إسلام ويب

فوائد جامع الأصولللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فوائد متنوعة ومفيدة يظل طالب العلم بحاجةٍ لها، وجامع الأصول أصلٌ في الفوائد والأحكام، ودليلٌ إلى معرفة كلام سيد المرسلين في بطون كتب السنة والآثار، ومجمع الزوائد من الكتب الستة مصدره، فلله درُّ الحاملين لهذا العلم والناشرين له.

    1.   

    الأسئــلة

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    هاهنا أسئلة منوعة؛ لكن أحببت أن أجيب عليها أو على بعضها، وإن كنت لا أفضل الإجابة على الأسئلة الفقهية، لأن الدرس نفسه يتعلق بالفقه:

    السبيل لتحسين الخلق الجِبِلِّي

    السؤال: علمنا من بعض محاضراتك أن الأخلاق منها جِبِلَّية، ومنها مُكَتَسبة، فما هو السبيل لتحسين الخلق المطبوع عليه أو الجبلي؟

    الجواب: السبيل لتحسين الخلق الذي طبع عليه الإنسان كالتالي:

    أما إن كان الخلق الذي طبع عليه الإنسان حسناً، فهذا من توفيق الله للعبد أن طبعه على الخِلال التي يحبها الله تعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم لـأشج عبد القيس: {إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة} وفي بعض الطرق أنه قال: {هل هما مما جبلت عليه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم، إنهما مما جبلت عليه، فقال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحبه الله ورسوله} فمن توفيق الله للعبد أن يجبله على الخلال التي يحب، فإذا وجدت في نفسك خصالاً حميدة -وكل إنسانٍ لا بد أن يكون قد جُبل على بعض الخصال الحميدة- فعليك أن تحرص على تنمية هذه الخصال الحميدة، وتعاهدها بالسقي والرعاية حتى تكبر ويزداد انتفاعك بها، فقد تجد في نفسك أن الله جبلك على الإحسان إلى الخلق، وحب الإحسان، فوسّع وعمّق هذا الخُلق بأن تكثر من الإحسان، وأكثر من قراءة الأحاديث والآثار الواردة في ذلك، واسْع في سبُل الإحسان إلى الخلق، حتى يتعاظم هذا الخُلق الحسن عندك ويكبر، ويكون فعله بنيةٍ واحتساب، وتؤجر عليه أشد الأجر، وحتى يغطي هذا الخلق الحسن على ما قد يوجد في نفسك من بعض الأخلاق الذميمة التي ربما تكون قد جبلت عليها.

    ولذلك أنتقل إلى النقطة الثانية: وهي ما إذا جبل الإنسان على خِلالٍ مذمومة، كالبخل، أو الجبن وغير ذلك، فما هو السبيل إلى تحسين هذه الخلال المذمومة، أو إزالتها؟ نقول:

    أولاً: السبيل هو ما سبق، فعليك أن تنظر إلى الخلال الطيبة التي طبعت وجبلت عليها فاعمل على تنميتها، لأن الإنسان مثل الإناء إذا وضع فيه مادة طيبة، طردت المادة السيئة، ولو أن عندك أناءً فيه خمرٌ، فوضعت في هذا الإناء مادة أخرى، فإنها تزاحم هذا الخمر حتى تزيلَه إما إزالةً كلية أو إزالةً جزئية، وبقدر قوة المادة الطيبة تزول المادة السيئة، فكذلك الأخلاق في النفس؛ إذا ربى الإنسان في نفسه مكارم الأخلاق قضت وغطَّت على الأخلاق السيئة، ولذلك قال عمر رضي الله عنه: [[إن الإنسان قد يوجد فيه خلقٌ واحدٌ سيئ، وتسعة أخلاقٍ حميدة، فيغلب الخلق السيئ الأخلاق الحميدة]] كما رواه مالك والبيهقي وغيرهما وسنده صحيح.

    إذاً يغلبها إذا تهاون الإنسان في تنميتها؛ لكن إذا نمى الإنسان الأخلاق الحميدة غلبت على الأخلاق السيئة.

    الوسيلة الثانية: هي المجاهدة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد المتفق عليه: {من يتصبر يصبره الله، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله} إذاً الصبر خلقٌ حسن، وقد يكون الإنسان طبع على العجلة، وعدم الصبر، فبالتصبر وتكلف الصبر يعتاد الإنسان هذا الأمر حتى يصبح سجيةً وخلقاً وديدناً له، وكذلك العفَّة: فالتعفف عن المال الحرام وعن المال المشتبه، وعن المكاسب الرديئة، فقد يكون عند الإنسان رغبة في المال ونهم؛ لكن إذا عود نفسه على ألا يأكل إلا الحلال، وعلى الانكفاف عن هذه الأشياء والتعفف عنها رزقه الله تعالى العفة.

    وكذلك الحِلْمُ: فالحِلَمُ بالتحلم، والعِلْمُ بالتعلم، فإذا عود الإنسان نفسه وجاهدها على الحِلْمُ، فإنه يرزق ذلك، فلا بد من مجاهدةِ النفس، وتكلف هذه الأخلاق حتى تصبح سجية.

    ومن الوسائل المفيدة في ذلك: مراقبة النفس ومحاسبتها، وأعرف بعض الشباب جبلوا على أخلاقٍ ذميمة، واستطاعوا بعون الله وتوفيقه أن يتخلصوا من كثيرٍ منها ويهذبوها وإن لم تزل بالكلية، وذلك عن طريق كثرة المراقبة والمحاسبة، وإذا خلوت بنفسك تذَّكر المواقف السيئة التي حصلت لك، ثم تذكر الموقف السليم الذي كان يجب أن تفعله، وصبِّر نفسك على هذا الموقف، وبطبيعة الحال الخلق لا يزول في يومٍ وليلة، أو بمرةٍ أو مرتين، فالإنسان الذي عنده عجلة وجزع وعدم صبر لا يحظى من ذلك بشيءٍ كثير، حتى يعود نفسه على الصبر وطول النفس.

    ومن الوسائل المفيدة في ذلك: أن تطلب من بعض جلسائك وخاصتك أن ينبهوك باستمرار على ما يلاحظون عليك من الأخلاق الذميمة، وعلى الأقل اجعل لك صفياً تشارطه على أن ينصح لك وتنصح له، فإذا وجدت عليه عيباً بيَّنته له، وإذا وجد عليك عيباً بينه لك، وهذا ينفعك كثيراً، حيث يكون لك كالمرآة، قال الشاعر:

    شاور سواك إذا نابتك نائبة      يوماً وإن كنت من أهل المشورات

    فالعين تبصر فيها ما دنا ونأى      ولا ترى نفسها إلا بمرآة

    فأنت بحاجةٍ إلى مرآة، ترى فيها عيوبك، وهذه المرآة هي أخوك الذي تصافيه الود والمحبة في الله جل وعلا.

    ومن الوسائل المفيدة: دعاء الله جل وعلا، فإن من دعا الله أن يرزقه حسن الخلق رزقه الله ذلك.

    العمل على الإخلاص ودفع الشك

    السؤال: هناك بعض الناس يشك في نفسه، فإذا نَصَح أو أَمَر أو نَهى يخشى أنه يرائي، وكذلك إذا قرأ القرآن، فكيف يخلص نفسه ويمنعها من هذا الشك؟

    الجواب: ينبغي للإنسان أن يعمل بإخلاص، وقصد لوجه الله جل وعلا فيما يأخذ وما يدع من أفعاله، ثم إذا حدث في نفسه شك أثناء العمل، بأنه قد يكون مرائياً؛ فإن عليه أن يدفع هذا الشك وهذا الريا، لئلا يستقر في قلبه، وينبغي للشاب وغير الشاب أن يحذر من ترك العمل خوف الرياء، فإن هذا من مزالق الشيطان، فكثيرٌ من الناس تركوا أعمالاً صالحة: من التبكير إلى المساجد، وقراءة القرآن، وطلب العلم، والدعوة إلى الله، والوعظ، والأمر والنهي، بحجة الخوف من الرياء، فالشيطان يأتيهم، ويقول: أنتم ما أردتم إلا الرياء، فأقول: كونك تركت العمل خوف الرياء دليلٌ على أنك مخلصٌ إن شاء الله، وإلا فالمرائي لا يمنعه مانعٌ من الاستمرار في عمله، فادفع الرياء واستمر على العمل.

    ومن أعظم مزالق ومداخل الشيطان على الإنسان لترك العمل الصالح؛ أن يوسوس له:

    أولاً: بأنك قد تكون مرائياً.

    ثم يقول له ثانياً: اترك هذا العمل، لأنه يُخشى أن تكون مرائياً، وكم من إنسانِ ترك الإمامة في المسجد، بل أعرف شاباً ترك التقدم إلى المسجد، وترك قراءة القرآن وطلب العلم، ويقول: أخشى أن أكون مرائياً، فعليك أن تتقدم إلى المسجد ولا تلتفت إلى هذا الهاجس أو الخاطر أو الوسواس، وهذا يدل على ضعفٍ في نفس الإنسان، وخورٍ في قلبه وعزيمته، وإلا فالمؤمن لا ينصاع ولا يتأثر بهذه الوساوس التي يلقيها الشيطان وجنوده في قلبه، ثم كون الإنسان بعدما يشرع في العمل لوجه الله يخطر له ذلك ويدفعه، هذا لا يضره شيء، وكونه يفرح بثناء الناس عليه، فهذا أيضاً لا يضره شيء، فقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي ذر في صحيح مسلم عن الثناء الحسن يحصل للإنسان، قال عليه الصلاة والسلام: {تلك عاجلُ بشرى المؤمن} وكلنا نحب الثناء الحسن ونكره الثناء السيئ، وكل إنسانٍ جبل على ذلك، وما من أحدٍ إلا ويفرح بالثناء الحسن، ويكره الثناء السيئ؛ لكن لا يعمل من أجل الناس، ولا يترك من أجل الناس.

    حكم استقبال القبلة أثناء النوم

    السؤال: سمعتك في درسٍ مضى، قلت: بأنه لم يرد دليل على استحباب استقبال القبلة أثناء النوم، فهل يمكن الاستدلال على استحبابه بقياس الموتة الصغرى على الموتة الكبرى، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم إذا صح الحديث: {قبلتكم أحياءً وأمواتاً} وكذلك استحباب استقبال القبلة عند الذكر والدعاء وورد النوم، يتخلله ذلك؟

    الجواب: الذي يظهر لي أنه كون الإنسان ينام على جنبه الأيمن مستقبل القبلة أمرٌ حسن؛ لكن القول بشرعية ذلك، لا يمكن أن يقال بالاستحباب اعتماداً على مثلما ذكر الأخ من قياس الموتة الصغرى على الكبرى مثلاً، وهذا قياسٌ مع الفارق، وكذلك قبلتكم أحياءً وأمواتاً إذا صح فالمقصود به قبلتكم أي تصلون إليه أحياءً، وليس المعنى أنكم تتجهون إليه في منامكم وفي مجالسكم، فالذي يظهر لي أنه لم يرد في استقبال القبلة حديثٌ صحيح، إلا أنه ورد عند أبي يعلى فيما أذكر حديثٌ فيه السري بن إسماعيل وهو متروك الحديث، وهذا الحديث ذكره ابن كثير في أول سورة الحديد فيما أذكر إن لم تخني الذاكرة.

    سجود السهو قبل السلام سهواً

    السؤال: إنسانٌ صلى صلاة الظهر وكان عليه سجودٌ سهوٍ بعد السلام، ثم سجد للسهو قبل السلام، ثم بعد الانتهاء من الصلاة تذكر أن سجود السهو بعد السلام فماذا يفعل؟ فهل يسجد للسهو مرةً أخرى بعد السلام؟

    الجواب: لا يسجد مرةً ثانيةً للسهو مادام أنه سجد للسهو قبل السلام، فإنه يكفيه ويجزئه، ولا يسجد للسهو بعد السلام:

    أولاً: لأنه سجد غافلاً أن محل السجود بعد السلام.

    وثانياً: لأن جماهير أهل العلم على أن السجود الذي بعد السلام يجوز أن يسجده الإنسان قبل السلام، فلا يعيده إذاً بعد السلام.

    ثقل النوم وحكم تأخير الصلاة عن وقتها

    السؤال: إن له أخاً ثقيل النوم جداً ولا يصلي الفجر إلا قليلاً -أي في الوقت- ووالديَّ يجدان صعوبةً بالغةً في إيقاظه، ولا فائدة، فهما يزجان عليه الماء، وهو يقوم ويتكلم ويروح ويجيء، ولكن عند يقظته ينكر أننا عملنا معه تلك الأعمال ويكذبنا، لأنه لم يشعر بذلك كله، فهل عليه ذنبٌ في تأخيره لصلاة الفجر حتى بعد طلوع الشمس أحياناً؟

    الجواب: قضيةُ تأخير صلاة الفجر إلى ما بعد طلوع الشمس، تحصل لكثيرٍ من الناس، ولها أسبابٌ عديدة:

    فبعضهم يؤخر صلاة الفجر إلى ما بعد طلوع الشمس تكاسلاً وتهاوناً، وذلك لأن منهم من يسهر إلى الهزيع الأخير من الليل، وربما يكون سهره في جلسةِ لهوٍ ولعبٍ وضحكٍ مع زملائه، أو على لعبِ الورقة أو البلوت، أو على مشاهدة التلفاز، أو حتى على قراءة ثم يتأخر، فإذا نام كان جثةً هامدةً لا حراك به، فلا يستطيع أن يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس، فهذا لا شكَّ أنه مقصر ومخطئ؛ لأنه لم يفعل السبب حيث خالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، في التبكير في النوم، فكان صلى الله عليه وسلم: {يكره النوم قبلها والحديث بعدها} أي العشاء، ويقول صلى الله عليه وسلم: {لا سمر إلا لمصَلٍ أو ذاكرٍ أو مسافر} وسيأتي تفصيل هذا.

    فالتأخر في النوم إذا ترتب عليه تأخير صلاة الفجر عن وقتها، وترك الجماعة، وربما تأخيرها إلى ما بعد طلوع الشمس، يرتكب به الإنسان خطأ كبيراً، وبعض الناس قد يؤخر صلاة الفجر لأنه لا يحتاط لها، فلا يضع المنبه أو الساعة، أو التلفون، أو لا يطلب من أهله أو جيرانه أن يوقظوه، بل ينام، ومتى ما استيقظ صلىَّ وهذا أيضاً مفرِّطٌ وآثم بذلك، وبعضهم قد يجمع هذا وذاك فيتأخر ولا يضع منبهاً فلا يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس.

    وآخرون من الناس وهم قلة، يكون تأخر أحدهم عن صلاة الفجر مع اتخاذ كافة الأسباب، وذلك لأنه ثقيل النوم، كما في الحالة التي وصفها السائل، ومثل هؤلاء ربما يصبُّ الماء على أحدهم ويجر ويضرب ويسحب، ويُصاح في وجهه فلا يشعر بشيءٍ مما حوله، فهذا استنفذ جميع الوسائل والأسباب الشرعية الممكنة، فلا إثم ولا حرج عليه، بل متى استيقظ صلَّى ولو لم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس، وقد حدث هذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كما في سنن أبي داود {أن صفوان بن المعطل رضي الله عنه كان لا يصلي الفجر إلا بعد طلوع الشمس، فشكته زوجته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت للنبي صلى الله عليه وسلم إنه يمنعها من القراءة في الصلاة بأكثر من سورة، ولا يصلي الفجر إلا بعد طلوع الشمس، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك، فقال: يا رسول الله، أما منعي لها أن تصلي بأكثر من سورة فإن السورة كافية، وأنا شابٌ لا أصبر عن أهلي، وأما صلاتي بعد طلوع الشمس، فإنا أهل بيتٍ قد عرف فينا ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إذا استيقظت فصلِّ} والحديث إسناده حسن.

    ومعنى الحديث أن صفوان بن المعطل رضي الله عنه، قد ورث عن أهله ثِقَل النوم، وهذا موجودٌ الآن، فبعض الأسر والعوائل يكون ثِقَل النوم متوارثاً بينهم، يأخذه الأحفاد عن الأجداد، والعكس بالعكس، فمن كان فيه ثقل نومٍ لا يستطيع معه أن يستيقظ، ولو صب عليه الماء، ولو نام مبكراً، ولو وضع المنبه، ولو أيقظه أهله، فإن هذا لا يكلف ما لا يستطيع، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، بل متى استيقظ صلى؛ لكن إذا كان منه تفريطٌ فإن الله تبارك وتعالى يحاسبه عليه، ولا ينبغي أن يكون هذا الكلام حجة للكسالى الذين يفرطون، ثم يقول أحدهم: أنا ثقيلُ النوم.

    فإننا نجد أن بعض من يتعللون بثقل النوم إذا ركَّب أحدهم المنبه على الدوام المدرسي، أو دوام العمل، أو كان عنده موعد في الطائرة ويحتاج أن يستيقظ، فبمجرد أن يسمع جرس المنبه يفزع كأنه ملدوغٌ وهذا ملاحظ، فإن بعض الناس يكون استيقاظه بسبب الاهتمام، فقلة الهم من أسباب ثقل النوم، وشدة الهم تجعل أعصاب الإنسان منتبهة، والمثل الذي ضربته لكم يوضح القضية، فلو كان إنسانٌ عنده موعدٌ مهم جداً، وكان سفره في الطائرة الساعة الثامنة صباحاً -مثلاً- وهو موعدٌ أساسي يترتب عليه نتائج كبيرة، يحس الإنسان بقيمتها، فإنك تجد بعض الذين يعتذرون بثقل النوم، عندما يؤقت الساعة على السابعة حتى يدرك الطائرة، بمجرد أن يسمع جرس الساعة يفزع ويقوم بسرعة، فكذلك ما يتعلق بالاستيقاظ للصلاة ينبغي أن يكون عند الإنسان من الاهتمام والحرص على الصلاة ما يجعله هكذا، فينتبه الإنسان لذلك، وفرقٌ بين من يكون تأخره لثقل النوم حقيقة، وبين من يكون تأخره لتأخره في النوم، أو لعدم الاهتمام بالصلاة، أو لعدم وجود منبه، أو ما أشبه ذلك.

    الحفظ ووسائل تنميته

    السؤال: هل الحفظ مهمٌ في التعلم؟ وما وسائل تنميته؟

    الجواب: الحفظ لا شك في أهميته، بل إن الحفظ إذا أردنا أن نعرِّفه من حيث الأصل؛ فلا يمكن التعلم إلا بحفظ، ولا أعني بالضرورة حفظ المتونِ فقط، بل المهم أن يحتفظ الإنسان بالمعلومات، فالذي لا يحتفظ بالمعلومات لا يمكن أن يتعلم لأنه يسمع المعلومات ثم تطير منه، سواءً حفظها بحروفها وألفاظها، أو حفظ معانيها، فأصل الحفظ أساسي للتعلم، لكن الحفظ المتعارف عليه -وهو حفظ المتون والنصوص- هل له أهمية كبيرة؟

    نعم الحفظ له أهميةً كبيرة، ومازال أهل العلم منذ القدم يوصون بتحفظ العلم وحفظه، ولذلك فإن على طالب العلم أن يحفظ بعض المتون المهمة في مجاله، وقبل ذلك ينبغي له أن يحفظ كتاب الله عز وجل، ثم يحفظ متناً مختصراً في السنة، ومتناً مختصراً في العلم الذي يبدأ به فقهاً كان، أو أصولاً، أو فرائض، أو نحواً، أو غير ذلك.

    فالحفظُ مهم، لكن بعض الناس يقول: أنا ضعيف الحفظ، فهل يعني ذلك أنني لا أتعلم؟ فأقول: هذا من الأخطاء الشائعة، لأسباب:

    أولاً: مع اعترافي بأهمية الحفظ -كما ذكرت لكم قبل قيل- فإن أهمية الحفظ في هذا العصر قلَّتْ عنها في أي عصرٍ مضى، لأن وسائل الوصول إلى النصوص، أصبحت ميسورة، فكل واحدٍ لديه مكتبة عامرة بألوان الكتب، فهذه نقطة.

    ثانياً: هناك فهارس دقيقة: فهارس في الأحاديث، وفي الأعلام، وفي الموضوعات دقيقة ومنوعة، ويستطيع الإنسان بواسطتها أن يصل إلى النص الذي يريد خلال مدةٍ وجيزةٍ جداً.

    ثالثاً: الناس الآن ينتظرون الانتفاع بما يسمى بجهاز الكمبيوتر في العلوم الشرعية وعلى رأسها السنة النبوية، وهذا الجهاز إذا وجد واستخدم، يتيسر ويتسنى للإنسان من خلاله الحصول على ما يريد من أسماء الرواة أو تراجمهم، أو الأسانيد، أو الأحاديث، أو الشواهد، أو المتون أو غيرها خلال لحظاتٍ وجيزة، كلها مبسوطةٌ أمامه، فبذلك أصبح الحفظ على أهميته الكبيرة ليس بالدرجة التي كان عليها من قبل، والتي كانت الكتب فيه قليلة، والوصول إليها متعسر إن لم يكن متعذراً في بعض الأحوال، فهذه الأشياء تجعل الإنسان وإن كان ضعيف الحفظ إلا أنه ينبغي أن يهتم بالعلم، بشكلٍ عام.

    وهناك أمرٌ آخر: وهو أنك قد تجد إنساناً لديه حافظة قوية، فيصرف هذه الحافظة في أمورٍ قد تكون أقلَّ جدوى، فهذا إنسان مثلاً يحفظ كتاب تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر وتقريب التهذيب -كما تعرفون- كتابٌ في تراجم الرواة، يذكر اسم الراوي مميزاً وطبقته، ودرجته من حيث الجرح والتعديل، ومن روى له من الأئمة الستة، فحفظ الإنسان كتاب تقريب التهذيب هذا جيد، وليس هناك إشكال في حفظ تقريب التهذيب لكن المشكلة إن كان حفظ تقريب التهذيب على حساب غيره، فلا يصلح أن يحفظ الإنسانُ تقريب التهذيب وهو لم يحفظ بعد كتاب الله تعالى، أو لم يحفظ أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، وبلا شك أن حفظ مختصر صحيح البخاري أو مختصر صحيح مسلم أو بلوغ المرام أو عمدة الأحكام أو الأربعين النووية أو نحوها أفضل وأهم بكثيرٍ جداً من حفظ تقريب التهذيب لأن تقريب التهذيب مطبوعٌ وفي كل بيت، وبإمكان الإنسان أن يصل إلى ترجمة -في تقريب التهذيب- أيَّ راوي في دقيقة واحدة، أو أقل من ذلك، ويعرف ماذا قال فيه ابن حجر، مع أن الحافظ قد لا يعتمد على حفظه في تقريب التهذيب لأنه ربما يشك في حفظه أحياناً، فيحتاج إلى مراجعة المطبوع، إذاً ما استفدنا شيئاً في الحالة هذه.

    ثم إن الأمة الإسلامية -أيها الإخوان- اليوم بحاجةٍ ماسة ماسة ماسة إلى فقهاء وعلماء يفقهون النصوص والقواعد والأصول، ويجيدون الاستنباط ليحلوا المشكلات الكبيرة التي تواجه الأمة.

    و عامَّةُ الناس اليوم يحتاجون إلى الفقهاء، فلن تجد عامياً يسألك ماذا قال ابن حجر في فلان؟ وماذا قال ابن حجر في فلان؟ وفلانٌ من أي طبقة؟ وفلانٌ من أي مرتبة؟ لن تجد عامياً يسألك، بل لو سمعك تتكلم في هؤلاء قال: هؤلاء جالسون في المسجد يغتابون الناس، وربما تكلموا في أناسٍ قد حطوا رحالهم في الجنة منذ مئات السنين، لأنه لا يصدر هذه الأمور ولا يوردها، فعامة الناس لن يسألوا عن هذا الأمر، وخاصةُ الناس أيضاً لن يسألوا عنه، لأن الخاصة يسألون عن حكم الله ورسوله في الوقائع والنوازل التي ألمت بالمسلمين، فإذا التقيت بطبيبٍ سألك عن حكم -مثلاً- ما يسمى بطفل الأنبوب، وحكم بعض القضايا والمشاكل الطبية التي تقع، وعن أخطاء ومعاص توجد في كثيرٍ من المستشفيات كيف يتعامل معها الإنسان، كمسألة نقل الكلى، ومسألة نقل الأعضاء، والجنين المشوه، وحكم إسقاط الجنين، وحكم الإجهاض، وأحكامٌ كثيرة يسألك عنها، فإذا التقيت بمهندسٍ سألك عن مشاكل المهندسين، وإذا التقيت بتاجرٍ سألك عن القضايا التجارية والاقتصادية الحادثة، والمعاملات البنكية التي لم تكن موجودة في الماضي من حيثُ المصطلح، ومن حيث طبيعة المعاملة، وكثيراً ما يتساءل عنها الناس.

    وإذا التقيت بشابٍ يعمل في الدعوة إلى الله سألك عن بعض القضايا الواقعة التي يواجهها في حياته، وما حكم الله ورسوله فيها، فالناس يسألون غالباً عن الحكم الشرعي، وهذا هو الذي يعنيهم، فاشتغال طالب العلم بمعرفة المتون والأحكام والقواعد والأصول أولى من اشتغاله بحفظ أشياء قد يحتاجها أو لا يحتاجها، ولو احتاجها لسهل عليه الوصول إليها في مصادرها بسهولة، فينتبه إلى هذا الأمر.

    أما فيما يتعلق بالنقطة الأخيرة وهي مسألة وسائل تنمية الحفظ فكثيرة:

    أولاً: اختيار الوقت المناسب للحفظ، وقد ذكر أهل العلم أن أفضل أوقات للحفظ هي الأسحار.

    ثانياً: صفاء الذهن أثناء الحفظ.

    ثالثاً: تكرار ما يريد الإنسان حفظه مرات حتى نُقل عن أبي إسحاق الشيرازي وهو من فقهاء الشافعية: أنه كان إذا أراد أن يلقي الدرس كرره مائتي مرة، وهو إمامٌ عالم أصوليٍ فقيه مشهورٌ عند الشافعية.

    رابعاً: أن يربط الإنسان حفظه بعضه ببعض، فإذا أشكل عليه أمرٌ أو تشابه عليه شيءٌ حاول أن يوجد علاقات يتذكرها، مثلاً إذا أراد أن يحفظ مجموعةَ أشياء، أخذ أوائل هذه الكلمات وكون منها جملةً حفظها، وهذا مثلٌ، أو ربطها بأي أمرِ يسهّل عليه حفظ هذه الأشياء واستذكارها.

    خامساً: كذلك من وسائل الحفظ كثرة الحفظ، كما أن كثرة الأخذ والعطاء باليد تقوي العضو، كذلك كثرة حفظ الإنسان للأشياء تقوي الذاكرة عنده، والعكس بالعكس، إهمال الإنسان للذاكرة، وعدم اعتياده على الحفظ يقلل من قوة حافظته.

    سادساً: كما أن استغلال الإنسان لأول عمره؛ طفولته ثم شبابه، من أهم الأمور التي ينبغي التنبيه إليها، فالإنسان إذا كبر شاخت الذاكرة وهرُمت، وبعد الزواج والمشاكل والوظيفة والعمل يصبح الإنسان مشتت الذهن، ويقل تركيزه، لذلك من توفيق الله للشاب، بل للطفل أن يوفق بمن يوجه لاستغلال الطفولة في الحفظ، وهذا أمرٌ إن فاتنا نحن -أيها الإخوة- فلا ينبغي أن يفوت أولادنا.

    وأوصيكم أيها الإخوة أن تحرصوا على تحفيظ أولادكم الأشياء المهمة منذ الطفولة، فالطفل من السهل عليه أن يحفظ، وإذا حفظ شيئاً فإنه لا ينساه، وكلنا نعلم أن ما حفظناه في الطفولة حتى لو تركناه وقتاً طويلاً دون مراجعة إذا عدنا إليه وجدناه كأنما حفظناه الساعة، فإن فاتنا ذلك فينبغي ألا يفوت أطفالنا وصغارنا، فعلينا أن نحفظهم ما يحتاجون إليه في كبرهم، وأذكر أنني رأيت في الحرم المكي يوماً صبياً ربما عمره تسع سنوات أو دون ذلك وهو يحفظ القرآن الكريم ويحفظ بعض كتب السنة كـموطأ مالك وغيره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    1.   

    جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد الله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    المؤلف: مولده ووفاته

    سأتحدث عن كتاب جامع الأصول من أحاديث الرسول، للإمام الزاهد العابد، الفقيه العالم الورع أبي السعادات مجد الدين المبارك بن محمد بن محمد بن الأثير الجزري الموصلي وهذا الإمام ولد سنة (540) للهجرة، وتوفي عام (606هـ)؛ فهو من رجال القرن السادس الهجري.

    مواقف من سيرته

    وقبل أن أذكر الكتاب أحب أن أشير إلى موقفين أعجباني في سيرة هذا الإمام العظيم، يقول بعض مترجميه: إن السلاطين كانوا يهتمون به، ويكرمون وفادته، ويزورونه في منـزله، حتى آلت النوبة إلى رجلٍ منهم اسمه: نور الدين شاه، فكان حاكماً في تلك النواحي، فكان يأتي إلى الإمام مجد الدين في منـزله ويزوره ويستشيره، فعرض عليه الوزارة وألح عليه أن يكون وزيراً يفوض إليه تنفيذ الأمور والأحكام والأقضية وغيرها، فاعتذر ابن الأثير، فألح عليه نور الدين حتى أنه غضب عليه، فقال له ابن الأثير: إني رجلٌ قد ضيعت وبذلت أكثر عمري في طلب العلم والحديث، ولو أنني اشتغلت بالوزارة وتولي الأمور التنفيذية لما استطعت أن أقوم بها على الوجه المطلوب، ولخشيتُ أن يداخلني في ذلك شيءٌ من الظلم والعسف الذي قد يتصور بعض الناس أن الوزارة لا تقوم إلا به، فاستعفاه وأصر عليه حتى أعفاه من ذلك.

    الموقف الثاني: أنه لما كبُر سنه -رحمه الله- أصيب بنوع من الشلل في أطرافه، فجاءه طبيبٌ من المغرب، وصار يعالجه بعلاجاتٍ وأدهانٍ وأدوية حتى بدأت تنفع فيه هذه العلاجات، وظهر أثرها وبدأ يحرك أطرافه، وكان القائم على علاجه أخوه -هذا الطبيب يعالجه وأخوه كان قائماً على شئونه- فقال الإمام ابن الأثير لأخيه: أعط هذا الطبيب ما تيسر من المال وأجِزْه -يعني أعطه جائزةً واصرفه عنا- فتعجب أخوه من هذا، فقال: ما السر في ذلك الآن؛ وبوادر الشفاء قد ظهرت فيك؟ فلم تطلب أن أصرف الطبيب؟ قال: لأني رأيت في هذا المرض خيراً، حيث أني أصبحت معذوراً عن زيارة السلاطين -أي أنهم لا يتطلعون أن يزورهم لأنه مقعدٌ مشلول- وسلمت من القعود معهم، والذل بين أيديهم، وانقطعت للعلم والعبادة فوجدت لذلك لذةً عظيمة، ولست بحاجةٍ إلى أن أنغص عيشي معهم مرةً أخرى، فوافق أخوه على طلبه، وصرف هذا الطبيب عنه، رحمه الله ورضي عنه وأرضاه.

    كيف جمع كتابه

    أما كتابه جامع الأصول من أحاديث الرسول فقد جمع فيه الأحاديث التي حوتها ستةُ كتبٍ من دواوين الإسلام العظيمة، وهي البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ وليس ابن ماجة كما هو المتداول عند الناس من بعدابن طاهر المقدسي بل مالك في الموطأ بدلاً من ابن ماجة.

    وقد اعتمد في جمع أطراف وأحاديث هذه الكتب فيما يتعلق بـالصحيحين، على كتاب اسمه الجمع بين الصحيحين للإمام الحميدي، الذي جمع أطراف الصحيحين جمعاً حسناً، فأخذ ابن الأثير أطراف الصحيحين من كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي.

    أما الكتب الأربعة الباقية -وهي أبو داود والترمذي والنسائي والموطأ- فإنه أخذ أحاديثها من أصولها، أي من الكتب نفسها وضمنها كتابه، فهذا ما يتعلق بالكتب التي جمعها، ومن أين استقاها.

    الدافع إلى تأليفها هذا الكتاب

    وهناك هدف دفع ابن الأثير إلى تأليف هذا الكتاب فما هو؟ أو أستطيع أن أقول: إن هناك من جمع هذه الكتب قبل ابن الأثير فما الذي حدا بـابن الأثير إلى أن يكرر الجهد مرةً أخرى؟ والذي جمع هذه الكتب قبل ابن الأثير هو رزين بن معاوية العبدي السرقسطي حيث جمع هذه الكتب الستة، وهي الصحيحان، وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ في كتاب سماه تجريد الصحاح، وبناءً عليه نستطيع أن نقول: إن تجريد الصحاح يشبه جامع الأصول من حيث الكتب التي جمعها؛ لكن بينه وبين جامع الأصول فررق عديدة:

    أولاً: أن ابن الأثير رحمه الله استقصى الأحاديث الموجودة في الكتب الستة بخلاف رزين بن معاوية فإنه قد ترك أحاديث كثيرةً منها، إما لم يطلع عليها، أو لم تكن في الرواية التي اعتمد عليها، أو ما أشبه ذلك، أو اختصاراً ظن أن غيرها يكفي عنها، والمهم أن رزين بن معاوية أسقط أحاديث كثيرة فاستدركها ابن الأثير، فهذا أول الفروق.

    ثانياً: أن رزيناً أضاف إلى الكتب الستة التي جمعها زيادات لا يُدرى عنها شيئاً، لا يعلم من أين جاء بها رزين، وهذه مشكلة -غفر الله له- حيث أضاف إلى الأحاديث المنقولة من الكتب المعتمدة أحاديث بعضها موضوع، وبعضها ضعيف لا يدرى من أين جاء بها، وهذا يعتبر خطأً مع أن رزيناً نفسه كما قرأت في كتاب السيل الجرار أن العلماء يضعفونه، ولم أستطع مراجعة ترجمته بتوسع، ولذلك تجد هذه الزيادات التي ذكرها رزين مثبتة في جامع الأصول ويقول: ذكره رزين والمهم أن ابن الأثير استدرك على رزين أشياء كثيرة.

    ثالثاً: وكذلك ابن الأثير أعاد ترتيب الأحاديث بطريقة جديدة جيدة غير الطريقة التي سلكها رزين، فإن رزيناً رتب الأحاديث على حسب أبواب البخاري، أما ابن الأثير فقد رتبها على حسب موضوعاتٍ شتى من جميع الكتب، غير مخصوصة بـالبخاري أو غيره.

    رابعاً: وكذلك ابن الأثير يذكر الألفاظ المختلفة للحديث الواحد، فالحديث الواحد له ألفاظٌ عند البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي فـابن الأثير يسرد هذه الألفاظ كلها.

    خامساً: هو أن ابن الأثير يذكر غريب الحديث -معاني الكلمات العربية في الحديث- ويشرحها فهذه مميزات لكتاب ابن الأثير وهو جامع الأصول على كتاب رزين بن معاوية العبدي السرقسطي وهو تجريد الصحاح.

    طريقة ترتيبه لكتابه

    كيف رتب ابن الأثير كتابه هذا؟

    رتب ابن الأثير كتابه على حسب الموضوعات -كما أسلفت- وليس على حسب المسانيد، ولا على حسب الحروف، لكن الميزة له أنه قد رتب الموضوعات على حسب حروف الهجاء، فمثلاً يبدأ بحرف الهمزة، فيدخل فيه كتاب الإيمان، وكتاب الإيلاء، وكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى غير ذلك، ثم ينتقل إلى حرف الباء، فيثبت فيه كتاب البيوع، والبيعة، والبر، ثم ينتقل إلى التاء؛ فيثبت فيه التفسير مثلاً، والتوبة، وهكذا إلى أن يصل إلى نهاية الحروف. فالكتاب مرتبٌ على حسب الموضوعات، والموضوعات مرتبة على حسب حروف الهجاء (أ، ب، ت، ث......).

    وإذا كان الموضوع شاملٌ فإنه يسوقه في حيزٍ واحد. مثلاً: كتاب الجهاد في حرف الجيم، وفي الجهاد سيتحدث ابن الأثير عن الغنائم، فلو بحثت عن الغنائم فلن تجدها في حرف الغين؟ بل ستجدها في حرف الجيم تبع للجهاد، ومثلها الأسرى، ومثلها الشهادة- الشهداء في سبيل الله- وهكذا كل الأشياء المتعلقة بموضوع الجهاد، جمعها معه في حيزٍ واحد.

    ثم إذا انتهى -مثلاً- من جميع الموضوعات المتعلقة بحرف الألف، قال: الأبواب التي أولها ألف ولم تورد في حرف الألف، ثم ذكر الأبواب التي لم يوردها في هذا الحرف، وعلى سبيل المثال يقول رحمه الله في صفحة [395]: ترجمة الأبواب التي أولها همزة ولم ترد في حرف الهمزة، الاحتكار في كتاب البيع من حرف الباء، الأمان في كتاب الجهاد حرف الجيم.

    إذاً: هذه طريقته في ترتيب الأحاديث، فهو رتبها على حسب الموضوعات، ورتب الموضوعات على حسب حروف الهجاء.

    كيفية اختيار موضوع الحديث

    أما كيف يسوق ابن الأثير الأحاديث؟ أي كيف يختار للحديث موضوعاً؟

    فبعض الأحاديث تكون في موضوعٍ واحد، بحيث يكون ظاهر أن الحديث في الطهارة أو الصلاة أو الزكاة بحيث أنَّ أي إنسانٍ عندما يتأمل الحديث يجده في هذا الموضوع. فمثلاً سبق معنا في دروس بلوغ المرام حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الماء طهورٌ لا ينجسه شيء} لو أردت أن تبحث عن هذا الحديث في جامع الأصولجامع الأصول ليس بكتاب أصلي، لكن تبحث فيه ليدلك على الكتب الأخرى- فإنك ستجده في باب الطهارة، ولا يحتمل أن يوجد هذا الحديث في بابٍ آخر لأنه يتعلق بالطهارة والمياه.

    إذاً هذا الحديث يضعه في كتاب الطهارة، وكتاب الطهارة في حرف الطاء. لكن أفترض أن الحديث الأول الذي قبله، في الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {إنا نركب البحر ومعنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه الحل ميتته} فهذا الحديث يحتملُ بابين، أولهما الطهارة، لقوله: {هو الطهور ماؤه} والثاني في باب الأطعمة لأنه تكلم عن الطعام، وهو أن ميتة البحر حلال، والأغلب أن يضع الحديث في باب الطهارة لأن الكلام عن الطعام إنما جاء تبعاً وليس استقلالاً.

    وعليه فإذا كان الحديث يحتمل أكثر من موضوع، فإنه يلحقه بأقرب الموضوعات وألصقها بالحديث، وأحياناً قد يحتمل الحديث معاني كثيرة جداً لا يمكن إلحاقه بشيءٍ منها، وذلك مثل بعض خطب النبي صلى الله عليه وسلم التي يتحدث فيها عن موضوعات كثيرة، وأذكر منها -على سبيل المثال- الحديث الذي رواه عياض بن حمار المجاشعي في صحيح مسلم قال: {قال رسول الله صلى الله وسلم: قال الله تعالى: إني خلقت عبادي كلهم حنفاء، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنـزل به سلطاناً، وإن الله تعالى أمرني أن أحرق قريشاً، فقلت يا رب إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزةً، فقال الله عز وجل: أغزهم نُغزِك، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وابعث جيشاً نبعث عشرةً مثله، وإن الله آتاني كتاباً لا يغسله الماء أقرأه نائماً ويقظان... الحديث}.

    فالحديث مشتملٌ على موضوعاتِ عديدة يصعب على المتأمل -على رغم كثرة فوائد الحديث- أن يصنفه في موضعٍ خاص، فهذا النوع جعل له ابن الأثير في آخر الكتاب حيزاً ضيقاً خاصاً باللواحق، وهي الأحاديث التي لا تندرج تحت موضوع معين، وهي موجودةٌ في آخر الجزء الحادي عشر من المطبوع.

    أما بالنسبة للحديث الخاص كيف يورده، فإن ابن الأثير أولاً يورد رموز من أخرجوا الحديث، وقد رمز للبخاري بالخاء، ولـمسلممسلم بالميم، ولـمالك في الموطأ بالطاء، ولـأبي داود بالدال، وللنسائي بالسين، وللترمذي بالتاء، فيذكر هذه الرموز في صدر الحديث، ومع ذلك يصرح بها أثناء سياق الحديث، وهذا مبالغة في الدقة والتحري؛ فهو يذكرها على أنها رموزٌ في أول الحديث، ثم يصرح بها أثناء الحديث.

    وهو يسوق صحابي الحديث فقط دون أن يُعنى بذكر الإسناد، ثم يسوق متن الحديث، ويُعنى عنايةً خاصة بألفاظ الصحيحين -البخاري ومسلم- ثم يسوق بعدها ألفاظ الكتب الأخرى , وفي روايةٍ، وفي روايةٍ، وفي روايةٍ... حتى ينتهي منها، فإذا انتهى من الموضوع ذكر معاني الكلمات، لكن الذين طبعوا الكتاب أحسنوا فجعلوا معاني الكلمات لكلَّ حديثٍ بعده مباشرةً، وهذا أفضل، فبعد أن ينتهي من الحديث برواياته يذكر غريب الحديث، فيشير إلى المعاني التي تحتاج إلى شرحِ أو ينقلها من أئمة اللغة، فإذا لم يجد لأئمة اللغة فيها كلاماً قال باجتهاده بعد استشارة العلماء.

    وأشير إلى أن ابن الأثير له كتابٌ في غريب الحديث مشهورٌ مطبوعٌ في خمسة مجلدات واسمه: النهاية في غريب الحديث والأثر وهو من أجمع كتب الغريب.

    فهذه باختصار طريقة ابن الأثير.

    والذين حققوا الكتاب قاموا بعمل جيد وخاصةً في الطبعة الأخيرة التي قام عليها الشيخ: عبد القادر الأرنؤوط حيث أنهم طبعوا الكتاب على نسختين خطيتين، وكذلك أرجعوا الأحاديث وعزوها إلى مصادرها بالرقم وبالجزء والصفحة، وتكلموا عن الأحاديث تصحيحاً أو تضعيفاً، وإن كانوا يتسامحون في تصحيح الأحاديث؛ لكنهم بذلوا في ذلك جهداً طيباً في تصحيح الأحاديث أو تحسينها أو تضعيفها والكلام عليها، فهذه أبرز الأشياء التي يمكن أن أقولها حول ابن الأثير في جامع الأصول وطريقة الاستفادة من هذا الكتاب.

    هل يُعْزَى إلى جامع الأصول

    ومن البدهي الآن أنه أصبح واضحاً أن كتاب جامع الأصول لـابن الأثير ليس من الكتب الأصلية التي يُعزى إليها، فلا تقول رواه ابن الأثير في جامع الأصول وإنما تستفيد من جامع الأصول أحياناً في الدلالة على الحديث -فيمن خرجه- فهذه فائدة.

    الفائدة الثانية: وهو إذا كنت لا تريد أن تستقصي في البحث، وتريد أن تعرف من خرجه على سبيل الاختصار، كأن تكون تريد أن تعد بحثاً أو خطبةً أو موضوعاً، فترجع إلى جامع الأصول حيث يجمع لك كل الأحاديث الواردة في الباب. وافترض أنك تريد أن تعد بحثاً في التوبة مثلاً، فارجع إلى حرف التاء، فتجد أن ابن الأثير جمع لك كل ما يتعلق بالتوبة في حرف التاء من الكتب الستة هذه، وهذه الكتب قد جمعت كثيراً من الأحاديث.

    تنبيه هام

    ويبقى أن أنبه إلى أن ابن الأثير أضاف إلى الكتب الستة، الزيادات التي زادها رزين بن معاوية العبدي فهو يذكرها في الأخير ويقول: خرجه رزين، وغالب هذه الأشياء التي خرجها رزين ضعيفة أو موضوعة أحياناً. أذكر لكم نموذجاً واحداً منها، يقول: الكتاب الخامس في الاعتكاف -والذين طبعوا الكتاب رقموا الأحاديث فرقم الحديث (119)- ثم يقول لك: (خ/ م / ط/ د/ ت / س) أي أن الحديث في البخاري ومسلم ومالك في الموطأ وأبي داود والترمذي والنسائي.

    عن عائشة رضي الله عنها: {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه بعده} هذا اللفظ غالباً يكون أحد ألفاظالصحيحين أو كليهما، ثم يقول لك وفي رواية: {كان يجاور العشر الأواخر من رمضان ويقول: تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان} وفي روايةٍ، وفي أخرى، ورواية في الموطأ وله في أخرى عن عائشة وأخرجه أيضاً قال... إلى أن ينتهي من الروايات، بعد ذلك يأتيك شرح غريب الحديث، يعتكف مثلاً، العكف هو الحبس، يجاور، تحروا... إلى آخره.

    وهكذا في آخر باب الاعتكاف لو فرض أنه وجد حديث عند رزين لم يخرجه أحد ذكره، لكن لم يوجد شيء لكن في الكتاب الذي بعده وهو إحياء الموات مثلاً، آخر حديث وهو في صفحة (351) الحديث رقم (136) عن سعيد بن زيد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {من أحيا أرضاً قد عجز صاحبها عنها وتركها بمهلكةٍ فهي له} يقول: هذا في كتاب رزين ولم أجده في الأصول، وهذه الزيادات التي أضاف رزين كما قلت الغالب عليها الضعف، ولا تعتمد إلا إذا كانت في شيءٍ من أصول الإسلام، أو تكلم العلماء عليها بالتصحيح.

    سبحانك الله وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    1.   

    مجمع الزوائد ومنبع الفوائد

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أما بعد:

    مؤلفه رحمه الله

    فسوف نتكلم عن كتاب مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للإمام الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي المولود سنة 735 للهجرة، والمتوفى سنة 807هـ.

    وفي الواقع -ولله الحمد- أن عندنا معلومات وافية عن هذا الكتاب، نظراً لأنني سبق أن مررت على الكتاب، وإن كان مرور الكرام؛ لكن من خلال مروري عليه كنت أكتب بعض الملاحظات على منهج الهيثمي وطريقته، فهي مفيدة إن شاء الله وإن كانت غير منظمة، ولم يتسن لي الوقت لتنظيم هذه المعلومات تنظيماً تاماً.

    فكرة الكتاب

    أولاً: فكرة الكتاب، واسم الكتاب مجمع الزوائد ومنبع الفوائد.

    وفكرة الكتاب تقوم على جمع زوائد كتب معينةٍ على كتبٍ أخرى، والزوائد ليس أول من جمعها الهيثمي بل جمعها جماعةٌ من أهل العلم، كمثل مغلطاي والبوصيري وغيرهم ممن يجمعون زوائد بعض الكتب، والهيثمي تابعهم في ذلك، فجمع الأحاديث الزائدة في الكتب التي اختارها على الكتب الستة فجاء إلى زوائد مسند الإمام أحمد وأبي يعلى والبزار، والطبراني في معجم الطبراني الكبير والأوسط والصغير -فهذه هي الكتب ستة- فجاء إلى زوائد هذه الكتب الستة -أي الأحاديث الزائدة التي لا توجد في الكتب الستة: البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة- فأخذ هذه الزوائد وجمعها في هذا الكتاب، وكان ذلك بإشارةٍ من شيخه ومربيه ومعلمه، وهو الإمام الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي الحافظ المشهور، وللعراقي في عنق الهيثمي مِننٌ عظيمة، فإن العراقي كان يصحبه في جميع أسفاره، حتى إن الهيثمي لم يترك العراقي في سفرٍ من أسفاره، وفي جميع حِجَجِه أيضاً كان يرافقه، وفي مجالسه، ولذلك شاركه في معظمِ شيوخه، وكان العراقي يحتفي به وينيبه عنه أحياناً، وإن كان في مجلس العراقي من هو أفضل منه من حيث العلم والحفظ والإتقان، ولكنه كان رجلاً محبباً فيما يبدو ديناً متعبداً، وكأن العراقي ارتاح إليه، وصار يقدمه في مجلسه.

    فالذي أشار عليه بجمع الزوائد هو العراقي، فجمع زوائد مسند الإمام أحمد ثم أبي يعلى ثم البزار ثم الطبراني، ثم خلط هذه الزوائد في هذا الكتاب الواحد، فجاء كتاباً فذاً في بابه، بحيث لو وجد عندك مع الكتب الستة فكأن المسند والطبراني والبزار وأبا يعلى موجودةً في بيتك، وهذا بطبيعة الحال هو هدفه؛ لكن لا يعني هذا أن الرجل استوفى جميع الزوائد، بل قد يوجد زوائد غفل عنها، كما أنه لا يعني أن جميع ما ذكره من الزوائد كذلك فإنني قد استدركت عليه أحاديثَ كثيرة جداً، وإن كانت من حفظي أيضاً، ولم أراجع الكتب الأخرى، حيث يبدو لي أنه جعلها من الزوائد، وهي ليست من الزوائد بل هي موجودةٌ في الكتب الستة أو في أحدها.

    والهيثمي كان يتجنب ذكر الأسانيد فلا يذكر إسناد الحديث بل يذكر صحابي الحديث ومتنه، ولا يذكر الإسناد إلا إذا وجدت حاجةٌ تدعو إلى ذكر الإسناد، فمثلاً قد يكون في الإسناد سقط فيذكرُ إسناداً معيناً ليبين السقط الموجود فيه.

    وأذكر على سبيل المثال لهذا مثلاً، فإنه في الجزء العاشر صفحة (396) ذكر الإسناد لسقطٍ فيه؛ ولكن العادة أنه لا يذكر الأسانيد.

    ثم بعد أن يذكر الحديث يذكر من خرجه، ثم يحاول أن يحكم على الحديث؛ لكن طريقته في الحكم على الحديث طريقة تحتاج إلى تنبه، فهو أولاً: قلما يعطي حكماً على الحديث نفسه، فلا تجده يقول: هذا حديثٌ صحيح، أو حسن، أو ضعيف، إنما يحاول أن يحكم على الإسناد، وهذه تعتبر ميزةٌ للكتاب، فيقول -مثلاً-: رواه أحمد بسندٍ جيد، أو بسندٍ حسن، أو: رواه أحمد بسندٍ رجاله ثقات، أو بسندٍ فيه فلانٌ وهو ضعيف، أو فيه جماعةٌ من الضعفاء، أو فيه رجالٌ قد وثقوا، أو ما أشبه ذلك من العبارات، أو يقول: رجاله رجال الصحيح، وإن كانت هذه العبارات ليست دقيقة، لأن الإمام الهيثمي رحمه الله لم يكن بالحافظ المستوفي خاصة في موضوع الرجال، ولذلك يقول أحياناً في الرجل: لم أقف عليه، وهو قد ترجم له في موضعٍ آخر من نفس الكتاب، ففي موضع يقول: وفيه فلان وهو ضعيف وفي موضع آخر يقول: وفيه فلانٌ لم أقف عليه وهو قد ضعفه قبل قليل، فهو ليس بذاك المستوفي للرجال، ولهذا فالعلماء لا يعتمدون على توثيق الهيثمي إلا على سبيل الاستئناس في الحكم، أي: لموافقته غيره أو ما أشبه ذلك، أما الاعتماد على توثيقه فليس حسناً.

    طريقة ترتيبه للأحاديث وعده للزوائد

    وقد رتب الهيثمي الأحاديث كما هو ظاهرٌ ومعروف على حسب الموضوعات الفقهية، فأذكر لكم بعض الفوائد التي اقتبستها من الكتاب وإن كانت غير منظمة كما أشرت...

    أولاً: طريقته في عد الزوائد: فهو يعدُّ الحديث من الزوائد ولو كان فيه لفظٌ واحدٌ زائد، فمثلاً حديث أنس رضي الله عنه: {ثلاثٌ من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.... الحديث} فهذا الحديث يوجد في البخاري، ومسلم، وقد عده هو من الزوائد في الجزء الأول صفحة (56).

    وقد عده من الزوائد لأنه ذكره بزيادة: {أن يحب في الله ويبغض في الله} وزيادة: (يبغض في الله) ليست في الصحيحين.

    ومثل ذلك حديث جابر : {أذن لي أن أحدث عن ملكٍ... الحديث} وهو في الجزء الأول صفحة (80)، وحديث ابن عمر: {مثل المؤمن كمثل النخلة... الحديث} الجزء الأول صفحة (83) إلى غير ذلك.

    ثانياً: كأن الهيثمي اعتمد في معرفة أطراف الستة على المزي، ويبدو لي أنه لم يراجع الكتب الستة، وإنما يعتمد على أطراف الكتب الستة للمزي، وأطراف الكتب الستة للمزي هي تحفة الأشراف وقد سبق شرحها، والذي يجعلني أقول ذلك، أنه في صفحة (1/171) قال: لما ذكر حديث جابر: {أفضل الكتاب كتاب الله... الحديث} قال: رواه الطبراني في الأوسط، وعزا الشيخ جمال الدين المزي بعض هذا إلى النسائي، والظاهر أنه في الكبرى فكأنه كان يراجع تحفة الأشراف وهذا الأمر أيضاً يمكن أن تجده في صفحة (198) فإنه يقول في هذه الصفحة لما ذكر حديث فتح القسطنطينية قال: رواه الطبراني، وقد عزاه في الأطراف إلى أبي داود في الملاحم ولم أجده، وهو يعني بـالأطراف أطراف المزي فيما يظهر لي.

    وكذلك في (ص:289) من نفس الجزء وفي آخرها، لما ذكر حديث ضمام بن ثعلبة ووفادته على النبي صلى الله عليه وسلم قال:عزاه صاحب الأطراف إلى أبي داود ولم أجد في أبي داود إلا طرفاً من أوله.

    وهذا يدل على أنه قد استفاد من أطراف المزي في معرفة الكتب الستة، وقد ذكرت لكم من الأحاديث التي عدها زوائد، وليست زوائد كحديث: {يسروا ولا تعسروا} فهذا قد عده من الزوائد في الجزء الأول صفحة (61) وأحياناً يكرر الأحاديث بنصها وفصها بصورةٍ حرفية، مثل حديث أبي سعيد الخدري: {المؤمنون على ثلاثة أجزاء} وهو في [1/52] وحديث أبي سعيد يقول: {المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء، الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، ثم الذي إذا أشرف له طمع تركه لله عز وجل} رواه أحمد وفيه دراج وقد وُثق وضعفه غير واحد.

    فهذا الحديث انظر له أيضاً (ص:63-64) من نفس الجزء، تجد أن هذا الحديث بنصه وفصه في باب زيادة إيمان المؤمنين، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: {المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء إلى آخر الحديث} فكرر الحديث، ومثله حديث سلمان في (2/322) في قصة المحتضر يقول: {خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود رجلاً من الأنصار فلما دخل عليه، وضع يده على جبينه فقال: كيف تجدك؟ فلم يجبه فقيل: يا رسول الله، إنه عنك مشغول، فقال: خلوا بيني وبينه، فخرج الناس من عنده وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع رسول الله صلى الله يده، فأشار المريض؛ أن أعد يدك حيث كانت، ثم ناداه: يا فلان، ما تجد؟ قال: أجدني بخيرٍ وقد حضر اثنان، أحدهما أسود والآخر أبيض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيهما أقرب منك؟ قال: الأسود، فقال صلى الله عليه وسلم: إن الخير قليلٌ وإن الشر كثير -كأنه خوفه- قال: فمتعني منك يا رسول الله بدعوة، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر الكثير وأتم القليل، ثم قال ما ترى؟ قال: خيراً بأبي أنت وأمي؛ أرى الخير ينمي وأرى الشر يضمحل، وقد استأخر عني الأسود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي عملك أملك بك؟ قال: كنت أسقي الماء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسمع ياسلمان هل تنكر مني شيئاً؟ قال: نعم بأبي أنت وأمي، قد رأيتك في مواطنٍ ما رأيتك على مثل حالك اليوم، قال: إني أعلم ما يلقى، ما منه عرق إلا وهو يألم الموت على حدته} لكن الإمام الهيثمي يقول: رواه البزار وفيه موسى بن عبيدة وهو الربذي المشهور وهو ضعيفٌ.

    والمهم أن حديث أبي سعيدٍ هذا، تجده أيضاً في (2/326) مكرراً. فـالهيثمي يكرر أحياناً بعض الأحاديث.

    وأحياناً يجمع الهيثمي طرق الحديث الواحد، وهذا من فوائد الكتاب ومزاياه، فمثلاً حديث: {من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار} ذكر له العلماء طرقاً تزيد عن أكثر من ثمانين صحابي، والهيثمي في [1/142-148] ذكر منها خمسة وأربعين حديثاً: {من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار}.

    وأحياناً يحيل الهيثمي من موضعٍ إلى موضعٍ آخر، فانظر -مثلاً- الجزء الثالث صفحة (52) والجزء الخامس صفحة (290) حيث أحال في موضعِ زيارة القبور، وإدخار الأضاحي، والانتباذ في الظروف والأوعية إلى موضعٍ آخر، أي إذا كان الموضوع مفرقٌ بين موضعين أحياناً قد يحيل إليهما.

    وكذلك إذا كان عند الهيثمي حديث زائد اشتبه بحديثٍ آخر في الصحيح أو في السنن فيشير إليه ويذكر الحديث، ثم يقول: وهي الصحيحُ لفلانٍ غير هذا، أو نحو هذا بدون زيادة، أو طرفٍ منه، أو يسوق الحديث ثم يقول: في أبي داود طرفٌ منه، أو يقول: الحديث في أبي داود بدون هذه الزيادة، أو الحديث في الترمذي بنحوه أو ما أشبه ذلك.

    ومما يتعلق بموضوع أطراف المزي حيث أشار إلى أطراف المزي في (3/30) وفي (4/217).

    وأحياناً قليلة جداً قد يخرِّج من كتب غير الكتب الستة التي ذكرت لكم وهي أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في معاجمه الثلاثة، فمثلاً في (4/322) عزا لكتاب أبي الشيخ الأصفهاني الأمثال، وفي الجزء الرابع أيضاً صفحة (329) خرّج من كتاب الأحاديث المختارة لـالضياء المقدسي، وهذه نادرة, وأحياناً يخرج من الحاكم كما سبق، والغالب أنه يقتصر على الكتب الستة.

    وأحياناً يكرر الباب بأكمله، وذلك كما في باب: الأرواح جنودٌ مجندة، فانظره في الجزء العاشر صفحة (273) وكذلك باب: إن لهذا الدين إقبالاً وإدباراً، فانظر الجزء السابع صفحة (271) وقلما يترك الحديث من دون كلام.

    ومن الأشياء التي أعجبتني في هذا الكتاب أن الهيثمي في أحيانٍ قليلةٍ جداً ينقد متن الحديث بعد ما ينقد إسناده، وأعطيكم مثالين لنقد الحديث في الجزء السابع صفحة (318) حيث ذكر حديث: {أن علياً والعباس جاءا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يخرج من هذا -وأشار إلى العباس- رجلٌ يملأ الأرض جوراً وظلماً، ويخرج من هذا -وأشار إلى علي- رجلٌ يملأ الأرض قسطاً وعدلاً} ثم تكلم على الحديث، ثم قال: ولكن الحديث منكر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يستقبل أحداً في وجهه بشيءٍ يكرهه، وخاصةً عمه العباس الذي قال فيه إنه صنو أبيه، وهذا حقيقة ملحظٌ جميلٌ في رد الحديث، والحديث ضعيف لكن يمكن رده من جهة المتن أيضاً، فمن غير المعقول أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول للعباس: يخرج منك رجلٌ كذا وكذا، وهذا عمه له فضلٌ ومكانة، وكان يحامي دونه صلى الله عليه وسلم، وكذلك في الجزء السابع صفحة (347) رد حديثاً لـشهر بن حوشب، وشهر بن حوشب فيه كلامٌ كثير، وقد كان من أهل الحديث، لكن يقولون: إنه دخل على السلطان، فأعطاه بعض دريهمات فسقط من عين أهل الحديث، فكانوا يقولون فيه:-

    لقد باع شهر دينه بخريطةٍ      فمن يأمن القراء بعدك يا شهر

    وهو ليس بذاك الضعيف، والمهم أن الهيثمي ذكر حديث شهر بن حوشب:{أن الدجال يعمر أربعين سنة} وقال: وفيه شهر ولا يحتمل مخالفته للأحاديث الصحيحة، وهذا جيد.

    لكنه أشار إلى أنه مخالفٌ لما ورد في الأحاديث الصحيحة من أن الدجال يمكث في الأرض أربعين يوماً، وفي هذا الحديث قال يمكث أربعين سنة، فرد الحديث أيضاً من جهة المتن حيث أنه ذكر مكث الدجال أربعين سنة، والواقع أن الدجال يمكث في الأرض أربعين يوماً كما في الأحاديث الصحاح.

    وأما فيما يتعلق بكلام الهيثمي في الرجال، فأشير إلى شيءٍ من ذلك، منها أنه قد يجهل أحياناً عن مشاهير الرجال، ففي الجزء الأول صفحة (58) جِهلَ عن سليمان بن بلال وفي صفحة (29) ذهل عن أبي سلمة التبوذكي وفي صفحة (22) ذهل عن عمران القصير، وفي صفحة (17) ذهل عن محمد بن إسماعيل بن سمرة وعلي بن شعيب وكلُّ هؤلاء رجالٌ معروفون في التهذيب وغيره.

    وكذلك كلامه في الرجال يختلف كثيراً رحمه الله، وكأنه لا يستحضر ما مضى، وذكرُ الأمثلة على ذلك يطول، لكن أعطيكم بعض الأمثلة: عبد الله بن لهيعة سبق معنا الكلام أنه اختلط في آخره، ورواية العبادلة عنه مقبولة، ورواية غيرهم عنه ضعيفة، فهذا خلاصة الكلام في ابن لهيعة، لكن الحافظ الهيثمي رحمه الله في مجمع الزوائد ذكر ابن لهيعة ربما في عشرات المواضع، وكل موضعٍ يكاد يختلف عن الموضع الآخر، ففي الجزء الأول صفحة (169) قال ضعيف، وفي صفحة (155) قال: حديثه حسن، وفي (7/307) قال: حسن الحديث على ضعفه، وهذا كلامٌ متناقض، فإما أنه حسن الحديث وإما أنه ضعيف، ومثله موسى بن عبيدة الربذي -الذي سبق- ففي صفحة (296) من الجزء الأول يقول متروك، وفي الجزء الثاني صفحة (322) يقول: هو ضعيف، والمتروك والضعيف بينهما فرقٌ شاسع، وفي الجزء السادس صفحة (227) وفي السابع (281) رجع وقال: متروك، بينما جاء في السابع صفحة (340) قال ضعيفٌ جداً، والغريب أنه في أحد المواضع، قال: هالكٌ في الضعف، وهذه عبارةٌ لم يستخدمها أحدٌ قبله، فانظر كيف اختلف الكلام في موسى بن عبيدة الربدي وكذلك كلامه في جابر الجعفي، وانظر في الجزء الخامس صفحة (175-199-239) كلامه في عبد الله بن محمد بن عقيل، الجزء الخامس صفحة (185) فكلامه في هؤلاء الرواة يختلف من موضعٍ إلى آخر لِماَ سبق، ولهذا لا يعتمد على الإمام الهيثمي في موضوع تقوية الرجال، وتضعيفها.

    فوائد سريعة في الكتاب

    في الجزء الأول صفحة (111) عد أصحاب العقبة من المنافقين الذين حاولوا اغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم، وسرد قائمةً بأسماء هؤلاء المنافقين، وفي صفحة (191) من نفس الجزء، حديثٌ يروى بالإسناد عن العبادلة الأربعة رضي الله عنهم، ولا بأس أن يساق يقول وعن العبادلة -كذا في أعلى الصفحة- وعن العبادلة ابن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {القاص ينتظر المقت -الواعظ أو المحدث- والمستمع ينتظر الرحمة، والتاجر ينتظر الرزق، والمحتكر ينتظر اللعنة، والنائحة ومن حولها من امرأةٍ عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} رواه الطبراني في الكبير وفيه بشر بن عبد الرحمن الأنصاري، عن عبد الله بن مجاهد بن جبر ولم أر من ذكرهما.

    والمهم هنا أن هذا الحديث يعتبر من الطرائف، لأنه من رواية العبادلة جميعاً، عبد الله بن عمرو بن العاص وابن عمر وابن عباس وابن الزبير.

    وفي (1/65) ذكر حديث ماشطة ابنة فرعون، وهو حديثٌ طريفٌ وله طرقٌ كثيرة وبعضها في السنن -في سنن ابن ماجة وغيره- ومن طريق جماعةٍ من الصحابة، وأذكر لكم طرف الحديث لأنه حديثٌ عجيبٌ وغريب وفيه عبر، عن ابن عباس رضي عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لما كان ليلة أسري بي أتيت على رائحةٍ طيبة، فقلت يا جبريل ما هذه الرائحة؟ قال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها، قلت: وما شأنها؟ قال: بينما هي تمشط لابنة فرعون ذات يومٍ، إذ سقط المدراء من يدها -والمدراء هو المشط- فقالت: بسم الله، فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟ قالت: لا، ولكن ربي ورب أبيك الله، قالت: أخبره بذاك؟ قالت: نعم، فأخبرته ودعاها، وقال: يا فلانة وإن لك رباً غيري؟ قالت: نعم ربي وربك الله، فأمر بنقرةٍ من نحاس -القدر- فأحميت، ثم أمر أن تلقى هي وأولادها فيه، قالت له: إن لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام أولادي في ثوبٍ واحد فتدفننا جميعاً، قال: ذلك علينا من الحق، قال فأمر بأولادها فألقوا بين يديها واحداً واحداً، إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مُرضَع كأنها تقاعست من أجله، قال: يا أمه اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فاقتحمت، قال ابن عباس: تكلم في المهد أربعة: عيسى بن مريم عليه السلام، وصاحب جريج وشاهد يوسف وابن ماشطة ابنة فرعون} رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط وفيه عطاء بن السائب وهو ثقة ولكنه اختلط، ولكن هذا الحديث وإن كان فيه ضعفٌ، فله شواهدٌ عن جماعةٍ من الصحابة.

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.