأن هذه الأمة بحمد الله مازالت راية الإسلام فيها مرفوعة هنا أو هناك لم تسقط أبداً:

    إذا مات فينا سيدٌ قام سيدٌ      قئولٌ بما قال الكرام فعولُ

    فهذه الأمة في مجملها أثبتت أنها أمة الإسلام، وأنه إن تخلى منها قوم، خرج آخرون، كما وعد الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54] وقال: هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38].

    هذا وعد قائم؛ قائم للجيل الأول، وقائم لي ولكم، وقال تعالى: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام:89].

    إننا نجد اليوم أن رؤساء الدول الغربية وأن كبار العلماء، وكبار المتخصصين، وأصحاب الفكر، وأصحاب النفوذ، وغيرهم أنهم أصبحوا يطالبون بأن تقوم الدول الغربية بإشباع الحاجات المعنوية والروحية للإنسان، وقد قال كبير من كبارهم، ورئيسٌ لحامية الصليب في العالم، رئيسٌ سابق، قال: إننا لا يجوز أن نقصر مهمتنا على دعم العالم بالمساعدات المادية التي أثقلت ميزانياتنا، ولم تُجد نفعاً، ولكننا ينبغي أن ننتقل إلى تقديم المساعدات الروحية للعالم، وإلى إشباع الحاجات العاطفية للناس، ويجب أن نقدم لهم الإنجيل بيد، ونقدم لهم المساعدات باليد الأخرى.

    ولهذا أصبحوا اليوم، يبتزون الناس بأموالهم ومساعداتهم، لصرف الناس عن دينهم، مقابل أن يشبعوا جوعتهم، أو يرووا ظمأهم، أو يكسوهم من عُري، أو يعالجوهم من مرض، أو يمنحوهم مساعدة، أو جنسية، أو منصباً، أو علاوة، أو رتبة، أو أي شيء آخر.

    ميدان الصراع بين الأديان

    إنها معركة واضحة، ميدانها اليوم الإنسان الذي تتنافس عليه القوى المختلفة، فكل أصحاب الأديان رجعوا إلى أديانهم، وبدءوا يدعون إليها، ويسعون إلى تأليف الناس وتأليبهم حولها، وهذا يدل على أن هناك معركة حقيقية تدور في الخفاء، ميدانها العقل، وميدانها القلب، ولكن عقل مَنْ؟

    وقلب مَنْ؟

    إنه عقل الإنسان وقلبه، الذي هو مدير المعارك العسكرية، والقائم على الإعلام، والمسئول عن السياسة، والمتصرف في أجهزة الدول.

    إذاً، وهي وإن كانت معركة خفية إلا أن شررها يتطاير وآثارها تظهر بين آونة وأخرى، بل في كل وقتٍ وفي كل حين.

    تقليص الإسلام وتوطيد النصرانية

    إننا في الوقت الذي نجد فيه المطالبة على أشُدها في بلادٍ إسلامية كثيرة بتقليص الإسلام، وتحجيم دعوته، وإغلاق مجالات النشاط الشرعي بأوهى الحجج، بحجة أنها مكان لنفوذ الأصوليين، أو مكان لتغلغل المتطرفين، أو أنها تُعتبر منابع يتخرج منها المتدينون، ولا بُد من تجفيف المنابع، بتغيير التعليم، وتغيير الإعلام، وعلمنة أجهزة الدول كلها، والقضاء على كل الجمعيات والمؤسسات والمراكز والمساجد التي تكون منطلقاً للدعوة الإسلامية، إننا في الوقت نفسه نجد أن العالم الغربي يقطع خطوات كبيرة في تيسير عملية التعبد على الطريقة النصرانية للمواطن العادي.

    فقد أصبح بإمكانه أن يتعبد زعماً وإلا فهي عبادة للشيطان حقيقةً، أن يتعبد وهو متكئ على أريكته في عقر بيته، من خلال متابعة برنامج تلفزيوني، أصبحت البرامج التلفزيونية بالمئات بل بالآلاف في دولة واحدة فقط مثل أمريكا!! فضلاً عن الجهود الأخرى المكثفة والكثيرة، التي تُنادي بالقضاء على العلمنة في التعليم وفي الإعلام وفي الحياة العامة، وقد أصبحت هناك مطالبات كثيرة بإتاحة فرص أوسع للطلاب، للتعليم الديني، ولأداء الطقوس في مدارسهم وأماكن عملهم.

    إنها مفارقةٌ عجيبة ففي الوقت الذي ينكفئ العالم الغربيُّ إلى دينه الفاسد المحرَّف المبدَّل المنسوخ، فإننا نجد أن من المسلمين اليوم من لا يزال يغط في سُباتٍ عميق، ويستكثر على المسلمين عودتهم إلى دينهم، ويحاول أن ينفخ الحياة من جديد في جسدٍ ميت، إنه جسد العلمانية التي هي كما قال الله تعالى عنها وعن غيرها من الباطل: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ [إبراهيم:26].

    إن المسلمين اليوم في أمس الحاجة إلى أن يتلمسوا مواقع أقدامهم، ويدركوا أي حالٍ هم قادمون عليها، وأية خطةٍ تدار بشأنهم، يتنادى إليها الغرب والشرق على رغم أن المسلمين لا يملكون الكثير، ولكن أعداء الله تعالى هم كما وصف الله تعالى: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلا ذِمَّةً [التوبة:10] وقال تعالى: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلا ذِمَّةً [التوبة:8] وقال تعالى: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً [الكهف:20].

    خياران لا ثالث لهما يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ [الكهف:20].

    فأسأل الله تعالى أن يرد كيد الكائدين في نحورهم، وأن يرزق المسلمين الوعي والبصيرة في دينهم، وأن يثبت أقدامنا وأقدام المسلمين في كل مكان، إنه ولي ذلك والقادر عليه.. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله تعالى لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروا الله يغفر لكم ويتُب عليكم؛ إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    أصداء سقوط الشيوعية

    الحمد لله رب العالمين، لقد كان سقوط الشيوعية انتصارا للإسلام حقاً، ولكن الكل يعرفون أن أكبر عدوٍ وقف في وجه الشيوعية هو الإسلام، ليس في أفغانستان فقط، بل في كل بلاد الإسلام، وليس سِراً أن عدد الذين دانوا بـالشيوعية في العالم الِإسلامي كله لا يزيدون على (2%) فقط، وأن الأحزاب الشيوعية في العالم الإسلامي كانت منبوذةً مركولة، وكانت تميل إلى السرية والعمل تحت الظلام، وتسعى إلى هذه الأساليب الخفية، ولكن العالم الغربي اعتبر سقوط الشيوعية ضربةً على الإسلام، ووجه السهام التي كانت موجهةً إلى الشرق الشيوعي، إلى العالم الإسلامي، وبدأ يعتبر أن الإسلام هو العدو القادم الذي يهدده في كل النواحي وفي كل المجالات.

    إننا نقول بحقٍ وصدق.. لقد صدقوا؛ فإن الإسلام عدوهم وخصمهم، وخاصةً ذلك المسلم الواعي الذي أصبح يُدرك ما معنى أن يكون الغرب كافراً؟! نصرانياً أو يهودياً أو علمانياً.. إن المسلم الذي بدأ يعي دينه، ويقرأ قرآنه، ويتلقى عن الله تعالى العقائد والشرائع والأحكام، أصبح يقرأ في القرآن قول الله: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120] ويقرأ قوله تعالى: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217] ويقرأ قوله تعالى: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ [الكهف:20].

    توجه العداوة إلى الإسلام

    لقد قرأتُ بنفسي مقالاً لرئيسٍ من أعظم رؤساء الدول الغربية، يقول: "ليس أمامنا بالنسبة للمسلمين إلا أحد حلين:

    الأول: هو تقتيلهم والقضاء عليهم.

    الثاني: فهو تذويبهم في المجتمعات الأخرى المدنية العلمانية".

    ومع أن هذا الرئيس المفكر الكاتب المستشار رجح الحل الثاني، إلا أن لهجة الحديث تدل على أن الاحتمال الأول عنده واردٌ وقائم، بل ويمكن استخدامه في حالات كثيرة، ونحن نرى اليوم بوادر التطبيق العملي لهذا الأمر في تدخلات غربية في بلاد عدة، وفي مواجهات ساخنة مباشرة بين الإسلام والكفر، فأحداث البوسنة والهرسك -مثلاً- هي نموذج للحقد الصليبي، الذي يتنامى ويشتد يوماً بعد يوم، ويعصف بما يسمى حقوق الإنسان، وما أشبه ذلك من العبارات التي طالما خدَّرنا بها الغرب، وطالما أقام لها الجمعيات، ووضع لها الإعلانات، وتحدث عنها، ولكنه كان أوَّل من يخرق هذه الاتفاقيات، ويهدم هذه الحقوق، ويقضي على هذه الإعلانات بفعله، وإن كان يرددها بلسانه.

    ومع أحداث الصومال القريبة، التي تنم كما تعبر الصحف بحروفها عن وصاية غربية أو حماية، إنها عودة لعصور الاحتلال والاستعمار والمواجهة العسكرية المباشرة بين المسلمين والكفار.

    وأعتقد أن ثمة بلاداً إسلامية أخرى يمكن أن تكون تحت طائلة هذه العداوات المتكررة في شرق البلاد وغربها، إن العالم الغربي ليس لديه مانع أن يضرب عرض الحائط بكل دعاوى الحرية والإنسانية والكرامة والمساواة، متى ما شعر أن هناك قوةً إسلامية يمكن أن تظهر.

    اليقين بنصر الله لدينه

    لا يجوز إلا أن نؤمن بأن الله تعالى سوف يدير لدينه فلك النصر والتمكين، شاء من شاء، وأبى من أبى، وأن ندرك أن الله تعالى يصنع لدينه وإن غفل الناس، قال الله عز وجل في كتابه: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ [البقرة:216] إن القتال تكرهونه ولكن الله تعالى كتبه عليكم، فعسى أن يكره الإنسان شيئاً -القتال أو غيره- ويكون فيه الخيرُ للناس، إن موازين البشر قصيرة وقريبة المدى وسريعة، أما الأمور في علم الله تعالى وفي قدره، فهي شيءٌ آخر مختلف تماماً عمّا يقدر الإنسان، وعما يظن الإنسان، وكم قدر الإنسان وظن وحسب، فجاءت النتائج مناقضةً لتقديره وظنه وحسابه، حتى لو لم يكن فرداً، حتى لو كان مركزاً دراسياً، أو منطلقاً لدراسة المستقبل، أو مجموعة من المتخصصين، بل حتى لو كان إجماعاً من المحللين والمراقبين:
    وأستار غيب الله دون العواقب

    أيها الأحبة: هل يجوز أن يكون دور المسلم هو مجرد انتظار المعركة الحاسمة التي ينتظرها النصارى، وينتظرها اليهود.

    1.   

    دور المسلمين تجاه الأحداث

    ففي دين اليهود والنصارى، وكتبهم التي يسمونها مقدسة في دينهم، أن ثمة معركة فاصلة بين الحق والباطل، كما يسمونها بين قوى الخير وقوى الشر، وهذه المعركة هي معركة هرمجدون، وموطنها في العالم الإسلامي، وبالذات في أرض فلسطين التي لا يزال الغرب والشرق واليهود والنصارى، يتحالفون من أجل إحكام طوق الحماية الأمنية لها، ودعمها عسكرياً واقتصادياً وبشرياً، لتظل قوة تمثل الكفر في العالم الإسلامي.

    فعل الأسباب وعدم الانتظار

    لا يجوز أن يكون دورنا مجرد انتظار هذه الأحداث!! بل ينبغي أن ننتقل إلى الخطوة العملية التي تعبدنا الله تعالى بها، وهي أن نفعل الأسباب، ونبذل ما في وسعنا، ثم ننام قريري العيون، مدركين أن النصر بيد الله تعالى؛ فالله يؤتي النصر من يشاء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] وقال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:51-52] وقال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً [النور:55].

    تحرك المراكز العلمية والجامعات

    يجب أن ننتقل إلى الخطوة التالية: وهي أن يكون لنا مشاركات عملية في المعركة الخفية بين الحق والباطل، المعركة على العقول، والقلوب، والمجتمعات، سواء كانت المجتمعات الإسلامية، أم المجتمعات الغربية، إننا ننظر إلى الجامعات الإسلامية فنجدُ أنها أصبحت جامعات عريقة، وفيها دراسات وتخصصات كبيرة، وفيها خبراء وأساتذة على أرقى المستويات، وأن هذه الجامعات -سواء في هذه البلاد أم في غيرها- أصبحت تملك من الوسائل العلمية، والتقنية، والطاقات البشرية، شيئاً كثيراً، وأصبحت تستقطب أعداداً كبيرةً من الطلاب من كافة الطبقات، وهاهنا يبرز سؤال:

    ما هو دور مثل هذه المراكز العلمية في الدعوة إلى الإسلام، وفي نشر الحق، وفي مقاومة الباطل، وفي تهيئة المجتمعات الإسلامية كلها للمواجهة التي هي آتية لا محالة، رغبنا أم كرهنا، بيننا وبين أعداء الإسلام، اليوم أو بعد سنة أو بعد خمسين سنة أو في أي زمن يعلمه الله تعالى فإن الجهاد قائم إلى قيام الساعة، كما أخبر صلى الله عليه وسلم: {لا هجرة بعد الفتح ولكن جهادٌ ونيَّة}.

    فالجهاد قائم إلى قيام الساعة، ولا تزال طوائف من هذه الأمة تُقاتل الكفار، فيرزقها الله تعالى منهم، وينصرها عليهم، حتى يأتي أمر الله تعالى وهم ظاهرون على الناس.

    1.   

    دور أستاذ الجامعة

    يا أستاذ الجامعة! إنك تتبوأ منصباً رفيعاً، ومكانةً عالية، وقيمةً اجتماعية وعلمية، لا يكاد ينافسك فيها إلا من كان على مثل ما أنت عليه، والأمة تنتظر منك دوراً كبيراً.

    القدوة للطلاب

    ودورك يبدأ أولاً بالقدوة لهؤلاء الطلاب الذين هم مستقبل الأمة، وهم بين يديك، تعلمهم ما شئت، وتطبعهم من الأخلاق على ما شئت، وتلقي في عقولهم وقلوبهم من المعاني والأفكار والأخلاق ما وفقك الله تعالى إليه، فأي توفيقٍ أعظم من أن يمكنك الله تعالى من أذن خمسين أو مائة أو خمسمائة طالب، تستطيع أن تحدثهم، وتوجههم، وترشدهم، بل وتستطيع أن تبنيهم بناءً شرعياً تاماً، وبناءً علمياً في التخصص الذي يدرسون ليتخرجوا كوادر، يملئون الميدان، ويسدون الحاجات، ويكونون حماية لظهر الأمة، من أن تكون محتاجةً إلى عدوها، في صناعتها، في أسلحتها، في علومها، في اقتصادها، وفي غير ذلك.

    فهذه المهمة العظيمة مهمة القدوة الحسنة لهؤلاء، ومهمة التأثير عليهم، ومهمة أن تحمل هَمَّ الدعوة إلى الله تعالى وتلقي به بين هؤلاء الشباب، وتبنيهم وتتعاهدهم وتربيهم، وتحتسب عند الله تعالى أن يخرج منهم ولو طائفة تحمل مشعل الهداية، وتحمل هَمَّ الدعوة إلى الله تعالى، وينفع الله تعالى بها الأمة، وكم يصيبك من الغبطة والسرور أن ترى بعض طلابك وقد تبوءوا مناصب كبيرة، ونفع الله تعالى بهم وأصلحوا، وتعلموا، وبرزوا، وأصبحت الأمة تردد أسماءهم وتلهج بذكرهم.

    التشجيع على الإبداع

    أمرٌ آخر، أمر الإبداع.. إن العالم الإسلامي اليوم يعاني من ضمن ما يعاني من التخلف العلمي، ونحن نجد أن هناك الكثيرين من أصحاب العقول الجبارة، والمواهب الفذة، والذين مكنهم الله تعالى من ناصية العلم، ولديهم القدرة على الإبداع، ولكننا نجد أننا بأنفسنا كثيراً ما ندفن مواهبهم، ونحطم إبداعهم، وهاهنا يحتاج الأستاذ إلى أن يملك القوة، والإرادة، والصبر، والاستماتة، حتى يحقق في مجال عمله وتخصصه شيئاً ينفع المسلمين، إنه لأمرٌ كبير أن نثبت للناس، أن لا تناقض بين الدين والعلم، وأن لا خصومة بين الإسلام والكون، الذي هو ميدان البحوث العلمية، وكذلك الإنسان.

    ولن نستطيع أن نفعل ذلك بمجرد الحديث والمحاضرات، وإنما من خلال تقديم النماذج الإنسانية البشرية، التي يراها الناس، فيرون العقيدة الحقة، ويرونها فيرون الخلق الفاضل، والعبادة الصالحة، والعلم، والإبداع، والدقة، والإنتاجية، والتقدم، والسبق، في ميادينها ومجالاتها.

    التأثير في المجتمع بالنزول إليه

    الأمرالثالث: النـزول للمجتمع، إن أساتذة الجامعات في العالم كله، هم في المجتمع أساتذة أيضاً ومنطلق للتعليم والإشعاع، يأتي الناس إليهم، ويأخذون منهم، ويتعلمون، ويستشيرونهم، وينظرون إليهم نظرةً خاصة، ويساهمون مساهمةً فعالة، في صناعة العقول البشرية، فهل يجوز أن يكون الانعزال عن المجتمع هو نصيب أساتذة الجامعات في العالم الإسلامي فحسب؟

    إن هذا لشيءٌ عجاب!!

    إن من الواجب على أستاذ الجامعة أن ينـزل للمجتمع ويحتك بالناس، ويختلط بكل الفئات، ويتعامل معهم جميعاً، ويأخذ منهم ويعطي، ويفيدهم ويستفيد منهم، ويعمل ليكون، لبنة قوية، وأداةً فعّالة، في كل عمل خيرٍ في المجتمع، وألا يتردد في دعم أي مشروعٍ يرى أن فيه مصلحةً للإسلام والمسلمين، هذا مع أن الدور الأكبر ولا شك لأستاذ الجامعة، داخل أروقة الجامعة حيث يستطيع أن يقوم بدور كبير في تصحيح الأوضاع، وتحسينها، وصياغة الطلاب والمناهج وغيرها، ولكن هذا لا يمكن أن يعفيه أبداً من المسئولية الكبيرة في النـزول إلى ميدان المجتمع والتأثير فيه والاحتكاك بأفراده.

    أهمية وجود التخصصات العلمية

    أما أولئك الطلاب الذين هم مستقبل الأمة الواعد، لا بد لهم من الجد في الطلب، وأن يقووا عزائمهم، ويشدوا عقولهم لتحصيل هذا العلم الذي يسعون إليه، ويبذلون في سبيله الأوقات، وهم يشعرون أنهم يتعبدون الله تعالى بتحصيل هذا العلم، فإن هذا العلم متى كان من العلوم المباحة التي يحتاج إليها المسلمون، فإن طلبه بنية خالصة هو من القربات إلى الله تعالى، والذي يجلس في مختبره، أو أمام جهاز من أجهزته، أو معتكفاً على بحثٍ من البحوث التي يحتاجه المسلمون، يجلس ونيته أن ينفع الأمة، لا أعتقد أن أحداً يشك أن الله يمنحه الأجر الكبير، كيف لا، والله تعالى يأجر الفلاح في مزرعته، ويأجر كل إنسان في ميدان عمله؟!

    بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخبرنا أن كل معروفٍ صدقة، ولو قلّ، فكيف بهذا المعروف الكبير الذي هو خدمة للأمة، وحماية لها! وتحصين من عدوها، وتقديم خدمات جليلة لها، وسير بالدعوة الإسلامية من الكلام النظري إلى الواقع العملي؟!

    فإن الناس لا يستغنون أبداً عن الطبيب الذي يُصدقُ قول العالم، والاقتصادي الذي يصدق قول الخطيب، فحينما يقول الخطيب لنا مثلاً: إن الربا هو سببُ الكساد والفساد في الاقتصاد، وهو سبب الأزمات، وهو سبب البلايا، فإن الكثير من الناس، وإن صدقوا بذلك إلا أنه لم يبلغ عندهم مبلغ اليقين، فإذا جاءنا المختص في الاقتصاد، وقدم لنا من خلال الوثائق والأدلة والإحصائيات، أن هذا الأمر حقيقةٌ قائمة في العالم اليوم، مبنية على مُقدمات وأسباب، وهذه هي النتائج؛ فإن الكثيرين يديرون رءوسهم ويتعجبون، ويقولون: سبحان الله العظيم!!

    وإذا حدثنا الواعظ عن الزنا وخطره، وأثره في انتشار الأمراض والآفات والعقوبات، فإن الكثيرين يصدقون، لكن لا يصل تصديقهم إلى درجة اليقين، فإذا جاءنا الطبيب المختص، ليثبت لنا من خلال الحقائق والأرقام، أن الأمراض الخطيرة اليوم التي تُهدد البشرية، وتجتاح مئات الملايين من البشر، كالهربز والإيدز وغيرها، هي نتيجة عقوبة إلهية للشذوذ الجنسي، أو للاتصال الجنسي المحرم أو غير ذلك، فإن الكثير من الناس يعتبرون هذا آية من آيات الله تعالى، ويقولون: سبحان الله العظيم! سبحان الله وبحمده!

    فنحنُ نحتاج إلى المختص الذي يصدق قول العالم وقول الفقيه، وأنت أيها الطالب تسير في هذا السبيل، وتنحو ذلك المنحى، فالجدَّ الجدَّ! والاجتهاد الاجتهاد! في الدأب والطلب والتحصيل، وإدراك أن هذا العمل الذي تقوم به هو تهيئة للقيام بدور كبيرٍ في الدعوة إلى الله تعالى.

    اقتران التقدم العلمي بالالتزام بالإسلام

    أمرٌ آخر: إنه مما يُسعدنا كثيراً أن يكون التقدم العلمي قرين الالتزام بالإسلام، والتمسك به عقائد وأحكاماً، أصولاً وفروعاً، أخلاقاً وعبادة وسلوكاً؛ لأن الإسلام دينٌ مهيمن على كل مجالات الحياة.

    فمن الواجب علينا جميعاًً وعلى الطلاب خاصة، أن يكون لديهم حرصٌ على التزام مكارم الأخلاق ومعاليها، وعلى التمسك بالدين كله، وعلى أن يُقدموا أنفسهم على أنهم في الوقت الذي يدرسون فيه التخصصات العلمية، إلا أنهم أيضاً يقدمون أنفسهم كطلبة علمٍ شرعي، أو يقدمون أنفسهم كدعاة إلى الإسلام بحسب ما يعرفون، أو يقدمون أنفسهم على أنهم ينتمون إلى هذا الدين انتماءً قلبياً عميقاً، وأن هَمَّ الإسلام يقوم معهم ويقعد، ويصحو معهم إذا صحوا، أما إذا ناموا فهو يخايلهم في أحلامهم..!

    إن أمر الإسلام لا يتم ولا يستوثق، إلا إذا وجدت القلوب التي تتحرق له، والعقول التي تفكر له، والأجساد التي تجهد نفسها في خدمته، وحينئذٍ لا خوف على الإسلام؛ لأنه دينُ الله، ولو كان ديناً فاسداً وجد له أتباعاً يجاهدون في سبيله لرفعوه، فكيف وهو دين الحق الذي معه الله تعالى؟!

    إننا لا نشك طرفة عين في أن أهل الحق وأهل الإسلام لو جدوا واجتهدوا، لحققوا في سَنَةٍ ما حققه أعداؤهم في خمسين أو عشرين سنة.

    العناية بمعالي الأمور والابتعاد عن سفاسفها

    إنه ليس بلائقٍ بإنسانٍ يخوض معركة مع الباطل، أن يشتغل ببنيات الطريق، ويثير معركةً خاصةً مع هذا، ومعركةً أخرى مع هذا، أو يتراشق مع فلان أو علان بالألقاب والكلمات، أو يجعل من الخلافات الجزئية التي هي محتملةٌ وممكنة ومحل اجتهاد، وليست مخالفةً لأصل من أصول الشرع ولا لقاعدة، ولا لنص شرعي، أن يجعل منها مجالاً للتنافس أو للقيل والقال.

    فينبغي للإنسان أن يسلك أسلوب النصيحة، والكلمة الطيبة، والدعوة بالتي هي أحسن، وتأليف القلوب على الحق مهما أمكن، فإن المقصود هداية الناس وليس إبعادهم أو تنفيرهم عن الحق، فكلما رأيت إنساناً تعيب عليه بعض الشيء، فعليك أن تسلك معه أسلوب الدعوة والرفق والحلم والصبر، ومن لم يهتد اليوم فسوف يهتدي غداً أو بعد غد أو بعد سنة أو ما زاد عن ذلك فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً [العنكبوت:14].

    لماذا أنت في عجلة من أمرك؟

    ولماذا تعيب فلاناً أو تنتقده لأنك نصحته فلم ينتصح؟

    اصبر عليه لعل الكلمة التي فيها هدايته لم يسمعها بعد!

    المشاركة من الجميع

    ثم لا بد من المشاركة البنّاءة أيضاً، لا بد للجميع من المشاركة؛ لأن قضية الإسلام ليست قضية العالم الفلاني، لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144].

    وهذا الحِمْل الذي تحمله عليه السلام، وسهر له بالليل، وتعب له بالنهار، وجهد من أجله قد أُلقي على عواتقنا جميعاً، فنحن ورثته، وحملة شريعته، ونحن الذين طولبنا بتبليغ الرسالة للأجيال التي بعدنا، فضلاً عن الأجيال التي نعايشها اليوم، فواجبٌ على كل جيل أن يحمل أمر الإسلام إلى من بعده، وواجبٌ علينا جميعاً أن نشارك في الدعوة إلى الإسلام، وأن نشارك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألا نقبل من أنفسنا عذراً مهما كان، فكل من قال: لا أستطيع، نقول له: حاول، وكل من قال: مستحيل، نقول له: جَرِّب، وعلينا أن ندرك أن الحاجة أم الاختراع.

    جاء رجلٌ إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حينما دعا الناس إلى الجهاد، ومعه أخوه، فقال له: هذا أنا، وهذا أخي، قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي [المائدة:25] وموسى عليه الصلاة والسلام قالها من قبل قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي [المائدة:25] والله تعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:84].

    فعلينا جميعاً أن نُجند إمكانياتنا في الدعوة إلى الله، وأن نصدق الله تعالى في أن نقوم بالعمل الذي نستطيعه، فإن الحساب عسير.

    يقول الله عز وجل: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] نعم إن الآية لها منطوق ومفهوم:

    أولاً المنطوق: فهو أن الإنسان لا يكلف مالا يستطيع.

    ثانياً المفهوم: فهو أن الله تعالى قد كلَّف كُل إنسانٍ وسعه كله، وطاقته كلها، وجهده كله.

    ونحن نقول لك: متى بذلت وسعك وطاقتك، فكثَّر الله خيرك! وجزاك الله خيراً! ولا تُطالب بأكثر من ذلك، لكن من مِنّا ولو كان من أقوانا، وأكثرنا دعوة، وجهاداً، وعملاً، وتضحية من هو الذي يستطيع أن يقول: إنني بذلت كل طاقتي؟!

    فأسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يستعملني وإياكم في طاعته، وأن يجعلني وإياكم هُداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوءٍ فأشغله بنفسه، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوءٍ فأشغله بنفسه، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوءٍ فأشغله بنفسه، اللهم أرنا في الظالمين عجائب قدرتك، اللهم أنـزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أنـزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أنـزل عليهم بأسك الذي لا يُرد عن القوم المجرمين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين في كل مكان، ربّنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لنا أجمعين، وهَبِ المسيئين منا للمحسنين برحمتك يا أرحم الرّاحمين، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.