إسلام ويب

من لباب الكتبللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حسن المعاشرة أمر حبب إليه الشرع وطالب العلم أحق بذلك من غيره لأنه من ورثة النبي صلى الله عليه وسلم ثم تطرق الشيخ لذكر نفائس نادرة قل أن تجدها مجموعة في مكان واحد اقتطفها الشيخ من كتابي (تذكرة السامع لابن جماعة والعزلة للخطابي) وكثير منها متعلق بالعلم وتشمل غيره.

    1.   

    عودة إلى الدروس التربوية

    الحمد لله، والصلاة والسلام على عبده ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه أجمعين

    أرجع بعد طول غيبة عن تلك الدروس التي كنت أتحدث فيها عن بعض عيوب ومثالب الطلاب حتى يتقيها مجتهد ناصح لنفسه، وإن شئت فقل الحديث عن الآداب والأخلاق والشيم التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم والداعية إلى الله تعالى، ولعلي في هذه الليلة أنهي الحديث عنها لأنتقل -إن شاء الله تعالى- اعتباراً من الأسبوع القادم إلى لونٍ آخر من المعارف لا يخلو -إن شاء الله- من الفائدة والطرافة، وهي اختيارات من المصنفات، أقصد بعض الفوائد والفرائد التي تكون مبثوثة في بطون الكتب وقد لا يصل إليها الطالب أو لا يعلم بوجودها، فكنت خلال قراءتي لبعض كتب أهل العلم وهي قراءاتٍ قليلة أسجل بعض ما يمر بي من الفوائد التي أرى أنها مهمة، أسجلها على ظهر أول ورقة في الكتاب، أو على ورقة مستقلة، فاجتمع لي من ذلك فوائد متناثرة عديدة من كتب شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهما، فخطر في بالي أن أشرك إخواني في هذه الدروس المتواضعة، في هذه الفوائد مع التعليق عليها بالإيضاح أو ما يتطلبه المقام.

    فإن شاء الله تعالى اعتباراً من الأسبوع القادم أبدأ معكم في هذه الفوائد، ومن الطبيعي أنها لم تكن مرتبة، وهذه قد تكون ميزة من ناحية إذ أنها ليست موضوعات متسلسلة؛ قد يكون فيها إملال أو إثقال، بل هي موضوعات متفرقة متباعدة من موضوع في السيرة والتاريخ، إلى موضوع في الأصول، إلى موضوعٍ في الفقه، إلى موضوعٍ في الحديث، إلى موضوعٍ في الإسناد، إلى موضوعٍ في المتن، إلى فوائد أخرى متفرقة.

    1.   

    حسن المعاشرة

    أما في هذه الليلة فقد أحببت أن يكون مسك الختام لآداب طالب العلم هو الإشارة إلى خصيصة مهمة وهي ما يتعلق بحسن معاشرة الناس وملاطفتهم، فإننا نعلم علماً يقيناً لا شك فيه أن من أهم المهمات التي بعث بها الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام -من أولهم إلى آخرهم- تحسين أخلاق الناس.

    ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: {إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق} هذاحديث ثابت، فحسن الخلق من الدين، وبه يبلغ العبد درجة الصائم القائم، ويعطي الله بحسن الخلق ما لا يعطي على غيره، كما ثبت ذلك في أحاديث عديدة عن أبي هريرة وغيره, ولو تأملنا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لوجدنا أنها التطبيق العملي لهذا الهدي العظيم، فكان صلى الله عليه وسلم حسن الخلق والمعاشرة متواضعاً مع الخاص والعام، والقريب والبعيد، ومع أهله، وفي السوق، والبيت والمسجد، وغيره.

    حياة النبي صلى الله عليه وسلم مع الأطفال

    قال جابر بن سمرة في الحديث الذي رواه مسلم: {صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاةً أولى، ثم خرجت معه، فلقيه ولدان فجعل يمسح خد كل واحد منهم قال: أما أنا فمسح خديَّ فوجدت ليديه برداً وريحاً حتى كأنما أخرجهما من جبة عطارٍ} وماذا تكون رائحة العطر عند رائحة يدي محمد صلى الله عليه وسلم؟!

    إنها لا شيء.

    وروى عبد الله بن الحارث بن جزءٍ كما في جامع الترمذي بسندٍ صحيح قال: {ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من الرسول صلى الله عليه وسلم} وسُئلت عائشة رضي الله عنها كما في صحيح البخاري كيف يصنع الرسول صلى الله عليه وسلم في بيته؟ قالت: {كان يكون في مَهنة أهله -بفتح الميم يعني في حاجتهم وصناعتهم- فإذا أذن المؤذن توضأ وخرج إلى الصلاة}.

    وفي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: {كان لي أخٌ يقال له أبو عمير صبي صغير مفطوم -وهو فطيم في بعض الروايات- فكان له طيرٌ يسمى النغير -مصغراً- فكان يلعب به -ولا شك أنه لا يلعب به لعباً يؤذيه- قال رضي الله عنه: فمات هذا النغير فحزن عليه الصبي حزناً شديداً، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عنه، فقلنا: مات يا رسول الله، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الصبي: يا أبا عمير ما فعل النغير} يعني يلاطفه بذلك.

    ولو أردتم أن أسوق أحاديث في هذا الباب لطال المقام ويكفيك أن ترجع إلى كتاب من كتب الشمائل، فإن شئت فاقرأ كتاب شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم للترمذي وإن شئت فاقرأ مختصر كتاب الشمائل الذي حققه الشيخ الألباني وحكم على أحاديثه، لترى كيف كانت أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم، وتواضعه، وتبسطه، وبعده عن التكلف، وكثرة تبسمه في وجه أصحابه، وممازحته لهم بما يطيب خواطرهم، ويوسع قلوبهم دون أن يكون في ذلك كذب، أو إثقال على أحد، أو خدش لشعور أحد.

    وهذا الأسلوب النبوي والتطبيق العملي هو الخلق والمنهج الذي يجدر بكل مسلم -وأَخُصُّ طلاب العلم- أن يرتووا من هذا النبع الصافي، ويحرصوا على أن تكون حياتهم مع الناس تطبيقاً عملياً لهذا.

    طالب العلم أحق الناس باتباع النبي صلى الله عليه وسلم

    إنه ليس يجدر بطالب العالم أن يكون في قلبه شيءٌ من الكبرياء والأنانية التي تجعله قد يتعاظم نفسه، ويغتر بما يعامله بعض الناس به، كأن يحتفوا به في السلام، ويهشوا ويبشوا، وقد يقبلون رأسه، ويخدمونه، وربما يكون ممن يقدمون له نعليه إذا أراد أن يلبسهما، إلى غير ذلك من الأشياء التي قد تستخف عقول بعض الضعفاء.

    فالإنسان عليه أن لا يغفل عن معرفة حقيقة نفسه، فالناس ليسوا أدرى بك من نفسك، فعليك أولاً ألا تحرص على مثل هذه الأشياء، ولذلك تجد الإنسان تلقائياً -أحياناً- إذا وجد مثل هذه الأشياء صار عنده نوع من الازورار عن الناس، والإطراق، وربما يأتيه الشيطان من جهة إظهار مثل هذه الأشياء حتى يزداد إعجاب الناس به وتقديرهم له.

    1.   

    التحذير من بعض مداخل الشيطان

    ثم إنه يعتاد على مثل هذه الأمور حتى إنه قد يجد في نفسه على من لا يفعلها معه فيجد في نفسه على من لا يقبل رأسه -مثلاً- أو من لم يخدمه، أو من لم يقدمه في المجلس، وهذه -يا إخوة- من أمراض القلوب التي قد تهلك الإنسان وهو لا يشعر، والإنسان فيها لا مطلع عليه، ولا رقيب عليه إلا الله عز وجل.

    ولذلك فإن أخطر ميدان من ميادين المجاهدة: هو المجاهدة في القلب؛ لأن الإنسان في الأمور الظاهرة غالباً يحصل عنده إما أن يجاهد نفسه فينجح، أو على الأقل يتصنع ويتكلف هذه الأشياء كما ذكر الحافظ ابن الجوزي في تلبيس إبليس، لكن الأشياء القلبية لا يطلع عليها إلا الله عز وجل.

    افترض مثلاً إنساناً يصور نفسه جدلاً أنه في يوم القيامة، وهو في وسط الناس تكشف أسرار قلبه يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق:9] ويبين للناس حقيقة هذا الإنسان وما قصده بهذا الفعل، وما نيته فيما أراد، وما هو شعوره في الموقف الفلاني، وما الذي أغضبه وأرضاه؛ حينئذٍ يشعر الإنسان فعلاً بمدى ما وقع فيه من خطأ، أو تقصير، أو غفلة عن مجاهدة النفس على إصلاح الأعمال القلبية التي هي أساس الأعمال، والتي أعمال الجوارح ما هي إلا ثمرة لها ونتيجة عنها.

    فينتبه الإنسان لهذه المشاعر، هل فعلاً يستوي عندك إن كنت طالب علم أن يقبل الناس رأسك، أو لا يقبل، أو عندك أولاد لا يفعلوا، أما أنك تريد ذلك؟

    وحتى لو فرض أنك ترفع رأسك وتتأبى عليهم وقد تفعل ذلك بنية صالحة، وقد يكون لإظهار التواضع والرغبة عن هذه المظاهر، والشيطان حريص ومسلط على بني آدم، فليكن الإنسان رقيباً على نفسه، ولا يُدخِل في معرفته لنفسه غيره، لا تغتر بثناء الناس أو كلامهم أو بمدحهم أو بمعاملتهم لك، بل انظر إلى حقيقة ما أنت فيه.

    التكلف في لبس اللباس الخاص بأهل العلم

    مما يؤكد أن هذا قد يكون عند بعض الطلبة أنك تجد الطالب أحياناً وهو صغير السن يبدأ يتقمص هيئات وشخصيات الشيوخ فيخض في ثياب غير ثيابه، ويسابق في ميدانٍ ليس له، فتجده وهو شاب -أحياناً- ما خط شاربه يلبس البشت -مثلاً- وما هو لبس البشت! هل هو سنة؟!

    لا أعلم أن لبس البشت سنة، ولا ورد فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء؛ لكنه شعار صار يلبس في المناسبات، أو تلبسه طائفة من الناس، فلماذا يكون الإنسان حريصاً عليه، وقد يضطر إنسان إلى لبسه وإن كان لا يرى ذلك، حتى أذكر أنني تكلمت يوماً في أحد المساجد في محاضرة، ولم أكن لابساً لهذه العباءة فلحقني بعض الإخوان، وقالوا: إن كثيراً من الناس وخاصةً العامة عقولهم ضعيفة والمظاهر عندهم مهمة، ولبس العباءة لمثل هذه المناسبة أفضل لتحقيق المصلحة.

    فكون الإنسان يلبسها لهذه المناسبة ولو لم يكن من أهلها له مسوغ على الأقل، وكونه من العلماء أو المشايخ أو طلاب العلم الكبار -أيضاً- لا بأس في ذلك، لكن كون الإنسان أول ما يبدأ في طلب العلم يلبس العباءة، لا أعلم أن له وجهاً إلا التشبه بالعلماء، وتقمص هذه الشخصيات، وأن يجري الإنسان في ثيابٍ غير ثيابه، ويسابق في ميدان ليس له.

    التكلف في تقليد هيئة كبار الناس

    ثم تجد الإنسان يتكلف نوعاً من الوقار تحس أنه ثقيل على النفس، لا يلتفت إلا بكل صعوبة، وإذا سلم أو خاطب أحداً يخاطبه وهو لا ينظر إليه بل يعرض عنه، وما أشبه ذلك من الأشياء التي قد يفعلها كبار الناس اعتياداً ولكثرة من يخاطبهم ويأخذ معهم ويعطيهم، وكثرة مجالستهم للعلماء، وكثرة قراءتهم للكتب، إلى غير ذلك من الأسباب.

    لكن يأخذها البعض الآخر تقليداً في غير محله، فيكون حظ الإنسان من التعلم هو بعض المظاهر والشكليات -كاللباس مثلاً- أو طريقة المخاطبة وطريقة الذهاب والإياب؛ حتى طريقة المشي والدخول والخروج وما أشبه ذلك، ويرى الإنسان أن من مكملات شخصيته كطالب علمٍ ألا يمازح الناس، ولا يباسطهم، ولا يضاحكهم، ولا يبتسم في وجوههم، حتى تنظر لوجهه كأنه من وجوه الموتى، الابتسامة أحياناً قد تغتصب اغتصاباً.

    هدي النبي صلى الله عليه وسلم مع أتباعه

    وهذا هدي الرسول صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، {ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله صلى الله عليه وسلم} وهو عليه الصلاة والسلام يقول: {تبسمك في وجه أخيك صدقة} ألا تعتقد أن إدخالك السرور على قلب أخيك المسلم بالتبسم في وجهه ومباسطته وملاطفته أنه أمرٌ تؤجر عليه.

    أحياناً إذا قابلت إنساناً يكبرك، أو من أقرانك، أو في مثل سنِّك وحالك فهشَّ وبشَّ في وجهك، وابتسم لك، وبين الاهتمام بحالك، سبحان الله! كأن قلبك فتح ووضع فيه حُبُّ هذا الإنسان والعكس بالعكس، لو أتيت إلى إنسان تطلب منه حاجة مهما غلت وعزت فأعطاك هذه الحاجة؛ لكنه أعطاك بشيءٍ من الجفاء والغلظة، ولم يحيك التحية المطلوبة، فإن هذا الذي أعطاك لا يساوي عندك شيئاً، فحسن الخلق، والمعاشرة، والملاطفة للناس، والمباسطة معهم هي من أغلى ما يمكن أن تعطيه.

    ولا شك أن هذا باب من أبواب الخير والقدوة في الرسول صلى الله عليه وسلم، وخاصة طالب العلم والداعية الذي يريد أن يدعو الناس إلى الخير؛ لا بد أن يأتيهم من هذا الطريق، ولذلك قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] آية عجيبة قوله: وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] وهم الصحابة رضي الله عنهم عرفوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الواسطة بينهم وبين الله الذي يبلغهم شريعة الله.

    أقول: واسطة بهذا المعنى أي أن الوحي يتنـزل عليه فيقرؤ عليهم -أما في أمور العبادات فلا واسطة بين الله وبين خلقه- وأنهم ما عرفوا الدين إلا من طريقه، وأن الإيمان به صلى الله عليه وسلم واجب، وحبه كذلك، وعرفوا ما في الجنة من النعيم وما في النار من العذاب والجحيم، ومع هذا كله قال الله عز وجل: وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] وتركوك مع علمهم بما عندك من الحق والدين والشرع الموصل إلى الجنة المنجي من النار، فما بالك بمن ليسوا كذلك.

    قد تكون أمام مسلم لا يرى أن عندك ما ليس عنده، ولا يرى أن ما أنت عليه حق وما هو عليه خطأ -مثلاً- حتى ولو كان في معصية أو في منكر، فإذا لم تتسلل إلى قلبه بالطريقة المناسبة، وتتلطف له حتى تستطيع أن تؤثر فيه وتكسبه، ثم تقنعه بما تريد؛ فلا سبيل لك إليه حينئذٍ، خاصة ونحن نعلم اليوم أنه ليس هناك إلا هذا الطريق في الدعوة إلى الله عز وجل، وما في يد الإنسان لا قوة ولا سلطة يُكره الناس على هذه الأمور، إنما الطريقة المناسبة المجربة في إقناع الناس ودعوتهم وتعليمهم وأمرهم ونهيهم في أن تأتيهم بالحسنى.

    وقد دخل أحد العلماء على أحد الخلفاء فقسى عليه بالقول واشتد له فقال له هذا الخليفة: أرفق، أنت لست بأفضل من موسى وأنا لست أشر من فرعون وقد قال الله عز وجل لموسى وهارون حينما أرسلهما إلى فرعون: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] الإنسان وما اعتاد، وإنما الحلم بالتحلم، والخير عادة والشر لجاج.

    فالإنسان يستطيع أن يُعود نفسه على حسن الخلق، واللطافة، والابتسامة في وجوه الناس، والحلم عليهم حتى يصبح ذلك ديدناً له.

    وفقني الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، اللهم وفقنا لحب الخير، اللهم وفقنا لليسرى، وجنبنا العسرى، واغفر لنا في الآخرة والأولى.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    1.   

    كتاب العزلة للخطابي

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله والصلاة والسلام على عبده ونبيه محمد صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    كنت قد وعدتكم في المجلس السابق أنه اعتباراً من هذه الحلقة -إن شاء الله تعالى- سوف أبدأ بتقديم بعض الكتب إليكم على سبيل انتقاء وانتخاب بعض الفوائد والفرائد والشوارد التي قد لا يقف عليها الإنسان بسهولة وذلك -أولاً- حتى يستفيد الإنسان من هذه الأشياء، وحتى ينشط إلى قراءة هذه الكتب والاطلاع عليها، وهي فوائد متفرقة ومتناثرة لا يجمعها موضوع ولا عنوان، ومن الطبيعي أن تكون إحداها مشرّقة والأخرى مغرّبة، واحدة في الفقه، وأخرى في الأصول، وثالثة في التاريخ، ورابعة في الأدب وهكذا، لكن يجمعها رابط عام، وهو الفائدة إن شاء الله.

    والكتاب الذي اخترته هذه الليلة هو كتاب العزلة للإمام الحافظ المحدث الأديب اللغوي أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي البستي المولود سنة ثلاثمائة وسبعة عشرة والمتوفى سنة ثلاثمائة وثمانية وثمانون للهجرة.

    والإمام الخطابي له مصنفات كثيرة جداً منها معالم السنن، التعليق على سنن أبي داود ومنها: غريب الحديث، ومنها كتاب الدعاء وغيرها، وهذا الكتاب هو أحد كتبه التي جمع فيها من النقول والنصوص والأشعار، بل وجمع فيها من الآيات والأحاديث وأقوال العلماء الشيء الكثير حول هذا الموضوع، وهو موضوع العزلة.

    مميزات وفوائد كتاب العزلة للخطابي

    ومن فوائد هذا الكتاب ومميزاته أنه تعرض لمباحث نفيسة:

    منها: مباحث في موضوع العزلة والخلطة، ومتى تكون العزلة أفضل، ومتى تكون الخلطة أفضل.

    ومنها: الحث على اختيار الجلساء والأصحاب الصالحين.

    ومنها: حسن المعاشرة، وذكر الصحبة وآدابها، وهو في ذلك يذكر قصصاً وطرائف وأشعاراً فيها المتعة والفائدة.

    ومن مميزات الكتاب: الحديث عن الناس، وطبائعهم، وما جبلوا عليه، إلى غير ذلك.

    لكن ينبغي أن يعلم أن هذا الكتاب قد بالغ فيه الإمام الخطابي في ذم الخلطة والحث على العزلة، حتى قال في آخر الكتاب: إنني أخشى أن أكون بالغت في ذلك أو زدت عليه بما لا ينبغي، يقول: في آخر الكتاب في باب نجوم القصد، أي: رجع إلى الحديث عن القصد والاعتدال قال: قد انتهى منا الكلام في أمر العزلة، وأوردنا فيها من الأخبار ما خفنا أن نكون قد حسَّنا معه الجفاء من حيث أردنا الاحتراز منه، وليس إلى هذا جرينا ولا إياه أردنا فإن الإغراق في كل شيء مذموم، وخير الأمور أوسطها، والحسنة بين السيئتين، وقد عاب الرسول صلى الله عليه وسلم الإغراق في عبادة الخالق عز وعلا، والحملة على النفس منها ما يؤودها ويكّلها، فما ظنك بما دونها من التخلق والتكلف.

    وهذه من أجمل ما في الكتاب فينبغي أن ينتبه لها فإن منهج الكتاب ليس مرضياً كله في مدح العزلة وذم الخلطة.

    الصداقة وحقوقها

    من الفوائد الموجودة في الكتاب أن المصنف -رحمه الله- ذكر في صفحة [63] وأنا أتكلم عن الطبعة التي نشرها قصي بن محب الدين في المطبعة السلفية في مصر ذكر الخطابي أن أعرابياً كان في الكوفة وكان له صديق يظهر له المودة والنصيحة، فاتخذه هذا الأعرابي من عُدَده للنوائب، فأتاه فوجده بعيداً مما كان يظهر له، فأنشأ هذا الأعرابي يقول:

    إذا كان ود المرء ليس بزائدٍ      على مرحباً أو كيف أنت وحالكا

    ولم يك إلا كاشراً أو محدثاً      فأفٍ لودٍ ليس إلا كذلكا

    لسانك معسولٌ ونفسك بشة      وعند الثريا من صديقك مالكا

    وأنت إذا همت يمينك مرة     لتفعل خيراً قاتلتها شمالكا

    وهذه الأبيات رواها غيره، رواها ابن حبان أيضاً في نـزهة الفضلاء وغيره، وفيها التحذير من قرناء السوء.

    التواضع وفضله

    زفي صفحة [70] ذكر المصنف أن سفيان بن عيينة قال: سمعت، أو قال: أخبرني ابن سعدويه، قال: حدثني إسحاق، قال: سمعت محمد بن عبد الأعلى يقول: خرج علينا سفيان بن عيينة ونحن جلوس على باب داره -طلاب العلم والحديث ينتظرون سفيان ليحدثهم- قال: فخرج علينا فقال:

    خَلَتِ الديار فسدت غير مسود      ومن الشقاء تفردي بالسؤدد

    يعني يحزن سفيان بن عيينة أن الديار خلت من العلماء -كما يقول- فصار سيداً مع أنه ليس أهلاً لذلك في ظنه، ولا شك أن سفيان هو من هو في الفضل والعلم والسؤدد والمكانة، لكن هذا من فضله ونبله وتواضعه وهضمه لنفسه رحمه الله، فكيف لو خرج علينا في هذا الزمان!

    قال: وأنشدني إبراهيم بن فراس في نحو هذا -يعني في نفس الموضوع هذا- قول الشاعر:

    وإن بقوم سودوك لحاجة      إلى سيدٍ لو يضفرون بسيد

    أي القوم الذين وضعوك سيداً عليهم يحتاجون فعلاً إلى سيد؛ لأنهم ما وضعوك في هذا الموقع إلا لفقرهم من السادة وقلة الأكفاء.

    قال: وفي آخر:

    وما سدت فيهم أن فضلك عمَّهم            ولكن هذا الحظ للناس يقسم

    ما كانت سيادتك لفضلك وكرمك وإنما هو قضاء وقدر.

    تغير وفساد الناس في هذا الزمان

    وفي صفحة [71] يشير المصنف إلى ما حصل من الفساد قال أبو سليمان وهو المصنف، وأنشدت هذه الأبيات:

    هذا الزمان الذي كنا نُحذَّره      في قول كعبٍ وفي قول ابن مسعود

    إن دام هذا ولم يحدث له غِيرٌ       لم يُبك ميتٌ ولم يفرح بمولود

    هذه الأبيات يحفظها الإنسان، ويتمثل بها في بعض الوقائع وخاصة في هذا الزمان المظلم، فكثيراً ما ترى أحداثاً وتسمع أخباراً تجعلك تردد هذه الأبيات.

    نصيحة الولاة والحكام

    ومن الفوائد التي ذكرها المصنف في صفحة [95] ذكر كلاماً لبعض الحكماء ينبغي أن يعلم قال أبو سليمان: قال بعض الحكماء: إن الذي يُحْدِث للحكام التيه في أنفسهم -التيه هو العجب، والغرور، ورد النصيحة، وبطر الحق، وغمط الناس- والإعجاب بآرائهم كثرة ما يسمعون من ثناء الناس عليهم، ولو أنهم أنصفوهم فصدقوهم عن أنفسهم لأبصروا الحق، ولم يخف عليهم شيء من أمورهم.

    وبذلك تعلمون أن الواجب على العلماء وطلاب العلم والجلساء، والندماء ليس المبالغة في المديح والتبجيل، وتصحيح الأعمال؛ بل هو النصيحة الخالصة التي لا يراد من ورائها دنيا.

    مداخل الشيطان في إفساد الإخوان

    في صفحة [97] ذكر أبو سليمان -رحمه الله- قولاً مفيداً في بيان مداخل الشيطان قال: قال علي بن غنام: كلا طرفي القصد مذموم. وأنشدنا أبو سليمان:

    تسامح ولا تستوف حقك كله      وأبق فلم يستوف قط كريم

    ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد      كلا طرفي قصد الأمور ذميم

    وقال: عن زيد بن سلمة عن أبيه أن عمر رضي الله عنه قال: [[لا يكن حبك كلفاً، ولا يكن بغضك تلفاً]].

    إخوان المصالح

    مدح الموت

    وفي صفحة [78] ذكر كلام بعضهم في مدح الموت، ولا شك أن تمني الموت لا ينبغي إلا إذا خاف الإنسان من الفتن، يقول: أنشدني بعض أصحابي لـمنصور بن إسماعيل:

    قد قلت إذ مدحوا الحياة فأكثروا          في الموت ألف فضيلة لا تعرف

    منها أمان لقائه بلقائه     وفراق كل معاشر لا ينصف

    ومما يعجب في هذا الكتاب أن المصنف -رحمه الله- ذكر كلمات في صفحة [89] أحدها قول سفيان الثوري [[: لأن أصحب فتى أحب إليَّ من أن أصحب قارئاً]] وذكر رواية قال: [[زار عبد الله بن المبارك رجلاً من أهل نيسابور ينسب إلى أهل الزهد والتقشف، فلما دخل عليه لم يقبل عليه الرجل، وابن المبارك.

    هو إمام الدنيا ولم يقبل عليه الرجل، ولم يلتفت إليه، فلما خرج ابن المبارك أخبر الرجل بمكانه وأعلم أنه عبد الله بن المبارك فخرج إليه يعتذر ويتنصل، وقال له: يا أبا عبد الرحمن، اعذرني وعظني (اعذرني من التقصير في استقبالك، وعظني) فقال له عبد الله بن المبارك : نعم، إذا خرجت من منـزلك فلا يقع بصرك على أحد إلا رأيت أنه خيرٌ منك، وذلك أن ابن المبارك رآه معجباً بنفسه، ثم سأل عنه، فإذا هو حائك ]].

    قال: وعن سفيان قال: [[من لم يتفتأ لم يتقرأ]] قال أبو سليمان [[: إن من عادة الفتيان ومن أخذ بأخذهم بشاشة الوجه، وسجاحة الخلق، ولين العريكة، ومن شيمة الأكثرين من القراء: الكزازة، وسوء الخلق، فمن انتقل من الفتوة إلى القراءة كان جديراً أن يتباقى معه ذلك الذوق وتلك الهشاشة، ومن تقرأ في صباه لم يخل من جفوةٍ، أو غلظة … إلى آخر ما قال]].

    والحقيقة أن هذا الكلام وإن كان ليس على إطلاقه، فلا شك أن في صغار طلاب العلم ما فيهم من لين العريكة، وسجاحة الخلق، والهشاشة، والبشاشة الشيء الكثير؛ إلا أن له رصيداً من الواقع، وإنما سقته حتى ينتبه الإخوة إلى هذا الأمر، ويباعدوا أنفسهم عن مثل هذه الخصال.

    من عيوب أصحاب الحديث

    في صفحة [86] و[87] تطرق المصنف رحمه الله إلى بعض عيوب أصحاب الحديث، وأصحاب الحديث -كما قيل- هم على ما هم خيار القبائل، وأفضل أصحاب العلوم؛ لكن ليس من طائفة إلا فيهم عيوب، والتحذير من عيوبهم مطلوب. فقد ذكر أن رجلاً رأى من أصحاب الحديث بدعة سيئة فلام أهل الحديث وقال: إنه لا يعلم علماً أشرف ولا قوماً أسخف منهم، وهذا يحمل على أنه قاله في حالة غضب وانفعال ولا يقبل من قائله.

    وذكر أن رجلاً كان في مجلس عبد الواحد بن غياث يقول: سمعت أبي رأى رجلاً من أصحاب الحديث صلى لجنبه فلما سلم الإمام سلم -وكان قد فاتته ركعة- وأخذ دفاتره ولم يصل الركعة التي فاتته، يعني لانشغاله بالطلب غفل عن الركعة التي فاتته.

    وذكر هاهنا قصة يقول: حدثنا مؤمل بن إيهاب قال: حدثني يحيى بن حسان، قال: كنا عند سفيان بن عيينة وهو يحدث، فازدحمت فرقة من الناس على محمل شيخٍ ضعيف فانتهبوه، ودقوا يد الشيخ، -أي ضروا الشيخ- وأخذوا بعض ما معه، فجعل الشيخ يصيح يا سفيان، لا جعلتك في حلٍ مما فعلوا بي؛ لأنه كان هذا في مجلسه بسبب الزحام، قال وسفيان لا يسمع، أي أن سفيان يسمع صوت الرجل؛ لكن لا يدري ماذا يقول؟

    قال: فنظر سفيان إلى رجل من أولئك الذين صنعوا، بالشيخ ما صنعوا -رجل ليس من أهل الحديث لكنه ملصقٌ فيهم- فقال له سفيان: ماذا يقول هذا الشيخ، قال: يقول زدنا في السماع، يعني العكس، الشيخ يريد أن يسكت سفيان حتى يزول الزحام، فهذا قال: إن الرجل يقول يا شيخ يا سفيان زدنا في السماع.

    من قصص بعض العباد

    هناك قصة أختم بها هذه المختارات ذكرها المصنف في صفحة [91] وهي تدل على ما يقع للعباد الذين يعبدون على غير علم ولا بصيرة، وكيف يستزلهم الشيطان ويستدرجهم، بل ذكر قصتين في ذلك:

    الأولى قال: كان الشافعي رحمة الله عليه رجلاً عطراً -أي: يحب الطيب- وكان يجيء غلامه كل غداة بغالية -وهو نوع من الطيب- فيمسح بها الإسطوانة التي يجلس إليها الشافعي رحمه الله، وكان إلى جنبه إنسان من الصوفية، وكان يسمي الشافعي: بالبطال -يعني يعتبر طلب العلم نوع من البطالة يقول: قال: فلما كان ذات يومٍ عمد هذا الرجل إلى شاربه فوضع الأذى ثم جاء إلى حلقة الشافعي، فلما شم الشافعي الرائحة أنكرها، وقالوا: فتشوا النعال، فقالوا: ما نرى شيئاً يا أبا عبد الله، قال: فليفتش بعضكم بعضاً فوجدوا ذلك الرجل، فقالوا: يا أبا عبد الله هذا، فقال له: ما حملك على هذا؟

    قال: رأيت تجبرك، فأردت أن أتواضع لله سبحانه وتعالى -والشافعي رحمه الله أبعد الناس عن التجبر، ولكن هذا ظن هذا الصوفي المتعبد على جهلٍ وضلالة- قال الشافعي: خذوه واذهبوا به إلى عبد الواحد، -هذا عبد الواحد مدير الشرطة- فقولوا له: قال لك أبو عبد الله اعتقل هذا إلى وقت أن ننصرف، قال: فلما خرج الشافعي دخل إليه فدعى به فضربه ثلاثين درةً، قال: هذا إنما لأنك تخطيت المسجد بالقذر وصليت على غير طهارة.

    وانظر إلى فقه الإمام الشافعي ما قال له: لأنك أهنتني، أو لأنك تعمدت إيذائي، ضربه ثلاثون درةً لأنه تخطى المسجد بالقذر وصلى على غير طهارة.

    ثم ذكر المصنف القصة الثانية وهي أعجب من الأولى قال: أخبرني بعض أهل العلم قال: كان يختلف معنا رجلٌ إلى أبي ثور، وكان هذا الرجل ذا سمتٍ وخشوع، فكان أبو ثور إذا رآه جمع نفسه، وضم أطرافه، وقيد كلامه -يعني من باب الهيبة من هذا الرجل لئلا يلحظ على أبي ثور أمراً يخالف ما ينبغي له من الهدي والسمت والأدب، فكان أبو ثور يتحفظ إذا حضر هذا الرجل-.

    قال: فغاب عن مجلسه مدة، فتعرف أبو ثور خبره، فلم يوقف له على أثر، ثم عاد إلى المجلس بعد مدة طويلة، عاد هذا الرجل بعد طول غياب وقد نحل جسمه، وشحب لونه، وعلى إحدى عينيه قطعة شمعٍ قد ألصقها بها، فما كاد يتبينه أبو ثور -أي ما كاد يعرفه لأنه اختلف عليه- ثم تأمله فقال له: ألست صاحبنا الذي كنت تأتينا؟

    قال: بلى، قال: فما الذي قطعك عنا؟

    قال: قد رزقني الله سبحانه وتعالى الإنابة إليه وحبب إليّ الخلوة، وأنست بالوحدة، واشتغلت بالعبادة -يعني الشيطان يستله من مجالس الذكر والعلم إلى أماكن أخرى يخلو بها فيه، ويملي عليه ما يريد كما ستلاحظون- قال له أبو ثور: فما بال عينك هذه؟

    قال: نظرت إلى الدنيا فإذا هي دار فتنة وبلاء قد ذمها الله تعالى إلينا، وعابها، وذم ما فيها فلم يمكنني تغميض عيني كلتاهما معاً ورأيتني وأنا أبصر بإحداهما نحواً مما أبصر بها جميعاً -يعني أبصر بواحد مثل ما أبصر بالثنتين- فغمضت واحدة وتركت الأخرى -الأخرى يبصر بها ما لا بد منه- والثانية غمضها لئلا يرى فضول الدنيا، فقال له أبو ثور: ومنذ كم وهذه الشمعة على عينك؟

    قال: منذ شهرين قال أبو ثور: يا هذا أما علمت أن لله عليك صلاة شهرين وطهارة شهرين، انظروا إلى هذا البائس - يقول أبو ثور - قد خدعه الشيطان فاختلسه من بين أهل العلم، ثم وكل به من يحفظه ويتعهده ويلقنه العلم -يعني الشيطان اختلس هذا الرجل من مجلس أبي ثور وتفرد به، فـأبو ثور نبهه إلى أن عليه طهارة وصلاة شهرين لأنه توضأ وصلى على غير طهارة هذه المدة حيث لم يغسل ما تحت هذه الشمعة التي كانت على عينه- ثم وكل أبو ثور بهذا الرجل من يحفظه ويتعهده، ويلقنه العلم لئلا يجتره الشيطان مرة أخرى.

    وفي الكتاب فوائد وفرائد كثيرة غير ما ذكرت ولكن هذا أبرز ما فيه.

    أسأل الله أن يعلمني وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.

    سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.

    اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    1.   

    كتاب تذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة

    بين أيدينا -أيها الإخوة- كتاب على حسب الطريقة التي ذكرتها في محاضرة سبقت، وهو كتاب مفيد لطالب العلم اسمه (تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم) لـأبي إسحاق إبراهيم بن جماعة الكناني المتوفى سنة (733هـ)، وأعتقد أنني سبق أن نوهت بهذا الكتاب في أكثر من موضع في هذه الدروس، وربما كنت سميت مؤلفها بالسمعاني غفلة مني، وإلا فقد كنت قرأت الكتاب.

    وفي هذه الجلسة نأخذ ما يمكن من الفوائد المبثوثة في هذا الكتاب، وتلاحظون أن الفوائد التي سوف أسوقها نوعان: منها فوائد من صلب الكتاب، أي: للمؤلف، وأحياناً تأتي فوائد في التعليق، فإنه قد علق على الكتاب بحواشٍ كثيرة وطويلة أكثر من حجم الكتاب، ولم أعرف من هو معلقها؛ لأنه لم يذكر اسمه، فإذا مرت فائدة في الحاشية فإنني قد أذكرها أحياناً.

    في فضل العلم والعلماء

    ففي صفحة (6) من صلب الكتاب ذكر المؤلف رحمه الله فائدة طريفة في فضل العلم والعلماء، فإنه قال رحمه الله: وقال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] وقال تعالى في آخر سورة البينة: أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّة [البينة:7] إلى قوله: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة:8] -فأخذ المصنف رحمه الله من هاتين الآيتين أن العلماء هم خير البرية- قال: فاقتضت الآيتان أن العلماء هم الذين يخشون الله تعالى وأن الذين يخشون الله تعالى هم خير البرية، فينتج أن العلماء هم خير البرية؛ لأن الله وصفهم بأنهم الذين يخشون الله فقال: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].

    ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [البينة:7] إلى قوله تعالى: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة:8] قال المصنف: فمن مجموع الآيتين يؤخذ أن العلماء هم خير البرية.

    العلم أفضل من النوافل

    وفي صفحة [11] نقل المصنف عن الفضيل بن عياض -رحمه الله- كلمة كثيراً ما نسمعها وقد لا ندري من قائلها، وقد رأيت الإمام ابن القيم استشهد بها في غير موضع دون أن ينسبها لقائل، قال المصنف: قال الفضيل بن عياض عالمٌ معلم يدعى كبيراً في ملكوت السماء.

    في صفحة [13] ذكر المصنف رحمه الله في صلب الكتاب أن الاشتغال بالعلم أفضل من الاشتغال بنوافل العبادات، قال رحمه الله: وقد ظهر بما ذكرناه أن الاشتغال بالعلم لله أفضل من نوافل العبادات البدنية من صلاة وصيام، وتسبيحٍ، ودعاء، ونحو ذلك؛ لأن نفع العلم يعم صاحبه والناس، -يعني نفعه متعدٍ- والنوافل البدنية مقصورة على صاحبها، ولأن العلم مصححٌ لغيره من العبادات، فهي تفتقر إليه وتتوقف عليه ولا يتوقف هو عليها، ولأن العلماء ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وليس ذلك للمتعبدين، ولأن طاعة العالم واجبة على غيره فيه، ولأن العلم يبقى أثره بعد موت صاحبه؛ وغيره من النوافل تنقطع بموت صاحبها، ولأن بقاء العلم إحياء الشريعة وحفظ معالم الملة.

    ذكر ستة أوجه تميز العلم وتفضله على نوافل العبادات، هي:

    1- نفع العلم متعد، أما العبادة فنفعها مقتصر على صاحبها.

    2- أن العلم يصحح العبادة فهي تفتقر إلى العلم، ولو تعبد إنسان على جهل فلربما ابتدع، والعلم لا يفتقر إلى هذه النوافل.

    3- أن العلماء ورثة الأنبياء، وليس ذلك للمتعبدين.

    4- أن العلم يبقى أثره بعد الموت، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: {وعلم ينتفع به} في حديث أبي هريرة.

    5- أن في بقاء العلم إحياء الشريعة.

    6- أن العالم طاعته واجبة في العلم، وليس كذلك المتعبد، لذلك لما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] كان أولو الأمر هم العلماء والأمراء، فطاعة العالم في أمور الدين واجبة، وهذه فائدة تقتنص.

    طلب العلم لغير الله والاستشفاء به

    من ذلك أنه في المتن في الصفحة [14] يقول: عن حماد بن سلمة رضي الله عنه، ورحمه الله أنه قال: [[من طلب الحديث لغير الله تعالى مكر به]] أي: أن الله تعالى قد يفضحه ولا ييسر له تحصيل العلم، وقد يسوء حاله، وهذا لا يدعو الإنسان إلى ترك طلب العلم والحديث؛ لأن هذا من مداخل الشيطان، لكنه يدعو الإنسان إلى أن يصر على طلب العلم والحديث، ويصر أيضاً على مجاهدة القلب على إصلاح النية، ودفع الواردات التي تعكر صفاء نيته.

    وفي صفحة [18] ذكر المصنف أن سفيان الثوري كان يمشي إلى إبراهيم بن أدهم ويفيده، وأن أبا عبيد كان يمشي إلى علي بن المديني يسمعه غريب الحديث.

    وهذا فيه إشارة إلى التواضع وأنه لا بأس أن يأتي الإنسان إلى من هم أفضل منه يسمعهم بعض الشيء أو من يكونون أسن منه، وإنما يصان العلم عن الإتيان عمن ليسوا كذلك.

    وفي صفحة [27] ذكر المصنف رحمه الله الاستشفاء بالعلم قال: كان بعضهم لا يترك الاشتغال بطلب العلم بعروض مرض خفيف، أو ألم لطيف، بل كان يستشفي بالعلم ويشتغل بقدر الإمكان كما قيل:

    إذا مرضنا تداوينا بذكركم       ونترك الذكر أحياناً فننتكس

    والإنسان ينتكس أي: وتعود عليه العلة بعد مفارقته.

    في الدعاء وقول (والله أعلم)

    وفي صفحة [35] ذكر أيهما أولى أن يدعو الإنسان لنفسه ثم للآخرين، أو يدعو للآخرين ثم يدعو لنفسه؟

    كثير من الناس يدعو للآخرين ثم يدعو لنفسه، يقول المصنف: وكان بعضهم يؤخر ذكر نفسه في الدعاء عن الحاضرين تأدباً وتواضعاً -وهذا موجود حتى تجدون مثلاً في بعض الكتب كما في مقدمة ابن الصلاح يقول: اعلم أرشدك الله وإياي، فقدم الآخرين على نفسه في الدعاء.

    وهذا من باب التأدب والتواضع كما ذكر المصنف لكن تعقب المصنف ذلك- فقال: لكن الدعاء لنفسه قربة، وبه إليه حاجة، والإيثار بالقرب وما يحتاج إليه شرعاً خلاف المشروع، ويؤيده قوله تعالى: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً [التحريم:6] وقال صلى الله عليه وسلم: {ابدأ بنفسك ثم بمن تعول} وهناك حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعاء بدأ بنفسه، فالأولى أن يبدأ الإنسان لنفسه فيقول: وفقني الله وإياك -مثلاً- وما أشبه هذا.

    وفي صفحة [44] تعقب المصنف ما يقع من بعض الناس من كونهم يختمون الدرس بقولهم: (والله أعلم) فيقول: جرت العادة أن يقول المدرس عند ختم كل درسٍ (والله أعلم) وكذلك يكتب المفتي بعد كتابة الجواب، ولكن الأولى أن يقال قبل ذلك كلام يشعر بختم الدرس كقوله: وهذا آخره، ونحو ذلك ليكون قوله (والله أعلم) خالصاً لذكر الله تعالى، ولقصد معناه، كما يستفتح (بسم الله الرحمن الرحيم) فيكون ذاكراً لله في بداية الدرس وخاتمته، أي أنه لو قال: والله أعلم دون مقدمات قد يكون إشعاراً لأن الدرس انتهى، فيكون معنى (والله أعلم) انتهى الدرس، فلا تكون ذكراً في هذه السورة، لكن لو قال: (هذا ما تيسر والله أعلم) أو (هذا آخر ما أردت والله أعلم) وما أشبه ذلك صارت كلمة (والله أعلم) ذكراً خالصاً كما ذكر المصنف.

    في التدريس والعلم

    وفي صفحة [46] ذكر المصنف -رحمه الله- بعض من يتصدرون للتدريس والإفتاء وليسوا أهلاً، وقد ذكرت هذه الأبيات لانطباقها على حالنا في هذا الوقت يقول: وقيل لـأبي حنيفة رحمه الله: في المسجد حلقة ينظرون في الفقه، فقال: ألهم رأسٌ؟

    قالوا: لا -يعني ليس لهم شيخٌ أو معلم- قال: لا يفقه هؤلاء أبداً.

    ولبعضهم في تدريس من لا يصلح أبيات من الشعر يقول:

    تصدر للتدريس كل مهوسٍ      جهولٍ تسمى بالفقيه المدرس

    فحق لأهل العلم أن يتمثلوا      ببيت قديم شاع في كل مجلس

    لقد هزلت حتى بدا من هزالها      كلاها وحتى سامها كل مفلس

    المقصود جمع كلية أو تثنية كلية.

    كلمات مرغبة ومثبطة في العلم

    وفي هامش صفحة [48] ذكر كلمات مرغبة في العلم وكلمات مثبطة عن تحصيله، فيقول: ليس كلمة أحض على طلب العلم من كلمة علي بن أبي طالب رضي الله عنه: [[قيمة كل امرئٍ ما يحسن]] وهذه الكلمة نقلها عن صاحب الحث على طلب العلم العسكري وغيره ولا كلمة أضرت بالعلم والعلماء والمتعلمين من قول القائل: ما ترك الأول للآخر شيئاً. لأن هذه الكلمة فعلاً مثبطة تشعرك بأنه ما تُرِك لك شيء، فلا داعي أن تتعب نفسك في الطلب والتحصيل والاستنباط.

    والواقع والصواب أن يقال: كم ترك الأول للآخر!!

    فنحن نجد كثيراً من العلماء المتأخرين لهم تحقيقات واستنباطات في كثير من المسائل لم يسبق إليها، ولم يأت بها من كان قبلهم. ولعلي أختم هذه الحلقة بما في هامش صفحة [50] عن الخليل بن أحمد رحمه الله أنه كان يقول: أكثر من العلم لتعلم، وأقلل منه لتحفظ، وهذا يعني أن الإنسان يجب أن يكون له قراءات واسعة، واطلاع شامل على كثير من الكتب والأقوال والآراء، لكن يختار منه شيئاً قليلاً يحرص على حفظه حتى يبقى معه هذا الشيء القليل.

    ونواصل إن شاء الله الأسبوع القادم في هذا الكتاب.

    سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وأصحابه أجمعين.

    فوائد أخرى ( التدرج في الطلب ) وقواعد نفيسة

    نواصل ما سبق في المجلس السابق من ذكر بعض الفوائد والشوارد الملتقطة من الكتاب المفيد الموسوم بـ (تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم).

    فأقول: إن من الفوائد التي ذكرها المصنف في صفحة [57] أنَّ نقل الطالب إلى ما يدل على جودة ذهنه يزيده انبساطاً، وإلى ما يدل على قصوره يقلل نشاطه أي: أن من أساليب التربية والتعليم أن تنقل الطالب من الأسهل إلى الأصعب بالتدريج، لأنك إذا رقيت الطالب في هذه العلوم بدأ يشعر يوماً بعد يوم أنه ازداد فهماً وعلماً، أما إذا كان ينتقل من الأصعب إلى الأسهل، فإن هذا يسبب فتوره وضعف نشاطه.

    وفي صفحة [57] أيضاً ذكر المصنف رحمه الله أن من المهم للأستاذ أن يذكر للطلبة قواعد الفن المتعلقة به، إما القواعد المطلقة التي ليست لها استثناءات، أو القواعد الأغلبية فقال: أن يذكر للطلبة قواعد الفن التي لا تنخرق إما مطلقاً كتقديم المباشرة على السبب في الضمان -يعني تقديم تضمين المباشر، على تضمين المتسبب- أو غالباً كاليمين على المدعى عليه إذا لم تكن بينة إلا في القسامة، والمسائل المستثناة من القواعد، وكقوله العمل بالجديد من كل قولين قديم أو جديد أي إذا وجد إمام له قولان مثل الشافعي.

    وهذه ليست مقصورة عليه فكثير من أهل العلم له قولان في المسألة أحدهما قديم والآخر جديد- يقول: العمل بالجديد من كل قولين قديم وجديد إلا في أربعة عشر مسألة... -ويذكرها- كل يمين على نفي فعل للغير فهي على نفي العلم -يعني أتى بهذه كقاعدة- (إلا من ادعي عليه أن عبده جنى فيحلف على البت على الأصح) يعني -هذا في رأي المصنف- أن الإنسان إذا حلف على نفي شيء أنه ما حصل كذا؛ يحلف أنه هكذا على حدود علمه إلا في هذه المسألة، (وكل عبادة يخرج منها بفعل ينافيها أو يبطلها.

    مثل الصلاة يخرج منها لو فعل ما ينافيها كنقض الوضوء أو الضحك أو الأكل أو ما شابه ذلك، إلا الحج والعمرة فإنه إذا أفسده يمضي فيه، وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] وكل وضوء يجب فيه الترتيب -وهذا سبق تقريره- إلا وضوء تخلله غسل الجنابة) وهذه سائدة أن الوضوء يعني الحدث الأصغر يدخل في الحدث الأكبر، فإذا اغتسل الإنسان من الجنابة أجزأه هذا عن الوضوء، ولم يحتج أن يتوضأ إلا أن ينتقض وضوؤه وأشباه ذلك.

    العناية والاهتمام بالطالب النجيب

    وفي الصفحة [63] ذكر المصنف -رحمه الله- عناية السلف باختيار الطالب النجيب، يقول: (واعلم أن الطالب الصالح أعود على العالم بخير الدنيا والآخرة من أعز الناس عليه، وأقرب من أهله إليه. ولذلك كان علماء السلف الناصحون لله ودينه يلقون شبك الاجتهاد لصيد طالب ينتفع الناس به في حياتهم ومن بعدهم، ولو لم يكن للعالم إلا طالبٌ واحد ينتفع الناس بعلمه وعمله وهديه وإرشاده لكفاه ذلك الطالب عند الله تعالى، فإنه لا يتصل شيء من علمه إلى أحد فينتفع به إلا كان له نصيب من الأجر).

    ثم ساق المصنف حديث أبي هريرة {: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له} ثم ذكر معنىً لطيفاً للحديث قال: وأنا أقول: إذا نظرت وجدت معاني الثلاثة موجودة في معلم العلم، أما الصدقة فإقراؤه إياه العلم وإفادته إياه، ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم في المصلي وحده: {من يتصدق على هذا} أي بالصلاة معه لتحصل له فضيلة الجماعة، ومعلم العلم يحصل للطالب فضيلة العلم التي هي أفضل من صلاة في جماعة، وينال بها شرف الدنيا والآخرة.

    إذاً قوله: {صدقة جارية} المؤلف يرى أنها موجودة في طالب العلم، كأن الشيخ تصدق عليه بهذا العلم، وأما العلم المنتفع به فظاهره؛ لأنه كان سبباً في إيصال ذلك العلم إلى كل من انتفع به.

    وأما الدعاء الصالح له فالمعتاد المستقر على ألسنة أهل العلم والحديث قاطبة الدعاء لمشايخهم وأئمتهم، وبعض أهل العلم يدعون لكل من يذكر عنه شيء من العلم، وربما يقرأ بعضهم الحديث بسنده فيدعو لجميع رجال السند، فسبحانه من اختص من شاء من عباده بما شاء من جزيل العطاء.

    إذاً: المصنف خرج بأن الأمور الثلاثة: العلم المنتفع به، والصدقة الجارية، والولد الذي يدعو، كلها متحققة في طالب العالم إذا كان طالباً نجيباً.

    ومن الفوائد التي ذكرها المعلق في صفحة [66] في ترجمة البويطي صاحب الإمام الشافعي قال: إن الشافعي قال له حين وفاته: قم يا أبا يعقوب فتسلم الحلقة، قال: توفي أبو يعقوب في رجب سنة إحدى وثلاثين ومائتين في القيد والسجن بـبغدادقال الربيع وهو من أصحاب الشافعي: كتب إليَّ أبو يعقوب من السجن وقال: إنه ليأتي عليَّ أوقات لا أحس بالحديد أنه على بدني حتى تمسه يدي -أي: هذا من استغراقه في العبادة والتلذذ بالخلوة بالله عز وجل وفوائد العلم النافع تمر عليه أوقات ينسى أنه بالقيود حتى تلمسها يده- يقول: فإذا قرأت كتابي هذا فأحسن خُلقَك مع أهل حلقتك واستوص بالغرباء خاصة خيراً -أي: الذين كانوا يرحلون في طلب العلم- كثيراً ما كنت أسمع الشافعي رضي الله عنه يتمثل بهذا البيت:

    أهين لهم نفسي لأكرمهم بها      ولن تكرم النفس التي لا تهينها

    يقصد الطلاب عموماً، والغرباء خصوصاً. وهذا النقل نقله المعلق من وفيات الأعيان الجزء الثاني صفحة (458).

    فائدة حول العلم

    ومن فوائد هذا الكتاب أن المعلق يقول في صفحة [69] كلمة عن محمد بن الحسن مشهورة عنه، ومحمد بن الحسن الشيباني هو أحد أصحاب أبي حنيفة يقول رحمه الله: لو كان الناس كلهم عبيدي، لأعتقتهم وتبرأت من ولائهم؟

    لماذا يقول هذه الكلمة، وما معناها؟

    يوضح معنى هذه الكلمة بقيتها يقول: من وجد لذة العلم والعمل؛ قلما يرغب فيما عند الناس، أي: من قلة اهتمام محمد بن الحسن بالناس رضوا أم سخطوا، نفعوا أم ضروا؛ أنهم لو كانوا عبيده لأعتقهم وتبرأ من ولائهم لا يريد أن ينتفع منهم؛ لأنه استغنى بعلمه وعمله وعبادته وما يجد فيها من اللذة.

    وفي صفحة [67] ذكر المصنف قول بعضهم: العلم صلاة السر، وعبادة القلب، وقربة الباطن، وكما لا تصح الصلاة التي هي عبادة الجوارح الظاهرة إلا بطهارة الظاهر من الحدث والخبث، فكذلك لا يصح العلم الذي هو عبادة القلب إلا بطهارته، عن خبائث الصفات، ومساوئ الأخلاق ورديئها.

    وفي صفحة [71] تكلم المؤلف رحمه الله نفسه عن مسألة التفرغ لطلب العلم، فقال نقلاً عن الخطيب البغدادي في كتاب الجامع في آداب الراوي وأخلاق السامع عن بعضهم قال: لا ينال هذا العلم إلا من عطل دكانه، وخرب بستانه، وهجر إخوانه، يقول المؤلف تعليقاً على هذه الكلمة لئلا يسمعها جاهل فيحملها على ظاهرها، قال: وهذا كله وإن كانت فيه مبالغة، فالمقصود به أنه لا بد فيه من جمع القلب، واجتماع الفكر على طلب العلم قال: ومما يقال عن الشافعي رحمه الله أنه قال: لو كلفت بشراء بصلة لما فهمت مسألة.

    أجود أوقات الطلب والنوم

    في صفحة [72] ذكر المؤلف -رحمه الله- توجيهات في بيان أفضل الأوقات للقراءة يقول: أجود الأوقات للحفظ الأسحار، وللبحث الأبكار، وللكتابة وسط النهار، وللمطالعة والمذاكرة الليل، وهذا يدل على أنهم كانوا يعتنون باختيار الأوقات المناسبة وتخصيص كل وقتٍ لعمل.

    وفي صفحة [78] إشارة إلى مقدار النوم الذي يمكن أن يحتمله طالب العلم فإن المؤلف يقول: من آداب الطالب أن يقلل نومه ما لم يلحقه ضرر في بدنه وذهنه، ولا يزيد في نومه في اليوم والليلة عن ثمان ساعات، وهو ثلث الزمان فإن احتمل حاله أقل منها فعل وتحديد ثمان ساعات للنوم اتفق عليه الأطباء أو كادوا في كثير من الأزمنة، واشتهر عنهم حتى في هذا العصر أنهم يعتبرون أن ثمان ساعات هي الوقت المناسب للنوم، وإن كان هناك رأي لبعض الأطباء المتأخرين أن هذا يختلف بحسب جسم الإنسان وصحته، وبحسب الأوقات، فبعض الأجسام عندها قدرة على التحمل فقد يكفيها نوم ثلاث ساعات أو أربع ساعات، وبعض الأجسام قد لا يكفيها إلا تسع أو عشر ساعات وربما أكثر من ذلك، لكن يقال إن هذا في الأحوال المتوسطة أن الإنسان يكتفي بثمان ساعات.

    وفي صفحة [79] ذكر المصنف آداباً وتعليمات قد تكون مستغربة على العلماء المتقدمين يقول: ولا بأس أن يريح -الطالب- نفسه وقلبه وذهنه وبصره إذا كلَّ شيئاً من ذلك أو ضعف بتنـزه وتفرج في المستنـزهات؛ بحيث يعود إلى حاله ولا يضيع عليه زمان، ولا بأس بمعاناة المشي ورياضة البدن به، فقد قيل إنه ينعش الحرارة ويذيب فضول الأخلاط وينشط البدن.

    وذكر المعلق أن بعض أهل العلم كانوا يجمعون أصحابهم في الأماكن والمتنـزهات ويتمازحون فيما بينهم حتى إن المصنف نفسه في صفحة [82] ذكر أن بعض أكابر العلماء كان يجمع أصحابه في بعض أماكن التنـزه ويتمازحون بما لا ضرر عليهم به في دين ولا عرض، وهذا فيه دليل على أن تنشيط الطالب إذا تيسر سواء في حال المذاكرة أو المدارسة، أو في حال الدرس والسماع بما يزيل عنه السأم والملل؛ أنه أمرٌ مطلوب ومناسب، خاصةً إذا طال المجلس وثقل على الطالب.

    صفات الجليس الصالح

    في صفحة [84] ذكر المصنف -رحمه الله- صفات الجليس الذي ينبغي أن يختاره الإنسان قال: فليصحب صالحاً، ديناً، تقياً، ورعاً، ذكياً، كثير الخير، قليل الشر، حسن المداراة، قليل المماراة، ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم مدح أحدهم {أنه لا يداري ولا يماري} ما معنى قوله: لا يداري؟

    المؤلف يقول: حسن المداراة، والرسول عليه الصلاة والسلام مدح هذا الشريك بأنه لا يداري ولا يماري، نعم، لا يداري من المدارأة وهي المدافعة، يعني ليس عنده مدافعة ومعاندة بخلاف المداراة: وهي أن يدرأ الإنسان ما قد يكون عند الآخر من شر بحسن خلقه وجميل معاملته، فهذا مطلوب.

    إذاً يقول في صفات الجليس: حسن المداراة، قليل المماراة -يعني الجدل والخصومة بالباطل- إن نسي ذكَّره، وإن ذكر أعانه وإن احتاج واساه، وإن ضجر صبَّره.

    ومما يروى عن علي رضي الله عنه:

    فلا تصحب أخا الجهل      وإياك وإياه

    فكم من جاهلٍ أردى     حليماً حين واخاه

    يقاس المرء بالمرء      إذا ما هو ما شاه

    وكأن المصنف -رحمه الله- يريد من الإنسان أن لا يختار له صاحباً حين اشترط هذه الشروط الكثيرة، ولكن الواقع أن الإنسان يختار له من الأصحاب بحسب حاله وزمانه، ولا يعدم أن يجد صاحباً موافقاً له مناسباً يعينه على الخير ويستعين به، ويتعاونان معاً على طاعة الله، وطلب العلم النافع، والقيام بواجبات الشريعة، ولعل ما بقي من فوائد هذا الكتاب يكون موضوعاً أخيراً للحلقة القادمة إن اتسع له الوقت، والله أعلم.

    سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    اللهم صلِّ وسلم على عبدك ونبيك ورسولك محمد وأصحابه أجمعين.