إسلام ويب

مفاتيح الخيرللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحتوي هذه المادة على مفاتيح الخير ومغاليق الشر، وضرب أمثلة من الواقع من الذين كانوا كذلك؛ وعلى رأسهم محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى عليه السلام، وعبد الله بن المبارك، وابن تيمية، وابن باز، ثم تكلم عن الأعمال التي هي مفاتيح الخير، وذكر بعض أخبار البوسنة والهرسك ثم أجاب على الأسئلة.

    1.   

    الراحل الشيخ حمود التويجري

    إن الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وأتباعه إلى يوم الدين.

    أما بعــد:

    فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته..

    سلاماً عاماً لكم أنتم أيها الأحبة الذين مشت أقدامكم إلى هذا المسجد الذي هو بيت من بيوت الله تعالى، وأسأل الله عز وجل بأسمائه وصفاته ألا تمشي أقدامنا ولا أقدامكم إلى النار.

    أيها الأحبة.. حديثي إليكم في هذه الليلة هو بعنوان "مفاتيح الخير"، وقبل أن أدخل في هذا الحديث, فإنني أجد نفسي محتاجاً إلى كلمة أقولها وقد رزئت الأمة في هذا اليوم بفقد عالم من علمائها، وفذ من أفذاذها، ورجل من رجالات العلم والدعوة والإصلاح فيها، ذلكم هو سماحة شيخنا ووالدنا الشيخ حمود بن عبد الله التويجري رحمه الله تعالى, لقد واريناه التراب في هذا اليوم، في وسط جو من الحزن عظيم لدى كل من عرف الشيخ أو أحبه, أو تتلمذ على يديه أو سمع به, فإن الرجل رحمه الله تعالى ممن جعل الله تعالى له ذكراً حسناً بين الناس, وتلك عاجل بشرى المؤمن.

    مواقف تتكرر

    أيها الأحبة: إن مثل هذه المواقف هي مواقف تتكرر يومياً، ففي كل يوم بل في كل ساعة نحن نفقد قريباً أو حبيباً أو جاراً أو معروفاً أو غير ذلك, ولكن العبرة هي بماذا خلف الإنسان بعد موته، فإن الناس يتفاوتون بذلك تفاوتاً عظيماً وما بالك بإنسان يكون فقده وتكون رزيته على الأمة كلها, ليس على بيت، ولا على بلد، ولا على حي بل على الأمة كلها.

    لعمرك ما الرزية فقد مالٍ       ولا شاة تموت ولا بعير

    ولكن الرزية فقد فذ      يموت بموته خلق كثير

    إن العالم يحيي الله به قلوب العباد بالعلم والذكر والهداية ونور الوحي وغير ذلك.

    يا رب حي رخام القبر مسكنه      ورب ميت على أقدامه انتصبا

    فالعلماء أحياء وإن وسدوا في قبورهم, وإن وروا التراب, وإن فقدت شخوصهم, إلا أنهم أحياء بعلمهم وبتراثهم، وبتلاميذهم، بجهودهم، وبآرائهم، وباجتهاداتهم، وبأعمالهم التي كلما ذكرت ذكروا, فأثنى الناس عليهم خيراً, وترحموا عليهم، بل وكرهوا البقاء بعدهم.

    عفاءٌ على أرض تقيم بغيرها     فليس بها للصالحين معرج

    لمن تستجد الأرض بعدك زينة     فتصبح في أثوابها تتبهرج

    وليس البكا أن تسفح العين إنما      أحر البكائين البكاء المولج

    فرحم الله فقيدنا رحمة واسعة, اللهم ارفع درجته في المهديين, واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين, اللهم افسح له في قبره ونور له فيه, اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة, اللهم اجعل هذه الليلة خير ليلة تمر عليه منذ أن ولدته أمه, اللهم اجعلها خير ليلة تمر عليه, اللهم عوض المسلمين خيراً مما فقدوا.

    الفأل الحسن

    ولعل من الفأل الحسن -إن شاء الله تعالى- أن أقول لكم: إنني زرت سماحة الشيخ رحمه الله في مرضه مرات, وآخر مرة زرته فيها قبل أيام, فحدثني فيها رحمه الله تعالى رحمة واسعة بالحديث المسلسل بالأولية وهو قوله عليه الصلاة والسلام: {الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء}, وقد حدثني بهذا الحديث من روايته مشافهة عن الشيخين الفاضلين رحمهما الله تعالى, الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري والشيخ سليمان بن عبد الرحمن الحمدان رحمهم الله تعالى, فقد روى الشيخ هذا الحديث عنهما بالإسناد إلى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو بن العاص عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم إنه أجازني رحمه الله بسائر مروياته وكتبه, فلعل الله أن يتغمده برحمته، ولعل الله أن يجعله من المرحومين, اللهم ارحمه رحمة واسعة يا حي يا قيوم, اللهم ارفع درجاته اللهم تجاوز عن سيئاته، اللهم احفظ البقية الباقية من علماء المسلمين.

    أما بعد:

    فأمامي في هذا العنوان "مفاتيح الخير" ويندرج تحته عدة عناوين:

    1.   

    لماذا الحديث عن مفاتيح الخير

    أولها لماذا نقف هنا؟

    لماذا نتحدث عن مفاتيح الخير؟

    هذا أحد الموضوعات التي باتت الحاجة إليها ملحة وماسة، مع تنامي الوعي الشرعي لدى مختلف الفئات في هذه الأمة المباركة.

    من فوائد الصحوة الإسلامية

    لقد أصبحت الصحوة الإسلامية ذات وجود عميق عريض مؤثر في كل مجال, وشهد الناس عودة إلى الدين وإلى التعبد وإلى العلم الشرعي, وإلى السعي إلى خدمة هذا الدين، كلٌ في موقعه وكلٌ بحسب طاقته.

    إننا نعلم علم اليقين أن في عامة الناس وخاصتهم، وفي الطلاب والأساتذة، وفي الرجال والنساء، وفي التجار وغير التجار، وفي المدنيين والعسكريين, بل وفي رجال الأمن من الشرط وغيرها، وسائر الأجهزة الحكومية وغير الحكومية أن في هؤلاء أعداداً من الناس مخلصةً لدينها، حريصةً على حمايتها, وحماية علمائها, بل من هؤلاء من يتشبه بموسى عليه الصلاة والسلام الذي أعلنها صريحة مدوية بكلمة الحق.

    ومنهم من لا يملك ذلك ولكنه يتشبه بمؤمن آل فرعون فيستغل موقعه للذب عن المؤمنين، ونفي قالة السوء عنهم، والتخذيل لعدوهم.

    ومنهم من يتشبه بأصحاب الفلك في المحاماة عن يونس بن متّى عليه الصلاة والسلام, ومنهم من يتشبه بذلك الرجل الذي جاء من أقصى المدينة وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ [يس:21].

    ومنهم من يعزز الدعوة ويبين محاسنها وفضائل أعمالها.

    ومنهم من يتشبه بذلك الرجل الصالح الذي استأجر موسى ثماني حجج قال له: فإن أتممت عشراً فمن عندك, فيبحث عن الرجل القوي الأمين الدِّين بعمله أو تجارته ليغني الله به فقيراً أو يعين به محتاجاً أو يهيئ له سبيل تحصيل خبرة لطالبها.

    ومنهم من يتشبه بالحواريين إذا قالوا لعيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام حين قال كما حكى الله عنه: قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ [آل عمران:52].

    ومنهم من يتشبه بـأبي بكر الصديق رضي الله عنه إذ سمع دعوة الحق لأول وهلة فتقبلتها نفسه، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقت، وقالت له قريش: كذبت, فسمي من يومئذٍ بـالصديق قال الله تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [الزمر:33].

    ومنهم من يتشبه بـعمر الذي ما إن عرف الحق حتى أعلنها مدوية في شوارع مكة, ومنهم ومنهم..

    ومنهم من يقلب كفيه، وينظر في عطفيه، ويقدم رِجلاً ويؤخر أخرى, ويقول: عسى ولعل وليت.

    ليت وهل تنفع شيئاً ليت     ليت شباباً بوع فاشتريتُ

    ولهؤلاء الذين قدموا وعملوا وصبروا وجاهدوا واقتدوا بالصالحين, ولأولئك الذين ما زالوا يترددون ويرقبون الميدان، لهؤلاء وأولئك لا بد من حديث.

    فأما الحديث عن الأولين فهو أنه لا يكفي منهم مشاركة مجملة وعطاء قليل, بل ينبغي أن يفجروا ينابيع الخير في نفوسهم، وأن يحسنوا كما أحسن الله إليهم, فمن أعطى لدينه ودعوته في مجال واحد, فلينظر نطاقاً آخر يعمل فيه, فإن المؤمن لا يشبع من خير أبداً حتى يكون منتهاه الجنة.

    دعوة لمن يركب في قافلة الصحوة

    أما أولئك القاعدون المترددون فقد آن لهم أن يتوبوا إلى الله تعالى توبة صادقة نصوحاً، يغسلون بها وضر الذنب والمعصية، توبة من وصمة القعود خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقعود خلاف المؤمنين، وأن يكفروا بعمل صالح رشيد فإن الحسنات يذهبن السيئات كما قال تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114] ومازالت الكلمات للعلماء والدعاة والخطب والمحاضرات تدندن حول مطلب المشاركة.

    يا عباد الله: إن الشريعة ما نـزلت لطائفة، ولا خصت بها فئة، بل نـزلت لكل الناس قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً [مريم:93] لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً [مريم:94] وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:95].

    فيا عباد الله.. إلى متى نقصر مهمتنا على أن نقول: هذا أصاب وهذا أخطأ، دون أن نخمل أنفسنا مسئولية تعزيز الصواب ودعمه وتأييده، بل والتضحية في سبيله، أو مهمة تصحيح الخطأ ورده بالأسلوب المناسب، إنه من أجل هذا وذاك كان هذا العنوان وكانت هذه المحاضرة.

    1.   

    المباركون أينما كانوا

    كنت أبحث في القرآن الكريم عن معنى من المعاني يثني الله تعالى فيه على أولئك الأشخاص الذين ينفعون في كل ميدان, ويخدمون في كل مجال, فكل من دعاهم إلى خير أجابوه, وكل من سألهم شيئاً مما يستـطيعون أعطوه مما هو مباح في شريعة الله تعالى, فهم يمنحون العلم للطالب, والمال للسائل, والجاه للمحتاج, والرأي والمشورة للمستشير والمستخرج, ولا يترددون أبداً في تحقيق خدمة الناس في كل ما يملكون, حتى يصبح هذا الأمر جزءاً من شخصياتهم ومن تكوينهم، يُعْرَفُونَ به ويُعْرَفُ بهم, ولا يجدون أنسهم وراحة بالهم وقرة عيونهم وسرورهم إلا بذلك, كنت أبحث عن هذا المعنى في القرآن الكريم, حتى لفت نظري أحد الإخوة من طلبة العلم إلى قول الله عز وجل على لسان عيسى عليه الصلاة والسلام: قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً [مريم:30] وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً [مريم:31] إلى آخر الآيات.

    عيسى عليه السلام مباركاً أينما كان

    إذاً: عيسى عليه السلام ذكر أن الله تعالى منَّ عليه بأن جعله مباركاً أينما كان, ولذلك جاء في حديث خرجه الإسماعيلي وابن مردويه وابن النجار في تاريخه وغيرهم, عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رفع هذا الحديث نظر, قال: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ[مريم:31] , قال: جعلني نفاعاً للناس أينما اتجهت} وذكر هذا المعنى وهذا الحديث الطبري في تفسيره, وابن كثير عن مجاهد, وجاءت رواية عن ابن عباس رضي الله عنه مرفوعاً: {أن عيسى كان معلماً مؤدباً حيثما توجه}, وفي رواية عن ابن مسعود أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {معلماً ومؤدباً أينما كنت}.

    إذاً: هذا هو المعنى الذي نبحث عنه، ففرحت به وكأنما وقعت ووقفت على كنـزٍ ثمين, ثم وجدت في كلام الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى هذا المعنى حول تفسير هذه الآية.

    إن الذي يتأمل سيرة عيسى عليه الصلاة والسلام يعرف شيئاً من قوله ذاك, فقد كان عليه الصلاة والسلام يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى بإذن الله, وينبئ الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم, وكان يحل لهم بعض الذي حرم عليهم، وكان يصدق ما بين يديه من التوراة ويبشر بما يأتي بعده من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته.

    ومن أبرز الصفات في شخصية عيسى عليه الصلاة والسلام ما يلي:

    أولاً: أنه صلة للأنبياء السابقين وبشرى للنبي صلى الله عليه وسلم, فهو حلقة في سلسلة متصلة أولها آدم عليه السلام, فقد كان نبياً معلماً مكلماً, ثم نوح، وآخرها وخاتمها محمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40].

    ثانياً: أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان نفعه عاماً بأمور الدين والدنيا, فمن نفعه في أمور الدنيا أنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى، ويشفي الله تعالى به المريض بإذنه عز وجل, ويخبرهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم وهذا من علم الغيب الذي لا يعمله إلا الله أو من أطلع عليه من خلقه عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجن:26-27].

    أما الأمور الدينية فمثل ذلك: الدعوة إلى العقيدة وتصحيحها، وإخراج بني إسرائيل من رق المادية وعبودية الشهوة، وعبودية العجل إلى العبودية لله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد, ومثله أنه جاء محيياً ومجدداً لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام، فكان نفع عيسى نفعاً دينياً ونفعاً دنيوياً.

    ثالثاً: أن عيسى عليه السلام كان مشهوراً باللطف والسماحة، والبعد عن اللجاج والمساخطة والمغاضبة، وكان عفاً في قوله ولسانه وحديثه, ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن عيسى عليه السلام رأى رجلاً يسرق, فقال له: سرقت؟ قال: لا والله الذي لا إله غيره ما سرقت, فقال عيسى عليه الصلاة والسلام: آمنت بالله وكذبت عيني}.

    ودعوته عليه السلام إلى حسن الخُلُقِ والملاينة والملاطفة والحلم على الناس والصبر عليهم أمر مستفيض، وإن كان يوجد في التوراة المحرفة من ذلك الشيء الكثير, إلا أنه دخله كما دخل غيره التحريف والتبديل.

    العلماء والدعاة المباركون

    وهكذا العلماء المباركون والدعاة المباركون في هذه الأمة يجب أن يكونوا كالسابقين ينفعون بعلمهم وهديهم وميراثهم للأمة كلها, ويمهدون لظهور آخرين يحملون الهدي والعلم من بعدهم, ويحرصون على إيصال الخير للناس في سائر أمور دينهم وسائر أمور دنياهم على حد سواء, فهم لا يرون الاقتصار على النفع الديني حتى يضيفوا إليه النفع الدنيوي ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

    إنه إرث من إرث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ينبغي أن يوجد في هذه الأمة من يقوم به وينشره ويحييه.

    1.   

    نبي هذه الأمة صلى الله عليه وسلم مباركاً أينما كان

    إن كل فضيلة للأنبياء السابقين فإن لإمامهم سيدنا وإمامنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم منها أوفر الحظ والنصيب, ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم -أيضاً- مباركاً أينما كان وقد أفاض الله تعالى عليه من جليل الأخلاق وكريم الطباع وعظيم الجود والكرم والسخاء ما لا يوجد في غيره من بني الإنسان أبداً.

    كرمه في علمه صلى الله عليه وسلم

    كان النبي صلى الله عليه وسلم كريماً في علمه, قد بذل علمه للناس كلهم، فأعطاهم وعلمهم حتى تخرج على يديه العلماء والجهابذة، والحفاظ والأساتذة الذين كانوا أئمة في علوم الدنيا وفي علوم الدين, وتخرج على يديه أولئك الذين كانوا رعاة الغنم وكانوا غارقين في صحرائهم, فتحولوا إلى أئمة يهدون بأمر الله عز وجل, لما تتلمذوا في هذه الجامعة الإسلامية المحمدية، ونهلوا من معين النبي المختار عليه صلوات الله تعالى وسلامه.

    فتخرجوا أساتذة وعلماء ومجددين، وحملة علم وحفاظ شريعة، وكانوا آية من آيات الله تعالى في ذلك كله, ويكفي أن يعلم الإنسان أنه لم يكن على ظهر الأرض جيل منذ خلق الله تعالى الإنسان وإلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها, لم يكن على ظهر الأرض جيل مثل ذلك الجيل, من حيث العلوم، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث المتفق عليه: {خير القرون قرني}, وكل قرن يحاول أن يقتبس من علمهم ويأخذ من هديهم ويسير على طريقهم, ولكنه يظل بعيداً بعيداً عن تلك المنارة الرفيعة، وعن تلك القمة السامقة.

    وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يبذل علمه لكل أحد, فلا يحتقر أحداً ولا يزدري صغيراً، ولا يستهين بإنسان عبداً أو حراً، شريفاً أو وضيعاً، أو عربياً أو أجنبياً، عالماً أو جاهلاً، كبير السن أو صغير السن, قديم الإسلام أو حديث الإسلام, كان يعطيهم العلم صلى الله عليه وسلم، بل ويعطيهم أكثر مما سألوا، ويصبر عليهم، ويتلطف معهم حتى حملوا علمه عليه الصلاة والسلام.

    كرمه في عطائه صلى الله عليه وسلم

    وكان كريماً في عطائه بالمال صلى الله عليه وسلم, فكان يعطي غنماً بين جبلين عطاء من لا يخشى الفقر، وكان صلى الله عليه وسلم لا يُسأَلُ شيئاً إلا أعطاه, حتى إن الإنسان ربما سأله ثوبه الذي على جلده ولا يملك غيره فيدخل صلى الله عليه وسلم بيته ويخلعه ويبعث به إلى فلان الذي سأله.

    وكان صلى الله عليه وسلم كما قال ابن عباس: { كان أجود الناس, وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان أجود بالخير من الريح المرسلة}, أعطى رجلاً مائة من الإبل، وأعطى أكثر من ذلك، وأعطى غنماً بين جبلين, وما جاءه أحد إلا أعطاه.

    تراه إذا ما جئته متهللاً      كأنك تعطيه الذي أنت سائله

    ما قال لا قط إلا في تشهده     لولا التشهد أضحت لائه نعم<

    كرمه في جاهه صلى الله عليه وسلم

    وكان صلى الله عليه وسلم كريماً في جاهه, يبذل جاهه وشفاعته لكل أحد، وفي كل أمر دق أو جل, عظم أو صغر, حتى إنه صلى الله عليه وسلم شفع لرجل لما رفضته زوجته وهي بريرة وكان مغيث يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد زوجته التي طلبت الفسخ منه, فيقول لها النبي صلى الله عليه وسلم: {يا بريرة لماذا لا تعودين إلى مغيث؟ فتقول: يا رسول الله! أتأمرني؟ قال: لا، إنما أنا شافع, قالت: لا حاجة لي به} وشفع صلى الله عليه وسلم وتوسط في أمور كثيرة, وبذل جاهه ومكانته في مسائل عديدة حتى إنه كان يشفع للعبد عند سادته أن يرفقوا به، أو أن يضعوا من خراجه، أو لا يكثروا عليه العمل، أو يحسنوا معاملته, بل بلغ الأمر أن الحيوان شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يلقاه من سوء المعاملة.

    كرمه في نصحه صلى الله عليه وسلم

    وكان كريماً صلى الله عليه وسلم في نصحهِ؛ فإنه لا يبخل بالنصح على أحدٍ أبداً, وينصح لكل أحد, ما رأى منكراً قط إلا أنكره, ولا رأى معروفاً متروكاً إلا أمره به, ولا وجد إنساناً إلا أحسن إليه، إما بماله أو بقوله أو بفعله أو بخلقه أو بدعوته، أو بفتيا أو بنصيحة أو بمشورة، أو بغير ذلك مما كان يستطيعه عليه الصلاة والسلام.

    كرمه في وقته صلى الله عليه وسلم

    وكان كريماً في وقته صلى الله عليه وسلم, فإنه ما بلغ الستين من عمره حتى كان معظم صلاته جالساً في الليل في النوافل, وذلك بعد أن حطمه الناس, فإن معظم وقت النبي صلى الله عليه وسلم كان مع الناس, يذهب معهم ويأتي معهم، ويسافر معهم، ويحج معهم، ويجاهد معهم، ويعتمر معهم، وهو معهم في المسجد، ومعهم في السوق، ومعهم في المقبرة، ومعهم في كل مكان، في الحل والترحال والظعن، والسلم والحرب، والخوف والأمن وفي كل حال، كان صلى الله عليه وسلم يجلس مع هؤلاء الناس ويبذل لهم من وقته ما يستطيع.

    كرمه بنفسه صلى الله عليه وسلم

    وكان من كرمه وجوده صلى الله عليه وسلم أنه كان كريماً بنفسه, فكان شجاعاً لا يَهَابْ, ربما خرج أهل المدينة على سماع حسةٍ أو صوت خائفين وجلين, فعندما يشرفوا على مشارف المدينة إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقبل من جهة الصوت على فرس قال: {لن تراعوا لن تراعوا.. ما رأينا من شيء وإن وجدنا لبحراً} أي: ليس هناك من خوف.

    وكان صلى الله عليه وسلم يخوض المنايا ولا يهاب ولا يبالي, ففي معركة حنين فر أصحابه -صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم- من حوله وبقي النبي صلى الله عليه وسلم ثابتاً ثبوت الجبال الرواسي لا يتراجع، وهو يقول بصوت معلن: {أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب} نعم! رجل مستهدف تريده قريش وهوازن...؟ وغيرهم من فنون المشركين يريدون أن يقتلوه صلى الله عليه وسلم ويبحثون عنه, يبحثون عن موقع القيادة أين هو؟ فما استخفى صلى الله عليه وسلم ولا استتر ولا اختفى, وإنما أعلنها بصوت عالٍ: {أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب}, ثم أمر العباس أن ينادي أصحاب الشجرة، فانجفلوا إليه صلى الله عليه وسلم وحاموا دونه حتى انتصروا.

    فكان صلى الله عليه وسلم مباركاً أينما كان، والله تبارك وتعالى يقول لنبيه ومصطفاه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107], ليس للعرب خاصة، ولا لجنس ولا لون، ولا لفئة ولا لأمة وإنما للعالمين, الذين كانوا في عصره والذين جاءوا بعد عصره إلى قيام الساعة, من العرب والعجم، قال الله تعالى: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الجمعة:3].

    فكان النبي صلى الله عليه وسلم مباركاً أينما كان, الخير معه، والنور في صدره, والبركة في يده, ولهذا أحبه الناس, وتحول أعداؤه إلى أصدقاء ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34].

    ودانت الجزيرة العربية للإسلام، وتربى هؤلاء الرجال الأفذاذ على مثل ذلك الأستاذ الكبير العظيم صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الرجل المبارك عبد الله بن المبارك

    ميراث النبوة عند ابن المبارك, إنني لا أريد أن أستعرض لكم الآن أسماء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وماذا عملوا؟ فإن مجرد ذكر الأسماء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة بن عبيد الله والزبير وسائر المبشرين بالجنة وغيرهم, إن مجرد ذكر الأسماء يدعو إلى الأذهان كثيراً من الأعمال الجليلة، والصفات النبيلة، والجهاد الذي بذلوا, والمال الذي أخرجوا, والصبر الذي صبروا, والخُلُق الذي تعلموا وعلموا.

    ولكنني أريد أن أنتقل نقلة بعيدةً شيئاً ما في التاريخ, إلى إمام من الأئمة الذين تلقوا بالإسناد المتصل البركة من رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلعل من المستطرف المستظرف الإشارة إلى إمام مبارك من رجالات هذه الأمة، وهو من المباركين أينما كانوا, ولك أن تحرز وتحدث نفسك من هو هذا الإمام؟

    هو المحدث الثقة الحجة، حتى كان يكثر الجلوس في بيته في دراسة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: ألا تستوحش؟! قال: كيف أستوحش وأنا أعيش مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ وروى عنه المئات من الأئمة, وروى هو عن المئات, وكان إماماً ثقة ثبتاً حجةً حافظاً لا يشق له غبار, حتى لو قيل لك: إن هذه فقط هي صفته، لقلت كفى بهذا فخراً وكفى بهذا مدحاً.

    بركة شعر ابن المبارك

    كيف إذا انتقلت وعرفت أنه كان هو الشاعر الجزل الذي سخر شعره لخدمة الدين والدعوة والذب عن الحياض, فها هو يخاطب بعض الرواة الذين دخلوا على السلطان, فخشي عليهم من الفتنة يقول:

    يا جاعل العلم له بازياً      يصطاد أموال المساكين

    احتلت للدنيا ولذاتها      بحيلة تذهب بالدين

    أين رواياتك فيما مضى     بترك أبواب السلاطين

    .... إلى آخر القصيدة

    ويقول مخاطباً عابداً من العباد ترك الجهاد وتفرغ للعبادة والصلاة في الحرم المكي فيخاطبه:

    يا عابد الحرمين لو أبصرتنا     لعلمت أنك في العبادة تلعب

    من كان يخضب خده بدموعه     فنحورنا بدمائنا تتخضب

    أو كان يتعب خيله في باطل     فخيولنا يوم الصبيحة تتعب<

    بركة كرم ابن المبارك

    فإذا تصورت هذا قلت هذا يكفيه أن يكون ذلك الشاعر الفحل المحنك, لكن كيف إذا عرفت أنه أضاف إلى هذا أنه كان الغني السمح الجواد المفضال الذي يكفي أن تعرف قصة واحدة من قصص كرمه وجوده, كان يحج بأهل مروٍ وهي بلدته, فيجمع نفقاتهم كلها ويجعلها في صندوق ويقفل عليها, ثم يكتري لهم ويخرج بهم من مرو إلى بغداد, فلا يزال ينفق عليهم ويطعمهم أطيب الطعام وأطيب الحلوى، ويلبسهم أحسن اللباس, ثم يخرج بهم من بغداد بأحسن زي وشكل وهيئة, وأكمل مروءة حتى يصلوا إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فيقول لكل واحد منهم: ماذا أمرك أهلك وماذا أمرك أولادك أن تشتري..؟ فيقول: أمرني أشتري كذا وكذا وكذا.., فيذهب ويشتري لهم كل حاجاتهم, ثم يخرج بهم إلى مكة فإذا قضوا حجهم, قال لكل واحد منهم: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من مكة ومتاعها؟ فيشتري لهم ما أرادوا ثم يخرج بهم من مكة, فلا يزال ينفق عليهم إلى أن يصيروا إلى مرو, فيجصص بعدُ بيوتهم -أي: يعيدها ويرممها ويزينها- وأبوابهم, فإذا كان بعد ثلاثة أيام عمل لهم وليمة عظيمة, وكسا كل واحد منهم, فإذا أكلوا وسروا ولبسوا دعا بالصندوق وفتحه وأعطى كل واحد منهم الصرة التي فيها ماله وكان عليها اسمه.

    بركة حافظية ابن المبارك

    فتظن أنه يكفي أنه جواد من الأجواد السمحاء الذين يُكتب ذكرهم في التاريخ.

    لكنه أيضاً هو الحافظ الذي ينظر في الكتاب مرة واحدة، فما اشتهاه وأعجبه من هذا الكتاب وقع في قلبه وعلق به فلا ينساه أبداً, ويحدث به وكأنه يقرأه من الكتاب.

    بركة زهد ابن المبارك

    وهو أيضاً الزاهد التقي النقي الذي لما قرء عليه كتاب الرقائق كان يبكي من خشية الله تعالى, حتى كأنه كما يقول ابن معين: [[ثور يخور من شدة البكاء, ولا يستطيع أحد أن يسأله, فإن سأله أحد عن شيء دفعه وهو على مثل هذه الحال]].

    فإذا رأيته وقرأت قصصه في هذا قلت يكفي أن يكون هذا هو الزاهد الذي لا يقاس إليه زهد إبراهيم بن أدهم أو غيره.

    بركة شجاعة ابن المبارك

    فكيف إذا عرفت أنه كان شجاعاً مقاتلاً محارباً في سبيل الله؟

    برز له رجلاً من الروم, فقال: من يقاتل؟

    فخرج رجل من المسلمين فقتله الرومي نصفين, فخرج آخر ففعل به مثل ذلك، وثالث، ورابع، حتى فزع المسلمون من هذا الرجل الشجاع أشد الفزع! فخرج إليه رجل ملثم فطعنه وقتله فازدحم الناس عليه وكان ملثماً فجرّ أحدهم لثام وجهه فنظر فإذا هو عبد الله بن المبارك.

    فتعجب عبد الله بن المبارك وضاق بذلك ذرعاً؛ لماذا تكشفون سري؟

    ثم قال لمن جرّ لثامه: حتى أنت يا أبا عمر تشنع علينا تفضحنا عند الناس بمثل هذه الأعمال؟

    إنما فعلناها لله عز وجل.

    ابن المبارك مستجاب الدعوة

    وكان هذا الرجل مستجاب الدعوة، حتى إنه مر من عند رجل أعمى, فقال له الرجل الأعمى: أسألك بالله أن تدعو الله لي أن يرد عليّ بصري, فقام عبد الله بن المبارك ودعا الله تعالى, فرد عليه بصره, يقول الراوي: وأنا أنظر.

    ابن المبارك صادع بالحق

    وكان الرجل قوالاً بالحق كما قال الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمته, سواء في شأن العلماء أم شأن السلاطين، سواء في الشعر أم النثر كما هو معروف محفوظ في سيرته, إنه الإمام المبارك عبد الله بن المبارك.

    قال العباس بن مصعب: جمع عبد الله بن المبارك الحديث والفقه والعربية وأيام الناس -أي: المغازي والسير- والشجاعة والسخاء والكرم والتجارة والمحبة عن الفرق.

    وقال الحسن بن عيسى: اجتمع جماعة من العلماء مثل الفضل بن موسى ومخلد بن الحسين، فقالوا: تعالوا نعد خصال عبد الله بن المبارك من أبواب الخير ما هي؟ قالوا: العلم، الفقه، الأدب، النحو، اللغة، الزهد، الفصاحة، الشعر، قيام الليل، العبادة، الإنصاف، الغزو، الحج، الشجاعة، الفروسية، القوة، ترك الكلام فيما لا يعنيه، قلة الخلاف على أصحابه، قال حبيب بن الجلاب: سألت عبد الله بن المبارك: ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: غريزة عقل أن يكون عاقلاً, قال: فإن لم يكن؟ قال: حسن أدب, قال: فإن لم يكن حسن الأدب ولا عاقلاً؟ قال: أخ شفيق يستشيره ولا يستبد برأيه, قال: فإن لم يكن؟ قال: صمت طويل يسكت, قال: فإن لم يكن؟ قال: موت عاجل.

    مررت بقبر ابن المبارك غدوة     فأوسعني وعظاً وليس بناطق

    وقد كنت بالعلم الذي في جوانحي     غنياً وبالشيب الذي في مفارقي

    ولكن أرى الذكرى تهيج عاقلاً     إذا هي جاءت من رجال الحقائق

    إن عبد الله ابن المبارك من رجال الحقائق.

    1.   

    الرجل المبارك شيخ الإسلام ابن تيمية

    المباركون أينما كانوا بعد ذلك كثير, ولا بد أن نمر مروراً سريعاً عاجلاً على رجلٍ كالإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى, وكيف أن حياته كلها كانت بلاءً وجهاداً؟

    حتى إنه قضى حياته كلها لم يتزوج ولم يشتغل بدنيا ولا بتجارة, كان كل شغله إما في حلقة علم، أو في مجلس وعظ، أو في مناظرة، أو في جهاد أو غزو، أو في سجن في سبيل الله تعالى، يوماً في الشام ويوماً في مصر ويوماً هناك ويوماً هناك, وهو منتصب للناس كلهم ينفعهم بيده ولسانه وقلمه حتى أحبه الناس, كما ذكر ذلك الذهبي وابن رجب وغيره من مترجميه.

    وكان أمثاله في ذلك الوقت من العلماء قليل، ولهذا أقبل الناس عليه وأحبوه وتعلقوا به, لأن الرجل كان حريصاً على إيصال الخير لكل أحد, لا يحسد أحداً على نعمة آتاه الله تعالى إياها, ولا يحقد على أحد، ولا يحمل في قلبه بغضاً على أحد, ولا يدخر خيراً عن أحد, بل كان حريصاً على نفع المسلمين بكل ما يستطيع.

    1.   

    الرجل المبارك سماحة الشيح ابن باز

    وهكذا ظلت هذه الراية ترفع، كلما مات إمام خلفه آخر، حتى وجدنا أن الأمة في هذا العصر قد ظفرت وحظيت بحمد الله تعالى بعدد من الأئمة والعلماء الذين هم مباركون أينما كانوا.

    ولعلي أذكر تاجهم وإمامهم ومقدمهم في ذلك، وهو سماحة الوالد الإمام الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز.

    لماذا اخترت ابن باز؟

    نعم، إن المعاصرة حجاب كما يقول بعضهم, فربما لا يدرك الكثير فضائل بعض علماء العصر؛ لأنهم يرونهم ويشاهدونهم ولا يحصل من التأثر بهم والقبول كما يحصل للعلماء التاريخيين الذين يقرأ الإنسان عنهم.

    فالمعاصرة بالنسبة للبعض حجاب, ولهذا ينبغي أن يشاد بمثل هذا الإمام, ثم إننا نريد أن يعلم الناس أن هذه النماذج التي نتحدث عنها, من أولئك العلماء والدعاة والمصلحين, أنها ليست نماذج تاريخية انتهت، نتسلى نحن بذكرها, بل هي ميراث يتجدد ولا تعدم الأمة رجالاً بعد رجال يحيون هذا الإرث, وذكر هذا الإمام العلم لا يعني بخس حقوق غيره, ولا يعني تنقصهم، وهل يلزم من ذكر المتحدث لأحد أن يذكر كل أحد؟ كلا.

    بعض صفات ابن باز

    إنني ألحظ في الشيخ -حفظه الله- مجموعة من الصفات أذكر منها باختصار:

    1- التعليم للعامة والخاصة، والصغير والكبير, بلا ملل ولا كلل, على رغم كبر السن وكثرة المشاغل والصوارف والملهيات, فلا يخلو مجلس من مجالس الشيخ من ذكر أو قراءة، أو علم أو تعليم، أو أسئلة أو ما أشبه ذلك.

    2- الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، بالكتاب والمحاضرة والدرس والشريط والمراسلة والاتصال وبكل وسيلة ممكن.

    3- القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أكمل ما يستطاع, وما يكاد يوجد منكر في الأرض من المنكرات الشهيرة المعروفة, فيراه راءٍ إلا قال: أخبروا فلاناً يكتب به أو ينكره أو يسعى في تغييره.

    4- التعاون مع أهل الخير من الدعاة والمحسنين والعلماء في كل الأمصار, وحسن الأدب معهم, وطيب المعشر وسعة البال, وهو يتعاون مع الجميع, فإن رأى خيراً أيد وسدد ودعا, وإن رأى خطأً صوب وصحح ونصح بلهجة المحب الناصح الحنون, الذي يريد الخير للناس كلهم.

    5- حسن الخلق وطيب الكلام، والعفة في اللسان والصبر على الناس, وهو في ذلك -أقولها بحق- إمام يحتذى, يعامل الناس كلهم بالحسنى، ويلاطفهم كباراً وصغاراً من يعرف منهم ومن لا يعرف, ويسأل كل أحد عن نفسه وأهله ووالديه وأولاده وعمله وما كان من أمره ولا يسأم من ذلك أبداً, على رغم كثرة من يطرقه وكثرة مشاغله وكثرة الصوارف التي ربما تحول بين الكثير وبين مثل هذا الأمر.

    6- الكرم بكل صوره وأشكاله, في مساعدة أعمال الخير ودعمها, والإنفاق عليها, والكرم مع الناس, فإن الرجل لا يأكل طعامه وحده منذ ما يزيد على ثلاثين سنة, ولا يأنس إلا أن يأكل طعامه في ملأٍ من الناس, وربما أتاه شاب في مقتبل العمر فسلم عليه وقال: أنا فلان أتيتك من بلاد كذا، فحياه ورحب به ولزم عليه بالغداء أو بالعشاء, فإذا جاء وقت الغداء أو العشاء قال: أين فلان؟ هل حضر فلان؟ لا ينسى ذلك حفظه الله تعالى.

    7- ملازمة السنة قولاً وعملاً، وكثرة ذكره لله تعالى في قيامه وقعوده، واغتنامه اللحظات والساعات في التسبيح والذكر والقراءة، فإن لسانه رطب بذكر الله عز وجل.

    8- بذل الجاه لكل أحد, في الشفاعة، والمساعدة، والتوسط في أعمال الخير لعامة المسلمين, سواء في الأمور الدينية أو الأمور الدنيوية, وقلما يحتاج إنسان إلى شيء أو تعسر عليه أمر أو تلبد شأن معاملة إلا ذكر اسم الشيخ ليكون وسيطاً فيها.

    وبالجملة فلا يخرج من الشيخ أحد إلا بشيء، هذا بفتوى، وهذا بنصيحة، وهذا كتب له ورقة أو رسالة إلى فلان, وهذا وعده خيراً, وهذا أعطاه كتاباً وهذا.. وهذا.., وأقلهم حظي من الشيخ بالابتسامة والدعاء, والدعوة إلى الغداء أو العشاء، والتلطف والسؤال عن الحال.

    إنه نموذج للعالم الشمولي, الذي أوسع الناس بحسن خلقه وبسطة كفه وبذله أغلى ما يملك وهو الوقت للناس, هذا وهو ابن الثلاث والثمانين من عمره التي قضاها كلها في الميدان مع الناس, لم ينتظر منهم شيئاً قط, ولا يؤاخذهم على شيء، ولا يجد في نفسه حرجاً عليهم, أو يقول: قصروا في حقي, أو بخسوني أو أساءوا معاملتي أو ما أشبه ذلك: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً [الإنسان:9].

    1.   

    مفاتيح ومغاليق

    إن من الناس والرجال سواء من العلماء، أم من العامة، أم من الكبار، أم من التجار من يكون مفتاحاً للخير, مغلاقاً للشر, ومنهم من يكون على ضد ذلك مغلاقاً للخير مفتاحاً للشر.

    مفاتيح للجلى مغاليق للردى     لهم في ذرا الإسعاد أعلى المناصب

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أنس بن مالك: {إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر, وإن من الناس مغاليق للخير مفاتيح للشر, فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه, وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه} والحديث رواه ابن ماجة، وابن أبي عاصم، والبيهقي في الشعب وهو حديث حسن صحيح، وله شاهد أيضاً عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    معنى كون الإنسان مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر

    إن معنى كون الإنسان مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر: أنه لا يذكر له خير إلا سعى إليه, ولا يذكر له شر إلا سعى إليه, سعى إليه مغيراً منكراً، ولا يشترط أن تكون البداية من عندك دائماً، أو أن تكون الفكرة فكرتك، أو أن تكون عن قناعتك الخاصة, إنما المهم أنه خير فهو -مثلاً- عالم ينشر العلم، ولا يقصر جهده على هذا, بل يقدم لهذا نصيحة اجتماعية ويقدم لهذا مساعدة مادية، أو يكون وسيطاً بين الأغنياء والفقراء في المال، ويحل لهذا مشكلة، ويكتب لهذا تزكية، ويراجع لهذا كتاباً, وهو على هذا المشروع مساعد ومعين، ومع هذا المركز وإلى هذه المؤسسة وحول هذه المدرسة يعطي هذا شريطاً وهذا كتاباً وهذا نصيحة وهذا كلمة طيبة، فلا يخرج من عنده أحد إلا بشيء.

    فإذا مات فقده الناس، وقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون, فدخلت مصيبة فقده على كل أحد، وترحموا عليه، بخلاف ذلك الإنسان الذي إن حضر لم يعرفه أحد ولا يثني عليه أحد ولا يدعو له أحد, وإن مات -أيضاً- لم يفقد لأنه لم يقدم للناس خيراً.

    إنه يحسن المساعدة وليس يحسن التخلص من الناس، وبينهما فرق كبير، فهناك إمكانية أن تتعلم حسن التخلص فكل من جاءك بشيء تتعلم أنك تتخلص منه، فإن طلب منك مالاً، قلت: لا أقدر, وإن طلب مساعدة، قلت: لا أستطيع, وإن طلب منك رأياً قلت: ليس عندي وقت استمع لمشكلتك, وإن طلب منك أن تذهب معه إلى هنا أو هناك، قلت: أنا مشغول ولا أستطيع, فتتعلم حسن التخلص من الناس, وهذا نوع.

    تربية النفس أن يكون مفتاحاً للخير

    أما النوع الذي نطلبه ونريده فهو أن يتعلم الإنسان حسن المساعدة، وأن يربي نفسه على ألا يتخلص من أحد جاءه في خير أو يطلب منه أمراً يستطيعه, هذا طالب حاجة يجب أن يساعد عليها, وهذا سائل تجيبه بغض النظر عن مستواه وعن غرضه بما لا مدخل عليك فيه ولا ضرر عليك منه, وهذا يعرض مشكلة فتعينه عليها برأيك، وليس عليك بأس أن تسمع منه وترى ماذا يعاني وماذا يواجه من المشكلات، وربما لا تستطيع إلا أن تترحم معه وتتوجع له وهذا أحياناً نوع من التنفيس وكما قيل:

    ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة      يواسيك أو يسليك أو يتوجع

    ولا تتضايق من كونه أكثر من سرد التفاصيل وأفاض إلى ما لا حاجة إليه, فهذا إنسان يعاني هذا الهم ويعيش هذا الأمر، فلا بد أن تعطيه فرصة ليتنفس من خلال الحديث معك, وهذا طالب مساعدة يظهر منه حاجة مادية فتساعده بغض النظر عن حقيقة الأمر، ولا تبالغ في التحري فهذه المساعدة هي في محلها، وربما تصدقت على غني فاعتبر أو على فقير أو على سارق أو على زانية، وفي الحديث الصحيح: {أن رجلاً من بني إسرائيل تصدق فأصبحوا يتحدثون: تُصِدق اليوم على غني! فقال: اللهم لك الحمد على غني! لأتصدقن الليلة, ثم خرج فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تُصِدق على سارق! فقال: اللهم لك الحمد، على سارق! ثم قال: لأتصدقن بصدقة، فوضعها في يد زانية! فأصبحوا يتحدثون: تُصِدق على زانية! فقال: اللهم لك الحمد, على غني وعلى سارق وعلى زانية!, فقيل له: إنها وقعت محلها, أما الغني فلعله أن يعتبر فينفق, وأما السارق فلعله أن يستعف عن سرقته, وأما والزانية فلعلها أن تستعف عن زناها}.

    وكذلك طالب الشفاعة, إذا جاء يطلب شفاعة في غير باطل، فلا تتردد في دعم هذه الشفاعة له، فليس من شرط الشفاعة أن تقبل ولا أن تؤثر، ولكن كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان عن أبي موسى: {اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما أحب أو ما شاء} وأحياناً مجرد منحك له بعض الوقت والتبسط معه والابتسامة في وجهه والصبر عليه، وألا تكفهر ولا تعرض عنه ولا تجر يدك منه وتستفهم أموره وتوحي له بالاهتمام, هذا ربما يغني ويكفي ولا يحتاج الأمر بعد ذلك إلى شيء.

    وهذا يعرض عليك مشروع جهاد في بلد من بلاد الإسلام, وهذا يعرض عليك مشروع دعوة, وهذا يعرض عليك مشروع تحفيظ للقرآن الكريم, وذاك يعرض عليك مشروع لتحفيظ السنة, وهذا يعرض عليك مشروع تجارة رابحة, وهذا.. وهذا..

    1.   

    ما المرء إلا حيث يجعل نفسه

    إذا أراد الإنسان تفريق الناس عنه فعلوا, وفاته من ذلك خير كثير, ويكفي الناس أن يفترقوا ويبعدوا عنك, بل وربما رجموك بالقول والفعل، يكفي في ذلك الجفاء في القول والتجهم في الوجه.

    نفع الناس بكل ما أمكن

    أما إن أراد نفعهم بماله أو علمه أو عقله أو جاهه فإنه يستطيع ذلك, وتتوسع له الآفاق وتفتح له المجالات, فالجاهل الذي علَّمته، تسبب في آخرين دلّهم عليك، فأتوا إليك وسألوك واستفادوا من علمك وأعجبوا من حسن تعليمك, والفقير الذي ساعدته تسبب في فقراء آخرين جاءوا إليك فبذلت لهم كما بذلت لغيرهم, وطالب الشفاعة وطالب المشورة وطالب الفتوى وطالب التزكية وهكذا يمتلئ عمرك بجلائل الأعمال، وما عليك أن يجعلك الله تعالى مفتاحاً للخير وأن تقتدي في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم: وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ [مريم:31].

    ولا تظن أن الوقت يضيق أو أن الهمة تفتر أو أن النفس تتبرم: {فإنما المعونة على قدر المئونة} كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح, فمن تصدَّى للأعمال وجعل نفسه لها وبذل ما يستطيع فإن الله تعالى يمده بمدد من عنده، ويرزقه من الصبر والحلم والتعلم الشيء الكثير الذي لم يكن يستطيعه قبل ذلك, وليست هي معجزة لا تقبل التكرار أن ترى رجلاً في واقع الحياة امتدت أعماله إلى وجوه الخير كلها, وامتدت روافده وجداوله إلى كل ميدان فله في كل بضاعة سهم, إن جهاداً أو علماً أو دعوة أو أموراً دينية أو أموراً دنيوية أو غير ذلك.

    وعماد ذلك كله الخلق الطيب من طلاقة الوجه، وبسطة الكف، وعفة اللسان، وسلامة القلب، فهي جماع الخير كله: {إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسطة الوجه وحسن الخلق} والحديث هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة وفيه ضعف، وقد جاء من وجه آخر عن عائشة رضي الله عنها، وجود إسناد الحديث الإمام المنذري رحمه الله تعالى.

    عدم تحقير الذات

    وعلى المرء ألاَّ يحقر نفسه أبداً, وإياك إياك.. أن يخيل إليك أنك عاجز عن كل شيء وجرّب تجد, جرب مثلاً أنه إذا حدثك شخص عن منكر في مكان كذا, بدلاً من أن تهزّ رأسك وتقول: الله المستعان. وإنا لله وإنا إليه راجعون, فهزّ رأسك وقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولكن اكتب لي هذا الذي رأيته بالتفصيل في ورقة، ثم أنت خذ هذه الورقة ممن كتبها، واكتب عليها ورقة أخرى من عندك إلى فلان, تصبح حينئذٍ معاملة تتعلق بمنكر موجود في مكان معين, ثم ابعث بهذه المعاملة إلى أحد العلماء، إلى جهة من الجهات التي تقوم على الاحتساب وإنكار المنكر, وكرر ذلك وستجد التجاوب، وستجد الرد أحياناً بشكل أو بآخر, وهذا بحد ذاته يعتبر نوعاً من التجاوب.

    وهكذا السائل الذي سأل ليس شرطاً أن تعطيه من مالك بعدما تتثبت من حاجته, فإذا لم تقدر أن تعطيه من مالك فتحقق من حاله واطلب تزكية من أشخاص معروفين ثم اكتب معه, أو اذهب بها إلى فلان القادر أو فلان التاجر أو فلان المحسن وأنت شريك في الأجر وطوبى لمن جعله الله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر.

    1.   

    مع الخير حيث كان

    رأيي ورأيك ليس شرطاً لكي تكون مفتاحاً للخير، لا تعتبر رأيك الشخصي في كل مسألة هو المقياس, ولا حتى اجتهادك الخاص في مسألة يسوغ فيها الاجتهاد، ولا تجعل ميولك الخاصة أيضاً تتحكم في مواقفك، وليكن شعارك "مع الخير حيث كان" حتى لو خالف رأيك ما دام يحقق في الجملة خيراً في الأمة، هو على الأقل أكثر وأعظم من الضرر الحاصل أو الضرر المتوقع, حتى لو خالف اجتهادك، فقد يثبت الاجتهاد الذي خالفك في مواجهة واقع من الواقع جدواه.

    وليس شرطاً أن يكون الجميع على رأي واحد، أو اجتهاد خاص في مسألة، وقد تشتهي بعض النفوس شيئاً، وتميل نفوس أخرى إلى شيء آخر.

    فالعناية بالجانب الخيِّر الجانب الإيجابي في حياة الناس وأفعالهم وإبرازه والثناء عليه والاستفادة منه هو خلق النجباء، وهو من أسرار تأليف القلوب على مفاتيح الخير من الرجال, فمن سيما مفاتيح الخير أن تأتلف عليهم القلوب وتجتمع عليهم المشارب والمذاهب لسعة صدورهم وسعة عقولهم وحلمهم وصبرهم على الناس، وعدم إلزامهم بآرائهم الخاصة لغيرهم ممن يحمل رأياً كرأيه واجتهاداً كاجتهادهم.

    خذ وطالب

    إن من اليسير أن يعتني المرء بإبراز جوانب العيوب، والجوانب السلبية في أعمال غيره وجهودهم وجهادهم، ويضخم هذه الأشياء ويجعلها ذريعة وحجة في ترك المشاركة وترك المناصرة وترك التأييد وترك العمل! لا, لكن من الممكن أن تعكس الأمر وتأخذ بالمبدأ الذي يقول: (خذ وطالب).

    فاقبل الخير الموجود عند فلان، أو عند هذه الفئة، أو عند هذه الطائفة، أو في هذا المركز، أو في هذه الجماعة، أو في أولئك المجاهدين مثلاً, خذ الخير الموجود عندهم وطالب بالمزيد، وكن عوناً لهم على طاعة الله عز وجل، زاجراً لهم عن معصيته، إن دعوك للخير تجبهم، وإن أحسنوا تحسن معهم، وإن أساءوا تتجنب إساءتهم وتنصحهم: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة:91].

    دعم النشاط الطيب

    إن بوادر النشاط الطيب في العالم الإسلامي كله من الممكن أن تؤيد وتدعمه وتناصره وتكون بداية لعمل يرضي الله تعالى، ويحقق للمسلمين عزاً ونصراً وتمكيناً, ومن الممكن أيضاً أن يقع العكس فيقاطع هذا النشاط أو ذاك, بحجة عدم وضوح المنهج، أو عدم استبانة الرؤية، أو عدم سلامة الطريق, وهذا أهون الأمور وأسلمها، ولكنه لا يحقق المراد.

    إن الحل الذي هو عدم التأييد وعدم المشاركة حل سهل, ولكن المشاركة بصدق وإخلاص، بالقول والمال والرأي وبكل الوسائل الممكنة، واستكبار هذا التأييد وهذا الدعم في التعديل والنصيحة والمشورة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتصحيح الخطأ سواء أكان خطأًَ في الاعتقاد، أم في التعبد، أم في السلوك، أم في المنهج، فإن هذا هو المراد وهو المقصود, وليس يحزننا أبداً -والله الذي لا إله غيره- بل يسرنا كل السرور أن يكتب الله تعالى النصر لهذا الدين على أيدي غيرنا وأن يعز الإسلام بجهد سوانا, فنحن رابحون بكل حال، وليس دين الله تعالى بضاعة خاصة لفئة نحجبها نحن ونستأثر بها دون بقية المؤمنين.

    1.   

    الأعمال الصالحة مفاتيح للخير

    مفاتيح الخير من الأعمال: فقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: {اللهم إني أسألك فواتح الخير وخواتمه وأوائله وأواخره} والحديث رواه الطبراني والحاكم عن أم سلمة، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وقال العراقي في تخريج الإحياء: في إسناده عاصم بن عبيد الله لا أعلم روى عنه إلا موسى بن عقبة, ويشهد له حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: [[أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم جوامع الخير وخواتمه وفواتحه]] والحديث رواه ابن ماجة أيضاً بإسناد صحيح.فكما أنه من الناس رجال وأقوام: علماء، أو دعاة، أو تجار، أو عامة، هم مفاتيح للخير لا يأخذ أحد بأيديهم إلى خير أو بر أو معروف أو إحسان إلى ذهبوا معه وسارعوا ولسان حال أحدهم يقول: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ) [طه:84], فكذلك من الأعمال أعمال جعلها الله تعالى مفاتيح للخير ومغاليق للشر, وأعمال أخرى جعلها الله تعالى مغاليق للخير مفاتيح للشر.

    لا إله إلا الله مفتاح الجنة

    فمثلاً مفتاح الجنة هو التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله والصلاة, ولذلك جاء في المسند عن معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {مفتاح الجنة لا إله إلا الله}, وروى البخاري في صحيحه في كتاب الجنائز, أن وهب بن منبه قيل له: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة, قال: بلا، ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك.

    إن لا إله إلا الله مفتاح الجنة؛ وذلك لأنها أساس قبول الأعمال، فإن الله تعالى أغلق باب الجنة على كل إنسان لا يشهد لله تعالى بالوحدانية ولا يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة, كما قال الله تعالى في شأن الكافرين: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23] فلا ينفع مع الشرك عمل مهما كبر, ولذلك أيضاً فإن الله تعالى أمرنا بهذه الكلمة العظيمة فقال: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19].

    فإن أساس الأعمال في الدنيا وأساس قبولها في الآخرة هو هذه الكلمة, وهذه الكلمة ليس المقصود بها مجرد التلفظ فحسب؛ فإنها كلمة تحمل معنىً عظيماً لا بد أن يدركه الناطق بها وهو معنى إفراد الله تعالى بالعبادة, ألا يعبد إلا الله تعالى, وألا يعبد الله تعالى إلا بما شرع, فلا يعبد إلا الله على وفق شريعة محمد صلى الله عليه وسلم, ولهذا قال الله تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110] وقال الله سبحانه: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2] قال الفضيل بن عياض: أحسن عملاً أخلصه وأصوبه، قيل له: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟

    قال: إن العمل إذا كان خالصاً -يعني لله تعالى- ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل, فلا يقبل حتى يكون خالصاً لله تعالى صواباً على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ويجب أن نعلم أنه لا عز للأمة ولا اجتماع ولا رفعة ولا قوة ولا تغلب على عدوها، ولا خلاص لها من أمراضها التي تعانيها كمرض التفرق والشتات، ومرض الخوف والجبن والذل والهوان والجهل, بل وسائر الأمور المادية والمعنوية, لا خلاص للأمة ولا نجاة لها مما تعانيه أبداً إلا أن تجتمع على هذه الكلمة, فهماً لها وإيماناً بها ودعوة إليها وتحقيقاً لها في واقعها وسلوكها على مستوى الفرد والأسرة والجماعة والدولة بل وعلى مستوى الأمة كلها, فلا إله إلا الله بهذا الاعتبار هي مفتاح الجنة.

    ومثله أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم في بعض الأحاديث أن مفتاح الجنة السيف, والمقصود -والله تعالى أعلم- الجهاد في سبيل الله تعالى, فإن الجهاد من أعظم أبواب الجنة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: {واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف} كما هو عند النسائي وسنده صحيح.

    إذاً مفتاح الجنة يكون بالإيمان بالله وتوحيده والإقرار له بالألوهية والربوبية، ومعرفته حق المعرفة بأسمائه وصفاته بقدر ما يستطيع الإنسان ويطيق, ثم الجهاد في سبيل الله تعالى.

    مفتاح الجنة عند ابن القيم

    وقد عقد الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- باباً في كتابه "حادي الأرواح" فيه مفتاح الجنة، وذكر فيه شيئاً كثيراً من هذا الموضوع، مثل قوله: أبواب الجنة هي الشهادة ثم السيف -أي الجهاد والقتال- وكذلك لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها من أبواب الجنة, ومفتاح الصلاة الطهور, ومفتاح الحج الإحرام, ومفتاح البر الصدق, ومفتاح الجنة التوحيد, ومفتاح العلم حسن السؤال وحسن الإصغاء, ومفتاح الصبر النصر, ومفتاح المزيد الشكر, ومفتاح الولاية المحبة والذكر, ومفتاح الفلاح التقوى, ومفتاح الإجابة حسن الدعاء, ومفتاح كل خير الرغبة في الله تعالى والدار الآخرة, ومفتاح كل شر حب الدنيا وطول الأمل ثم قال رحمه الله: وهذا باب عظيم من أبواب العلم، وهو معرفة أبواب الخير ومفاتيح الشر, ولا يوفق لمعرفته إلا من عظم الله تعالى حظه وتوفيقه.

    المهم نعود إلى المثال وهو موضوع الشهادة, فإن الشهادة هي مفتاح الجنة بهذا الاعتبار، بمعنى أن كل عمل يعمله الإنسان فهو مفتقر إلى التوحيد وإلى الشهادة, فإذا صح إيمان العبد وصح توحيده فإن الله تعالى يدخله الجنة على ما كان من العمل, كما في حديث عتبان رضي الله تعالى عنها وهو في الصحيح: {من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق وأن النار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من عمل} وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في أحاديث أخرى.

    المهم أن كل عمل من أعمال الشريعة مفتقر إلى أصل التوحيد وأصل الإيمان؛ ليكون مقبولاً عند الله تعالى نافعاً في الدار الآخرة, أما إذا فقد الإنسان الأصل فلا ينفعه بعد ذلك ما عمل, ولهذا سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن جدعان، وكان كريماً يصل الرحم، ويعتق العبيد الأرقاء، ويحسن إلى الضيوف وإلى الناس: أفينفعه ذلك؟ قال صلى الله عليه وسلم: {لا يا عائشة إنه لم يقل يوماً من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين} فذكر أنه لا ينفعه ذلك؛ لأنه لم يحقق أصل التوحيد وأصل الإيمان.

    الجهاد مفتاح العزة والكرامة

    مثل ذلك أيضاً ما يتعلق بالجهاد, فإن الجهاد مفتاح العزة والكرامة وما ارتفع شأن الأمة إلا بالجهاد, وما استطاعت الأمة اليوم أن تفرض على الغرب لوناً من التفكير، أو رأياً في الأحداث، أو موقفاً معيناً مبنياً على احترام الإنجاز الإسلامي إلا بالجهاد في سبيل الله تعالى.

    إن من الأمثلة القريبة الأحداث في البوسنة، فلقد ظن العالم كله أن المسلمين في أرض البوسنة فئة قليلة مغلوبة على أمرها، لا تملك القوة ولا السلاح، ولا صلة لها بالعالم الإسلامي، وأن من السهل أن يُقضى عليهم خلال شهور، بل ربما أسابيع وربما أيام.

    وكيف لا يقضى عليهم وهم يواجهون رابع جيش في العالم؟

    يملك مئات الطائرات وآلاف الدبابات ومئات الآلاف من القطع، وأكثر من ثلاثمائة ألف جندي من الصرب, وهذا الشعب معروف في أوروبا كلها بالقوة والشراسة والعناد والصبر والشجاعة، فظنوا أن المسلمين سوف يكونون طعمة للآكلين في لحظة أو لحظات, ولكن تنادت الأمة الإسلامية من المشرق إلى المغرب، حتى كان منهم من ذهب بنفسه, ومنهم من ذهب إلى الدعوة إلى الله، ومنهم من ساعدهم بماله، ومنهم من ساعدهم بالدعاء وقنت المسلمون لهم وصبروا, وما زالت قضيتهم حارة ساخنة على كل صعيد، حتى عزوا بإخوانهم وصبروا وأصبح عندهم قوة ورباطة جأش وشجاعة وصبر.

    بل إنني أتابع أخبارهم بدقة، وخلال الثلاثة الأسابيع الماضية كانت تتوالى بحمد الله تعالى ألوان من الانتصارات والبشارات بإخواننا المسلمين هناك.

    إن القوات المسلمة في البوسنة والهرسك ربما لا تزيد على ستة أو سبعة آلاف مقاتل فحسب، منهم بضع مئات من العرب، ولكنهم أرعبوا الصرب بل أرعبوا الغرب، وكانوا يهاجمونهم في المعارك، يقول لي أحد الإخوة: يظنون أننا خمسة آلاف، ونحن لا نتجاوز خمسة أفراد, وتحقق للمسلمين من التقدم عشرات الكيلومترات، وما زالت الأخبار تنقل لنا كل ما يبهج النفس ويسر القلب بحمد الله وتوفيقه, حتى إن من آخر الأخبار أن المسلمين تقدموا قرب إحدى المدن وأظنها مدينة سرافينك أكثر من أربعين كيلو متراً، ثم قتلوا من الصرب ما يزيد على مائتين أو ثلاثمائة، ثم سيطروا على قطار تابع لـلأمم المتحدة, فوجدوا أن هذا القطار ينقل الأسلحة إلى الصرب تحت علم ومظلة الأمم المتحدة, فسيطر عليه المسلمون وغنموه، وكان فيه بضع دبابات وكثير من الأسلحة الخفيفة والثقيلة.

    ولقد رأيت بعيني قبل يومين شاباً جاءني وهو يقول: أنا طالب في مجالس العلم، وأطلب العلم عند العلماء ولكن قتل بعض إخواني في الجهاد هناك, فأنا كل ما تذكرتهم دمعت عيني واهتز قلبي وعظم حزني، أريد أن ألحق بهم, ثم -والله- رأيته وقد قطب وجهه، ثم دمعت عيناه, لماذا يدمع؟

    يدمع شوقاً إلى الشهادة في سبيل الله، وشوقاً إلى لقاء إخوانه الذين سبقوه بهذا السبيل.

    وقد رأيت من المسلمين من يتخلى عن بعض ثيابه ليتبرع بها لإخوانه هناك, رأينا في إحدى دول الخليج شاباً لا يملك المال ليتبرع به، فيأتي ويتبرع بالدم لبعض المختبرات التي يعطونه مقابل التبرع بالدم، ليأخذ عشرين درهماً لا يملك غيرها فيتبرع بها للبوسنة, يقول: إذا كان إخواني يستشهدون هناك، وتنـزف دماؤهم تروي ثرى تلك البلاد، فلا أقل أن أتبرع بمحجمة من دمي لإخواني المسلمين هناك.

    فهذا التناصر وهذا التأييد مهما كان، ولو لم يكن من ثمرته أن يقيم دولة للإسلام كما يتوقع بعضهم هذا ليس شرطاً أن يحدث, قد يحدث اليوم، أو بعد سنة، أو بعد مائة سنة، أو متى شاء الله تعالى, لكنه جعل الغرب يرتعد خوفاً أن تتحول جزيرة البلقان كلها إلى منطقة حرب، وأن تتطور الأمور، وأن تتدخل الدول المجاورة كـتركيا أو روسيا أو ألبانيا وغيرها, وهناك مسلمون في ألبانيا وكوسوفو وفي السنجر وفي غيرها من الممكن أن يتحول الأمر إلى حمام دم كما يقال.

    بل تخوف الغرب أن تكون هناك دولة أصولية في تلك المناطق, ولذلك أصبحنا وأصبحتم تسمعون في الأيام القليلة الماضية أن الحديث بدأت نبراته ترتفع، وبدأت حدته تعلو للتدخل في أرض البوسنة والهرسك من قبل الأمم المتحدة أو من قبل البلاد الغربية, يوم قتل عشرات الألوف، ويوم شرد مئات من العجائز والنساء والأطفال, وعُملت الجرائم واعتدي على أعراض أكثر من عشرة آلاف فتاة مسلمة باغتصاب قصري بشع وحشي من جنود الصرب, لم يتحركوا وكانوا يرون أن الأمر خطير وأن التدخل صعب, أما اليوم فقد بدءوا يتحدثون بشكل أوضح عن إمكانية التدخل لإيقاف تلك الحرب.

    إن هذا يؤكد لنا أن المسلمين مهما ضعفوا يستطيعون إذا صدقوا الله تعالى وتناصروا أن يصنعوا شيئاً, ليس شرطاً قيام دولة تحكم بالإسلام، فقد لا يتحقق هذا بالسرعة التي يتمناها المسلم، أو على الأقل قد لا يحدث هذا في مثل تلك الظروف الحالية, ولكن تفكير الغرب بالتدخل هو نتيجة للصحوة الإسلامية؛ وخشية أن يتطور الأمر لصالح المسلمين, فهذا غلب جانب التدخل على رغم المخاطر الكبيرة على الدول الغربية, فإن قتل عشرة أو مائة أو حتى ألف من المسلمين إنه بآجالهم فمن مات منهم قبل يومه فهم شهداء في سبيل الله تعالى إن شاء الله.

    وقد بعثوا في الأمة روح العزة والشوق للجنة, وقد ذكرت لكم ما قد رأيت من هؤلاء الشباب, والله تعالى يقول: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ [آل عمران:140].

    إنني أعلم أيها الإخوة أن الذين ماتوا (بالتطعيس) عندنا في القصيم على مدى أسبوعين، يزيدون على سبعة شباب, أما الذين ماتوا (بالتفحيط) فهم أكثر, ولو عملنا إحصائية للذين ماتوا بحوادث السيارات لوجدناهم أكثر بكثير من أولئك الذين ماتوا في المعارك دفاعاً عن الحرمات وذباً وذوداً عن الإسلام والمسلمين, وهؤلاء لم يعلم بهم أحد ولم يتخذ إجراء مثلاً لمنع (التطعيس)؟؟

    ولا منع الآباء أبنائهم من ممارسته أو ممارسة التفحيط, بل اعتبروه أمراً عادياً, فلماذا نمتنع أو نمنع غيرنا إذاً من الجهاد في سبيل الله: وممارسته والتدريب عليه، وإزالة حاجز الخوف أو الوهن أو التعلق بالدنيا في النفوس؟

    إن إصابات كرة القدم في الملاعب تعد شيئاً كثيراً، وأعتقد أنها تُقارن ببعض الإصابات في المعارك.

    الكثير يتساءلون: ماذا استفدنا مما جرى في البوسنة والهرسك؟

    أو ماذا استفدنا مما جرى في فلسطين؟

    وإخراج أربعمائة وثلاثين من خيرة أبناء هذه الأمة من العلماء والخطباء وأساتذة الجامعة والدعاة والمراجع العلمية الذين صاروا في مثل هذا الوضع.

    إنني أقول: ليس بهذه الصورة توزن الأمور، إن الأحداث التاريخية كلها لا تخضع أبداً لهذا المعيار حتى أولئك الذين نستطيع أن نقول قتلوا في بعض المعارك, هم يوم كانوا أحياء ماذا قدموا؟

    ماذا استفادت الأمة منهم؟

    هم في بلادهم ماذا نفعوا؟!

    إن الكثير لم ينفعوا شيئاً لكنهم لما سلكوا طريق الجهاد نفعوا كثيراً وقدموا لأمتهم خيراً كثيراً.

    فإن طريق الأمة إلى العزة والكرامة لا بد أن تمر بالتضحيات الجسام, ولو لم يأتِ إلا غرس الجدية والشعور بالذات والإحساس بالقدرة على فعل شيء ما لكفى!.

    إن شعور الأمة بالاستسلام المطلق والعجز التام هو من أخطر الأمراض, وليس علاجه أن تشعر الأمة بأنها تقدر أن تفعل كل شيء؟ لا, لكنها ما دامت حية فهي قادرة على أن تفعل شيئاً.

    فمثلاً: وجود استعمار أو تدخل في بلد إسلامي, ليس شرطاً في مقاومة المسلمين له أن يسقطوا تلك الدولة التي استعمرت بلادهم, أو حتى أن ينتصروا عليهم انتصاراً مطلقاً, لكنني أجزم وأعلم أن قتل ثلاثين من رجالات تلك الدولة، ولو في مقابل أضعافهم من المسلمين في ظل الوضوح الإعلامي القائم اليوم أنه سوف يغير مفاهيم الكثير من رجال السياسة الغربية, أو أصحاب القرار الذين هم أحياناً مترددون، أو هم غير متحمسين للفكرة لكنهم غير معارضين لها, فهل كتب على المسلمين أن يظلوا هم فقط باقون تحت التسليم والخضوع والخنوع والاستسلام؟!

    لا تقولوا المسلمون انهزموا      أمة المختار في حرز الصمد

    إنما تلك مسوخ ورثت     نسبة الإسلام عن أم وجد

    فإذا ذلت لباغ فكما     يعبث الفأر بتمثال الأسد

    محمد هل لهذا جئت تسعى      وهل لك ينتمي همل مشاع

    أإسلام وتغلبهم يهود     وأساد وتقهرهم ضباع

    أيشغلهم عن الجلى نـزاع      وهذا نـزع موت لا نـزاع

    شرعت لهم طريق العز لكن      أضاعوا مجدك السامي فضاعوا

    عطفاً أيها الأحبة وتعليقاً سريعاً على ما ذكرت، لقد ذكرتني الجنائز التي صلينا عليها الآن وبعد صلاة المغرب, بخاطر خطر على بالي حينما صلينا في ظهر هذا اليوم على شيخنا الشيخ حمود رحمة الله عليه, لقد صُلِّي في الوقت نفسه على أناس آخرين فتذكرت سبحان الله كيف أن الإنسان الفاضل الخير يكون خيراً على من يصحبه حياً أو ميتاً, فصلي على جميع الذين ماتوا وقدموا في ذلك المسجد من قبل جمع غفير، ربما يقدرون بعشرات الألوف ونالتهم بإذن الله تعالى بركة الدعاء، ونسأل الله تعالى أن يشفع فيهم جميعاً هؤلاء المؤمنين الداعين, فهذا يكشف للإنسان أن صحبة الأخيار تنفع الأحياء والأموات، ونقول: اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم يا أرحم الرحمين.

    أمر آخر في قراءة الإمام حين قرأ قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران:142] هذا يؤكد المعنى الذي ذكرته قبل، وهو أن الجهاد مفتاح الجنة, فإن الله تعالى قال للمؤمنين أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ [آل عمران:142] أي كيف ظننتم أنكم تدخلون الجنة قبل أن تبتلوا وتجاهدوا وتصبروا؟

    ويظهر للعيان ما علمه الله تعالى من حال فلان وفلان؟

    1.   

    الأسئلة

    أجيب عليها باختصار:

    معجزة عيسى عليه السلام

    سؤال: ما معنى قولك: أن عيسى يحي الموتى، وأنه لا يحيي إلا الله؟

    الجواب: هذا ما ذكره الله تعالى في كتابه على لسانه قال: وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران:49] فإن الله تعالى هو المحيي، ولكنه أقدر عيسى؛ لأن قومه كانوا بصراء في الطب, فكانت معجزة عيسى عليه الصلاة والسلام من جنس العلم الشائع في زمنهم، ولكن أضيف إليها ما لا يقدرون هم عليه؛ ليكون ذلك آية بينة على صدق نبوته ورسالته, وكذلك أن القوم الذين بعث فيهم وهم اليهود كانوا ماديين غلبت عليهم المادة والشهوة والتعلق بالأسباب, فأراد الله تعالى أن ينقطع ذلك عن أتباع الدين الصحيح.

    جهاد الأفغان

    سؤال: لقد نسينا الجهاد الأفغاني وقضيته ولا نعلم ما هو السبب؟ ونريد آخر أخبار جهاد الأفغان؟

    الجواب: في الواقع أن هناك عدة أمور منها:

    أولاً: وضع الحكومة في كابل: فإن هناك خلافاً كبيراً بين الأحزاب المختلفة على تشكيل الحكومة وطريقتها وطريقة اختيار الحاكم وما أشبه ذلك.

    والحقيقة ينبغي أن نلوم أنفسنا أيضاً كما نلوم إخواننا هناك؛ فإنني أتساءل أين العلماء والدعاة والمصلحون بل وعامة المسلمين الذين وقفوا مع الجهاد الأفغاني على مدى أربعة عشر عاماً مضت, لماذا سكتوا الآن؟

    أين نحن من خلاف المجاهدين هناك؟

    لماذا لا نخاطبهم ونراسلهم ونكتب لهم ونتصل بهم ونقول لهم: احذروا أن يعاقبكم الله تعالى وأن تسقطوا من عيون المسلمين، وأن تكونوا سبباً في خذلان الناس، وفي تأخر الناس، وفي عدم قبولهم بأمر الجهاد بسبب الخلاف الجاري بينكم.

    يجب أن تتفقوا ويجب أن تصطلحوا ويجب أن تتواضعوا على أمر سواء, وأن تتخلوا عن حب الدنيا وعن المغانم، وعن حب الرياسة وعن غير ذلك, وأن تجعلوا الدين ومرضاة الله تعالى وإيثار الآخرة نصب أعينكم وهذا واجب علينا جميعاً, وهو يدخل فيما ذكرته قبل قليل: وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ [مريم:31] فطوبى لمن جعله الله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر, أي واحد منا وليس شرطاً أن يكون عالماً أو داعياً أو شهيراً؛ لا, حتى ولو كان من عامة الناس.

    وقد بعث إليّ بعض الشباب وهم من المرحلة الثالثة المتوسطة بورقة بعدما فتحت كابل فيها تهنئة بالنصر وحمداً لله والشكر, وفيها دعوة المجاهدين لتوحيد الكلمة وإلى مراقبة الله ومخافته، وطلبوا مني أن أوصلها إلى زعماء المجاهدين, فلما رأيتها تعجبت منها أشد العجب وفرحت بها أشد الفرح، ثم قمت ببعثها إلى زعماء المجاهدين هناك, ليعلموا أن الأمة المسلمة تتابعهم وتعرف ماذا يفعلون، وتريد منهم أن يكونوا على مستوى المسئولية وعلى مستوى حسن الظن بهم, إن هذا واجبنا جميعاً.

    كما أن هناك مسألة دخول أعداد غفيرة من المسلمين من طاجيكستان، يزيدون على مائة ألف، هربوا من جحيم الحرب الدائرة هناك بين المسلمين والشيوعيين، ودخلوا إلى حدود أفغانستان, وهذه مشكلة جديدة.

    هدم المسجد البابري

    سؤال: ما تعليقكم على الهندوس في الهند لهدم المسجد البابري هناك وواجبنا نحوهم؟

    الجواب: ذكرت تعليقاً على ذلك في مناسبة وهي بعنوان "أحاديث غير عابرة" فبإمكانك مراجعته, أما مسألة واجبنا فإنه يجب على المسلمين أن يحاربوا الهندوس، وأن يعلنوا الحرب على جميع العمال الموجودين من الهندوس في هذه البلاد.

    وهم في الغالب محاربون وحربهم معلنة صريحة على الإسلام وحاقدون أشد الحقد, حتى إنهم في بعض المستشفيات -وقد وقفت بعيني على هذا- يقومون بأعمال خاطئة أثناء العمليات الجراحية تؤدي بالوفاة، حتى لو كانت العملية عادية، لا يوجد خطر بالمقاييس البشرية, وقد حصل حالات وفاة بمثل هذه الأسباب.

    فينبغي على المسلمين أن يقوموا بإبعاد الهندوس من المؤسسات سواء كانت مؤسسات أهلية أم شركات أم مقاولات أم غيرها, وأن لا يستخدموا إلا المسلمين بقدر ما يستطيعون.

    وبالمناسبة في موضوع الهندوس توجد فتوى للشيخ عبد الله بن جبرين أرجو من الإخوة السعي لنشرها وتوزيعها.

    من مشاريع الخير

    سؤال: إن من المعلوم أن الاختلاط أمر يرفضه الشرع المطهر, وحتى الطبع السليم، ولهذا فهناك حلم ولا يزال يراود الغيورين والمخلصين من أبناء المسلمين يأملون في تحقيقه في أقرب وقت ممكن, ألا وهو إنشاء مستشفيات متكاملة بكل التخصصات غير مختلطة, بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى, أليس من الأفضل جمع التبرعات لهذا المستشفى أو عمل شركة مساهمة لبناء مستشفى متكامل ويكون رجعه للمساهمين؟

    الجواب: في الواقع هناك بدايات جيدة في الرياض، هناك مستشفيات نسائية وفي جدة وفي مكة وفي القصيم هناك ثلاثة مستشفيات قامت، وبوادرها طيبة ومشجعة وعلينا دعم هذه المستشفيات بكل ما نستطيع والإقبال عليها ومحاولة تلافي الأخطاء فيها.

    أما جمع التبرعات لهذا العمل فلا أعتقد أنه مناسب؛ لأنه عمل تجاري, ويتطلب مجهوداً كبيراً، وهاهنا نأتي إلى قوله تعالى: وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ [مريم:31] فطوبى لمن جعله الله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر, هذا الاقتراح منك يعتبر مشاركة في الخير, ولكن هذا الطبيب الذي يسمع وهو يملك أن يرسم مخططاً وأن يقوم بهذا العمل هو مسئول مسئولية كبرى, وذلك التاجر الذي يستطيع أن يتبنى هذا المشروع ويدعمه ويستفيد منه حتى من الناحية المادية ولكنه يساهم بصورة عملية في ستر عورات المسلمين والمحافظة على نسائهم وعلى أخلاقهم, وينبغي أن نثبت للمسئولين في الصحة وفي غيرها أنه من الممكن إيجاد مستشفيات نسائية خاصة بجهود أفراد فضلاً عن جهود وزارات بأكملها.

    التعليم الديني إلى أين يسير

    سؤال: هل من كلمة حول تعديل المناهج الدينية في المراحل الدراسية وما أثرها المستقبلي؟

    الجواب: نعم, المناهج لا شك أن الجميع عرفوا وسمعوا وقرءوا التعديل الخطير والكبير الذي جرى فيها, وغالب هذا التعديل يتعلق بمناهج اللغة العربية والمواد الشرعية والعقيدة والتوحيد والفقه والحديث والتفسير وما أشبه ذلك, وكذلك مواد التاريخ والجغرافيا.

    ومن الواضح أيضا أن هذا التعديل يستهدف تقليل تأثر الطالب بكثير من المعاني الشرعية، أو محاولة أن ينسى بعض هذه الأشياء، ولا شك أن هذه مسئوليتنا جميعاً, فليست مسئولية لجهة فقط.

    ينبغي علينا جميعاً أن نكون مفاتيح للخير مغاليق للشر, وهنا يأتي دور هذه الأمة, أنت ولي أمر، لك أولاد تعرف بالضبط منهم ما هو الشيء الذي حذف, ثم ترى بعينك، ثم تلاحظ، ثم تكتب على ضوء ذلك, تكتب إلى مدير المدرسة تكتب لمدير التعليم، تكتب لتطوير المناهج، تكتب للتطوير التربوي، تكتب لوزير المعارف، تكتب للعلماء وتبذل جهدك.

    أمر آخر: أن تعمل على تكميل النقص الموجود في المناهج بنفسك بتربية ولدك ومراقبته وتعليمه، وألَّا تقتصر على مجرد المادة التي تعطى له.

    أمر ثالث أيضاً: أن يقوم الغيورون كما طلب أحد الإخوة قبل قليل حينما طالب بإيجاد مستشفيات نسائية وهذا مطلب سليم وحميد, وينبغي أن يوجد في كل البلاد أيضاً، وأن يكون هناك تنادٍ وتداعٍ وحرص على إيجاد مدارس أهلية تراعي مع المناهج الدراسية المفروضة أو المقررة من قبل الوزارة أن يكون هناك مناهج ودروس وعناية وتربية لهؤلاء الشباب على المعاني الإسلامية القوية، وإخراجهم إخراجاً صحيحاً, وتربيتهم على الدعوة والعلم والعبادة والجهاد.

    هجر العاصي

    السؤال: لنا أقارب أولاد عم لا يصلون ويسمعون الأغاني ويشاهدون الأفلام المنافية للشرع ونساء كاشفات، فإذا لم نـزرهم هل نعتبر أننا قاطعي رحم, مع العلم أننا نصحناهم وقدمنا لهم بعض النصائح؟

    الجواب: أما إن كان هؤلاء لا يصلون بالكلية لا في الليل ولا غيره، ولا في رمضان، ولا جمعة ولا جماعة مطلقاً مقاطعون للصلاة بالكلية طيلة حياتهم, فلا شك أن هؤلاء لا ينبغي أن يتصل بهم، إلا أن يتصل بهم على سبيل النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وإقامة الحجة عليهم وبذل النصح المستطاع لهدايتهم, وفي الصحيح من حديث سالم بن سعد: { والله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم}.

    أما إن كانوا يصلون ويتركون، ويفرطون ويقصرون، ويصلون في البيت وما أشبه ذلك, وعندهم بعض المعاصي فإنهم يزارون وينصحون ويكثر عليهم ولا تملوا, كم دعوتهم؟ مرة واحدة, لكن نحن نريد عشراً ومائة وألفاً واصبر عليهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم فهم محل للدعوة، وهذا نوح عليه السلام يقول الله تعالى عنه: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً [العنكبوت:14].

    الحكمة في الدعوة

    سؤال: بعض الشباب الذين يقتنون أفلام محرمة، ماذا عليّ من النصح لهم؟

    وماذا أفعل هل أفضحهم؟

    أم أن أنصحهم؟

    الجواب: عليك أن تنصحهم وتبذل الوسع في هدايتهم، ومع ذلك فلا يمنع إذا لم يستجيبوا أن تحاول أن تتصل ببعض الجهات التي يمكن أن تقوم بمصادرة هذه الأفلام ومنعها ومراقبة مقتنيها.

    طلب دعاء للمستضعفين

    سؤال: ما يمر به إخواننا في البوسنة والهرسك من حرب وبرد وجوع، فإني أطلب الدعاء والنصر القريب المبين, وأن تحث الحاضرين على الإنفاق؟

    الجواب: نسأل الله تعالى أن ينصر إخواننا في البوسنة والهرسك وفي مصر وفي الجزائر وفي فلسطين وفي أفغانستان وفوق كل أرض وتحت كل سماء، يا رب فرج عن إخواننا في كل مكان, اللهم إنا نسألك بأسمائك وصفاتك أن تفرج عن المسلمين في كل مكان, اللهم عجل بنصر الإسلام.

    لقد دعوتم وأسأل الله أن يستجيب, وأطلب منكم أن تتبرعوا بما تستطيعون لإخوانكم المسلمين في البوسنة والهرسك, فإنهم في أمس الحاجة إلى ذلك, وهذا جمع طيب وقد جاءت أوراق كثيرة تطلب التبرع, فأنا أطلب من الإخوة من بعض الشباب أن يقوموا بجمع التبرعات وإيصالها إلى مقدمة المسجد, ومن استطاع أن يأتي بالتبرعات بنفسه أيضاً فجزاه الله خيراً: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [البقرة:272].

    ثم إني أشكركم على حضوركم وعنايتكم وحرصكم ومحبتكم، شكر الله لكم جميعاً وأخص منكم المشايخ وطلبة العلم وعلى رأسهم الشيخ عبد الله بن فنتوخ جزاه الله تعالى خيراً.

    وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.