إسلام ويب

صلوا كما رأيتموني أصليللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هناك صيغ للذكر بعد الصلاة، ويجوز رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة بشروط، ويدل حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) على وجوب الإتيان بالصلاة كما كان يصليها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما أخرجه نص أو لم يداوم عليه صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر حديث عمران بن حصين في الصلاة قاعداً وأنه يكون للمريض أو للمتنفل وقد يكون لهما، ثم ذكر هيئات القعود فيه.

    1.   

    الذكر بعد الصلاة

    اللهم لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما تحب وترضى، نحمدك وأنت للحمد أهل، ونشكرك ونثني عليك الخير كله ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، ونصلي ونسلم على عبدك ورسولك وأفضل أنبيائك الذي حمل الرسالة، وأدى الأمانة وكشف الله به تعالى الغمة، فجزاه الله تعالى عنا خير ما جازى نبياً عن أمته، ثم رضوان الله تبارك وتعالى على أصحابه الكرام، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد: فقد سبق معنا في الدرس الماضي ما يتعلق بالذكر عقب الصلاة، وكان لي فيها أحاديث ومسائل نمر عليها مرور الكرام، رغبة في الإيجاز، وعدم الإطالة، فمن المسائل التي مرت معنا: مسألة الأذكار والأدعية التي تقال في أدبار الصلوات، وقد ذكرت مثلاً أن التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير في أدبار الصلوات جاء فيها نحو من ست صيغ:

    صيغ الأذكار

    الأولى: يحمد ثلاثاً وثلاثين، ويسبح ثلاثاً وثلاثين، ويكبر ثلاثاً وثلاثين، ثم يقول: لا إله إلا الله.. الخ تمام المائة.

    الثانية: يسبح ثلاثاً وثلاثين، ويحمد ثلاثاً وثلاثين، ويكبر أربعاً وثلاثين.

    الثالثة: التسبيح إحدى عشرة، والتحميد إحدى عشرة، والتكبير إحدى عشرة، فيكون المجموع ثلاثاً وثلاثين، وهذا قلنا: إنه فهم أبي صالح السمان للحديث، وكأنه لم يثبت بهذه الصيغة عن النبي صلى الله عليه وسلم، في حديث مستقل، والله تعالى أعلم.

    الرابعة: يسبح خمساً وعشرين، ويحمد خمساً وعشرين، ويهلل خمساً وعشرين، ويكبر خمساً وعشرين فيكون المجموع مائة.

    الخامسة: يسبح عشراً، ويحمد عشراً، ويكبر عشراً، فيكون المجموع ثلاثين.

    السادسة: يسبح ثلاثاً وثلاثين، ويحمد ثلاثاً وثلاثين، ويكبر ثلاثاً وثلاثين، فيكون المجموع تسعاً وتسعين ولا يضيف شيئاً لا تهليلاً ولا تكبيراً، وقد ذكرنا ما ثبت وهو استثناء إحدى عشرة، وإحدى عشرة، وإحدى عشرة، فإنه -والله تعالى أعلم- من فهم أبي صالح، كما استظهره جماعة من أهل العلم كالحافظ ابن حجر، وغيره، وبذلك تتم الصيغ ستاً أيضاً، ويزول ويندفع الإشكال الذي ذكرناه سابقاً، ولذلك فلا ضرورة للتنبيه على هذا الاعتذار الذي تقدم به أحد الإخوة، حيث إنه قال: إنما ذكرته سابقاً -يعني هو وليس أنا- نقلاً عن الاختيارات، وأن هناك صيغة أخرى من الأذكار، وهي أن يسبح تسعاً، ويحمد تسعاً، ويكبر تسعاً، ليس كذلك، وإني عندما رجعت وجدت أن يسبح ثلاثاً وثلاثين، والمجموع تسعاً وتسعين، وهذا جيد كون الإنسان يراجع، ويتأكد مما سبق، وينبه عليه، فهذا أيضاً مما يحمد وهو من تأديب طالب العلم المجد، نسأل الله أن يجزي أخانا وسائر الحضور خيراً، ويوفقنا جميعاً للعلم النافع والعمل الصالح.

    مسألة الجهر بالذكر عقب الصلاة

    قد ذكرت فيها أقوالاً والراجح منها: أنه يستحب الجهر بالذكر عقب الصلاة، ومن الأدلة على مشروعية الجهر بالذكر: حديث ابن عباس في صحيح البخاري: {أن رفع الصوت بالذكر كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم}.

    ثانياً: من الأدلة أيضاً، حديث عبد الله بن الزبير وفي آخر الحديث قال: {كان يهل بهن دبر كل صلاته} ونبهنا في موضوع الجهر بالذكر إلى عدة ملاحظات منها:

    الملاحظة الأولى: ألا يبالغ في رفع الصوت، والدليل على هذا حديث أبي موسى {أيها الناس اربعوا على أنفسكم}.

    الملاحظة الثانية: أن تكون الأصوات مختلطة يسمع لها دوي، ولا يتميز من بينها صوت يكون جهورياً، فيؤذي الآخرين، ويشغلهم عن الذكر، وقد يؤذي أيضاً من يقضي الصلاة، والدليل على هذه الملاحظة: {كلكم يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض}.

    الدعاء بعد الصلاة

    مسألة: الدعاء بعد الصلاة المفروضة -أي بعد السلام- ذكرنا كلام شيخ الإسلام فيه، لكن خلاصة القول هل يشرع الدعاء عقب السلام أم لا يشرع؟ الأقرب أن الدعاء مشروع قبل السلام، وبعد السلام، ومن الأدلة على مشروعية الدعاء بعد السلام {اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك} وأيضاً حديث ثوبان: {استغفر، ثلاثاً} ومثله حديث عائشة: {استغفر ثلاثاً} ومن الأدلة -أيضاً- حديث سعد بن أبي وقاص: {أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر... الخ} أيضاً حديث المغيرة: { اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد } هذا هو تعريض بالدعاء، وتعرض للمسائل.

    أيضاً حديث علي بن أبي طالب: { اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت } فإن في بعض رواياته أنه بعد السلام، ونقول: الدعاء مشروع بكل حال: عقب السلام، وقبل السلام، وفي كل حال، كما أن الذكر مشروع في كل حال الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران:191] فالعبد لا يستغني عن الذكر بحال، وإن كان الذكر قبل السلام في أثناء الصلاة يكون أوقع، فهذا لا يمنع أن يكون الذكر مشروعاً بعد السلام، وكما أننا نجد في صلب الصلاة أن أفضل ما يكون الدعاء فيه هو في السجود، ولكن هل هذا يمنع من الدعاء بين السجدتين؟ كلا، فكذلك الدعاء وإن كان في الصلاة أوقع إلا أنه بعدها مشروع -أيضاً- كما جاءت به هذه النصوص والأحاديث.

    وعندنا الآن الدرس الأخير نحمد الله تعالى، ونسأله التوفيق والقبول، مما يتعلق بصفة الصلاة وهي تتعلق بهذه الأحاديث الثلاثة التالية:

    1.   

    حديث مالك بن الحويرث

    الحديث الأول منها: حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { صلوا كما رأيتموني أصلي} يقول المصنف رواه البخاري، وقد سبق أن سرد المصنف أو ذكر جزءاً آخر من هذا الحديث في موضوع الجلوس في الوتر، وأيضاً ورد في موضع ثان في الأذان لقوله: { فليؤذن لكم أحدكم } وقد سرد المصنف -في ذلك الموضع- منه الجزء المتعلق بالأذان، وقال: أخرجه السبعة.

    والغريب أنه هنا -رحمه الله- اقتصر على عزو الحديث للبخاري، وعلى كل حال، فالحديث رواه البخاري في صحيح البخاري في تسعة مواضع:

    تخريج حديث مالك بن الحويرث

    منها: في كتاب الأذان، باب إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم، ومنها أيضاً في كتاب الأذان -نفسه أيضاً- باب المكث بين السجدتين، وأول موضع خرج البخاري فيه هذا الحديث: في كتاب الأذان، باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد، وقد روى مسلم في صحيحه، في كتاب المساجد، باب الأحق بالإمامة، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد، ولهذا قال المصنف -كما سبق في باب الأذان- قال: أخرجه السبعة، وأيضاً رواه غير هؤلاء كثير، فالحديث من الأحاديث المشهورة المتداولة، ويشبهه في هذا حديث المسيء صلاته، فإنه يذكر بمناسبات كثيرة، وقل أحد من أهل العلم إلا ذكره أو استشهد به أو خرجه، -فعلى سبيل المثال- ممن خرج الحديث أيضاً البخاري نفسه في كتاب الأدب المفرد، والبيهقي في السنن، والطبراني في معجمه الكبير، والدارقطني، وابن خزيمة، وابن حبان، وأبو عوانة في مستخرجه، والحاكم، والداراني، والشافعي، والطحاوي، والبغوي، وابن أبي شيبة، وغيرهم.

    وكل هؤلاء رووا الحديث عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: {أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده نحواً من عشرين ليلة وفي رواية وأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أنا قد اشتقنا إلى أهلنا وفي رواية: فظنا أنا قد اشتهينا أهلنا وسألنا عمن تركنا، فأخبرناه، فقال صلى الله عليه وسلم وكان رقيقاً رحيماً -وفي رواية- رفيقاً -بالفاء- ارجعوا إلى أهلكم فعلموهم ومروهم، وصلوا، وفي رواية: وصلوا كما رأيتموني أصلي} وهي المقصودة بحديث الباب، فإذا حضرت الصلاة {فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم}.

    وهذا أحد المواضع التي ذكر المصنف فيها هذا الحديث، وإلا فقد سبق أنه ذكره مرتين، مع أن الحديث جدير -أيضاً- أن يعاد في باب قادم، في باب الإمامة من كتاب الصلاة لقوله: { وليؤمكم أكبركم } ولكن المصنف لم يذكره في باب الإمامة اكتفاءً بذكره هاهنا، وذكر الشاهد منه وذلك لم يعده رحمه الله.

    ألفاظ حديث مالك بن الحويرث

    قوله هنا: {صلوا كما رأيتموني أصلي } ذكرت أنه ليس في جميع الروايات، ولكنه في بعض الروايات، أما في بعضها الآخر، كما في الصحيح نفسه، في مواضع قال: {فعلموهم، وصلوا} ولم يقل: {كما رأيتموني أصلي } لكنها ثابتة في روايات أخرى.

    أيضاً قدوم مالك بن الحويرث رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه سلم، كان مع قومه، كما ذكر في روايات، وقال هاهنا: {ونحن شببة متقاربون } وقومه هم بني ليث بن بكر، وكان قدومهم على النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر ابن سعد في الطبقات بأسانيد عدة، أنهم قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يتجهز لغزوة تبوك.

    وغزوة تبوك كانت في رجب سنة تسع، فقدموا عليه صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة، وقوله: (شببة) بفتح الشين والباء أي شباب. وقوله: (متقاربون) أي: متقاربون في السن، وقوله: رفيقاً أو رقيقاً: بالوجهين فقد جاء في روايتان في البخاري وغيره، إما من الرفق، وإما أنه رقيق القلب، يحنوا عليهم ويتنبه لحاجاتهم، وقوله: رقيقاً، هذا ذكر الحافظ ابن حجر بالقافين أنها جاءت في رواية الأصيلي للبخاري، أنها بقافين (رقيقاً) وبقية ألفاظ الحديث واضحة وقد سبق شرح شيء منها.

    1.   

    فوائد حديث: ( صلوا كما رأيتموني أصلي)

    وفي الحديث فوائد تتعلق بالأذان وصفته، ومن يؤذن وأحكامه، وهذه سبقت ونشير الآن إلى فوائد أخرى، فمن فوائد الحديث -أيضاً- :

    الفائدة الأولى : فضل الهجرة

    فضل الهجرة إلى الله تعالى ورسوله، والرحلة إلى طلب العلم، كما حصل لـمالك بن الحويرث وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، وقد كانت الرحلة في طلب الحديث من شأن المتقدمين، حتى صنف فيها الخطيب البغدادي كتاباً نفيساً اسماه الرحلة في طلب الحديث، وذكر فيه فضل الرحلة، ومن ارتحلوا، وفوائد تتعلق بهذا الباب.

    القائدة الثانية : عدم التشبع بما ليس في الإنسان

    ومن فوائد الحديث أيضاً: أنه لا ينبغي للإنسان خاصة طالب العلم، والمقبل على الله، والناسك، والداعية، أن يتشبع بما ليس فيه، وما لم يكن له فيه نية ولا قصد، وهذا يؤخذ من قول مالك بن الحويرث رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {رأى أنا قد اشتقنا إلى أهلنا، فسألنا عمن تركنا، فقال: ارجعوا إلى أهلكم فعلموهم ومروهم، وصلوا} وكان يستطيع أن يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم علم حاجة أهلنا إلى العلم، والفقه، لغلبة الجهل عليهم وبعدهم، فأمرنا أن نعود إليهم ونعلمهم، ولكنه رضي الله عنه ذكر الحقيقة كاملة.

    فكانت دواعي الحال أن يؤمروا بالرجوع إلى أهلهم، رفقاً بهم، وبأهلهم، وتعليماً -أيضاً- لأهلهم ونشراً للخير، ولكنه بدأ بذكر الأمر الأول، وهو أنه صلى الله عليه وسلم رأى حاجتهم واشتياقهم إلى أهليهم، ومع ذلك عندما كانت نياتهم صالحة، ومقاصدهم سيلمة، صادف ذلك خيراً كثيراً لهم في الدين، فرجعوا وعلموهم، ونشر الله علم مالك ليس في أهله فقط، بل في الأمة كلها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

    فقل إنسان يدرس صفة الصلاة، إلا ويعرف حديث مالك بن الحويرث، وهذا كما قال الإمام أحمد في الحرص على طلب الحديث -فيما نقل عنه- في: هو حظ وافق حقاً، أي أن طلب الحديث فيه خير، وفيه بر، وفيه مصلحة، ولكنه حق أيضاً، فهو دين ودنيا، يطلب الإنسان الدين فتأته الدنيا تبعاً لذلك.

    الفائدة الثالثة: فائدة تتعلق بصفة الصلاة

    ومن أهم فوائد حديث الباب -حديث مالك بن الحويرث- ما يتعلق بصفة الصلاة، ولذلك ساقه المصنف هنا، في قوله: {صلوا كما رأيتموني أصلي } وذلك إن قوله: { صلوا كما رأيتموني أصلي } دليلٌ لجماعة من أهل العلم على أن كل ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من صفة الصلاة، فالأصل فيه أنه واجب، مالم يوجد صارف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن نصلي كما رأيناه يصلي، ولأنه فعل والقول يتبعه { صلوا كما رأيتموني أصلي}.

    وقد تكلم الإمام الحافظ الأصولي الكبير ابن دقيق العيد في إحكام الإحكام عن هذه المسألة بكلام محررٍ جزل، خلاصته أنه يقول: إن هذا الخطاب في الحديث إنما وقع لـمالك بن الحويرث وأصحابه، بأن يوقع الصلاة على الوجه الذي رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يصليه، قال رحمه الله: نعم يشاركهم في الحكم جميع الأمة بشرط أن يثبت استمراره صلى الله عليه وسلم على فعل ذلك الشيء المستدل دائماً حتى يدخل تحت الأمر ويكون واجباً.

    إذاً: ابن دقيق العيد أضاف شرطاً حتى نقول بوجوب الفعل، وهو ليس أن يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله ولو مرة واحدة، بل لا بد أن يكون نقل عنه استمراره صلى الله عليه وسلم على ذلك الفعل، ومن المعلوم أن مجرد الاستمرار بذاته لا يدل على الوجوب، لكن لما أضيف إليه حديث مالك بن الحويرث: { صلوا كما رأيتموني أصلي } دل هذا على أنه خطاب لجميع الأمة، دل على أن هذا الفعل الذي داوم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه واجب.

    وبعض الأفعال مقطوع باستمرار النبي صلى الله عليه وسلم عليها، أما ما لم يدل دليل على وجوبه في تلك الصلاة التي رآها مالك بن الحويرث وأصحابه، وتعلق الأمر بإيقاع الصفة على ضوئها، فإنه لا يمكن الحكم بتناول الأمر له، أي: نحن لا ندري ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم من الصلوات فرآه مالك بن الحويرث؟ وماذا ترك؟

    فنقول: إن الأمر متعلق بتلك الصلاة التي وقع الأمر بالصلاة على مثلها، فإذا رأينا أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في تلك الصلاة صفة ولم يتركها عرفنا أن هذا واجب، أما ما سوى ذلك، فنقول: إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم يدل على الاستحباب ما لم يوجد دليل إضافي على الوجوب، ولا نقول: بأن كل فعل فعله النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة واجب، إلا إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم داوم عليه واستمر.

    هذا خلاصة ما قرره الإمام الحافظ ابن دقيق العيد، وهو وجيه.

    يبقى هاهنا إشكال: فقد سبق معنا أن مالك بن الحويرث ذكر قعود النبي صلى الله عليه وسلم، إذا كان في وتر من صلاته، وهو ما يسمى عند الفقهاء بجلسة الاستراحة، فكيف نخرج جلسة الاستراحة من هذا التقرير الذي قرره ابن دقيق العيد، لأننا نعلم أن مالك بن الحويرث رضي الله عنه ومن معه رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يجلس جلسة الاستراحة.

    إذاً نقول: هذا من الصلاة التي وقع الأمر بمشابهتها {صلوا كما رأيتموني أصلي } رأيناه يصلي فيجلس جلسة الاستراحة، هكذا نقل لنا مالك بن الحويرث، فما الذي أخرج جلسة الاستراحة عن الوجوب؟ الجواب: هو عدم الاستمرار عليها وكيف عرفنا عدم الاستمرار؟ على كل حال بدل من أن ندخل في التفاصيل فقد سبق معنا ثلاثة أحاديث: حديث أبي هريرة، وحديث مالك بن الحويرث، وحديث وائل بن حجر في جلسة الاستراحة، وذكرنا في التقرير آنذاك أن هذه الأحاديث وغيرها، جاء فيها ذكر الجلسة، وجاء فيها السكوت عنها، وجاء فيها نفيها.

    ولعله لم ينقل جلسة الاستراحة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا هؤلاء، فلو كان يحافظ عليها لنقلت نقلاً مشهوراً عن جماعة آخرين من الصحابة.

    الفائدة الرابعة: الاحتجاج بخبر الواحد

    من فوائد حديث الباب أيضاً: الاحتجاج بخبر الواحد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل خبر مالك بن الحويرث، وكذلك أصحابه حجة على من كان وراءهم من أهلهم.

    ومنها رفق الرسول صلى الله عليه وسلم بأمته، ورأفته لأحوالهم.

    وتفقده لأحوالهم، ومنها العناية بأمر الشباب وما جبلوا عليه، وأن الموجه، أو الشيخ، أو المربي، أو العالم، ينبغي أن يتفطن لأحوالهم، ويراقب أمورهم، ويتعهدهم بالعناية والرعاية، وحسن التدبير، وخاصة مراعاة ما جبلوا عليها من القوة والغريزة التي قد يحصل بسببها الضرر عليهم في دينهم أو دنياهم، وأن يحصل بالإعفاف تحصيل مقصد من أعظم مقاصد الشرع، ولذلك أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يرجعوا إلى أهلهم.

    الفائدة الخامسة: بيان وجود الدعوة مع القدرة

    كما أن فيه بيان الواجب المنوط بالقادرين، وخاصة من الشباب في التعليم ونشر الدعوة، كما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك: {ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي}.

    وأن من تعلم شيئاً ينبغي أن يعلمه للناس قولاً وفعلاً، فقوله: { مروهم } هذا بالقول: {وعلموهم} بالقول والفعل، {وصلوا كما رأيتموني أصلي } هذا فعل يصلون لأنفسهم، وللناس -أيضاً- يعلمونهم كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي.

    1.   

    حديث: ( صل قائماً فإن لم تستطع...)

    الحديث الثاني: حديث عمران بن حصين رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب} قال المصنف هنا: {وإلا فأومي} وهذا موجود في نسخ بلوغ المرام، قال: رواه البخاري، والحديث رواه البخاري دون قوله، وإلا فأومي، فإن قوله: {وإلا فأومي } لم أجده في شيء من روايات حديث عمران، كما نبه على ذلك أيضاً المعلق الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله تعالى.

    حديث ( صلّ قائماً، فإن لم تستطع .. )

    رواه البخاري، في كتاب تقصير الصلاة، باب من لم يطق الصلاة قاعداً صلى على جنب، باللفظ دون قوله: فأومي، وجاء لفظ آخر في صحيح البخاري أيضاً: وهو أن عمران رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الرجل قاعداً وكان مبسوراً -أي: فيه الباسور رضي الله عنه- قال: {من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلِّى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد}.

    ومثله -أيضاً- في باب صلاة القاعد بالإيماء، وأيضاً ذكره في باب صلاة القاعد، قال البخاري: نائماً عندي هاهنا أي مضجعاً، أي: من صلى نائماً فله نصف أجر القاعد، أي مضطجعاً، وحديث عمران أخرجه أيضاً أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وأحمد، وابن أبي شيبة، والطبراني، وابن خزيمة، وابن حبان، وغيرهم.

    مسائل الحديث

    الحديث هل هو في صفة صلاة المريض، أم هو في النافلة؟ يحتمل هذا وهذا، فيحتمل أن يكون المقصود في صلاة المرض، أنه إن استطاع صلى قائماً، فإن عجز صلى قاعداً، فإن عجز صلى مضجعاً أو نائماً، كما قال صلى الله عليه وسلم، والدليل على أن هذا هو المقصود من الحديث هو قوله: {فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنب} فهذا دليل على أن الأمر مقرون بالاستطاعة، وأن الحديث جاء في شأن المريض.

    وأيضاً: من الأدلة على أن هذا في شأن المريض: قوله: وكان مبسوراً، هذا قد يستدل به، وإن كان المبسور قد عجز عن القيام، وقد يكون مستطيعاً للقيام، فقالوا: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يلزم أن يكون لنفسه، فقد يكون سأل لنفسه أو لغيره.

    الدليل ثالث: قوله: { فعلى جَنْب } لأن هذا يدل على أن الإنسان يصلي على جنبه، والنافلة لا تصلى على جنب، ولهذا قال الخطابي رحمه الله قال: لا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه رخص في ذلك، أي في كون الإنسان يتنفل على جنبه وهو قادر على القعود وعلى القيام.

    إذاً يبقى عندنا إشكال، ما دام أن الحديث في المريض! كيف نحمل رواية البخاري في نفس حديث الباب؟ فقد قال فيه: من صلى قائماً فهو أفضل، فكيف يحمل هذا الحديث على المريض ير المستطيع، وقد خوطب بقوله: من صلى قائماً فهو أفضل، فيجاب عن هذا الإشكال، إذا قلنا: بأن المقصود بالحديث المريض، فنقول: إن هذا في المريض الذي يستطيع أن الوقوف، ولكن يلحقه من القيام مشقة كبيرة، ولكنه يمكن أن يقوم ويتحامل ويصلي قائماً، فيكون قيامه أفضل، ولو قعد أجزاءه ذلك.

    فهذا هو الجواب، وهذا هو الذي رجحه الخطابي في توجيه الحديث، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وهو حمل متجه، ثم قال: ويؤيده صنيع البخاري حيث أدخل في الباب حديثي أنس بن مالك وعائشة وهما في صلاة المفترض قطعاً، قال: فمن صلى فرضاً قاعداً، وكان يشق عليه القيام أجزأه، وكان هو ومن صلى قائماً سواء.

    إذاً هذا فيمن يستطيع أن يقوم، ولكن يشق عليه القيام، ولو تحامل هذا المعذور على القيام مع المشقة كان أفضل لمزيد أجر تكلفه القيام، أيضاً لمن يشق عليه القعود، فنام وصلى وهو مضطجع، وهو يستطيع أن يقعد لكن يشق عليه.

    ومما يرجح ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك قال: {قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهي محمة، -أي: مصابة بالحمى- فحم الناس فدخل النبي صلى الله عليه وسلم والناس يصلون في المسجد من قعود، فقال: صلاة القاعد نصف صلاة القائم} فهؤلاء الناس الآن الذين دخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مصابين بالحمى، فصلوا قعوداً من الحمى، ومع ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: {صلاة القاعد نصف صلاة القائم} وهذا الحديث الذي رواه أحمد، قال فيه الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات، وله طريقين أخرى عند النسائي.

    هذا الوجه الأول: أن يكون الحديث محمول على صلاة الفرض للمريض، ويكون قوله: أفضل في حق من يستطيع القيام بمشقة فصلى قاعداً، أو في حق من يستطيع القعود بمشقة فصلى مضجعاً.

    احتمال آخر: بعض أهل العلم حملوا الحديث على صلاة النافلة، قالوا: الحديث جاء في صلاة النافلة، وهذا الوجه حكاه ابن التين وغيره عن جماعة من أهل العلم كـأبي عبيد، وابن الماجشون من فقهاء المالكية، وإسماعيل القاضي، والإسماعيلي صاحب المستخرج والداودي وغيرهم، وكذلك نقله الإمام الترمذي في سننه عن الثوري، أنهم حملوا الحديث على صلاة النافلة، وقالوا: إن الإنسان إذا تنفل قائماً كان أفضل، فإن تنفل قاعداً أجزأه ذلك، وله نصف الأجر.

    وعلى احتمال أن الحديث في النافلة، فإنه يدل على أن الإنسان يجوز له أن يصلي النافلة، وهو مضطجع كما ذكرت، والنائم ليس المقصود به النائم الذي غاب عن وعيه، لكن المقصود المضطجع كما فسره البخاري رحمه الله، قال: نائم عندي هاهنا أي: مضطجعاً.

    وهو يدل على ما ذكرناه أنه جاء في النافلة على أنه يجوز للإنسان أن يصلي وهو مضطجع، وهذا وإن قال الخطابي -كما سبق-: أنه لا يحفظ عن أحد من أهل العلم، إلا أنه جاء عن بعضهم، فقد نقله الترمذي بإسناده إلى الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى قال: [[إن شاء الرجل صلى صلاة التطوع جالساً، وقائماً، ومضطجعاً]].

    فهذا مذهب الحسن البصري، وهو مذهب جماعة من أهل العلم، بل هو أحد الوجهين عند الشافعية، وصححه المتأخرون منهم، وحكاه القاضي عياض وجهاً عند المالكية، وهو اختيار الأبهري وغيره، واحتجوا لهذا المذهب بهذا الحديث.

    والوجه الأول أن المقصود بالحديث صلاة الفريضة أقوى وأشهر وأولى، والله تعالى أعلم.

    فوائد الحديث

    في الحديث دليل على أنه يجوز للمريض أن يصلي قاعداً، إن كان لا يستطيع القيام، ولا إعادة عليه، وهذا بإجماع أهل العلم، ولو كان يستطيع القيام ولكن ذلك يشق عليه مشقة ظاهرة، أو يؤخر برأه، ومثله ما لو كان في سفينة ويخاف إن قام أن يغرق، أو يصيبه إذا قام دوار في رأسه؛ جاز له في كل هذا الأحوال أن يصلي وهو قاعد، ومثله قالوا: من كان في حال حرب، وهو مختبئ في كمين للعدو، فلو قام كشفه العدو وعرفه، فإنه يجوز له أن يصلي وهو قاعد ولا إعادة عليه، وإن كان هذا العذر نادراً إلا أنه أولى بأن يرخص له في ذلك من المريض، فيصلي قاعداً ولا إعادة عليه.

    1.   

    حديث جابر ( صلِّ على الأرض)

    الحديث الثالث والأخير: هو حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قام لمريض صلى على وسادة فرمى بها، وقال: {صلِّ على الأرض} وفي مصادر الحديث أنه لما رمى بها قال: {فصلى الرجل على عود} أي: كأنه يتوكأ على عصا، فرمى به النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: {صلِّ على الأرض إن استطعت، وإلا فأومي إيماءً، واجعل سجودك أخفض من ركوعك}.

    تخريج حديث جابر

    والحديث رواه البيهقي بسند قوي قال المصنف، ولكن صحح أبو حاتم وقفه، فقد رواه البيهقي في سننه، كما هو مطبوع في الجزء [2/306] في كتاب الصلاة، ورواه أيضاً في كتاب المعرفة، وأكثر من عزو الحديث إلى البيهقي عزوه إلى كتاب المعرفة، وهو موجود في كتاب المعرفة، وموجود -أيضاً- في السنن الكبرى للبيهقي.

    ورواه أيضاً البزار في مسنده، كما في كشف الأستار، باب صلاة المريض، وقال البزار في غير هذا الموضع -كما ذكر المصنف هنا- قال: سأل عنه أبو حاتم الرازي -الإمام الشهير محمد بن إسحاق الحنظلي- قال: سئل عن هذا الحديث، فقال: الصواب عن جابر موقوفا ورفعه خطأ، وكلام أبي حاتم موجود في كتاب العلل لـابن أبي حاتم في الجزء [1/113] في التعليق على الحديث رقم [307] حيث أعل هذا الحديث بأنه موقوف على جابر من قوله، ولم يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم.

    وعلى كل حال، فالحديث في المصادر المشار إليها سابقاً، هو من رواية أبي الزبير عن جابر، وسنده غريب، وللحديث شاهد عن يعلى بن أمية رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته صلى الله عليه وسلم، والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم -أي بلل الأرض بالمطر- فحضرت الصلاة، فأذن النبي صلى الله عليه وسلم -وليس المقصود أنه أذن بنفسه كما توهمه بعضهم، جزم به النووي أخذاً من هذا الحديث وغيره، فإن الحديث في رواية أخرى -أمر المؤذن- بل وفي مسند الإمام أحمد أنه أذن بلال فدل على أنه لم يباشر الرسول صلى الله عليه وسلم الأذان بنفسه، ولكنه أمر المؤذن فأذن- ثم أقام، ثم تقدم، أي: براحلته صلى الله عليه وسلم، فصلى إيماءً يجعل السجود أخفض من الركوع.

    وقوله (فصلى إيماً) هو الشاهد، وحديثه على هذا الشاهد رواه أحمد في مسنده، والترمذي في سننه، والبيهقي أيضاً، وهو ضعيف، ضعفه البيهقي، وكذلك الترمذي قال: غريب، وغيرهما، وفي سند الحديث مجاهيل.

    كيفية الصلاة قاعداً

    يبقى في حديث الباب، وحديث عمران السابق مسألتان، نقيتان، خفيفتان:

    هيئة القعود: الأولى هيئة القعود: عرفنا أن المريض يصلي قاعداً إن لم يستطع القيام أو شق عليه القيام مشقة شديدة، فكيف يقعد؟ حديث الباب الراجح أنه موقوف، كما رجحه أبو حاتم، وهو حجة في هذا الباب، والآخر ضعيف فيه مجاهيل، على كل حال نعود إلى المسألة الفقهية مسألة المريض القاعد، المريض إذا أراد أن يصلي قاعداً كيف يقعد؟

    أولاً: إذا كان بين السجدتين، فإن الأولى به أن يقعد مفترشاً، إن كان هذا لا يشق عليه، لأن سنة الافتراش بين السجدتين سنة في حق كل مصل.

    ثانياً: إن كان في التشهد الأول، فإنه يقعد أيضاً مفترشاً إن كان هذا لا يشق عليه.

    ثالثاً: إن كان في التشهد الأخير سن له أن يقعد متوركاً، إن كان هذا لا يشق عليه.

    إذاً: الكلام في قعوده الذي هو بديل عن القيام، وكذلك في قعوده وهو راكع، فإن الركوع إذا كان في القعود يحتاج إلى هيئة أيضاً، فهذا مما اختلف فيه أهل العلم.

    فذهب بعضهم إلى أنه يقعد مفترشاً، والافتراش: أن يفرش اليسرى وينصب اليمنى، مثل القعود بين السجدتين، وهذا هو الأصح عند الشافعيية، وقال به أبو حنيفة، وزفر، قالوا: لأن هذا القعود قعود عبادة، وينبغي أن يتميز عن قعود العادة، كالتربع أو غيره، خاصة أن الافتراش جاء في القعود بين السجدتين، وفي التشهد الأول، فقالوا: الأولى به أن يقعد مفترشاً، وبناءً عليه لا يغير هيئته في كونه بين السجدتين، ولا يغير هيئته في التشهد الأول، لأنه مفترش من الأصل.

    القول الثاني: أنه يقعد متربعاً: وصفة التربع أن يفضي بمقعدته إلى الأرض ويجعل ركبته اليمنى عن يمينه، وركبته اليسرى عن يساره، فهذا هو التربع، ويضع إحدى رجليه على الأخرى، فقعود طلبة العلم الآن أكثرهم متربعون، لأن جلسة التربع مريحة ولا مشقة فيها.

    وهذا القول هو أيضاً رواية عن الشافعي، وهي التي ذكرها البويطي في روايته عنه، وهو مذهب الإمام مالك، وأحمد، وإسحاق، والثوري، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسين، وبعض أهل الظاهر وغيرهم، قالوا: يجلس متربعاً، واستدلوا لذلك بأدلة، منها.

    قالوا: إن القعود بديلٌ عن القيام في الصلاة، فلا بد أن يتميز عن هيئات القعود الأخرى، كهيئة الافتراش، أو هيئة التورك، وأن يكون مخالفاً له، وهذا ذكره النووي عنهم في المجموع وغيره.

    ولكنه ليس حجة في الواقع، الحجة لهم، التي يمكن أن يستدل بها حقاً، هي ما رواه النسائي في سننه عن عائشة رضي الله عنها قالت: [[رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي متربعاً]] والحديث رواه الدارقطني في سننه، ورواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح على شرطهما، وقال الإمام النسائي في هذا الحديث بعدما رواه في سننه: لا أعلم أحداً روى هذا الحديث، غير أبي داود الحفري وهو ثقة ولا أحسبه إلا خطأ فكأن النسائي رحمه الله قد أعل الحديث، ولكن تعقبه في ذلك المقدسي صاحب المحرر، فقال: وقد تابع أبي داود الحفري محمد بن سعيد الأصفهاني، وهو ثقة).

    فتبين أن أبا داود الحفري، واسمه عمر بن سعد، تابعه رجل آخر هو محمد بن سعيد الأصفهاني فتبين أنه لم ينفرد، ولم يظهر هناك وجه لتخطئة الإمام النسائي له، فيظهر: أن الحديث جيد الإسناد، وأنه يمكن أن يحتج به على مشروعية التربع، خاصة نه قد جاء من فعل عبد الله بن عمر رضي الله عنه كما في موطأ مالك وقد سبق أن ذكر هذا.

    الوجه الثالث: أنه يجلس متوركاً كجلوسه في التشهد الأخير، وهذا وجه في مذهب الشافعية، قالوا: لأنه أعون للمصلي، والواقع: أن التربع قد يكون أعون للمصلي، وأهون له وأبعد عن المشقة عليه، خاصة بالنسبة للمريض.

    إذاً في المسألة ثلاثة أقوال: قيل: يجلس مفترشاً، وقيل: يجلس متربعاً، وقيل: يجلس متوركاً، وأوسطها هو أرجحها نظراً وأثراً للدليل الذي ذكرته.

    كيفية صلاة المضطجع

    المسألة الأخيرة مسألة المضطجع: كيف يصنع؟ في هذا أيضاً ثلاثة أوجه:

    وينبغي أن نضيف فيما سبق في مسألة القاعد أن الاختلاف هاهنا اختلاف في الأفضل، وإلا لو صلى مفترشاً أو متربعاً أو متوركاً صحة صلاته عند جميعهم، وإنما الخلاف في الأفضل.

    أما بالنسبة للمضطجع فقد اختلفوا، وبعضهم يرى أن هذا الخلاف بالنسبة للمضطجع ليس خلاف في الأفضل، لكنه خلافاً فيما يجوز وفيما لا يجوز؛ لأنه أمر يتعلق باستقبال القبلة، فمن رأى صورة لم يسعه أن يدعها إلى غيرها، وهو يستطيعها.

    فبالنسبة للمضطجع فيه أيضاً ثلاث صور:

    الأولى: أن يضطجع على جنبه الأيمن، مستقبلاً بوجه القبلة، فيكون حاله كحال الميت الذي يسجى في قبره، يوضع على جنبه الأيمن، ويوضع وجهه وبدنه إلى القبلة كالميت في لحده.

    وهنا لو صلى الإنسان على جنبه الأيسر، وهو مستقبل القبلة أجزأه، ولكن مع الكراهه، لكن المهم أن يستقبل القبلة بوجه، وهذا هو الأصح عند الشافعية وهو مذهب مالك، وأحمد، وداود الظاهري وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه وعن ابنه عبد الله بن عمر.

    القول الثاني: أنه يستلقي على قفاه، ويجعل رجليه إلى جهة القبلة، ويضع تحت رأسه وسادة يرتفع بها رأسه، بحيث يصير وجهه إلى القبلة، وهذا هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى.

    الصورة الثالثة: هو أنه يضطجع على جنبه الأيسر، أو الأيمن المهم أنه يعطف أسفل قدميه إلى القبلة، وهذا حكي وجهاً في مذهب الشافعي.

    أي مثل الوجه الأول، لكن قالوا: يعطف أسفل قدميه إلى القبلة، فلا يكون مستقيماً، ولكن يثني رجليه، بحيث تكون قدماه إلى جهة القبلة.

    أما بالنسبة للأدلة، فأصحاب القول الأول: الذين يرون أنه يصلي على جنبه الأيمن يستقبل القبلة بوجهه، دليلهم حديث الباب، حديث عمران {فإن لم يستطع فعلى جنب} أي على جنبه، فهو دليل على أن المريض ينبغي له إذا لم يستطيع أن يصلي قاعداً، أن يصلي على جنبه الأيمن، استحباباً، وإن صلى على الأيسر جاز، ويجعل وجهه إلى جهة القبلة، فهذا يرجحه حديث عمران، { فإن لم يستطع فعلى جنب }.

    ومما يقويه أيضاً، ما ذكروه بأنه كالميت في لحده، فإن الميت يوجه إلى جهة القبلة، فهي قبلتكم أحياءً وأمواتاً، فاستقبال الإنسان لها إذا كان في حال اضطجاع لا يستطيع القيام، يكون أيضاً بأن يضطجع على جنبه الأيمن، ويستقبل القبلة بوجهه، وهذا هو ما ذكروه في دليلهم.

    أما دليل القول الثاني: أنه يستلقي على قفاه ويجعل رجليه إلى جهة القبلة، ويضع تحت رأسه وساده، فاستدل له بعضهم بحديث علي رضي الله عنه، وفيه قال: {فإن لم يستطع أن يصلي قاعداً صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة} هذا الحديث يدل للصورة الأولى، وللثانية أيضاً، لأنه قال: {فإن لم يستطع -أي: القيام- صلى قاعداً، فإن لم يستطع أن يصلي قاعداً صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع صلى مستلقياً ورجلاه مما يلي القبلة}.

    وهذا الحديث، حديث علي -كما ذكرت- يدل على أن الإنسان ينبغي أن يفعل الصفة الأولى، فيصلي على الجنب الأيمن، فأن لم يستطع انتقل إلى الثانية، وهو أن يصلي على ظهره ورجلاه مما يلي القبلة، لكن هذا الحديث ضعيف، فقد رواه الدارقطني وفي إسناده رجل اسمه حسن بن حسين العرني ضعفه أهل الجرح والتعديل، بل بالغ بعض العلماء فقال: الحديث ضعيف جداً.

    والذي يظهر والله أعلم أن المريض يصلي على جنبه الأيمن إن استطاع مستقبلاً القبلة، ولو صلَّى على جنبه الأيسر إن كان أرفق به جاز أيضاً، ويكون مستقبل القبلة أيضاً، فأن لم يستطع صلى على ظهره مستلقياً وجعل رجليه مما يلي القبلة، ووضع تحت رأسه وسادة أو غيرها ليكون وجهه إلى القبلة.

    فإن لم يستطع صلى على أي حال، ولو كان على غير تلك الصفة إذا كان لا يستطيع لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].

    1.   

    الاهتمام بواقع الأمة

    نقرأ عليكم بعض الأخبار المتعلقة بما جد من أوضاع المسلمين في يوغسلافيا.

    فهذا تقرير في يوم الثلاثاء 24/11/1412هـ يقول: أعلن بطرس غالي، الأمين العام للأمم المتحدة في زيارة قام بها لـكندا، لحضور المؤتمر العالمي للشباب أن قوات الأمم المتحدة، هي فقط لحفظ الأمن والسلام بين القوة الصربية والكرواتية.

    أقول: قال الله تعالى: بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51] الآن حفظ السلام بين النصارى.

    يقول: وليست على استعداد لأخذ مطار سراييفوا ووضعه تحت الحماية.

    جاء ذلك خلال مأدبة غداء أقامها له رئيس وزراء كندا، وقد انتقد رئيس وزراء كندا ذلك التصريح، وقال: إن ذلك ضعف وخذلان واضح من الأمم المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية.

    وقد قامت السلطات الكندية بطرد سفير صربيا، وقامت بسحب السفير الكندي من بلغراد، ودعت كندا الأمم المتحدة إلى تنفيذ عقوبات اقتصادية ضد صربيا، ورفضت طلب شركة الطيران الصربية بالسماح لها بالهبوط في مطار كندا.

    من جهة أخرى بدأت تظهر بوضوح مشكلة أطفال مسلمو البوسنة والهرسك، الذين امتلأت بهم معسكرات اللاجئين المعدة لاستقبالهم في كل من جمهورية كرواتيا وسلفانيا، وبدأت دول أوروبا تأخذ مجموعات كبيرة منهم، وقد أخذت إيطاليا خمسة آلاف منهم، وتم ترحيلهم إلى إحدى المدن الإيطالية الواقعة على الحدود اليوغسلافية، وقد أصبح المسلمون يخشون على هؤلاء الإخوان من التعرض في تلك المعسكرات لعمليات المسخ التي تقوم بها الكنائس والمنظمات المشبوهة.

    وقد وجهت الدعوة لحكومات العالم الإسلامي، والمنظمات والهيئات والمسلمين قاطبة إلى التحرك السريع لإقامة معسكرات تحت إشراف إدارة من المسلمين حفاظاً على عقائد هؤلاء الصغار.

    لقد أسمعت لو ناديت حياً      ولكن لا حياة لمن تنادي

    ولو ناراً نفخت بها أضاءت      ولكن أنت تنفخ في رمادي

    أما عن التطورات العسكرية فقد شهدت مدينة توزلا معركة عنيفة جرت عندما حاولت المليشيات الصربية اقتحام مواقع القوات المجاهدة، التي تدافع عن المدينة إلا أن المجاهدين تمكنوا من رد الهجوم على أعقابه، وألحقوا بالعدو خسائر بلغت واحد وعشرين قتيلاً وسبع وعشرين جريحاً، كما انضم إلى قوات المجاهدين مؤخراً مائتين وستين ضابطاً من الجيش اليوغسلافي السابق أغلبهم من المسلمين، وفي مدنية مودريج استطاعت الفرقة مائة واثنين من الجيش الوطني البوسنوي أن تحرر أجزاءً كبيرة من المدينة عقب المعارك التي جرت اليوم وأمس، ولا زالت جارية.

    وفي مدينة كنيسيا تم تحرير المدينة نهائياً من قوات الصرب المعتدية، والمدينة تقع بين مدينة توزلا وسفونيه، وقد أسر المجاهدون مائة وثلاثة وتسعون جندياً صربياً، ودمروا خمس دبابات وعربات مصفحة، وقتلوا ستة وعشرين جندياً، ولاذ البقية بالفرار كما فر القائد الصربي إلى منطقة تشلي.

    وقد أكد ذلك قائد القوات البوسنية والمقدونية سالم جورجس، وفي سراييفوا قامت قوات العدو بقصف المدينة بالمدافع الثقيلة والخفيفة من الثكنات الثلاث وكذلك من معاقل القوات الصربية الغازية في الجزء المحتل من المدينة.

    وقال المتحدث باسم البوسنة والهرسك: أن الجيش الفيدرالي لم يفِ بوعده بتسليم الأسلحة التي هي ملك لحكومة البوسنة والهرسك، ولم يسلم سواء (20%) من الأسلحة و(80%) من الذخائر، كما أكدت قيادة الدفاع المقدونية في البوسنة والهرسك أن قوات الصرب الإرهابية النصرانية اعتقلت مائتين وثمانية عشر مسلماً في بلدة موتشته قرب سراييفوا، ويقوم الصربيون الآن بتعذيبهم، وحرمانهم من الأكل، وأنهم معتقلون، ولا يقدم لهم سوى الماء وذلك منذ أكثر من عشرين يوماً.

    من لهؤلاء المنكوبين بعد الله سواكم، فساهموا وفقكم الله في إعانة وإغاثة إخوانكم المسلمين.

    على صعيد آخر: جاءنا هذا الفاكس يقول: الله أكبر، الجهاد ماض إلى يوم القيامة، سقوط أول شهداء العرب في يوغسلافيا البوسنة والهرسك وهو من أرض هذه البلاد الجزيرة العربية الطاهرة، لله درهم هؤلاء الرجال فتح الله لهم أفغانستان -هكذا يقول الفاكس- توجهوا لإنقاذ الإسلام حتى لا يجتث من جذوره في البوسنة والهرسك ولبوا نداء إخوانهم هناك وذهبوا ليبذلوا دماءهم رخيصة في سبيل الله تعالى.

    الصرب ما زالوا يبحثون عن الأماكن والإمارات التي تنطلق منها العمليات التي يقوم بها الشباب هناك، ويعتقد بعضهم أنهم حالوا بين وصول الشباب مرة أخرى إلى قواعد العمليات، والغرب قد حس بالخطر.

    المهم وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30].

    أما فيما يتعلق بـأفغانستان فهناك بوادر طيبة على وجود نوع من الاتفاق بين الطرفين المتنافرين من المجاهدين، الحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار، والجناح الذي يقوده أحمد شاه مسعود من الجمعية الإسلامية.

    وقد حصل لقاء وترتيب وتنسيق واتفاق على إخراج المليشيات، وإدخال قوات من المجاهدين لحفظ الأمن في كابل، وإجراء الانتخابات في أقرب فرصة ممكنة، وتحجيم دور رئيس المجلس الانتقالي الحالي صفة الله مجددي الذي هو غير موثوق به، وغير صحيح الاعتقاد، كذلك هو غربي التفكير، إضافة إلى أن هذا الرجل حاول أن يتحالف مع المليشيات وقد حاولت المليشيات أن تقوم ببعض الحركات لزعزعة الأمن لكنها كانت حركات محدودة وقليلة قبل يومين، وكانت ضحاياها محدودة جداً.

    ونقول: إن الذي يجري في أفغانستان الآن يبشر -إن شاء الله- بانفراج الأزمة، ونسأل الله أن يكلل لهذه الجهود بالنجاح، ويجمع كلمة المجاهدين ويكفيهم شر المخاطر التي ما زالت موجودة في أفغانستان مخاطر المليشيات وهي قوية ومدربة، وبعض فصائل المليشيات تصل إلى خمسين ألف، مثل مليشيات دوستم، وبعضها من الإسماعيلية الذين جاءوا من منطقة بغداد وهم غلاة الرافضة، وبعضهم مرتزقة أيضاً، ومن الممكن أن يستغلهم أي طرفه لصالحه.

    كما نسأل الله أن يكفي المسلمين والمجاهدين عموماً شر الرافضة، الذين لهم وجود أيضاً في ولاية في أفغانستان، ولهم أيضاً وجود قريب من كابل، وقد سيطروا على بعض بطاريات الصواريخ، ولكنها قد نـزعت منها صواعق، فلذلك لا يوجد خطراً أكبر منها.

    نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، ونسأله أن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، وأن ينـزل علينا من بره ورحمته وبركته إنه على كل شيء قدير، وأن يصلح ذرياتنا ونياتنا ويرزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً، ويختم لنا ولكم بخير.

    اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.