إسلام ويب

الأمة تمر بمرحلة جديدةللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذا الدرس تكلم الشيخان سليمان العودة ومحمد الفوزان حول موضوع الصراع مع العدو في هذه المرحلة، وكانت ندوة مشتركة، بدأت بمقدمة عن المواجهة وعلنية الصراع في المواجهة ووسائلها، بعد تعديدهما لوسائل الأعداء وأنواعهم ونظرتهم للمسلمين، ثم تمت الإجابة بين الشيخين بالتناوب عن طائفة من الأسئلة حول الموضوع.

    1.   

    الأمة تمر بمرحلة جديدة

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، إمام المجاهدين، وسيد المتعبدين، بذل نفسه في ذات الله جل وعلا، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين من ربه، وقد رأى بعينه نصر الله عز وجل لهذا الدين، كما قال الله تعالى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً [النصر:1-3].

    نعم أيها الأحبة: لقد أحببت أن يكون عنوان المحاضرة بذاته معبراً ودالاً على معنىً يفهمه من قرأه أو سمعه، حتى ولو لم يسمع مضمونه، إن الأمة تمر بمرحلة جديدة، وهذه القضية قضية مسلَّمة أو يجب أن تكون مسلَّمة للجميع، لا أظن أن هناك من يجادل في هذا، إلا أولئك الناس الذين انسلخوا عن الأمة، أقول: انسلخوا؛ إما بتبنيهم لمذاهب وأديان ونظريات وقيم مخالفة لما عليه أمتهم، كالعلمانيين، والحداثيين، واليساريين، والقوميين، وغيرهم، وحتى هؤلاء يوافقوننا على أن الأمة تمر بمرحلة جديدة، لكنهم يفسرون هذه المرحلة تفسيراً آخر، وإما إنسان قد رضي من الغنيمة بالإياب، وعزل نفسه عن الواقع، فأصبح لا يسمع ولا يبصر ولا يفكر ولا يعي ولا يشعر ولا يدري ارتفعت الأمة أم انخفضت، علت أم هبطت، عزَّت أم ذلَّت، فما دام أنه قد سلمت له دنياه، ومادام المرتب يقبض في آخر الشهر كاملاً غير منقوص، ومادامت المؤن والأرز والسكر والشاي والقهوة والطحين متوفرة، وما دامت الكهرباء والغاز متوفرة، إذاً فالأمة لا تمر بمرحلة جديدة؛ لأن المرحلة الجديدة عند هذا الإنسان هي أن ينفد الطحين، أو ينتهي السكر من الأسواق، أو ما أشبه ذلك، لأنه إنسان أصبح همه مقصوراً على شهواته الذاتية الخاصة، لا يعيش آلام الأمة ولا همومها، إنما يعيش آلام نفسه وهمومها، فلو بُخِسَ من دنياه شيئاً يسيراً لأقام الدنيا وأقعدها، لكن لا يضيره ما بُخِسَ بل ما بُخِسَتْ الأمةُ كلُّها من أمر دينه، فهذا قد ينازعنا أيضاً في أن الأمة تمر بمرحلة جديدة.

    وإلا فمن عدا هؤلاء من مختلف المشارب، والنظرات، والاتجاهات، والأفكار، والبيئات، يتفقون على أن الأمة المسلمة تعيش مرحلة جديدة، ووضعاً غريباً، لم يسبق أن عاشته قبل على كافة المستويات، حين نقول: مرحلة جديدة لا يجب أن تتصوروا أيها الأحبة أننا نقصد أنها مرحلة سلبية من كل جوانبها، أبداً، إنها مرحلة جديدة بسلبياتها وإيجابياتها، وخيرها وشرها، ونورها وظلامها، وحسنها وقبيحها، لكنها مرحلة جديدة.

    كيفية التعامل مع المرحلة الجديدة

    ويجب على طلبة العلم والدعاة أن يدركوا هذه المرحلة؛ حتى يتعاملوا معها تعاملاً مناسباً، فليس صحيحاً أن نكون دائماً متوقفين عند أساليب معينة للدعوة، وطرق معينة في الدعوة، ووسائل معينة في التبليغ، لا نعرف ولا نحسن إلا هذه الأشياء؛ يتغير الناس، وتتغير الدنيا، وتتغير أساليب الأعداء، ونحن على طرائقنا السابقة! هذا لا يصلح.

    مواجهة السلف الصالح للمستجدات

    يجب أن نواجه كل مرحلة بما يلائمها، وهذا ما تعلمناه من السلف الصالح رضي الله عنهم، فكانوا يجددون من القضايا والوسائل والطرائق، بقدر ما يستجد من التحديات والمشكلات.

    وأذكر لذلك مثلاً قد يكون شكلياً، لكن المقصود أن نعي أنه يجب أن نغير وسائلنا، بتغير وسائل الأعداء: في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عهود الصحابة أيضاً -كان الناس يختلفون في حكم كتابة الحديث النبوي- فمنهم من يقول بتحريم كتابة حديث الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن الكتابة يجب أن تكون مقصورة على القرآن الكريم فحسب، حتى لا يختلط القرآن بالسنة ويحتج هؤلاء بمثل حديث أبي سعيد: {لا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن، ومن كتبَ عنِّي شيئاً غير القرآن فليمحه}.

    وظل الناس يختلفون حتى كان من الصحابة من ينهى -ومن أشهرهم عمر- عن كتابة الحديث والسنة. وبعد ذلك مرَّ بالمسلمين تحدٍ جديد، وهو من جهة غياب ووفاة الأصحاب الذين لقوا الرسول صلى الله عليه وسلم، وسمعوا منه مباشرة، وحاجة الناس إلى الكتابة والتدوين وضبط المصحف من جهة أخرى، بحيث أمن الالتباس، فصار هناك تحديات جديدة ترتبت على أن المحذور زال، وهو خشية اختلاط القرآن بالسنة، فما عاد يُخَافُ؛ لأن القرآن مضبوط في السطور والصدور، والأمر الذي حدث صار يُولِّد عندنا الخوف على السنة من أن تزول أو تنسى أو يضيع شيء منها؛ فلذلك ألهم الله عز وجل المسلمين كتابة السنة، بل والإجماع على جواز كتابة السنة، فقد اندرس الخلاف الذي كان موجوداً في عهد الصحابة وانقرض، وأجمعت الأمة على ضرورة إحداث وسيلة جديدة لتواجه المرحلة الجديدة، وهي كتابة السنة النبوية لمواجهة الأوضاع الجديدة التي طرأت على الأمة الإسلامية.

    هذا المثل الصغير يمكن أن نعمِّمَه في قضايا كثيرة جداً، كما أنك لا تواجه المدفعية والصاروخ والحرب المدججة، بالسيف والخنجر والسكين والحجر؛ كذلك لا يمكن أن تواجه خطط الأعداء الجديدة الطارئة بوسائل قديمة مألوفة.. لا بد من تطوير وسائل مواجهة كيد العدو، ولهذا كان الحديث عن أن الأمة تمر بمرحلة جديدة.

    1.   

    خصائص المرحلة الجديدة

    ولهذه المرحلة التي تمر بها الأمة الإسلامية اليوم في أنحاء الأرض كافة، وفي هذه البلاد بشكل خاص، لهذه المرحلة خصائص وسمات ومظاهر، لعل من أبرزها وهي القضية الأولي التي سأتحدث عنها هي:

    علنية الصراع بين الحق والباطل

    قضية علنية الصراع بين الحق والباطل: إن الصراع بين الحق والباطل أصبح علنياً، أو يوشك أن يكون علنياً في كل المجالات، أما مسألة الصراع بين الحق والباطل، فهذه قضية مفروغ منها، ولا أرى ما يدعو أن أتحدث عنها ألبتة، إنها قضية مقررة مفروغ منها!! سنة من سنن الله عز وجل، دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [البقرة:251] فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ [النمل:45] هذه خصومة بين الحق والباطل، خصومة في ذات الله جل وعلا هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19] على كافة المستويات؛ فالصراع بين الحق والباطل سنة أزلية، ما أذعنت الدنيا لخير محض، ولا أذعنت لشر محض.. في أحلك الظروف، وحين يهيمن الكفر على الدنيا، كان يوجد فئة قائمة بأمر الله عز وجل، ولو قلت!! وفي الأزمان التي يستوثق فيها أمر الإسلام ويدين الناس لربهم، لا تعدم الأرض من فاجرٍ أو كافرٍ أو فاسقٍ أو منافق، إلا ما شاء ربك، فالصراع بين الحق والباطل معروف لا داعي أن نتوقف عنده.

    لكن الصراع أحياناً يكون صراعاً خفياً، وأحياناً يكون صراعاً علنياً في وضح النهار وتحت أشعة الشمس.. فربما في ظروف مضت كان الصراع مستتراً مستخفياً، يكيد وتكيد، والكيد غالباً يكون هو اللطف والتدبير الخفي، كما قال الله عز وجل: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف:76] وقال أيضاً: إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [يوسف:28].

    فالكيد غالباً يطلق على التدبير الخفي، أما الآن فمع الكيد الخفي أصبحت ساحة الصراع علنية!! بمعنى أن التحديات التي تواجهها الأمة تحديات مكثفة معلنة، تستهدف الأمة الإسلامية في أعز ما تملك؛ في عقيدتها، في أخلاقها، في عفتها وكرامتها، في اعتزازها بدينها واستقلالها عن كيد أعدائها، والتبعية المطلقة لهم.. فهي تستهدف الأمة في وجودها في الواقع، وقد انتقلت المعركة من السر إلى العلن، لأن العدو في الماضي كان يحس بأنه ضعيف، وربما يرى أنه ليس من مصلحته أن يواجه.

    ملحوظة تاريخية

    ولذلك كنت أتحدث إلى الإخوة ونحن في الطريق، أنني توقفت وتعجبت من قضية تأريخية، قلَّ من رأيته أشار إليها، وهي أن الله عز وجل أشار في القرآن الكريم إلى اليهود وأنهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا ((لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا)) [المائدة:82]. ومع أنهم أشد الناس عداوةً للذين آمنوا؛ فهل تتذكرون معركة من معارك التأريخ الحاسمة الفاصلة المشهورة دارت بين المسلمين وبين اليهود؟ هل تتذكرون معركة؟ ما أتذكر، صحيح أن هناك معارك مشهورة واليهود طرف فيها، مثل غزوة خيبر أو بني قريظة.. لكن لم يكن هناك معركة بالمعنى الحقيقي؛ فـبنو قريظة نـزلوا على حكم الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم أنـزلهم على حكم سعد بن معاذ

    رضي الله عنه، فحكم فيهم بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وانتهى أمرهم بعدما خانوا ونقضوا العهد، وكذلك في خيبر: صحيح أنه حصل قتال، لكن لم يكن بذلك القتال الضاري القوي، إنما كان قتالاً على نطاق محدود، ولذلك الرسول عليه الصلاة والسلام أقر أهل خيبر على مزارعهم، أقرهم عليها وقال: {نقركم فيها إلى ما شاء الله} يشتغلون بالزرع ولهم شطر ما يخرج منها، وهذا دليل على أنه لم تكن كلها فتحت حرباً، كما أشار إلى ذلك ابن القيم

    وغيره. وعلى كل حال هذه مسألة تأريخية ومسألة فقهية، إنما المقصود أنه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت المعارك مع اليهود محدودة، لكن المعارك الكبرى بدر

    ، وأحد، الخندق، وفتح مكةبلاد الشام، أو في مصرC/، أو في الأندلس، أو في غيرها، فكانت خصومتهم مع النصارى هي الخصومة الأقوى والأعنف. والفرس لهم مع المسلمين معارك، صولات وجولات، لعل من أشهرها القادسية، المقصود أن أقول لكم بالنسبة لليهود: معاركنا معهم محدودة لا أستطيع أن أتذكر اسم معركة شهيرة كبيرة حاسمة كانت الخصومة فيها علانية بين المسلمين وبين اليهود!! أريد أن أتساءل لماذا؟ مادام ثبت لنا في القرآن الكريم أن اليهود هم أشد الناس عداوة؟!

    من مكائد اليهود

    لماذا لم نخض معهم معارك حاسمة؟

    الجواب: إن اليهود دائماً فيهم قلة في العدد، وربما ضعف في العُدة غالباً، ولذلك يتجنبون ساحات الصراع المعلنة، ما يقاتل في الشارع إنما يمين، ويسار، غيلة، غدر، خيانة، تخطيط، مؤامرة، دس،كل هذا يمارسونه ولذلك لو نظرت في الجانب الآخر من عمل اليهود، مثلاً: الفتن التي دارت في التاريخ الإسلامي كان اليهود وراءها، المؤامرات التي قامت دبرها اليهود، عمليات الاغتيال، كان لليهود فيها نصيب كبير، المذاهب والملل والنحل التي ظهرت كـالرافضة مثلاً، والقدرية وغيرها كان اليهود من ورائها، يؤججونها ويضعون الحطب على النار، لكنهم لا يواجهون!! الخلافة العثمانية أسقطوها، لكن كيف أسقطوها؟

    أسقطوها بالحيلة، والالتفاف من هنا ومن هنا، والخدعة، وتأليب العدو، وتحريك وتأليب الأعداء الآخرين، يقاتلون بالوكالة عنهم، واليهود سالمون!

    إذاً متى يظهر العدو؟ يظهر العدو عندما يحس بقوته وضعف خصمه؛ فحينئذٍ يعلنها صريحة، وكذلك: الظهور تقريباً هو آخر مرحلة، وهذه قضية خطيرة! ظهور الحرب من العدو هذه آخر مرحلة عنده؛ الآن هو يريد أن ينازلك في الميدان العام؛ فإما أن ينتصر عليك، ومعناه أنه حقق القضاء على الإسلام فيما يحسب ويظن، وإما أن تنتصر ومعنى ذلك أنه سيتراجع إلى الوراء ربما قروناً طويلة.

    وهذا يؤكد عليك أن تدرك فعلاً أهمية هذه المرحلة، وأن الصراع الآن بدأ يأخذ فيها طابعاً علنياً، سواء على مستوى العالم، أي: إن أعلنت الأمم موقفها من الإسلام، ممثلاً فيما يسمونه بالأصولية أحياناً، أو الإسلام المتطرف -كما يقولون- أو المتشدد، أو أي عبارة أخرى يستخدمونها ويقصدون بها الإسلام الصحيح، الذي يرفض المرونة خارج الإطار الشرعي، ويرفض المجاملة، ويرفض النفاق، فأعلن العالم شرقيه وغربيه وتنادت الأمم كلها بلا استثناء ضد هذا الإسلام، وعلى النطاق الداخلي لا شك أن خصوم الإسلام وهم كثير من علمانيين، ويساريين، وحداثيين، وأصحاب شهوات أيضاً -وهؤلاء يجب أن نضعهم في الاعتبار- أصبحوا الآن يعلنون مطالبهم، ويعلنون مآربهم، ويعلنون أمانيهم، التي كانت أمس تقال في كلام لين، وفي عبارات منمقة، وفي كلمات مستورة، قد يجهل الناس ما وراءها، اليوم أصبحت تقال بلغة أكثر وضوحاً، وأكثر صراحة، وأكثر بياناً وبلاغة، وأصبح يفهمها الكثير من الناس، وإن كان عندهم شيء أكثر من هذا.

    لأن الذي يقول لك اليوم نحن نريد هذه الأشياء وفق تعاليم الإسلام، ووفق شريعتنا السمحة، ووفق تقاليدنا الدينية، غداً سوف يقول لك: لماذا نتمسك بهذه التقاليد البالية؟! ولماذا نظل مصرين على أمور تعداها الزمان؟ ولماذا العالم كله يتطور ونحن باقون في مكاننا؟ ما أعني بكلامي أنهم أعطوك كل ما عندهم، لكنهم الآن مشوا خطوة إلى الأمام؛ في إعلان الصراع على الإسلام وأهل الإسلام.

    مبررات لعلنية الصراع

    هذا مظهر من مظاهر المرحلة الجديدة التي تمر بها الأمة وتمر بها الدعوة، وهذا المظهر يتمثل في علانية الصراع والعداء للإسلام، وقلت: إن هذه العلنية تنم عن أمرين:

    الأول: أن العدو يشعر بقوته وبضعفنا.

    والثاني: أن العدو يشعر بأن هذه مرحلة متقدمة من مراحل القضاء على الإسلام، قد تكون هذه آخر مرحلة؛ إما أن يترتب عليها انتصاره، وهذا يعني القضاء على الإسلام، أو يترتب عليها انتصار الإسلام وأهل الإسلام، وهذا يعني تراجع العدو سنين أو قروناً إلى الوراء.

    1.   

    التكالب على الأمة الإسلامية

    أترك المظهر الثاني من مظاهر هذه المرحلة ليتحدث عنه أخي الشيخ:- محمد الفوزان.

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

    فقد تحدث الشيخ سلمان عن المظهر الأول: وهو العلنية، وأتى على كثيرٍ من هذا المظهر، ومن المظهر الثاني أيضاً، إلا أن التأكيد عليه أمر مهم، وهو مظهر التكالب، كما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: {تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله!؟ قال: بل أنتم كثير! ولكنكم غثاء كغثاء السيل} ونحن لسنا في مرحلة التداعي، بل تعدينا مرحلة التداعي، التداعي جاء من قبل مائة عام!!

    قبل قرنٍ من الزمان تداعت علينا الأمم، واستعمرتنا كما تقول، واحتلوا بلادنا احتلالاً صريحاً، لم يبقوا في العالم الإسلامي إلا أجزاء يسيرة كانت تتمتع بالعقيدة السلفية كمثل هذه البلاد، ماذا عملوا؟ لما وقعت الفرصة في أيديهم، أعدوا لها العدة الكبيرة حتى لا يفلت الزمام مرة ثانية، وخططوا الخطط الكبيرة التي سمعتم عنها الكثير وقرأتم عنها الكثير فيما يسمى بالغزو الفكري، وغُزيت البلاد فكرياً وإعلامياً واقتصادياً، وعمل لها مخططات طويلة الأجل بعيدة المدى ضاربة في الأمة في أعماقها، بحيث لا تستطيع هذه الأمة أن تنهض.. ومر الزمان سريعاً وهم يرقصون؛ لأنهم وجدوا ثمار هذه المخططات يانعة، وقد أنتجت.

    كيد الكافرين

    وكما يعملون التجارب في قسم الطب على الحيوانات -إذا أرادوا عمل مصل جديد، أو دواء جديد؛ أول ما يجربون، يجربونه على حيوانات، وينظرون هل هذا المصل الجديد وهذا الاكتشاف الجديد أَثَّرَ على الحيوانات سلباً وإيجاباً- عملوا العمل نفسه وبنفس الخطة في المجتمعات الإسلامية، فبدأوا يرصدون: عملنا كذا، ما هي آثاره؟ كذا وكذا.. مائة عمل، ألف عمل، ولديهم من المستشرقين ومن المخابرات ومن كل شيء ما يرصد: ما هي آثار هذه الخطط في المجتمعات؟

    الصحوة الإسلامية

    وفي نهاية هذا القرن حدث أمر آخر، حدث انبعاث في العالم الإسلامي، وانبعاث يتحرك بسرعة -كما تقول زعيمتهم- أسرعَ من تفكيرهم، تقول: إن الأحداث أسرع من تفكيرنا؛ ولذا علينا أن نتخذ خطوات حازمة، وأنتم تعلمون، وكلكم شاهد هذا: أي خراف ذبحتموها أو أي حيوان في آخر لحظة، تكون عنده صحوة الموت، يصحو فيها ثم يعود يهمد، هُم الآن وبكل تفاؤل، وبكل أمل، نقول: هُم الآن في صحوة الموت -إذا كنا على مستوى الأحداث- هم في صحوة الموت.

    لأن الأحداث فعلاً سبقتهم، كيف تعمل هذه الخطط، تغرق الأمة هذا الإغراق، ومع ذلك تنهض وتنتشر وتقوم وتعود إلى ذاتيتها، وتعود إلى دينها؟!! بعد مائة سنة من التخدير، تعود كأنها فتية إن هذا سر، كما أشار الشيخ هم في آخر لحظة، إما أن ينتصروا فيقضوا على الأمة وعلى تاريخها وعلى حضارتها، ويؤخروا تقدمها فترة طويلة، أو يندحروا إلى قرون عديدة، ليُصبح هذا القرن القادم، الذي نطمع إن شاء الله أنه هو قرن الإسلام، وهو قرن الانتصار، وهو قرن الصحوة، وهو قرن الإسلام بإذن الله.

    الذي لم يكن لديه تصورات سابقة صحيحة، وعلى رأسها العقيدة السلفية، إذا حدث له حادثة انـزعج، واختلت موازينه، فلا يعرف يقيم، ولا يعرف يعادي، ولا يعرف يوالي، ولا يعرف من هو العدو الدائم، ولا العدو المؤقت.. ولا شئ...! تختل الموازين لديه!!!!

    أخوك شقيقك.. وإن أخطأ عليك، إلا أن عداوته مؤقتة، يعود ينظر رحمه وجلته، فيعود إليه رشده يوماً من الأيام، لكن الذي يختلف معك في الدين، هذا عداوته دائمة، خصوصاً إذا كان يدعو إلى ملته ونحلته، ولهذا تكالب علينا الأعداء، تكالباً... إذا قلنا: إنه لم يحدث على مدار التاريخ مثل هذا التكالب، فلسنا مبالغين، ومع ذلك نحن متفائلون، ولكن هذا التفاؤل يجب أن يتبعه عمل، وما لم يتبعه عمل فإنه لا يحقق شيئاً.

    آثار هذا التكالب

    التكالب علينا اليوم من كل مكان؛ من الشرق، والغرب، والشمال، والجنوب، وأمر عجيب جداً، تكالب على الأمة الإسلامية، حتى وصل التكالب إلى تمزيق شعوبها، وإذكاء العداوة بينهم، لقد كان -وكما تعلمون- في السابق يختلف حاكم مع حاكم آخر، دولة مع دولة، لكن تبقى الشعوب الأمور بينها مفتوحة.. ولكن هذا التكالب الجديد استطاع بوسائله الكثيرة أن يحرك ضمائر الشعوب وقلوبها، وأن يثير العداوات بينها، وحتى الذين يرفعون لواء الدعوة، اختلطت عندهم الأوراق، لماذا؟ كما أسلفت سابقاً، لاختلال الميزان الأصلي وهو ميزان العقيدة!! فلما اختل، اختلت معه الموازين الأخرى، ولهذا.. مثل هذه الأحداث دعوة للأمة لمراجعة أفكارها، ومراجعة عقائدها، ومراجعة أصولها وثوابتها.

    هذا التكالب الذي ظهر من كل الأطراف: الأطراف المشجعة، المسالمة، المصفق لها، المنافقة، في الحقيقة استأسدت وظهرت تتكلم بجرأةٍ لم تكن تتكلم بها من قبل! على المستوى الداخلي والخارجي، أطراف كانت مسالمة، حتى اليساريين قبل الأحداث بقليل في كل صحفهم، سواء كانت في الكويت، أو في مصر، أو في كل مكان -كانوا يتحدثون عن التعددية، وكيف نجتمع مع الإسلاميين؟ وكيف نعمل أحزاباً متماثلة؟... وهكذا إلى آخره، الآن انظر إلى صحفهم! اختلف المجال تماماً، أسوأ من ذي قبل، حتى كتبوا تقارير عن الجماعات الإسلامية وغيرها، والنشاط الإسلامي: كتبوها باللغة الإنجليزية، كأنهم يؤلبون الأعداء على هذه الجماعات بالسر، كما قال الشيخ: نفاق، عندنا هنا يكتبون كتابات طيبة، ولنتعاون ولنتفق ولنوجد تعددية سياسية إلى آخره، الآن كشَّروا عن أنيابهم، وأحسوا أن الفرصة مواتية، وتلاحظون هذا واضحاً في صحفهم وكتاباتهم ومقالاتهم... إلى آخره.

    لا أريد أن أذكُر ما تسمعونه كثيراً، فلا يحتاج أن أذكر لكم الاتفاقات الموجودة، لا في السوق الأوربية، ولا في الأحلاف، لكن هذه الأشياء يرددها الإعلام صباح مساء، وجاءت متكالبة بشكل عجيب جداً وكأنها ممكنة.

    هذا المظهر الثاني من مظاهر مرور الأمة بالمرحلة الجديدة أترك المظهر الثالث لفضيلة الشيخ ليحدثكم.

    1.   

    العمل على تفكيك البنية الاجتماعية للمسلمين

    لو سألنا أيها الإخوة.. سؤالاً لعله بدهيٌّ، لكنني أريد أن أخرج منه إلى ما أقول.

    السؤال: ما هو هدف الأعداء من كل ما يعملون؟ لا داعي لأن نتلمس الإجابة عند فلان أو علان، أو تختلف وجهات نظرنا في الموضوع، نرجع إلى القرآن الكريم لنجد الجواب الإلهي الرباني، وكل مسلم يؤمن بهذا القرآن، فلا بد أن يصدق به.

    الجواب: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89].

    "الجواب" وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120].

    هذا كلام الله جل وعلا وَلَنْ تَرْضَى [البقرة:120] لن: نفيٌ مُطلق، لا يمكن أن يرضوا أبداً بحال إلا إذا تحققت هذه الغاية حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120] إذاً رقم واحد: نستطيع أن نقول الهدف الأعلى لكل هذه الحروب والمعارك والصراعات والمقاومات والمخططات، يتلخص في كلمة واحدة وهي إخراج المسلمين عن دينهم!

    إبعاد العقيدة عن ساحة المعركة

    هكذا يجب أن نفهم هذا الأمر ببساطة...

    ومع الأسف فإن المضللين اليوم أصبحوا يشككون الأمة حتى في البدهيات، ونسينا دوافعهم العقائدية الدينية، وأصبحنا نردد خلف غلمان الصحافة والإعلام كلماتٍ جوفاءَ لا معنى لها، لازلنا نسمع الآن بآذاننا أخبارهم: هدم المساجد وإقامة المعابد في مكانها، ومازلنا نشاهد بأم أعيننا أخبار ذبح المسلمين كما تذبح الخراف.

    وربما رأى بعضكم ما حصل في عدد من بلاد العالم حين -وهذا موجود مصور الآن ثابت- كانوا يدخلون عليهم وهم يصلون الجمعة، فيرشونهم رشاً، ويبيدون خضراءهم، ويقضون عليهم عن آخرهم، حتى ربما انجلت معركة من هذا القبيل... وليست معركة في الواقع، لأنها ضربة من طرف واحد! ربما انجلت عن خمسمائة أو ألف قتيل في مسجد واحد وهم راكعون أو ساجدون كما حصل في سيريلانكا، وغيرها!!

    إذاً العداوة ظاهرة، الحرب دينية، بطرس الناسك الذي كان يجول شوارع أوروبا ويدعو الناس إلى الحرب ضد الإسلام، هو نفسه ما زال موجوداً لكن بدلاً من أن يركب حماراً أصبح يركب طائرة! واليهود الذين كانوا بالأمس يتنادون لثارات خيبر هم يهود إسرائيل اليوم! والشيوعيون الذين قتلوا في عام واحد أكثر من ثلاثة ملايين مسلم فيما يسمى بـالجمهوريات السوفيتية هم الشيوعيون اليوم الحُمْر! والمشركون الوثنيون، الذين هم من أشد الناس عداوة للذين آمنوا هم مشركو اليوم! الذي تغير اليوم هو لهجة الخطاب، أصبح الناس مهذبين، لو مررت من عنده فضربك بطرف كتفه، لرجع إليك يمسح على ظهرك، ويقول لك: آسف آسف، يعتذر لكن لا مانع عنده في نفس الوقت أنه يتدرب على كيفية صناعة الرشاش والمدفعية، حتى يصوبك بها من بعيد، ويقتلك ويقتل أهلك من ورائك، تغير الأسلوب، الإنسان المهذب الذي بقي لك عنده قرش أو ريال يبحث عنك حتى يوصله إليك، لا مانع أنه يرسم مخططاً لسرقة بنك.

    إذاً يجب أن نتفطن لهذه الأمور، لا نقرأ بعيوننا فقط! لا، يجب أن نقرأ ويكون عندنا خلفية شرعية نفهم بها الأمور، نفهم بها الحقائق. لا تظن أن التقدم والحضارة والرقي المادي والتصنيع، أنه غيَّر من عقلية الرجل الكافر شيئاً، لا!! هذا العداء الذي يحمله الكافر للمسلم باقٍ بحاله، لكنه أخذ طابعاً معيناً ووضع عليه غلاف جميل، جذاب، مزوق، بحيث أنك أصبحت أيها المسلم -بحكم أنك صريح وواضح- حين تقول: إن هذا كافر، يقال لك: هذب ألفاظك... كافر!! لماذا أنت هكذا دائماً غليظ وعباراتك قاسية؟ لفظة كافر لفظة سب ما تليق! هو يختلف معك لكن هو يرى أن ما هو عليه صحيح، وأنت ترى ما أنت عليه صحيحاً، إذاً لا ينبغي أن تقول هذا...!

    هذا منطقهم، يُريدونك أن تستخدم نفس أساليبهم، هو يكيد لك ويضمر لك عداءً مستحكما، لكنه يبتسم في وجهك، ويربت على كتفك، ويحسن إليك، ويعاملك بلطف، وهو في نفس الوقت، يسن خنجراً ويسمم السكين حتى يذبحك بها، ليس هناك مانع، ولذلك يقول الشاعر الذي يتعجب من حالهم حين كان لا يعرف حقيقة أمرهم، يقول:

    قتل امرئٍ في غابة          جريمةٌ لا تغتفر

    وقتل شعبٍ كاملٍ          مسألةٌ فيها نظر

    يعني هم يكيلون بمكيالين:

    المكيال الأول: للمسلمين، فالمسلمون عندهم أرقام بلا رصيد، مُسلم أو مائة أو ألف أو عشرة آلاف، أو مائة ألف، أو مليون مسلم، لا يشكلون شيئاً، ثم تخفيف ورحمة!

    سبب خوفهم من المسلمين

    لا يرون إنهاء المسلمين إلا خيراً لهم، لماذا؟

    لأن وجود المسلم خطرٌ عليهم وما لم نعِ هذه الحقيقة -أيها الإخوة- فنحن نعيش في غباء وغفلة وغيبة عن الواقع! ألا تلاحظون -أيها الإخوة- أن المسلم الصادق الآن هو الطرف الوحيد الذي بقي متمرداً على خطط الأعداء، الآن اليوم تسمع حرب في أقصى الدنيا أو المشرق أو المغرب، في فيتنام أو في أي مدينة أو أي دولة من دول العالم، وحروب طاحنة، وتسمع الأخبار على مدى سنوات، كذلك في بعض الدول الإسلامية أو التي كانت إسلامية، مثل لبنان وسواها، قد تسمع حرب ضارية، ودماء تسيل، والأخبار تتصدر الصحف، توجد دول لا نعلم في أي مكان في الدنيا، نيكاراجوا، في أي مكان... وهكذا، فالحرب في الدنيا كثيرة...

    هذه الحرب المشتعلة، اليوم مشتعلة وغداً تنتهي وتتحول إلى رماد؛ لأن هؤلاء المقاتلين، عبارة -كما يقولون- عن أحجار على رقعة الشطرنج!! يحركهم اللاعب، فإذا أراد أن يسكن الأمر، توقف وتوقفت الحرب؛ ولذلك تنتهي الحروب في يوم وليلة، لكن إذا كان في الحرب طرفٌ إسلامي، انظر ما الذي يحصل، تستمر الحروب، وتتفق إرادة روسيا وأمريكا على إيقافها، ومع ذلك تظل الحرب مشتعلة، ولعل أبرز مثال قضية أفغانستان، الآن ظهرت القضية واضحة، أمريكا وروسيا، متفقتان على قضية أفغانستان، وقد التقتا على حل واحد، ولكن مع ذلك الحرب لا تزال مشتعلة، ولا يزال أوارها يحرق الأخضر واليابس، لماذا؟

    لأن في الحرب طرفاً ليس خاضعاً لـروسيا ولا أمريكا، وهو الطرف الإسلامي، إذاً من حقهم -أيها الإخوة- أن يخافوا من الإسلام؛ لأن الإسلام هو المتمرد عليهم دائماً وأبداً، وحملة رسالة الإسلام هم الذين يرفضون الولاء للشرق أو للغرب؛ لأنهم أعطوا ولاءهم سلفاً لله عز وجل ولرسوله وللمؤمنين، ورضوا أن يحيوا ويموتوا في سبيل الله، وقال قائلهم: الموت في سبيل الله حياة.

    رضيت في حبك الأيام جائرةً     فعلقم الدهر إن أرضاك كالعذب

    ولو ملكتُ خياري والدنا عرضت          بكل إغرائها في فنها العجب

    لما رأت غير إصراري على سنني     وأعادها اليأس بعد الهد والنصبِ

    قلبي خليٌ عن الدنيا ومطَّلبي     ربي فليس سراب العيش من أدب

    هؤلاء الذين تعلقت قلوبهم بالآخرة، وبالجنة، بالنظر إلى وجه الله الكريم، بالتمتع بالنعيم الذي أعده الله تعالى للمؤمنين، هؤلاء هم الذين أربكوا مخططات الشرق والغرب، وأعجزوا اليهود والنصارى والمشركين وحيرَّوهم.

    مراحلهم في تحويل المسلمين عن دينهم

    ولذلك أقول بصراحةٍ تامة: "من حقهم أن ينذعروا ويخافوا من الإسلام، ويعملوا على تحويل المسلمين عن دينهم إلى الكفر بشتى ملله" هذا مبدأ ربما توقفت عنده بعض الشيء؛ لأنني أعتبر أنه منطلق مهم.. فمهمٌ جداً أن ندرك أن الهدف النهائي لهم إخراج المسلمين من دينهم، لكنهم ليسوا أغبياء، ولذلك يقولون هم وغيرهم "ما لا يدرك كله لا يترك جله" وليس صحيحاً أنني آتي لمسلم متعبد، مقيم للشعائر، غيور "تستطيع أن تقول: مسلم قوي الإيمان والإسلام"، ثم أريد أن ينتقل من ذلك إلى كفر صراح بواح، هم يمشون بخطوات؛ فالخطوة الأولى: أنهم بُلُوا -وهذه من نعم الله عز وجل- أن خيراتهم في بلاد المسلمين، فهذا البترول الذي تنعم به البلاد الإسلامية، وتحتوي أراضيها على أكبر رصيد في العالم له هو الذي تَحكَّم في العالم كله، لا في اقتصاد العالم فقط، ولكن يتحكم في العالم كله: اقتصاده وسياسته وتصنيعه، وكل شئ!! ولو توقف البترول لانشلت حضارة العالم، وهذا البترول هو من ممتلكات المسلمين التي وهبهم الله عز وجل إياها، فهم ينـزعجون لذلك أشد الانـزعاج، حتى إنني قرأت وسمعت في بعض التقارير والعياذ بالله أنهم يقولون: إنهم كانوا يفكرون في أن هذه الثروة العظيمة عند المسلمين، يجب النظر فيها ويقولون بلغتهم هم: يجب تصحيح خطأ الإله!!، والعياذ بالله... الذي وضع هذه الثروة عند قوم لا يستأهلونها ولا يستحقونها، كان يجب أن تكون هذه الثروة في بلادهم، هذا موقفهم، ولا شك في صفاقة هؤلاء القوم وكفرهم العظيم بالله جل وعلا، فلا يستغرب منهم مثل هذا الأمر، فقد أعلنوا الكفر صراحاً بواحاً، قبل ذلك بدهور وقرون.

    المقصود أن المسلمين يتحكمون في مصير العالم، ليسوا أمة على هامش التاريخ الآن! حتى مع كونهم أمة ضعيفة، فكان من أهم الأهداف المرحلية للأعداء أن يضمنوا مصالحهم الحيوية، سواء كانت مصالح اقتصادية، أو مصالح سياسية أو غيرها، فإن تحققت لهم مصالحهم فإنهم لا يكتفون بهذا.. ينتقلون إلى خطوة وراء ذلك، وهي أنهم يريدون أن يستمر هذا الضمان، بمعنى أنهم بدءوا بالوقاية، الآن يقول لك: صحيح أن مصالحنا مضمونة، لكن نخشى أن يأتي تهديد يوماً من الأيام يهدد هذه المصالح، من أي جهة كانت.

    إذاً لا بد أن نضع الأساليب الوقائية التي تضمن أن تظل هذه المصالح جارية دون توقف، فإن تحقق لهم ذلك انتقلوا إلى خطوة ثالثة، وهي أن مجرد وجود المسلمين بتجمعهم وتكاتفهم واتحاد كلمتهم، وكونهم يشكلون مجتمعاً متميزاً بأخلاقيات معينة، وشكليات معينة، ومظاهر معينة ورسوم معينة، وعقائد معينة... هذا يشكل خطراً علينا لأنه يجعل هناك مجتمعاً يمكن أن يكون نمطاً لحضارة جديدة.

    إذاً لابد من تفكيك البنية الاجتماعية للمسلمين، هذا الذي أستطيع أن أقول أنه المظهر الثالث من مظاهر الحرب الجديدة، هو العمل على تفكيك البنية الاجتماعية للمسلمين، وتمزيق المجتمع.

    المرأة في أتون الصراع

    تمزيق المجتمع الكلام فيه يطول، ولا أريد أن أستأثر، ولكن أضرب لكم أمثلة، مثلاً: قضية المرأة، تنظيمات وتشريعات الإسلام في المرأة متميزة، أي أن المرأة عالم آخر غير الرجل، في البيت: لها مكان خاص، مدخل خاص، مخرج خاص.. في المسجد: لها موقع خاص.. في المدرسة، في الشارع، في الملابس، في الأحكام...

    المرأة متميزة عن الرجل: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى [آل عمران:36] في كثير من الأمور بتميز كامل.. المرأة عالم، والرجل عالم آخر، صحيح بينهما روابط وعلاقات وود متبادل، لكن يبقى: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى [آل عمران:36] لم يطق الكفار أن يروا المرأة المسلمة تلبس البشت، والعباءة، وتغطي رأسها ووجهها بالجلباب، وقد قرأت في تقارير غربية يقولون: إن رؤية المرأة بهذا الشكل، لا تتيح لك كثيراً من الخيال، معنى كلامهم لا تستطيع أن تتخيل كيف وضع المرأة في بلاد المسلمين، الصورة أمامك، امرأة تمشي في الشارع، ما ترى منها شيئاً من أم رأسها إلى أخمص قدميها.

    حتى إذا وجد عندهم حالات نادرة أن الفتاة لا تعاشر رجلاً بالحرام، أهلها يعتبرونها مشكلة! ويذهبون بها إلى الطبيب! فهم قوم من طينة أخرى، شكلٍ آخر، تاريخ آخر، عقلية أخرى، أخلاقية أخرى، أما النساء المتزوجات، فنسبة (70%) من النساء المتزوجات عندهم على علاقة غير شرعية على علاقة مع رجل آخر، فما يطيقون هذا الوضع بالنسبة للمرأة المسلمة، وهذا الوضع يهددهم، مع أننا ضعفاء نحن المسلمين، وما عندنا دعوة جادة إليهم، ولسنا الآن نملك حضارة، نستطيع أن نفرضها على العالم، ولسنا نملك القوة، لكن مجرد وجود نمط متميز من وضع خاص للمرأة، هذا يخيفهم وفي نفس الوقت، يخيف أذيالهم المندسين في صفوفنا، يخيف العلمانيين، يخيف الحداثيين، اليساريين، أصحاب الشهوات: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً [النساء:27].

    إذاً لا بد من إخراج المرأة عندهم، ويستدلون على ما يريدون بأنه وفق تقاليد ديننا الحنيف، وشريعتنا السمحة!! ووفق الموروثات، وعمر رضي الله عنه يقول، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يقول والله تعالى يقول، وكل هذه الأدلة والعبارات تستخدم من قبلهم في مرحلة معينة...!

    المهم نحقق ما نريد، هذا منطقهم، مسألة إخراج المرأة، أو مسألة تحرير المرأة، كما يعبرون، يعتبرونها قضية مصيرية يراهنون عليها، لا بد أن نرمي بثقلنا لإخراج المرأة، ولا شك أنكم تعرفون أن وضع المرأة في العالم الإسلامي كله -والله المستعان-، وضعٌ غير مرضي عنه.

    من أحوال المرأة المعاصرة

    أستطيع أن أقول لكم: إن المرأة في العالم الإسلامي تعيش أوضاعاً لا توجد ولا حتى في أوربا، مررت ببلد إسلامي عريق، عدد سكانه يزيد على مائة وثلاثين مليون مسلم، والله إن العاهرات والداعرات على قارعة الطريق تشير للغادين والرائحين بكل صفاقة وقذارة وبذاءة..!! وأمور تشمئز منها حتى الجاهلية! الكافر لو بُعث لما أطاقها فضلاً عن المؤمن الموحد...!! أما من يذهبون إلى شواطئ البحار فهذا أمر آخر، دعك من الذين يذهبون إلى دور السينما، دعك من أماكن الدعارة الرسمية المرخص لها في عدد من البلاد كبير، دعك من هذا كله، لكن المهم أن هذه البلاد هي التي لا زالت تحتفظ بقدر لا بأس به من المحافظة، وهم دائماً يملكون خطة أنهم يشيعون قدراً معيناً من التسيب، ثم يطالبون أن يكون هذا التسيب أمر منظماً.

    أضرب لكم مثلاً: في مصر كان هناك دعارة، منظمة رسمية معلنة سابقاً، يؤخذ تراخيص لأماكن الدعارة، ثم جاء وقت من الأوقات أغلقت ومنعت هذه الأشياء، فكان عدد من الصحفيين، يطالبون بإعادة بيوت الدعارة!!

    لماذا تطالبون؟ هل أنتم من روادها؟ قالوا: لا. هم طبعاً معروف وضعهم، لكنهم يقولون: لا لسنا من روادها، لكن نحن نقول: إذا وجدت دعارة منظمة، يضمن الإشراف الصحي عليها، حتى ما تنتشر الأمراض والأوبئة، ويضمن أخذ الرسوم الجمركية، إن سميت رسوماً، أو ضرائب، ويضمن ترتيب الأمور، ويضمن ألا يلجأ الناس إلى المداخل، وإلى الاغتصاب، وإلى الاختطاف، وإلى الشذوذ... المهم يأتون بمسوغات.

    فهم أولاً: أشاعوا الرذيلة، وبعدما أشاعوها جعلوها أمراً رسمياً.

    قضية الاختلاط

    هذا المثل الصارخ الذي قد تشمئزون منه أنتم، انقلوه إلى صور أقرب من هذه، وصور أقل من هذه، قد يوجد نظام، مثلاً: يمنع الاختلاط، والاختلاط هو ذريعة الزنا، كما هو معروف، فماذا يصنعون؟ أول ما يصنعون أنهم يُكثرون من الخرق، خرق هذا النظام في المدرسة الفلانية، وفي الحرم الجامعي الفلاني، وفي المكان الفلاني، وفي المؤسسة الفلانية، وفي الشركة الفلانية، وفي.. وفي..

    المهم أصبح الناس يألفون القصص والأخبار التي تتحدث عن خرق هذه الأنظمة، وجود اختلاط هنا... وهنا... وهنا... بعد سنة.. سنتين.. ثلاث، يصبح هناك ضرورة في نظر الكثيرين داعية إلى تغيير النظام الذي يمنع، بحيث يسمح بهذا الأمر، حفظاً لهيبة النظام، ومن أجل أن تكون الأمور طبيعية، وأصبح هذا الأمر اعتيادياً، فلا تستطيع أنت أو غيرك أن تقول: لا؛ لأن هذا يشهد بقوة القرار الذي صدر ويؤيده، بعد ذلك تنتقل المعركة إلى خطوة ثالثة، ورابعة، وعاشرة، ولذلك تجدون الآن أن هناك تحركاً على أكثر من صعيد لتمزيق وتغيير وضع المرأة المسلمة.

    مثلاً: خلط الرجل بالمرأة في الجامعة، مطالبات، وهمسات، وكتابات صحفية، وبدايات في عدد من المؤسسات، والجامعات، إذا وجد اختلاط، هذه تعتبر بداية، يعتبرونها بداية مشجعة، يمكن إذا مرَّت بسلام أن يكون لها ما بعدها، تنتقل مثلاً إلى قضية الخطوط مثلاً، فتجد عدة تجاوزات، سواء في إسكانات المضيفات، أو في أوضاعهن في الطائرات، أو حتى أحياناً تصوير بشكل معين، أو إيجاد بطاقات للنساء.

    تنتقل إلى مجال ثالث -مثلاً- تجد في مجال الإكثار من قضية الحفلات المختلطة، والتدريب على الرقص والسباحة ومباريات المسابقات، إلى غير ذلك، تنتقل إلى المستشفيات فتجد عالماً آخر غريباً، كأنه جزء من غير المجتمع الذي يعيش فيه، فيه من الاختلاط، فيه من السفور، فيه من التبرج، فيه من ظهور المرأة بزينتها؛ الشيء الكثير، تنتقل مثلاً إلى مجال الفن والأدب والإعلام، تجد مسرحية هنا، ومسرحية هناك، ورقصات فلكلورية شعبية، يختلط فيها الرجال بالنساء، تنتقل إلى مجال الصحافة تجد ضرباً على هذا الوتر، تنتقل إلى مجال التمريض، فتجد مثل ذلك وأكثر منه، وتوسع في هذا الباب بشكل يؤكد أن القضية مقصود منها بالذات إخراج المرأة، حتى أصبحنا نسمع أصواتاً تنادي لماذا لا ندرب المرأة على السلاح الخفيف؟ لأنه من الممكن أن يذهب الرجل إلى ميدان المعركة، وتبقى الجبهة الداخلية للمرأة، لا بد أن تدافع عن نفسها، كذلك لو ذهبت لتمرض هؤلاء المقاتلين، فإنها قد تواجه موقفاً تحتاج فيه إلى الدفاع عن نفسها، لماذا لا ندربها على السلاح؟ لماذا لا ندربها على أمور الدفاع المدني مثلاً؟ إذاً تجاوزٌ هنا وهنا وهنا!! شركات النقل الجماعي، الخطوط، الإعلام، يمين، يسار، ويصبح الأمر كما قال الشاعر:

    تكاثرت الظباء على خراشٍ     فما يدري خراشٍ ما يصيدُ

    فلو كان سهماً واحداً لاتقيتُه     ولكنه سهمٌ وثانٍ وثالثُ

    أقول: ورابع، وعاشر، وعشرون، ومائة، فكل هذه تؤكد أن هناك تحركاً قوياً لإخراج المرأة من بيتها، وليس المقصود المرأة فقط، بل المجتمع كله، هذا مجرد مثال.

    تأجيج العداوات والعصبيات

    لو انتقلنا إلى ما هو أوسع إلى المجتمع لوجدنا الأمر الذي أشار الأستاذ الشيخ محمد إلى طرف منه، وهو قضية تمزيق المجتمع، لا أقول تمزيق الشعوب الإسلامية، هذا أمر أصبح الآن ظاهراً مشهوراً، لو سألنا الإخوة الحاضرين، لوجدنا أننا كلنا قد استجبنا لهذا الداء، فأصبحنا نجد في المجالس والحديث العام -مثلاً- الجنسية الفلانية، والجنسية الفلانية، وأن هؤلاء لا خير فيهم، وهؤلاء مجرمون، وهؤلاء لصوص، وهؤلاء وهؤلاء... وهم يتكلمون عنا أيضاً، فأصبحت عداوات متشابكة..!

    القضية التي نعنيها قضية العداء داخل الشعب الواحد، ونحن لا نقول: الشعب الواحد، لأن الإسلام هو الرابطة وليست الجنسية، لكن مع ذلك تجد الشعب الواحد المسلم قد أصبحت العداوات تلعب فيه لعباً، أصبح هناك جهود قوية لتدعيم وتعميق العداوة، مثلاً: بين الكبير والصغير، بين الرجل والمرأة، بين المدني والعسكري، بين المسئول والمواطن، بين كل طرف وكل طرف، يحاول زرع عداوات عميقة، وثقوا أن هذه العداوات سوف تستخدم لتحقيق مصالح أعداء الإسلام، لأنهم يريدون أولاً أن يهزوا البنية الاجتماعية، يهزوا التلاحم والترابط الموجود بين المسلمين، حتى يستخدموا هذه الورقة كما يشاءون، وكما يريدون.

    1.   

    السلاح السريع

    المظهر الرابع من مظاهر هذه المرحلة الجديدة: أن الحرب هذه مدججة بالسلاح السريع، ولو نظرنا إلى تاريخ الإسلام الطويل وإلى تشريعه، لوجدنا أن المسجد والبيت والحلقة والمدرسة والشارع والسوق كلها يدعم بعضها بعضاً، لا يمكن أن يحصل هناك تناقض، بين ما يتلقاه الطفل من أبيه وأمه، وما يتلقاه في حلقة التعليم والكتاب، أو في المدرسة، ولا يمكن أن يوجد تناقض بين ما يتلقاه من هنا، ومن البيت، ومن الحلقة، وما يتلقاه في المسجد، كذلك لا يمكن أن يوجد تناقض بين هذا وبين ما يتلقاه في شارعه، وفي سوقه، كذلك لا يوجد تناقض بين ما يسمعه، ويقرؤه، ويراه، من أخبار حكامه وسلاطينه، ووزرائهم وقضاتهم، لكن هذه الحرب الجديدة جاءت تحمل معها سلاحاً حديثاً عجيباً من كل طرف.

    الإعلام

    ومن أبرز هذه الأسلحة التي استطاعت -أو حاولت- أن تعمل على خلخلة البنية الاجتماعية -كما أشار الشيخ-: الإعلام بكل وسائله، جاء مواكباً مع من يحملون السلاح، وتأكيداً على ما سبق أنهم لا ينظرون إلى وقت قصير، بل جعلوا هناك شيئاً اسمه القناعة، فأنت إذا أردت أن تؤثر على الناس لابد أن تكسب ثقتهم ورضاهم، ما الذي عملوا هم؟

    عملوا إذاعات لسواد عيون المسلمين ولمصلحتهم!! تسمع إذاعة لندن، وصوت أمريكا، تسمع من هذه الإذاعات، هذا على المستوى الخارجي، ونجد أن عليها إجماعاً عربياً وإسلامياً أنها أصدق القوم مونتكارلو، فمن أين نأخذ أخبارنا، ونستقيها؟! أخبارنا نستقيها من أعدائنا؛ لأننا حدنا؛ لأن الإعلام الداخلي والإعلام الإسلامي ما قال الحقيقة!! إما أن يقول نصف الحقيقة أو أن يقول غير الحقيقة، وإذا تكشفت الأمور، أصبح الإنسان لا يثق بالإذاعة الفلانية ولا الصحيفة الفلانية ولا المكان الفلاني، فبدأت الثقة في العدو، هذا أول كسب كسبوه، فأصبحنا من أين نأخذ تحليلنا، من لندن، أو مونتكارلو، أو إسرائيل، أو صوت واشنطن ... إلخ، هذا جزء من الحرب.

    الجزء الآخر ما يعدون له، وما يرونه قريباً: البث المباشر، الذي يعتبرونه سلاحاً قوياً ونفاذاً في خلخلة وتغيير البنية الاجتماعية، وإيجاد ما يظنون، لأنك إذا فتحت التليفزيون ترى هذا، وإذا فتحت الإذاعة الفلانية، تقول كذا، وذا يقول كذا، مع كثرة ترديد الكذب، كما قال هتلر: ردد الكذب مرة، مرتين، وخمس، حتى يرى الناس أنه صدق! تسمع التقرير في لندن، متوافق مع مونتكارلوا، متوافق مع صوت أمريكا، أو متوافق مع إسرائيل، وهو الذي يأتيك في الصحيفة الفلانية، المكان الفلاني، إذاً هذا خبر صدق، وتحليل صادق! لولا أنه صادق، لما أجمعوا عليه...!

    ولهذا جاءت الحرب بسلاح حديث، المسلمون ليسوا على مستوى المواجهة، لأنه حتى لو كان عندك إذاعة، قالت: أنا ما أذيع إلا الحق.. من أين تأخذ؟ وكالات الأنباء كلها بأيديهم، فاستخدموا هذا السلاح من أجل ضرب المسلمين..

    أيضاً في الداخل وضعوا عدداً من الصحف، وإذا كان أهل الداخل لا يريدونها، فماذا يعملون؟ يضعون اسمها خارجياً، وهي تصدر داخلياً، تجدها في لندن، ولكنها تأتي في الفاكس والأقمار الصناعية لتطلع في جدة أو في أي مكان آخر، المهم أنها غير خاضعة للرقابة داخلياً، ولكنها ما عملت إلا لهذه البلاد من أجل خلخلة بنيتها الاجتماعية.

    ما يكفي هذا، الآن جاءوا لحماية ما يبثونه بالسلاح، لأنه قد يوجد من الأصوليين يوماً من الأيام -أو يخافون من هذا- من يقتحم مكبراتهم وأماكن بثهم وغير ذلك فتحبط الخطة! قد يُعمل شيء من هذا؛ فهم جاءوا ليكونوا قريبين من أجل إذا حدث أي شيء، يتدخلون تدخلاً مباشراً سافراً، وكما قلنا إن حالهم كأنهم في صحوة موت، لم يبق شيء، آخر الأوراق سيلعبون بها، انتهى كل شيء لا بد من التدخل المباشر.

    التعليم

    أيضاً من الوسائل الحديثة والسلاح الحديث الذي سلكوه: التعليم، سواء التغريب، والبعثات، وإن كانت البعثات في الأخير لما أحسوا بفشلها، قللوا منها، لأنها ما عادت تثمر الإثمار الذي كانت تثمره سابقاً، فرؤي أنه لا جدوى لها، فبدءوا بأسلوب آخر، وهو إيجاد دورات مدارس، أشياء داخل البلاد الإسلامية، حتى يمكن تطعيم هؤلاء بشيء مما يزعمون أنه حرية لهم، أو تغييراً اجتماعياً يريدون بثه في المجتمع.

    المؤسسات الجاهزة

    الأمر الثالث: المؤسسات، وقد أشار الشيخ إلى عدد المؤسسات التي واكبت المشروع، وكانت جاهزة، فلا يمكن أن يكون هناك خطوط وطيران إلا برجل وامرأة ومضيفات، وكأن المستشفيات ما تصلح إلا أن يكون فيها نساء عند الرجال... وهكذا، جعلوها عندنا كالحقيقة الثابتة الماثلة التي لا يمكن أن تقبل زلزلة أو زعزعة، وهذا -طبعاً- نوع من الانتكاسة، لأنهم كانوا في وقتٍ سابقاً لما أرادوا أن يضعوا النقود، ويصكوا النقود، وضعوا عليها اسم أمير المؤمنين، لأنهم تصوروا أنه لا يوجد مقابل إلا بهذا الشكل...!! واليوم دارت الدائرة -والله المستعان- فتصورنا أنه لا يمكن أن توجد المستشفيات إلا بفساد! إلا بإيجاد نساء كاسيات عاريات، نساء تأتي للرجال... وهكذا..!

    المهم أننا أصبحنا نرى مثل هذه القضايا، نوعاً من المسلمات، وكأنه لا يمكن أن يكون هناك مستشفى خاص بالنساء أو مستشفى خاص بالرجال، أو غير ذلك، المهم أن هناك عدداً من المؤسسات جاهزة للتطبيق، وهذا من التخطيط المسبق الذي ما انتبهنا له، فإذا وجد الحدث انتبهنا، وانتباهاتنا كانت متأخرة.

    أسلوب التنظيم والإدارة

    أيضاً عندهم أسلوب التنظيم والإدارة والتكتيك، وهذا شيء ومع الأسف الشديد، أنهم تفوقوا علينا فيه تفوقاً كبيراً فجاءوا من كل ناحية، فإن خرجت في الشارع قابلوك في الداخل: في البيت، في المدرسة، في السوق، في محلك، في صندوق بريدك، في كل شيء، أتوك بهذا الشكل. مما جعلك تحس أن المسألة أكبر من حجمك الطبيعي، وهذا من كيدهم، قال تعالى: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً [النساء:76].

    هذه أهم من الحرب المدججة بالسلاح، لأن هذه الحرب تواكب الحرب -حرب القنابل والطائرات- وجاءت معها؛ لأنها هي الممهد الحقيقي، الذي عمل سنوات، والآن جاء عمل بقوة، لم نكن نتصورها، فمثلاً سيكون هناك بث مباشر، سيكون هناك بث من باخرات معينة، سيكون بثاً موجهاً فقط للعالم الإسلامي، ولهذه البلاد بالذات؛ لأنها -كما يقولون- هي مهد الأصولية، لا نستأثر بهذا الحديث ونهول من أعمال أعدائنا، وننظر في الأهم من ذلك، وهو كيف نواجه هذا الواقع المؤلم؟ هذا الواقع المر؟ ألا من عمل؟ ألا من خطط؟ ألا من رأي؟ كل هذا ممكن.

    1.   

    التحذير من تهويل أمر الأعداء

    ونبدأ الحديث عن كيفية المواجهة ومع فضيلة الشيخ سلمان:

    نعم ربما كان الحديث السابق أيها الإخوة كله حديثاً عن نوع من الوصف أو التحليل للواقع الذي تعيشه الأمة، والمرحلة الجديدة التي بدأت تطل عليها، ولسنا نـزعم أن ما قلناه كافٍ! كلا، بل إن الكلام في هذا الأمر يطول، ولكن حسناً فعل الأخ الشيخ محمد في الانتقال إلى النقطة الثانية، لأن النقطة الثانية هي الأهم، وقد استأثرت الأولى بأكثر الحديث لأنها جاءت في الأول، ولابد أن تسبق، لكن النقطة الثانية أهم، لأنه قد يرتب بعض الإخوة على الكلام السابق، أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون!! ومعنى ذلك أنهم جاءونا من فوقنا ومن تحت أرجلنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن أمامنا ومن ورائنا! فلم يبقَ إلا أن نكف أيدينا، وننتظر حتى يأتينا الموت، قد يحدث هذا...!

    إذاً قد يحدث استجابة غير صحيحة للحديث عن الواقع الذي وصفناه، وهنا تأتي أهمية المواجهة، أيضاً من ناحية أخري -أيها الأحبة- بعض الإخوة، بعض الشباب، بعض المتحمسين، قد يسترسل ويفيض في الحديث عن الواقع، وكلما جلس أو قعد أو قام أو ذهب أو جاء قال: حصل كذا، وفي المكان الفلاني كذا، وهنا منكر، وهنا منكر، هناك فساد، ويوجد كذا، وبعد هذا يقول: الدنيا كلها مدبرة، وعالم الغرب يشتغل، وهكذا أصبحنا نتصور أننا نتحرك وسط مؤامرة محبوكة!

    وهذا غلط، هؤلاء الناس من الكفار ليسوا آلهة، إنهم بشر، وبشر ضعفاء وشيخهم وأستاذهم إبليس، تلا عليكم الشيخ ما قال الله تعالى في شأنه: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً [النساء:76].

    ليس كل شيء مخططاً... لا، هم استغلوا ضعفنا، واستغلوا نقصنا، واستغلوا غفلتنا، فكان هذا سر نجاحهم، ولو كنا أقوياء لتحطمت كل مؤامراتهم على صخرة: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:120].

    هم ما غفلوا يوماً من الأيام، لكن يوم أن كانت الأمة قوية، كانت مثل الجسد القوي، قد يأتيه الجرثوم، ثم يخرج منه ويغادره، أما الآن فقد أصبحت الأمة ضعيفة، فقدت المناعة، أصبحت مثل المريض الذي فقد المناعة، أي مرض، أي جرثومة، ولو كانت ضعيفة تأتيها، لا تزال تفعل فعلها في الجسم، حتى تقتله!

    فالحذر الحذر -أيها الإخوة- أن نفهم أن معنى ذلك أن نضع يداً على يد، وكبِّر الوسادة، ودع الناس تذهب وتأتي، وهذا الأمر لا يعنيك، وأنت لست منه في قبيلٍ ولا دبير، وهذا ما لا طاقة لك به..! هذا من تخويف الشيطان لأوليائه، يقول الله عز وجل: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175].

    ما معنى الآية؟ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ [آل عمران:175] يعني: يخوفكم أولياءه، يكبرهم في عيونكم، حتى تخافوهم، يخوف الناس، من أوليائه، هذا معنى الآية.

    (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ) يجعلكم تخافون أولياءه، لأنهم أولياؤه فهو يكبرهم ويضخمهم، ولذلك تجد الناس يتصورون أن الدنيا كلها لعبة إسرائيل، -فمثلاً- هناك كتاب اسمه الدنيا لعبة إسرائيل وسبق أن تكلمت عن كتاب بروتوكولات حكماء صهيون وعدد من عشرات المصنفات التي تُبالغ في تضخيم قوة اليهود مثلاً، حتى تصورنا أن الواحد مثل ما قال بعض الأدباء، قال: الواحد منا إذا أراد أن يأكل الغداء، قال: انتبه لو يكون فيه ماسوني، والعشاء.. لو يكون فيه ماسوني!! فعلاً استسلمت عقول الناس، وبالغوا في تضخيم قوة العدو بالشكل الذي صار عليه الآن، ليس أن المبالغة تولَّد عنها قوة المقاومة وشدة الحماس، لا، مبالغة تجعل الإنسان يائساً وعاجزاً، ولا يستطيع أن يصنع شيئاً، فهو أمام مؤامرة محبوكة هي سوف تجري وتنفذ شاء أم أبى، رضي أم سخط، فليس له من الأمر شيء، ومن المصلحة ألا يتدخل!! هكذا تصور الناس، وهذا خطأٌُ عظيم.

    الخوف وعقيدة التوحيد

    بل أقول: إن هذا ينافي عقيدة التوحيد الصادقة القوية النقية في نفوس المؤمنين.. عقيدة التوحيد التي تدرك أن مقاليد الأمور كلها بيد الله جل وعلا، وأن الأمر يُدبر في السماء، وما هؤلاء البشر إلا أدوات، يريدون هم، ويريد الله عز وجل، فيقع ما يريد الله، ولا يقع ما يريد المخلوق.

    [[يريد عبدي وأريد، وما لعبدي إلا ما أريد]] هذا جاء في بعض الآثار، والمعنى صحيح على كل حال، دل عليه القرآن والسنة، بغض النظر عن الأثر وعدم ثبوته، المهم إياك إياك أن تهتز ثقتك برب العالمين، ثم ثقتك بهذا الدين، ثم ثقتك بأنك تستطيع أن تصنع شيئاً، بل شيئاً كثيراً.

    محمد إقبال شاعر الإسلام في الهند يحذرك من أن تزهد في نفسك، أو تزدريَ شخصك الكريم، أو ترى أنك عاجز، لا تستطيع أن تصنع شيئاً، لا،هذا لا يصلح أبداً، يقول:

    وتَزعمُ أنك جُرمٌ صغير     وفيِكَ انطوى العالمُ الأكبرُ

    لا تزدرِ نفسك، أقول لبعض الإخوة: حتى المريض الذي يُحمل في النقالة في المستشفى من غرفة إلى غرفة، أو يظل في غرفة الإنعاش، هذا المريض، -والله الذي لا إله إلا هو- يستطيع أن يصنع الكثير للإسلام، بشرط أن توجد عنده همة وإرادة أن يصنع شيئاً للإسلام، بشرط أن يكون فعالاً إيجابياً يعمل على التغيير.. يستطيع أن يدعو الله عز وجل، والدعاء سلاحُُ كبير، يستطيع أن يفكر ويخطط، والناس كلهم يمشون على أثر المخطط، ممكن أن نكون نحن أصحاب الأجسام القوية الكبيرة، وأصحاب القدرات، وأصحاب الأكف، والسواعد المفتولة، نحن جميعاً قد يسيرنا إنسان يرسم لنا خطة فنمشي عليها وننفذها، وراسم هذه الخطة هل استخدم يده في رسمها أو رجله؟ ماذا استخدم؟ استخدم عقله، والمريض الذي يُحمل على النقالة ربما يتمتع بتفكير وعقل وهدوء وإمكانية النظر للأمور أكثر مما يتمتع الصحيح أحياناً.. يستطيع أن يقول الكلمة.. يستطيع أن يشعر الشعور الصحيح.

    المؤهل لخوض الصراع

    أنا أريد أن أسأل نفسي وأسألكم -أيها الإخوة- سؤالاً.. يجب أن نكون صرحاء مع أنفسنا، ودعونا ننتهي من الكلام الفارغ، وننتقل إلى أن نكون عمليين وإيجابيين، إما أن نتصرف بصورة صحيحة، وإلا فلا داعي أن نشغل الناس بالكلام والقيل والقال، ونحن ما صنعنا شيئاً، نريد أن نسأل أنفسنا: هل نحن نغار للإسلام؟ هل نحن نغضب للإسلام؟ هل نحن نتأثر من قضية الإسلام؟ أم أن قضية الإسلام والمسلمين أصبحت في هامش التفكير عندنا، بل ربما لا تعنينا في شيء، وربما إن فكرنا فيها نفكر دقائق، ثم نشتغل بتفاصيل أحوالنا، أذهب بزوجتي إلى المستوصف، وأذهب بولدي إلى المدرسة، وآتي بالعلاج، ثم أذهب إلى السوق، ثم أذهب للعمل، وهكذا تجدني أربعاً وعشرين ساعة أنتقل من عمل تفصيلي إلى عمل تفصيلي، والله ما عندي وقت أفكر في قضية الإسلام والمسلمين، إذا كان الأمر كذلك، فمن الآن انسحب، وابق خارج دائرة المواجهة.

    نحن نريد رجالاً من جنس الرجال الذين قال لهم يوشع بن نون كما في صحيح مسلم، لما أراد أن يغزو، قال عليه الصلاة والسلام: {غزا نبي من الأنبياء -هو يوشع بن نون- فلما قَرُبَ من القرية أوشكت الشمس على الغروب} لاحظ كيف أن الناس الجادين المضحين يسخر لهم الله عز وجل نواميس الكون، حتى إذا احتاجوا إلى خوارق الآيات يجريها الله لهم!! فهناك شيء اسمه كرامات، فإن أنت عجزت فإن الله عز وجل يدبر في السماء شيئاً لا تتوقعه، فهذا النبي لما رأى الشمس أوشكت أن تغرب خاطبها وقال لها: {أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها فوقفت الشمس} هذا حديث صحيح.

    قفي يا أُختَ يُوشعَ خبرينا     أحاديثَ القرون الغابرينا

    ثم غزا وانتصر على أعدائه، المهم ماذا قال للذين معه؟ هذا الشاهد الجُندْ الذين معه؟ لما أراد أن يخرج بالناس قال: {لا يتبعني رجل بنى بامرأة ولم يدخل بها}.

    رجل عقد على امرأة وما دخل عليها حتى الآن، هذا ينسحب من الجيش؛ لأن قلبه مشغول بهذه الزوجة، ما عنده وقت، ولا عنده جهد، ولا عنده اهتمام لقضية الإسلام، هذا لا يصلح لنا، ينسحب، ثم: {ولا يتبعني رجل اشترى إبلاً، أو بقراً، أو غنما، وهو ينتظر ولادها وإنتاجها}.

    رجل عنده إبل، وينتظر هذه الناقة تلد، وكذا وكذا، ويريد أن يثمرها وينميها، هذا يجلس عند إبله وبقره وغنمه، ما يصلح للجهاد، {ولا يتبعني رجل ابتنى داراً ولما يرفع سقفها}.

    ورجل أصلح (الفلة) وبقي التبليط، والدهان، وأشياء، وتكميلات، فهو مشغول، يوم مع السباك، ويوم مع الدهَّان، ويوم مع المبلط! هذا لا يصلح لنا، هذا يجلس عند (فلته) يبقى أن يتبعنا الإنسان الذي تُشغِل قلبه قضية الإسلام والمسلمين.. الشخص الذي يحترق للإسلام، يغضب لله ورسوله، الشخص الذي يقول: "أريد أن أصنع شيئاً" هذا مرحباً به، وإن كان يشتغل بالدنيا لا مانع، الدنيا تكون في يده لا في قلبه، وإن كان له زوجة، وإن كان عنده أطفال، فالله عز وجل يقول وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ [الفرقان:20] وفي آية أخرى وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً [الرعد:38].

    الإيجابية

    المهم أن يكون هذا في يده لا في قلبه، وتكون القضية التي تملأ قلبه هي قضية الإسلام والمسلمين، فهذه القضية أولاً لا بد منها، وهي قضية أن نكون إيجابيين وفاعلين، وأن نحذر من اليأس والشعور بأننا لا نستطيع أن نصنع شيئاً، يقول أحد القادة وقد سألوه: لماذا انتصرت؟ قال: من قال لي: لا أستطيع، أقول له: حاول، ومن قال لي: مستحيل، أقول له: جرب.

    لماذا لم يفعل هذا الإنسان؟ لماذا دائماً نفتعل بعض العقبات والأوهام، ونجعلها حاجزاً يمنعنا من العمل؟ جرب. ما هناك خسارة، أنت إذا قمت بعمل، كتبت خطاباً لمسئول، أو نصيحة، أو رسالة، أو ذهبت إليه وزرته، أو زرت العالم الفلاني، أو تكلمت، أو ذكرت، أو خطبت، أو أمرت، أو نهيت، بذلت الجهد الذي تستطيعه.

    جرب فلن تخسر شيئاً، إن نفع الجهد خاصةً إذا كان جهداً مدروساً فبها، وإذا لم ينفع فعلى الأقل كتب لك الأجر، وكتب لك الاجتهاد، والخطأ وارد، والذي لا يخطئ هو الذي لا يعمل، أما الذي يعمل لابد أن يخطئ، إلا أن يكون معصوماً يأتيه الوحي من السماء، وقد انقطع الوحي بموت رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم، فبقي أنا وأنت وفلان وعلان، نجتهد.. نخطئ مرة، ونصيب مرة، لكن إذا كانت النية سليمة وصحيحة فإن الله عز وجل يتولى الصالحين، والخطأ يجب أن يوضع في إطاره الطبيعي، فلا تضخمه، يمكن أن مرة، لكن تصيب عشراً، وحتى ذاك الخطأ ليس بلازم أن يكون خطأ.

    هناك مثل عربي، العرب إذا واحد منهم ندم يقول: ندمت ندامة الكسعي.

    فمن هو الكسعي؟

    الكسعي رجل كان يصنع السهام، ففي إحدى الليالي كان يصنع قوساً وسهماً ويرمي، فتبين له أنه ما أصاب في الظلام، رمى مرة ثانية ما أصاب، رمى مرة ثالثة ما أصاب، فكسر ما صنع من شدة غضبه، فلما أصبح الصباح ذهب يمشي، فوجد أن السهام التي رمى بها كلها قد أصابت الذي يريد! أصابت الهدف، لكن لأنه في الظلام يحسب أنها ما أصابت، فندم ندماً شديداً على أنه كسر قوسه، فصار مضرب المثل حتى قال الشاعر:

    ندمتُ نَدامة الكسعي لما          غدت مني مُطلقة نوارُ

    أنت يمكن أن ترمي سهماً تحسب أنه ما أصاب، وعندما يذهب الليل ويأتي النور يتبين لك أنه أصاب، لكنك لم تدر في ذلك الوقت.

    وهذا المثل، مثل دقيق أيها الإخوة، ما تدرى أنت الذي أصاب والذي ما أصاب، فمن الممكن أن يكون لديك عمل قمت به وتزدريه، ويتبين أن هذا العمل أحدث أثراً بعيد المدى، ومن الممكن أن ترى أنه وفعل وفعل، وفي النهاية يتبين أن هذا العمل هباء في هباء، فلا تضخم الخطأ... اجتهد واستشر أيضاً، لا تستقل برأيك، استشر من تثق به، من زميل أو طالب علم أو عالم أو شيخ أو نحوه ممن جربت السداد في رأيه، والأمور البسيطة أيضاً لا تحتاج إلى استشارة، لا يحتاج أن تستشير أن تأمر بالمعروف أو تنهى عن منكر أو تقول كلمة حق أو تكتب رسالة أو نصيحة أو برقية أو كلاماً! هذا لا يحتاج إلى استشارة.

    1.   

    وسائل المواجهة

    هذه أنا اعتبرها مقدمة ضرورية في كيفية المواجهة، لأننا سننتقل بعد ذلك إلى الكلام عن الوسائل، أو بعض وسائل المواجهة، أهم من الوسائل أن يوجد عندنا الشخص المستعد لاستخدام الوسائل، وإلا فيمكن أن نعطيك عشرين وسيلة، وفي النهاية ما أصبنا شيئاً؛ لأنه ليس عندنا الإنسان الذي يبحث عن الوسيلة، أما إذا وجد الذي يبحث عن الوسيلة، فنحن بخير، لأن المثل يقول: "الحاجة أمُّ الاختراع" إذا كنت صادقاً، وتُريد أن تُغير، فالوسائل كثيرة، وسنذكر شيئاً من هذه الوسائل.

    هذا الكلام مثل ما أشار الشيخ ضروري جداً لبدء المواجهة؛ لأن كثرة التخوفات تُحبط الإنسان من القيام بأي عمل يمكن أن يُثمر في المجتمع، فأنت يمكن أن تدعو كافراً للإسلام فلا يسلم، فيسبب آثار العداء للإسلام، وعلى هذا قس، قد تدعو فاسقاً.. إلخ، تبدأ التخوفات تزيد عليك بشكل لم تكن تتصور أن يأتيك، ونحن ما أمرنا بهذا الشيء، أمرنا أن نعمل، أمرنا أن نجتهد في الحدود التي نراها، والإنسان لا يستطيع أن يري الغيب.

    رفع سقف الاهتمامات

    وأهم الاهتمامات وأولى الوسائل رفع اهتماماتنا من الأمور الفرعية إلى الأمور الكلية، في كل شيء، وإن الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها، في كل شيء، حتى في اهتماماتنا الدنيوية، حتى في أعمالنا، فقبل أن أصل إلى الأشياء، أود أن أتكلم عما نراه في الحياة، في أعمالنا، في تجارتنا، في زراعتنا، في أعمالنا، لا نأخذ أعمال الدنيا القريبة، لتكن اهتماماتنا عالية، هممنا راقية، حتى نستطيع أن نؤثر في المجتمع، أما إذا كانت اهتماماتنا في الأشياء البسيطة، وجُل تفكيرنا مقصور فيها، فإننا لا نستطيع أن نُغيِّر، لو انتقلت بكم بعيداً في التاريخ إلى سقوط الأندلس، لوجدت أن كل واحد من الناس يقول لك: من أسباب السقوط ملوك الطوائف، الذين انشغل بعضهم في بعض، ما انشغل هؤلاء الملوك بعضهم في بعض؛ إلاَّ وقد انشغل شعبهم من قبل بعضهم في بعض، انشغلوا بأشياء لا تفيدهم، ولا تثمر لمجتمعهم، فانشغل أسيادهم، وكما تكونوا يولى عليكم.

    الإسلام جاء بكل خير، نحن نقول ليس هناك شيء في الإسلام صغير، أو غير مهم، أو لا يدعى إليه، أو نتنازل عن شيء من السنة أياً كانت، ما دُمنا نستطيع تطبيق السنة، فلا يوجد شيء غير مهم، إذا كُنا لا ننتصر بتطبيق السنة، فهل ننتصر بترك السنة؟ هذا لا يمكن أبداً، سواء أكانت سنة ظاهرة أم خفية، هذه السنن هي وقودنا وهي زادنا، ولا يمكن أن نتخلى عنها، أو نتنازل عنها، أو نفرط في الإسلام، أو نشدده، أو نجدع منه، ليس من حقنا أبداً، الشيء القليل لو ركنَّا إلى أهل الباطل، يؤاخذنا ربنا عليه، لكن الوقت يختلف، والأمور تختلف، والاهتمامات تختلف، رأس الاهتمامات العقيدة، وإصلاح عقائد الناس واهتماماتهم ورفع شأنهم هذا رأس الأمور، أما أن تتحول اهتماماتنا إلى أشياء تفصيلية نضيع فيها جهوداً وأوقاتاً، وهي كلها اجتهادات من اجتهادات البشر الذين يصيبون ويخطئون، سواء أكانت اجتهادات بتنظيمات، أو في تخريجات لأحاديث نبوية، واستدلالات، ونجعل هذا هو جُل اهتمامنا، ونلزم الناس به، وهو اجتهاد فلان، وإن كان عالماً جليلاً، لكنه اجتهاده، فلا نجعل هذا المحور هو كل قضايانا، وكل اجتهادنا وكأن ما في الدنيا شيء إلا هذا، ونترك أحاديث صريحة متواترة، فلو نظرت في الموجودين، لوجدت عدداً كثيراً، أو الكل، أو الأغلب، يعرف عن أمور العبادات أشياء دقيقة وتفصيلية، ولكن إذا نظرت إلى فقه المعاملات، لوجدت جهلاً ذريعاً جداً، أحاديث ربُما لم تمر عليها طيلة حياتك، لماذا؟

    لأن اهتمام الوسط كان بهذه، والإسلام هو هذا وهو هذا، هو احبس حتى يمتلئ زرعك، وهو المال، وهو الاستثمار، وهو الدولة، وهو الشورى، وكل هذه موجودة في الإسلام، لماذا أغمضنا عنها عيناً، وفتحنا عيناً أخرى؟

    صحيحُُ أن العبادات جُزء من حياتنا اليومية، لنعرف صلاتنا وصيامنا وزكاتنا، لكن أيضاً يجب ألا نغفل عن الجانب الثاني، عن تأثيرنا في المجتمع، عن وجودنا، إذاً يجب أن ترتفع اهتماماتنا، خصوصاً في مرحلة الأزمات، فإذا وجد عندنا من الدعاة الكثرة الكاثرة التي تجعلنا حتى دقائق الأعمال نوليها من الاهتمام الشيء الكثير، فهذا أمر محمود، ولنطمح إلى اليوم الذي تصل فيه الدعوة إلينا، ولكن إذا كان الدعاة كما تشاهدون، من القلة، وقلة الوقت أيضاً وغير ذلك، فهل معنى ذلك أن تنصرف الاهتمامات إلى الأشياء البسيطة؟

    لا بد أن تكون اهتماماتنا عالية وقوية، وأن نهتم بالأشياء الأساسية، كاجتماع المسلمين مثلاً، ونصحهم وتناصحهم، واعتبار أنه ليس هناك شخص منـزه عن الخطأ، والقبول من الشخص من صالح كلامه وحديثه وعمله والتعاون معه فيما هو سائر في هذا المجال، حتى لا يكون بعضنا سيفاً على بعض، ونكون أضعف ما نكون على الأعداء دائماً إذا كان الناس مشغولون بجبهتهم الداخلية، فهم أضعف الناس عن مواجهة أعدائهم، أما إذا استطاعوا أن يحصنوا جبهتهم الداخلية ويعرف كل واحدٍ مقدار نفسه، ومقدار غيره، فلا يتقدم على غيره، ولا يحتقر نفسه في مجاله، كلٌ يؤدي ما هو مطلوب منه، عندئذٍ نستطيع أن نُربي أنفسنا، ونربي المجتمع، ونعرف أن كل واحدٍ منا يقوم بدور مهم، ولننظر إلى مثال بسيط من الأمثلة:-

    جاء أحد الصحابة رضي الله عنهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فسأل عنه، فقالوا: هو في حديقة بني فلان، فذهب، فقال: لأكونن حاجب رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم، وجاء أبو بكر وعمر ودخلوا، فكل واحد عرف مكانه ودوره، وليس دور هذا يختلف عن دور هذا أبداً، فكل ميسر لما خلق له، والرسول صلى الله عليه وسلم لما جاء وافتقد المرأة! ماذا كانت تعمل؟ كانت تقم المسجد، أين هي؟ فذهب عليه الصلاة والسلام يصلي عليها، لا يوجد إنسان دوره غير مهم، سواء أكان رئيس الدولة أم خادماً في المدرسة، كله سواء، وقد ينال الشخص الأضعف من الأجر أضعاف أضعاف ما ينال ذاك، لأن هذا خفت عليه المئونة، وهذا ثقلت عليه، وكلٌ بحسابه، إن قام بها فالأجر لمن كانت مئونته كبيرة كثير، وإن فرط فالوزر كبير أيضاً، وهذا الذي في عمل صغير، إن فرط فالوزر قليل لأن، الحمل ضعيف أصلاً، وإن أجاد فالأجر كثير.

    فليس هناك شخص غير مهم، المهم أن تتوحد اهتماماتنا، وأن تترفع اهتماماتنا عن الأشياء الصغيرة، ألا يكون همنا نقد فلان، أو عدد أخطاء فلان، كما يقول أحد الدعاة: لو بدأنا بهذا المشروع، هذا فيه كذا وهذا كذا، ما وجدنا في العالم الإسلامي ثلاثة أشخاص تتفق عليهم الكلمة، فنحن بحاجة لرفع الهمة، لأننا اليوم نواجه أعداءً من كل مكان، نحن بحاجة إلى الالتحام على عقيدة سلفية، ودعوة محمدية، ونصرة للسنة، بكل ما فيها، وتطبيق لها بحذافيرها، وأن ندعو الناس إليها، لكن أيضاً لو نظرنا للأحاديث التي وردت لوجدنا أن هناك اختلافاً كثيراً، فيما ورد في هذا الباب وما ورد في غيره، فيما ورد في هذه القضية، وما ورد في غيرها.

    وأترك لفضيلة الشيخ ليتحدث عن الوسيلة الثانية:

    نعم أفاد وأجاد الشيخ محمد فيما قال -بارك الله فيه- في قضية ضرورة ترشيد الاهتمامات وتصحيحها، وأن يُعطى كل شيء قدره، فإن الله عز وجل بعث رسوله صلى الله عليه وسلم بالحكمة.

    والحكمة: وضع الشيء في موضعه، وإعطاء كل ذي حق حقه، ونهى الله عز وجل عن الظلم ومن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، أو البخس، كما قال الله عز وجل: ولم تظلم منه شيئاً وفجرنا خلالهما نهراً [الكهف:33].

    فالبخس والنقص من الظلم، سواء بالنسبة للأشخاص مثلاً أم بالنسبة للأعمال، بالنسبة للأشخاص تجد أننا نحن المسلمين كما قال فينا أبو فراس الحمداني:

    ونحن أناس لا توسُط بيننا     لنا الصدرُ دُون العالمينَ أو القبرُ

    فليس عندنا أنصاف حلول؛ إما أن يكون هذا إبليساً، أو يكون قديساً كما يقولون، ما عندنا إنسان فيه خير وشر، وفيه هدى وانحراف، وفيه صلاح وفساد، ما نعرف هذا، فإما أن نبجل هذا الإنسان ونجعله كأنه كاملاً لا نقص فيه، فإذا وجدنا عليه خطأً أنـزلناه إلى الحضيض، أما بالنسبة للأعمال فكذلك؛ إما أن يعمل الإنسان ما يظن أنه العمل الكامل المقبول، أو يقصر تقصيراً كبيراً، بحجة أنه لم يستطع القيام بالتكاليف الشرعية، مع أنه من الممكن -بل من الواجب- أن يتمسك الإنسان بما يستطيعه أو يقدر عليه من الأمور والأعمال الصالحة، ويستغفر الله من تقصيره أو خطأه أو معاصيه؛ ويحاول أن يحسن وضعه مع الوقت.

    ترك الجدل والتمشير للعمل

    ومن الوسائل المهمة التشمير للعمل، مع التقليل من الكلام والجدل غير النافع في الأمور الجانبية.

    فإن المقصود من كل ما يقال إنما هو العمل الذي هو ثمرة الإيمان ودليله، وأمَّا كثرة الكلام والجدل -الذي نشاهده الآن في واقع المسلمين- ليس منه كبير فائدة، فينبغي الاهتمام بالاستفادة من الأصول العامة والعمل على أساسها، والإعراض عن الإغراق في التنظير الذي لا جدوى من ورائه، فقد نتجادل طويلاً في مسألة، وبعد الجدل الطويل -مثلما يقول علماء الأصول- يأتي السؤال ما هي ثمرة الخلاف؟ والنتيجة بعد ما اختلفنا أو اتفقنا، وماذا يترتب على هذا؟ ما هي الثمرة؟ فإما ان لا تكون هناك ثمرة، أو نذهب نبحث عن جزئية يسيرة ونقول: هذه ثمرة من ثمرات الخلاف.

    يترتب على هذا، أن تجد أن المسلمين عمروا مجالسهم بجدل عقيم، مثلاً افترض أن هناك منكراً من المنكرات، موجود في مكان كذا، اجتمعنا نحن عشرة من طلاب العلم، كيف نغير هذا المنكر؟ قال واحد: نغير هذا المنكر بالكتابة، وقال ثاني: نغيره بالمراسلة، قال ثالث: لا، نذهب بأنفسنا لنغير هذا المنكر، قال رابع: لا يصلح هذا ولا ذاك، ينبغي أن يذهب واحد ويبحث عن المسئول عن هذا المنكر ويدعوه، قال خامس: لا، نتصل، وقال عاشر!!

    وهكذا أصبح عندنا عشرة آراء، ثم بدأنا نتجادل جدلاً طويلاً حول أي هذه الآراء أصوب، بينما نحن في حمى الجدل والأخذ والعطاء، إذ بهذا المنكر قد ولد منكراً آخر بمكان ثان فصار عندنا خلاف جديد بأيهما نبدأ، هل بالمنكر القديم أم بالمنكر الجديد؟ قال واحد: لا، نبدأ بالمنكر القديم؛ لأنه أعمق وأخطر، والمنكر الجديد فرع عنه، وإذا زال الأصل زال الفرع، قال ثان: لا يا إخوان، المنكر القديم صعب إزالته الآن، لأنه أصبح مستقراً، لكن المنكر الجديد سهل إزالته؛ لأنه لم يستقر بعد، والناس عندهم استعداد لتقبل إزالة هذا المنكر.

    وبينما نحن نختلف حول أيهما نبدأ إزالة المنكر الجديد أو القديم، إذا بمنكر ثالث يتولد، وهكذا تكسرت النصال على النصال، والقوم في حمى جدلهم العقيم حول الوسيلة الصحيحة، وحول التنظير، وحول الكلام، وحول القيل والقال.

    فجاءهم رجل رشيد وقال لهم: يا قوم إن كنتم أهل جدل وكلام، فهذا شأن الفلاسفة من قبلكم طالما تجادلوا، وبيزنطة تسقط في أيدي الأعداء، كما يقول المثل.

    كان الفلاسفة يتجادلون في بيزنطة وهي من المدن اليونانية، أيهما الأصل الدجاجة أم البيضة؟ فاختلفوا في هذا على قولين، في الوقت الذي كانت فيه خيول الأعداء على مشارف المدينة؛ حتى سقطت، وجاء الأعداء إلى هؤلاء الفلاسفة وعرفوهم عملياً أيهما كانت أول الدجاجة أم البيضة؟ فكانوا في أيدي أعدائهم كالدجاج، لماذا؟ لأنهم أشغلوا وقتهم في جدل عقيم، لا جدوى من ورائه، في الواقع هذا الجدل البيزنطي، ما أكثره في واقع المسلمين...!

    دعونا يا إخواننا من الجدل بارك الله فيكم، انـزلوا إلى الميدان، اشتغلوا، وكل واحد اقتنع بشيء يعمله، أنت الذي تنكر المنكر الأول، اذهب له، والذي يريد المنكر الثاني يذهب له، والذي سيغير بالكتاب يغير بالكتاب، والذي سيغير بالقول بغير بالقول، قد علم كل أناس مشربهم، كل إنسان له ما يناسبه وما يقتنع به، لكننا سنلتقي بالتأكيد على هدف واحد، وهو إزالة هذا المنكر، أو ذاك، وقل مثل هذا في أي قضية تعرض لنا؟! إذاً فكثير من القضايا النظرية التي نتكلم عنها أمور جدلية عقيمة، ربما لا يكون من ورائها طائل ولا من تحتها ثمرة، ولكن ضيَّعنا بها أوقاتنا، مثلاً نتفق على أمور عملية كثيرة، كل المسلمين متفقون على وجوب الدعوة إلى الله، فهل دعونا؟

    كل المسلمين متفقون على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هل أمرنا ونهينا؟

    كل المسلمين متفقون على وجوب النصيحة فهل نصحنا؟

    كل المسلمين متفقون على وجوب الوحدة وجمع الكلمة بين أهل السنة والجماعة، فهل اتفقنا؟

    أم أننا ظللنا نتجادل في أوضاع الدول السياسية مثلاً، نتجادل في أساليب الدعوة، نتجادل في خطط الأعداء وكيفية تحليلها، نتجادل في أمور كثيرة، لكن الشيء الوحيد الذي لم نُحس أن ننـزل فيه، هو أن ننـزل للميدان ونعمل، وندع الجدل جانباً، ونقول: الكلمة أصبحت الآن للعمل، كما قال أبو تمام:

    السيف أصدق إنباءً من الكُتبِ في حدِّه الحد بين الجِد والَلعِبِ

    العمل هو الذي يثبت واقعك، أعرف يا أخي كثيراً من الدعاة، كانوا يتجادلون جدلاً عميقاً وعقيماً أيضاً، حول كذا أحسن، أو كذا أحسن، لكن تجد رجلاً منهم مغامراً، ينـزل للساحة، وينـزل للميدان، فيعمل، فتجد الجميع يمشون وراءه ويصدقونه فيما قال، مع أنه ما ناقشهم، ولا جادلهم، لكنه شق الطريق فأيدوه وزال الجدل، وقطعت جهيزة قول كل خطيب، كما يقال.

    فلا داعي أن نُغرق أنفسنا يا أحبتي في جدل عقيم، في أمور كثيرة، أمور نظرية، ليس لها تأثير في الواقع، دعونا ننـزل للميدان، ونواجه المعركة بأساليب مناسبة.

    الوعي الشامل

    ونحن نحتاج إلى الوعي في كل شيء، نحتاج إلى وعي سياسي، وإلى وعي اجتماعي، وإلى وعي اقتصادي...الخ، من أنواع الوعي.

    إذا لم نفهم في أمور السياسة، لا نستطيع أن نعرف كيف نغير المجتمع، لأننا لا نعرف كيف تأتي الأوضاع وكيف تدار الأمور، وإذا لم نفهم في عملية التغيير الاجتماعي، كيف تكون، كيف تنشر الفضيلة؟

    وكيف يقضى على الرذيلة؟! أعداؤنا عرفوا كيف ينشرون الفضيلة، وما هي أساليب نشر الفضيلة فاستغلوها، ونحن بحاجة إلى أن نعرف ما هي وسائل نشر الفضيلة اجتماعياً؟ وكيف نتغلغل اجتماعياً، وكيف تكون دعوتنا مؤثرة في جميع الأوساط الاجتماعية؟ في البيت، والمدرسة، والشارع، والقرية، والمدينة، وفي كل شيء.

    إذاً نحتاج إلى وعي اجتماعي، ما هي المؤثرات الاجتماعية التي تؤثر على الناس؟ الاقتصاد، فلا يمكن أن تصل دعوتنا إلى مستوى رشيد وهي تعطي ظهرها للاقتصاد، وأهلها إذا نظرت إليهم نظرت إلى أهل الفقر، في وسائلهم، في إمكاناتهم، في أشيائهم، لماذا؟ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص:26] وقال تعالى: قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55].

    نحن بحاجة إلى أن نقول للناس هذا الكلام، فكلما جاء حث على الجهاد في سبيل الله، جاء جاء معه اقتران بالمال، فالجهاد بالنفس والمال دائماً، كيف نهتم بمعيشة الناس واهتماماتهم؟ حتى نعرف كيف نؤثر فيهم؟ أما أن يأتي اليساريون، والعلمانيون وغيرهم ويهتمون بقضايا الناس وهم كاذبون، منافقون، غير صادقين، ويتكلمون عن قضايا الناس بالكلام فقط، ثم ينتخبهم الناس ويتصورون أنهم منقذون، حتى إذا حققوا لهم وأعطوهم أعلى المناصب، مكروا بهم وغدروا بهم.

    كيفية تحقيق الوعي

    إذاً نحن بحاجة إلى الوعي في كل المجالات، كيف نحقق الوعي؟ نحقق الوعي بأحد أمرين:

    أولاً: بالاستفادة من أهل الاختصاص أياً كان، فلا يصح أبداً أن نرى شخصاً تقدم في مجال معين، ونطلب منه أن يعطينا الرأي في كل المجالات، قد يكون الشخص من كثرة قراءته في السياسة، واستماعه وتحليلاته ذو رؤية سياسية جيدة، لكن لا توجد عنده رؤية شرعية، ولا رؤية اقتصادية، ولا رؤية اجتماعية، فلا يمكن أبداً أن نجعله هكذا، وربما شخص آخر تفقه فعلاً، قرأ كتب الفقه القديم بشكل جيد جداً، لكنه لا يعيش الواقع، لا يستطيع أن يُعطينا فتوى اجتماعية، كيف يوجه المجتمع، كيف يعيش؟

    إذاً نحن بحاجة إلى أهل الاختصاص، ولو رأينا إلى أعدائنا مع الأسف الشديد، لوجدنا أنهم يسألون كل شخص في أدق تخصصاته، خُذ مثالاً بسيطاً، انظر إذاعة لندن بين السائل والمجيب، اسمع السؤال، واسمع من يجيب، لا يوجد عندهم أحد اسمه مجيب الأسئلة!!، كما يكون عندنا في بلادنا الإسلامية مع الأسف، إذا وجد من يجيب على الأسئلة فيتم توجيه كل الأسئلة إليه، اسأل ما شئت، في أي تخصص، اسأل!! لكن هم إذا جاء السؤال يذهبون إلى أدق واحد في هذا التخصص، ويعطوه السؤال، ويجيب، وإذا ما وجدوا في بلادهم، جاءوا إلى بلاد أخرى، يبحثون عن أفهم واحد في هذه القضية فيسألونه..، لأنه قد يكون الشخص أمضى خمس سنوات من عمره يدرس قضية واحدة، إذا لم يُسأل مثل هذا، من يسأل؟ والاجتهاد كما تعلمون يتعدد قد يكون في قضية واحدة أو اثنتين، ما يجوز أن تقلد فيها، لأنك وصلت فيها إلى حكم لا يجوز لك أن تقلد غيرك.

    وهكذا فنحن بحاجة إذا أردنا أن نعي أنه لا يمكن لكل شخص أن يفهم في كل المجالات، وأن يصل لكل ما يكتب، فلو أراد شخص أن يقرأ ما يُكتب في تخصصه فقط، وأعطى عمر ستين سنه، يقرأ أربعة وعشرين ساعة، ما استطاع أن يقرأ خمس ما يكتب، إذاً ما يستطيع، ولكن يأخذ الزبد من أهل الاختصاص، ويفهم في حياته، من أجل أن يسير، ويعرف طريقه.

    إذاً فالوعي ضروري جداً، أول درجات الوعي: الوعي في تخصصك الذي تعمله، إذا كنت تعمل في مجال الاجتماع، تغير اجتماعياً، لابد أن تعرف كيف تغير، ما هو النشاط الاجتماعي لا يمكن أن تغير الاجتماع، وأنت ما تعرف كيف تعيش مع الاجتماع، إذا كنت تمارس الاقتصاد، ما يمكن أن تغير في الاقتصاد، وتؤثر أنت لا تدري ماذا يكون في الاقتصاد، في أي مجال إذاً أنت بحاجة إلى الوعي في هذا المجال، على وجه الخصوص، ثم الوعي في المجالات الأخرى على وجه العموم.

    حقيقية نحن بدأنا نستلمكم أيها الإخوة، من واحد إلى آخر، لكن هذا حتى تتوبوا ولا تطلبونا للشخوص إليكم مرةً أخرى، الحقيقة الشيخ محمد بارك الله فيه، أشار إلى قضية مهمة، وهي قضية الوعي بأساليب الوعي المختلفة، كضمانة لكيفية المواجهة السليمة، سواء الوعي بمخططات العدو، أم الوعي بمتطلبات المرحلة، أم الوعي بوسائل التغيير الممكنة.

    1.   

    إحياء الشعائر الإسلامية

    أتحدث عن جانب آخر، وهو قضية إحياء الشعائر الإسلامية في مجال المواجهة.. لأن الله عز وجل ما ترك أمهً بدون نبي يرشدها: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التوبة:115].

    فبين الله عز وجل لنا ما نتقي، كما أنه عز وجل بين لنا ما نفعل، فالدين أمرُُ ونهي، تحليل وتحريم، ولذلك هناك شعائر شرعية أو واجبات شرعية هي أساس للمواجهة.

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    مثلاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قضية خطيرة شرعية غائبة عن كثير من المجتمعات، وفي الإسلام كانت الحسبة هي كل شيء، اقرأ في أي كتاب من كتب الاحتساب، مثل كتاب معالم القربة في أحكام الحسبة، أو كتاب الحسبة في الإسلام لـابن تيمية، أو أي كتاب من الكتب التي تحدثت عن المجتمع التاريخي للمسلمين، بلوغ الأرب مثلاً أو غيرها، نجد أن الحسبة في الإسلام كانت كل شيء، حسبة على الأسواق، حسبة على النساء، على الرجال، والولاة، والعمال، والشوارع، كانت الحسبة تقوم بمهمة الشرطة، والبلدية، والمرور، والغرفة التجارية، والغرفة الصناعية، وجهات عديدة جداً، كلها كانت مجموعة في عمل يطلق عليه الحسبة.

    وهي تنطلق من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في الميدان الاجتماعي والمجال الاقتصادي والأخلاقي والسياسي وغيرها، حُسِرَ هذا المفهوم وانحسر وضمر في نفوس المسلمين، حتى أصبح المسلم ما يفهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا أنه يمر بالشارع ويقول للناس صلوا هداكم الله، هذا أمر بالمعروف صحيح، لكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إطاره أشمل من هذا، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سُلطة قوية راسخة تزيل المنكر وتثبت المعروف، وتمنع تلويث البيئة العامة، صحيح هي لا تستطيع أن تطهر المجتمع نهائياً من جميع ألوان المنكرات، لأن هذا الأمر لا يمكن، لكنها تستطيع أن تعطيك تقريراً عن أن البيئة العامة نظيفة، الجو ليس فيه جراثيم، تُلَوِّثُ وتصيب أجساد الناس بالمرض، فينشأ الناس في بيئة نظيفة صالحة، الذي يريد الخير يلقاه، والذي يريد الشر يجد ألف عقبة وعقبة أمامه، وليس العكس أن الذي يريد الخير يجد العقبات في البيت وفي الشارع وفي المدرسة وفي كل مكان، والذي يريد الشر يجد الباب مفتوحاً أمامه على مصراعيه، مهمة الحسبة أن يظل المجتمع مجتمعاً مسلماً، لأن كلمة مسلم هذه، ليست مجرد -كما يقال- ماركة مسجلة، تطبع على مجتمع فيصبح مسلماً، لا!!!..... لا.

    المجتمع المسلم ميزته أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقط لا غير، هذه الميزة الأساسية أن المجتمع المسلم مجتمع قام على المعروف والأمر به، وعلى ترك المنكر والنهي عنه، قال الله عز وجل:

    وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة:71].

    وعلى العكس المنافقون والمنافقات، من هم المنافقون؟ لا تظن أن المنافقين ناس انتهوا من الأرض، فهم في عصر الرسول عليه الصلاة والسلام؟ لا.

    العلمانيون منافقون يرفضون الموت، ويقولون -مثلاً- وفق شريعتنا السمحة، وديننا القويم، وعاداتنا الدينية، وموروثاتنا، ثم تحت هذه الكلمة المطاطة يدخلون ما يشاءون من ألوان الفساد والنفاق، هؤلاء منافقون، لأنهم لا يستطيعون إعلانها الآن، أنهم ضد الإسلام، لا،يقولون: وفق ديننا السمح، وشريعتنا الغراء، وموروثاتنا الاجتماعية، إلى آخره.

    العلمانيون منافقون، والحداثيون منافقون، واليساريون منافقون، والقوميون منافقون، وإنما صاروا منافقين؛ لأنهم لا يستطيعون أن يطرحوا حقيقة ما لديهم من آراء وأفكار، فهم يتمسحون بالإسلام، ويتكلمون عن الإسلام، وعن تاريخ الإسلام، وعن شخصيات الإسلام، وقد يقومون ببعض الشعائر مثل ذر الرماد في العيون، لكن في قلوبهم مرضُُ فزادهم الله مرضاً، فلا بُد من إحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل نطاق، وابدأ ببيتك، فقد تكون بنتك أو أمك أو أختك أو زوجتك هي إحدى المتأثرات بالحرب الإعلامية التي تكلمنا عنها قبل قليل، ومن الممكن أن تكون في المستقبل من دعاة تحرير المرأة، ماذا يمنع عن هذا!!!

    لو نظرت إلى بعض الداعيات إلى تحرير المرأة، قد تجدها بنت شيخ مثلاً، وبعض المغنيات قد تجد أباها شيخاً، أو عالماً، أو قارئاً.

    إذاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبدأ بنفسك وبيتك ومجتمعك وسوقك ومتجرك وفصلك في المدرسة وشركتك، وانتقل بعد ذلك إلى المجال الأرحب: المجتمع.

    قضية الجهاد

    الجانب الثاني:- هو جانب الجهاد في سبيل الله عز وجل، والكلام في الجهاد يطول، وقد لا نكون محتاجين كثيراً للحديث عن هذا الأمر، فأترك المجال والفرصة لأخينا الشيخ محمد.

    اقتحام الإعلام

    الوسيلة الأخيرة التي سنتحدث عنها: أقول قبل قليل صورنا الوسائل الحديثة التي يستخدمونها، وبالمقابل استخدامنا للوسائل الحديثة ضعيف، أُولى هذه الوسائل الإعلام، بكافة إمكاناته المتاحة أمامنا، أي وسيلة ممكنة متاحة أمامنا نستغلها ككتابة في صحيفة، أي صحيفة كانت، لأن كلمة الحق لن تضيع، ولها روادها، وستجد من يقرأ لما تكتب، وستجد بعد فترة صاحب الصحيفة يخطب ودك لتكتب، لأن كتابتك لها مذاق خاص، ونوع خاص، وأنتم الذين تتابعون الجرائد والصحف والمجلات، تعرفون بعض الكتاب، قد لا يأتيك بحقائق، ولكن كتابته ساحرة، لأنه يشخص بعض الأوضاع الاجتماعية ويعالجها، وإذا استطعنا أن نمشي تخطيطاً، وتكتيكاً، وهدوءاً، ومعالجة، فلا يكون لمعالجاتنا انفعالات، لأننا دائما إذا كتبنا، نسينا أن هذه الصحيفة كل يوم تكتب، تُملأ بالهراء، فأنت جئت بكل ما عندك في مقال واحد.

    الجانب الأول: أنت لو أشرت إلى قضية أو قضيتين، بهدوء واستطعت أن تصل إلى عقل القارئ لا عاطفته، لاستطعت أن تحركه نحو الخير.

    الجانب الثاني: الأشرطة. وعلى رأسها أشرطة العلم، لأنه لا يتوفر اليوم عَاَلِمْ في كل مدينة وقرية وريف، لكن هناك أشرطة سدت المسد، هذه وسائل حديثه، نستطيع أن ننشر الأشرطة على أوسع نطاق، التي كما أسلفت سابقاً تستطيع أن تنشر الوعي السياسي والاجتماعي والاقتصادي وغير ذلك، لأن هذه فرصة متاحة لنا، فرصة كبيرة نستطيعها، هذا إعلام قوي، وإعلام موجه، وإعلام محفوظ، فلو أتيت براديو لشخص تقول له اسمع، فسيكون فيه غث وسمين، لكن هذه الأشرطة من الإعلام المحفوظ التي فيها الخير الكثير، وليس فيها من الشر إلا ما ندر وعن غير قصد.

    الضغط الجماهيري

    ومن الوسائل الحديثة هناك شيء اسمه الضغط الجماهيري، وهو ضغط على كل منكر، فلو وجد منكر في المدرسة، ووجد مدير متصلب لموقف معين، أرأيتم لو أن عشرة من أولياء أمور الطلبة، وعشرة، وثلاثة، وخمسة من المدرسين وأربعة منهم كلهم اتصلوا بمدير المدرسة، كلهم يؤكدون على هذا المنكر، ألا يستحي، ألا يخجل، ألا يغير، بلى والله، وإن لم يغير خفف.

    إذاً نحن بحاجة إلى ضغط على كل شيء نجده في المجتمع، أي منكر نقوم بشيء تجاهه -أياً كان- نحن بحاجة إلى أن نستخدم هذه الأساليب التي غابت عنا زمناً، حتى نصل إلى الخير الذي نريد.

    العمل الاجتماعي

    من الأشياء المهمة ومن الوسائل الحديثة: العمل الاجتماعي على كافة أبوابه، سواء أكان عملاً إصلاحياً، أم عملاً اجتماعياً، لفقراء، لمساكين، لأصحاب حاجات، لتغيير، لإصلاح، المهم أن نقوم بهذا العمل الاجتماعي على أوسع نطاق، بالإضافة إلى العمل الاجتماعي، لا بد أن يكون لنا امتداد واسع جداً، وهذا المكان هو الشعب، ما لم نكن نحن وجمهور الأمة سوياً، فلن نعمل شيئاً، نكون مثل السمك في البحر إذا خرجت ماتت، مهما كنا، احسب عددنا الآن هنا، لا نمثل شيئاً، لكن إذا استطعنا أن نكون شيئاً اجتماعياً، لا تستطيع أي وسيلة من وسائل الإعلام، أو أي أمر أن يردنا، فكيف يستطيع أحد أن يؤثر على أهلك وعلى زملائك وعلى أصدقائك؟! لا يستطيع وأنت بينهم تعطيهم الرأي الصحيح، تنير لهم الطريق، لا يستطيع أن يقتحم هذه الحصون وأنت موجود، أما إذا تسربلت واختفيت، أصبح ليس لك وجود، أنت بحاجة إلى أن تقرأ أي شيء تراه وتسمعه، بحاجة إلى أن تعطي فيه وجهة نظرك، حتى لو لم تكن وجهة النظر السليمة مائة بالمائة، لكن بحاجة أن تقول شيئاً، حتى لو أنك بحاجة أن تقول: إن هذا خطأ، ولو لم أعرف ما هو الصواب، لكن أعرف أن هذا خطأ، أيضا أؤكد على ما ذكرته سابقاً، التخصص.. فلا يتصور إنسان أنه سوف ينقذ هذه الأمة، أو أنه الرجل الوحيد الذي ستحرر الأمة على يديه، فيبدأ يفكر ويخطط وينظر ويبعد ويقرب ويصلح، وهذا العمل كبير ما يستطيع أن يعمله، وهذا صغير ما يليق به أن يعمله، ثم ما يعمل شيئاً.

    تعمل بالممكن والمتاح، لنصل إلى غير الممكن، ولو نظرنا إلى المسلمين قبل الإذن لهم بالجهاد، ماذا قيل لهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [النساء:77] ما أعجبهم، لماذا؟

    لم نؤمر بالقتال، ولم نؤمر بالزكاة، فنحن أمامنا وسائل متاحة، إذا استطعنا أن نستغلها ونهتدي لها، لاستطعنا أن نصل إلى ما بعدها، وثقوا ثقة تامة أنه إذا عمل الإنسان بالممكن والمتاح، وصل إلى غير الممكن، وغير المتاح.

    الاهتمام بالقرى والأرياف

    وأؤكد على قضية أعتقد أنها مهمة في مثل هذه البلاد، وهي القرى والأرياف، القرى بحاجة إلى العناية، لأنكم تعلمون ما ينتشر فيها من الجهل والفراغ، فهي بحاجة إلى كل الوسائل السابقة، وبالذات على الأخص الأشرطة، لأن لها تأثيراً عجيباً، وسهلة على الدعاة، وكذلك نقلها ونشرها بين الناس... وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    تعليق حول الدعاء والضغط الجماهيري

    في الواقع تعليق ختامي، أعود أولاً لأذكر قضية "ندامة الكسعي" وفيما ذكره الشيخ في موضوع الضغط واستخدام وسائل الضغط. الدعاء: أمر تفوضه إلى الله عز وجل، تدعو الله، الأمر بيد الله يجيبك أو لا يجيبك، لكن الرسول صلى الله عله وسلم أمر العبد بأن يدعو، وأنه لن يخسر، إما أن يجيبه الله فيما أراد، وإما أن يصرف عنه من الشر مثله، وإما أن يدخره له ليوم الحساب وهو أحوج. بالنسبة للضغط الجماهيري: لابد من ذلك في كل شيء، في كل عملٍ صالح، مثلاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء أكان عن طريق الخطاب، أم الكتاب، أم الاتصال، أم الضغط الاجتماعي، وتحريك جمهور الأمة، ضد هذه المنكرات التي أصبحت تنتشر وتتسع، إما أن يزول المنكر، أو يخف المنكر، أو على الأقل تضمن ألاَّ يأتي منكر آخر بعده مباشرة، لأنه إذا كان هذا موقف الناس من هذا المنكر، معنى ذلك أنهم غير مهيئين الآن لتقبل منكرات أخرى، فقد يؤجل منكر آخر ولو بقي هذا المنكر، وهناك جانبان: الجانب الأول: فأنت لا تقل: "تكلمنا ولا تغير"؛ لأنه وإن لم يتغير، إلا أنه ربما انكفَّ شرُُ كان سيأتي، فلا تكن نظرتك قريبة سطحية دونية. الجانب الثاني: قضية أن نكون عمليين كما أشرنا في البداية، وكما ذكر الشيخ محمد

    الآية: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ)) [النساء:77]. هذه الآية التي أذكر أنني قرأت في سنن النسائي وسنده صحيح، عن ابن عباس

    رضي الله عنه أنها نـزلت في بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في مكةمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ)) [الفتح:29]. أسأل الله أن يغيظ بنا الكفار، قولوا: آمين، أسأل الله أن يغيظ بنا الكفار، وأن يقر بنا جميعاً عيون المؤمنين والمسلمين في كل مكان، وأن يغفر لنا ويعيننا على أنفسنا،وأصلي وأسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.

    1.   

    الأسئلة

    حول المعركة الحاسمة مع اليهود

    السؤال: إنني أحبك في الله وبعد، فلقد قلت أنك لا تذكر معركة حاسمة بين اليهود والمسلمين إلى الآن؛ مع أنهم أشد الناس عداوة للمؤمنين، هل احتلال اليهود للأرض المقدسة والمسجد الأقصى لا يعتبر هجوماً على المسلمين وحرباً شعواء معهم؟

    الجواب: أحبك الله، أما ما ذكرته من احتلالهم فإنه لا يعارض ما أسلفته، لأنني أقول: لا أعرف معركة حاسمة معهم، يعني في التاريخ الإسلامي، أما الآن فقد بدأ التحرش من قبل اليهود للمسلمين، لسبب هو أنهم بدأوا يتجمعون من أصقاع الدنيا، ولذلك، يسمون شذاذ الآفاق، لأنهم كانوا مشردين، مطرودين، في كل ناحية منهم أفرادُُ قلائل، يسامون سوء العذاب، في ألمانيا، وفي روسيا، وفي البلاد العربية، وفي غيرها، حتى تجمعوا في إسرائيل، ويجب أن نؤمن إيماناً حاسماً جازماً بأن تجمعهم الآن في إسرائيل هو لتحقيق موعود النبي صلى الله عليه وسلم، هناك حديث ربما سمعتموه مني في غير هذه المناسبة، لكنني أتلذذ بإعادته، وهو ما رواه الشيخان من حديث ابن عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: {تقاتلون اليهود، حتى يقول الحجر: يا مسلم، يا عبدالله، هذا يهودي ورائي فاقتله} وفي رواية {لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم، يا عبدالله} وفي رواية {إلا شجر الغرقد، فإنه من شجر اليهود} بل في رواية مفرحة سارة مطمئنة، رواها البزار والطبراني بسند حسن، كما يقول الهيثمي والغماري عن مهيكب بن صريب السكوني وصريب السكوني رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {تقاتلون المشركين على نهر الأردن، أنتم شرقيه وهم غربيه} يا -سبحان الله-، بهذا التحديد، ويقول الشيخ الألباني، بأن هذا الحديث ضعيف؛ لأن في سنده أبان بن صالح القرشي، وهو ضعيف، فأقول هذا عجب من عجب. لأن الحديث أولاً: ليس في الحلال والحرام، وإنما هو في بشرى بشَّر بها النبي صلى الله عليه وسلم عنه وَالأَوْلَىْ الأخذ بِهَا، الأمر الثاني: أرأيت لو جاء هذا الحديث من طرق براوٍ آخر ضعيف، ألا يقوي الراوي الضعيف الأول ويشده؟ بلى يقويه ويشده، خاصة لأن ضعفه ليس بتهمة، وإنما هو لضعفٍ في الحفظ، وليس شديد الضعف، فإذا كان وجود راوٍ آخر نقل الحديث يقويه، ألا يقوي الحديثَ الواقعُ الماثل للعيان، الذي لم يكن معروفاً عند السلف، والذي لم يوجد إلا في هذا العصر، من كون اليهود يتجمعون على نهر الأردن، يعني ربما كان كثير من السابقين يقول: هذا غريب سبحان الله، ربما قالوا: إنه مما يضعف الحديث بعد اليهود من نهر الأردن، شرقيه وغربيه، فقد كان في أيدي المسلمين، فأين يأتي اليهود، أما الآن فقد بدأت النبوءة تتحقق، وبدأنا نعلم بصحة الحديث، لأن الحديث الضعيف ليس حديثاً مقطوعاً بضعفه، إنما نتوقف في حكمه، فإذا جاء ما يشهد بقوته قويناه، وهناك واقعُُ ماثل للعيان شاهد في الواقع، وهو أنه بدأ اليهود يتجمعون، وهم الآن يواجهون المسلمين من ضفة أخرى من نهر الأردن، وهذا يجعل كل مسلم واعٍ عاقل مصدق يقطع بأن هذه النبوءة بدأت تتحقق، وأن لنا مع اليهود معركة حاسمة لم تحدث في التاريخ، لكنها ستحدث في المستقبل القريب إن شاء الله تعالى.

    التغيير في النفس

    السؤال: إنطلاقاً من قوله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11] أقول: ما هي أفضل الوسائل وأحسنها التي من خلالها يستطيع الفرد المسلم أن يغير ما بنفسه، لكي يظهر بدينه أولاً. ثم بأمورٍ أخرى، وهل نحن نخالف تطبيق هذه الآية الكريمة التي أظن والله أعلم أن نجاة الأمة على ضوئها؟

    الجواب: التغيير: لا شك بأن التغيير أول ما يبدأ يبدأ في النفس، فإذا كانت هذه الفكرة الخاطرة قوية أشغلت البال، ثم تحولت إلى عملٍ واقعي، ومن هنا يبدأ التغيير، ولو تأملنا إلى الآية الأخرى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة:277] فهناك تغيير يبدأ من النفس، يبدأ فعلاً إذا أحسسنا بظلام هذا الواقع، وفساد الواقع، أو أن الواقع يصل إلى درجة عشرة أو عشرين بالمائة، ونحن نحتاج إلى رفعه إلى مستويات أعلى، حتى نكون على مستوى المواجهة مع الأمة، فإنه يبدأ بالتغيير في النفس، ولو أخذنا مثالاً بسيطاً، هذا الرجل الصحابي الذي قال الرسول صلى الله عليه وسلم عنه: {يطلع عليكم رجل من أهل الجنة} وتعرفون قصته.. قصة ابن عمر معه، ولما رآه قال له: لماذا؟ قال: إني إذا قمت -تعار بالليل- إذا انتبه ذكر الله، وليس في قلبه حقد لمسلم..

    أنا أسألك، لو كل واحد منكم مر عليه هذا الأمر، أيٌّ شخص منكم مر عليه قضية من القضايا أشغلت باله، سواء كانت في بيته، في سوقه، في عمله، في سيارته، أثناء هذه الحادثة إذا أتيت تتوضأ خطرت لك، إذا أتيت تنام خطرت، إذا انتبهت في الليل خطرت، أول ما تبادر هي، إذاً هذا الرجل الذي كان تفكيره في الله، استحق هذه المرتبة، إذا استطعنا أن ننقل قضايا الأمة وقضايا التغيير في المجتمع، وقضايا التغيير في أنفسنا إلى هذا الهم، والأمثلة كثيرة على ذلك في تاريخنا الإسلامي سواء من الفقهاء الذين كان الواحد منهم يسهر الليل ليفكر في مسألة، لو كان الواحد منا أمْر المسلمين يشغل باله، ويفكر به في نومه، إذا كان عندك مشكلة تجد فعلاً قد سيطرت على تفكيرك وخيالك سيطرة تامة، بحيث إذا انتبهت في الليل، أول ما يبين أمامك هذه المشكلة، ولو استطعت أن تنقل الواقع الذي تعيشه إلى هذا الهم لاستطعت أن تغير أو بدأت تغير، بحيث أن الذي يحس بالمشلكة يبدأ يغير منها، أما الذي لا يحس بها، يحس أن الأمر يعني غيره دائماً، لا يمكن أن يغير، إذا سمع ناصحاً ينصح عن أي قضية، مذكراً يذكر أي قضية، اعتبر من النصح للآخرين، وليس له، لا يمكن أن يغير، لكن لِمَ لا يتهم نفسه دائماً؟ وأنه هو المقصود بالدرجة الأولى، ليفتش عن نفسه، ويطمئن، هل هذا التقصير عنده أو لا؟ إذا كان غير موجود فأيضاً هو مقصر من جانب آخر، أنه لم ينه عنه، هذا تقصير موجود في المجتمع، وهذا تقصير بحد ذاته، فيبدأ يغير نفسه، ثم يغير من مجتمعه.

    ولا شك أن هذه الآية منطلق نفسي عظيم، منطلق اجتماعي كبير للتغيير، لأنك إذا غيرت ما في نفسك، تستطيع أن تغير ما بنفوس الآخرين، ويتأكد الآخرون أنك مستعدُُ للتغيير، وأنك غيرت فعلاً، استطعت أن تتغلب على أي عارض أمامك، وغيرت، وإن الناس قد يتأثرون بشكلك.. بمظهرك فقط.. بأسلوبك.. بسلوكك.. كل هذا مظهر من مظاهر التغيير لأنك غيرت ما بنفسك، فتغير ما بواقعك.

    سير الخطط المرسومة

    السؤال: الناظر الآن في أحداث الخليج عموماً، وخصوصاً ممن لم يساير الأحداث، يتصور أن الأوراق قد اختلطت، وأن الخطط التي كانت مرسومة قد خرجت عما كان مراداً لها، فهل هذا واقع؟ أم أن الخطط التي كانت مرسومة لا زالت تسير كالمراد منها؟

    الجواب: دائماً أقول يجب أن نعطي الناس حجمهم المعقول، لا يكبر الناس في عيوننا حتى يغطوا على أفهامنا! مهما كبر الناس، ولو كانت أمريكا أو روسيا أو إسرائيل أو أي دولة كبيرة، يجب أن نعتبرهم أنهم بشر، ويخططون ويكيدون ويفشلون أيضاً، لا نكبر الناس فنصغر أنفسنا ونصغر إمكانياتنا، فهنا يبيض الشيطان ويفرّخ! لا.. يرسمون ويخططون، ويفاجؤون بأشياء كثيرة ما كانت لهم في حساب، ويغيرون خططهم بناءً على هذه الأشياء التي فوجئوا بها، بل إن الغالب أنهم بسبب التجربة التي أخذوها، عادوا الآن لا يرسمون أشياء تفصيلية دقيقة، من إلى، لا،بل يأتون باحتمالات كثيرة، عندهم عشرة احتمالات، كلها من الممكن أن تقع، وكل احتمال منها قد يضعون له ما يكافئه وما يواجهه، وأحياناً تختلط الأوراق فعلاً، مثل الشخص إذا كان في غابة سحرية كما يقولون، كلما نظر إلى شجرة انتقلت من مكانها إلى مكانٍ آخر، فأصبحت الدنيا تدور بأسرها، إن من أهداف اليهود ووسائلهم، أن يعملوا على شبك القضايا الدولية بأطراف عديدة، وجعلها غامضة، بحيث يعجز الناس عن فتح رموزها وحل أسرارها، حتى يعرض الناس بعد ذلك عن النظر والتحليل في هذه القضايا، ويسلموا الأمر إليهم، لكن على العاقل وإن عجز عن حل التفاصيل، وربط الأمور بعضها ببعض، أن يكون عنده ثوابت لا تقبل التغيرات، والثوابت هذه حتى في القرآن الكريم والسنة النبوية موجودة، وما يعقلها إلا العالم.

    استخدام أساليب الأعداء

    السؤال: لقد قلت عفا الله عنك لا بد أن يواجه الأعداء بنفس أساليبهم، فكيف إذا كان أسلوبهم هذا لا يرضي الله ورسوله، وفيه من المفاسد ما الله به عليم، مثل اللعب في الأندية وغيرها؟

    الجواب: حين نقول: أساليب الأعداء، لا نعني نفس الأسلوب بالتفصيل، لكن نقصد جوهر الأسلوب، مثلاً الأعداء اليوم في الإعلام يخاطبون الإنسان بأمور مثيرة مشوقة، نفسية الإنسان وطبيعته ترغب في هذه الأشياء، مثلاً: الطفل يرغب في أشياء كثيرة بحكم طفولته، الشاب يرغب في أشياء كثيرة، في طريقة التنوير، وفي الإثارة، وفي الجاذبية، وفي طريقة الخطاب، وفي طريقة الحوار، وفي أشياء كثيرة، فلا مانع أن نستغل هذا الاسلوب بالدعوة إلى الله عزوجل، وليس بالضروري أن استغله بالأشياء التي أستغله بها العدو من أمور محرمة، كنشر الصور المحرمة مثلاً، أو الكلام الحرام، أو البذاءة أو ما شابه ذلك، لأن هذا يخاطب غيره في الإسلام، لا، أنا استغل مثلاً حب الاستطلاع الموجود عند الإنسان، استغله في إثارة شوقه إلى معرفة أمور، ثم أعرفه بقضايا شرعية مثلاً، قل مثل ذلك بالنسبة لوسائل الأندية، الأعداء يقيمونها في كل مكان، للإفساد والاصطياد ونشر الرذيلة، وغير ذلك، لكن ما الذي يمنع من فكرة إقامة النوادي العلمية والثقافية، والنوادي الأخرى التي يكون من ورائها جمع الشباب، ولا مانع أن تكون في أمور مباحة تدعو الشباب وتناسب طبائعهم، والفترة الزمنية التي يعيشونها، ومع ذلك يضاف إلى ذلك أن تربي الأخلاق والفضيلة والمعاني النبيلة في نفوسهم، أما إذا استخدم العدو وسيلة محرمة في جميع الظروف، لا شك أن المسلم، لا يسئ، ولا يتوصل إلى طاعة الله بمعصيته، [[إن ما عند الله لا ينال بمعصيته]] كما قال عمر رضي الله عنه، نحن متعبدون بالغايات والوسائل، يجب أن تكون غايتنا شرعية، ووسيلتنا أيضاً شرعية، فلا يمكن أن نستخدم أسلوباً أو أمراً محرماً، لنصل إلى أمرٍ شرعي أو مباح، أبداً بل نصل للذين نريد بأساليبنا الشرعية المباحة ووسائلنا المتاحة أيضاً، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولن يكلف إلا ما نطيقه، لكن عندما نقول مثلاً: إن من الأساليب الحديثة التي بدأت تستخدم أسلوب الضغط الجماهيري لأي أمر، أي أمر يريدونه يعملون له تمهيداً جماهيرياً، ضغطاً جماهيرياً، بحيث أن الناس إذا جاء هذا الأمر قبلوه، الشاهد أنه أسلوب من الأساليب، لم تحرم الدعوة من هذا الأسلوب؟

    ينبغي أن لا نكون نحن عاطفيين: إذا أردنا شيئاً اليوم حققناه، وإلا تنازلنا عنه، -مثال بسيط- حين تذهب إلى قرية وتتكلم فيها كلمة عن أي أمر أو أي منكر من المنكرات الظاهرة، لا تتصور أن يزول هذا المنكر بتلك الكلمة، لكن هذه الكلمة هي من أساليب الضغط الجماهيرية التي تجعل توطئة لما يأتي بعدها، وحين ننبه في مدرسة عن منكر، هذا يتكلم، وهذا يقول، وهذا يرد، فبعد فترة نرى أن الجمهور جميعاً يغضب على صاحب المنكر ويصبح مستقبحاً من كافة الطبقات، ليس من طبقة واحدة، بل من الكبار والصغار والمسئولين، وغير المسئولين، والنساء، وغير ذلك! المهم هذا الأسلوب الذي تعمله المجتمع كله غير راضٍ عنك، غير مقتنعٍ، وهذا أسلوب ضغط جماهيري، يجب أن يكون من أعمال الدعوة الموجودة، وقد استخدمها الأعداء، الأعداء إذا أرادو شيئاً، بكل وسائلهم، أقاموا ضغطاً، فحين يريدون عمل شيء، يأتون بكل أسلوب ضغطي لا يتصور، فستجد هذه الإذاعة تتكلم، وهذه الصحيفة، وهذا وهذا، حتى أنك تشعر أنه فعلاً وصلك المدد، ما بقي شيء، نحن بحاجة لاستخدام هذا الأسلوب، دع الطرف الآخر، كيد الضعيف مع هذا الضعف يجعلنا نتكلم بقوة حتى ما يفكر بالكيد مرة ثانية، وبهذا نستطيع أن نستخدم، هذا الذي نريده، أيضاً ممكن نستفيد من أصل، فكرة النادي نحن لا نجلب الناس بالكرة مثلاً، لكن المهم أننا عرفنا أن الشاب يميل إلى التجمع يحتاج إلى حب أشياء معينة من التغيير والتسلية، لماذا نجعل الوقت كله جاد، إذاً نحن بحاجة إلى المزيد من الأسلوب، نحن بحاجة لمعرفة أساليبهم، دراسة المنطقة دراسة علمية، لماذا لم ينفع هذا الأسلوب؟

    جرب أسلوباً آخر، مثلاً في مصر نجح، جاءوا إلى السعودية جربوه أو إلى أي مكان لم ينجح، لماذا؟ جلسوا يدرسون المنطقة، ما هي العوائق التي أعاقتهم؟ نأتي نحن نطبق نفس الأسلوب، جربت هذا الأسلوب في مدينة من المدن، حتى في مدينة من مدن الدولة الواحدة، لم ينجح هنا، نجح في المدينة تنقل التجربة ربما لا ينجح، لماذا؟ هناك سر، إذاً لا بد أن ندرس المنطقة واهتماماتها، احتياجاتها، رغباتها، حتى نصل بدعوتنا، كما قال شيخ الإسلام: إذا عرف مقصود الشرع، توصل إليه بأقصر الوسائل، أو كما قال.

    الانفصال بين الشعوب وحكامها

    السؤال: ما مدى صحة هذه المقولة: إن حكومة أمريكا إذا دخلت حرباً دخل معها شعبها، أما كثيرٌ من الحكومات في العالم الثالث، فإن الحكومة لا تمثل إلا السياسة، أما الشعب فبعيدُُ عن رغباتها، ولذلك فهي إذا دخلت حرباً فلن تكون بقوة وشراسة الحرب التي يدخلها كلٌ من أمريكا أو بريطانيا؟

    الجواب: القضية هذه صحيحة، إذا أردتم تفصيلاً، فإن الله قد ذكر أمر المؤمنين بأنه أمرُُ شوري، وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38] وقال: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران:159] هذه الديمقراطيات الموجودة في بريطانيا وأمريكا جعلت أن أي قرار لا يخرج إلا وقد نقد ومحص وظهر، المهم أنه القوي الذي استطاع بأساليبها الدعائية، أو أي شكل، أن يفرض هذا القرار، سواء كان هذا القرار، بحد ذاته، صالحاً أم طالحاً، لكن الشعب، كله يحس أن الأغلبية مع هذا القرار، أياً كان اتخاذ هذا القرار، ومن هذا قرارات الحرب، فإذا دخلت في حربٍ دخلتها ومعها أغلبية كاسحة من الشعب، تؤيد هذه الحرب، ولذا أصبحت كما يقول هذا القائل: إنها حربُُ للحكومة والشعب معاً، لأن الحكومة أصلاً انتخبت، أما في دول العالم الثالث، فهذا لا يكون، لأن الحاكم إما متغلب عليهم بالسيف، أو جاءت الدولة من وراء الستار، من الدول الكبرى ونصبت، أو حزب استغل الظروف وعمل ثورة، هذه حكومات العالم الثالث مع الأسف الشديد، لأن المسلمين ضاع أمرهم، ذهب أهل الحل والعقد الذين يدرسون في الفقه، فأصبح الحاكم لا يمثل الشعب، الحاكم يعيش في وادي مصالحه، هو ومصالح طبقته أياً كانت هذه الطبقة، أسرية، أو طبقة حزبية، أو أي طبقة أخرى، المهم يعيش بطبقة معينة، أو أصحاب رءوس الأموال وهكذا، فهو لا يمثل الشعب، ولذا إذا دخل حرباً، رغم أن الحرب تأتي على الجميع، إن انتصر له ولشعبه، وإن هزم أول من يذهب أيضاً شعبه، إذ يُنهبون مع الناهبين، لأنهم أصلاً غير مؤيدين لهذا، وأصلاً ما أخذ رأيهم حتى يعرف هل هم مؤيدون أم معارضون، وهذا تفصيل لكلام القائل، عن الحكومة الأمريكية والبريطانية، وغيرها من حكومات العالم الثالث.

    الفردية في اتخاذ القرار

    السؤال: هل معنى هذا أنها "أمريكا وبريطانيا" حكومات شرعية؟

    الإجابة للشيخ سلمان أيضاً:

    الجواب: ليس المقصود أنها شرعية، ليست شرعية على كل حال، حتى نضع المصطلحات في نصابها، هي ليست شرعية، لكن المقصود أنها تمت بطريقةٍ طبيعية ومألوفة وسليمة، وكما يعبرون هم عنها طريقة ديمقراطية، الأمم في أزمنة ضعفها، يصبح الفرد عندها كل شيء، -مثلاً- خذ أقرب مثال يتحدث عنه الناس الآن، قضية صدام واجتياح الكويت، بغض النظر عن كل الخلفيات، هل هذا القرار فردي، أم هو قرار أمة؟ لا شك أنه قرار فردي، ولو صار قرار آخر بالانسحاب من الكويت، من الذي يتخذ هذا القرار؟ هو قرار واحد، إذاً ليست القضية قضية صدام.. صدام يذهب ويجيء، وصدام رمز، وهو أهون عند الله عز وجل وأقل شأناً من أن يكون له هذا الزخم وهذا التأثير الهائل، لكن القضية قضية أنه عرين الأسد، والعرين الذي لا يخلو من العظام، لأن القضية أن الداء الموجود يمكن أن يخرج لنا آلافاً، من جنس هذا الإنسان الذي يتخذ قرارً يجر الأمة كلها وراءه إلى الهاوية، لماذا؟ لأن الأمر منه بدأ وإليه ينتهي.

    الإنكار للمنكر بالتواصل مع صاحبه

    السؤال: ذكرتم في شريط فقه إنكار المنكر، أنه إذا أعلن شيء يغضب الله ورسوله، فإنه يجب على طلبة العلم، أن يتصلوا على من أعلن ذلك، بأن ينصحوه، وينكروا عليه، فهذا طيب، ولكن يا شيخ قد يكون هناك أمرُُ منكر من جهة رسمية، وأعلنت إحدى الصحف، فهل من الحكمة، أن يتصل إلى تلك الصحيفة، وينكر عليها، وقد يترتب على ذلك مآسٍ؟

    الجواب: على كل حال، ليس المعنى أن تتصل بالصحيفة إذا نشرت الخبر، لا،بل يمكن أن نقول الحمد لله أن الأمر ظهر، بحيث يمكن إنكاره، فيُتصل حينئذٍ بالمصدر، الذي كان سبباً في ظهور هذا المنكر، يتصل فيه، ويخوف بالله عز وجل، ويذكر بأنه أمين على جماعة المسلمين وأعراضهم وأموالهم وأخلاقهم، ويجب أن يكون حفيظاً لهذه الأمانة.

    وبالمناسبة أيها الأحبة، كلمة أرى أنها مهمة، وهي المقارنة مع عدونا، يفعل الكثير، ويقنع باليسير، ونحن نعمل شيئاً يسيراً ونريد نتائج عظيمة! هذا من انتكاسنا في الواقع، النصارى يبذلون جهوداً جبارةً، ويرسلون مئات الآلاف من المنصرين في كل مكان، ويعقدون المؤتمرات، وينشئون الإذاعات والمستشفيات، والمدارس، والمؤسسات والصحف، والجمعيات، ولهم عمل جبار يتعجب منه الإنسان، ثم يقنعون أحياناً بأن يتنصر واحد، أو يرتد واحد، أو ما أشبه ذلك ويعتبرون هذه نتيجة ومؤشر ليبشر بعضهم بعضاً، يفعلون الكثير، ويقنعون بنتيجة يسيرة، أما نحن الآن نفعل القليل، ثم نريد نتائج كبيرة، فأريد مثلاً بمجرد اتصال، الإتصال كلفني دقيقتين، وبالنسبة للمبلغ المالي يمكن عشرة ريالات قيمة الإتصال، لكنني أريد في مقابل عشرة ريالات بذلتها، ودقيقتين من وقتي غير الثمين، ولا مؤاحذة أريد أن تكون النتيجة عاجلة، هي القضاء على هذا المنكر وزواله، وإذا لم يحصل صار عندي إحباط، والمرة الثانية إذا قال لي واحد: اتصل أو اكتب أو تكلم أو أنكر، قلت: لا توجد فائدة فقد فعلنا، لا بل افعل وافعل، وكرر واستمر، وهذا طريقك، ولو لم يحصل شيء إلا براءة ذمتك، وأن تلقى الله عز وجل، وقد أخليت ساحتك من المسئولية، في هذا الأمر: قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخي [المائدة:25].

    الغيرة على الدين

    السؤال: يكثر الحديث عن الغيرة على الإسلام، وكثيراً ما يخطر في بالي ذلك، والمطلوب ما هي الطريقة الصحيحة لتنمية شعور الغيرة على الإسلام، خاصةً وأن الإنسان في مرحلة الطلب، وقد يكون التفكيرُ الكثير في ذلك عائقُُ عن ذلك، فجزاك الله خيراً؟

    الجواب: جميل وجود هذا الشعور، وينمى فيما أنت متجه إليه، فمثلاً: شاب في مرحلة الطلب، الأمة أحوج ما تكون اليوم إلى العلماء، ولا ننظر إلى الأمة في قطر من الأقطار، بل في مجموعها، هي بحاجة إلى العلماء، أقل شيء موجود عندها هم العلماء، فهي بحاجة إليهم، أنت في مرحلة الطلب، اشحذ هذه الهمة، وهذه الغيرة على الإسلام، أن تكون عالماً، أن تكوّن من نفسك ذلك العالم الذي يحل مشاكل الأمم، لأن العلم موجود من حيث الكتب، لكن إنما فقد العلم بموت العلماء، أنت إذا وجد عندك هذا الشعور، نَمِّ هذا الشعورَ تنميةً قوية، لتكن ذلك الرجل! لا تقل أين الأمة؟ قل أنا ذلك الرجل، أنا واحد من الذين سيغيرون مسار الأمة واتجاهها، تصور نفسك أعلى واحد موجود في الأمة، وابذل لتصل إلى هذه المنـزلة، سواءً وصلت إليها، أو تصل إلى أعلى منـزله ممكن أن يصل إليها مثلك، ووجود الغيرة، هذا هو أهم الدوافع، إذا كان عندك غيرة فعلاً، فلماذا تنام وتترك طلب العلم؟ وتترك مدارسة المسائل؟ لما لا تحفظ هذه المسائل، وتجد فيها، وتجد في طلب العلم، حتى تدرك ما أدركه غيرك في عشر سنوات، تدركه أنت في خمس وتصرف الخمس الباقية في عملٍ أكثر ثمرة، ثم إن هذا لا يردك عن عمل شيء مثمر للأمة، ولو كان بسيطاً، الفكرة البسيطة لتغيير المنكر الذي أمامك، والرسول ربطه بالرؤية، {من رأى منكم منكراً فليغيره بيده} هذا لديه منكر وهو في طريقك وأنت ذاهب إلى طلب العلم، وأنت راجع منه، فلم لا تنكر، لا تعش أحلام اليقظة، وتتصور أنك لم تصل بعد إلى منـزلة التغيير والإنكار، أنت في هذا الطريق، قد لا تذهب إلى أماكن أخرى يوجد فيها منكرات، لكن في طريقك أيضاً لا تكون سلبياً، في بيتك، في مدرستك، في الأشياء التي تمر بها، ونم هذه الغيرة بما أنت فيه خصوصاً إذا كان طلب علم، فإنه مما يفرغ له الوقت، وتستثمر فيها الجهود، ويستثمر فيه هذا الشباب.

    الإعداد العقدي والعسكري

    السؤال: الكرة ستكون علينا من هذه القوات، فإن كان كذلك، فكيف الإعداد العقدي والعسكري للشباب؟

    الجواب: الأمة دائماً في حالة حرب، المسلمون، هذا شأنهم، نحن ندالُ عليهم، ويدالون علينا، والحرب بيننا وبين الكفار سجال، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، سواء الكفار من الكفار الأصليين، كاليهود والنصارى والمشركين وغيرهم، أم الكفار الذين كفرهم طارئ من أبناء بلدتنا، الذين يتكلمون بلغتنا وهم أعدى من الجرب.

    والمدعون هو الإسلام سيفهمُ     مع الأعادي على أبنائه النجب

    يخادعون به أو يتقون به     وما له منهم رفد سوى الخُطب

    إن العروبة ثوبُُ يخدعون به     وهم يرومون طعن الدين والعرب

    فهذا الطابور الخامس من المرتدين أخطر علينا من أعدائنا الأصليين، لأنهم يحملون لافتات إسلامية، وأسماء إسلامية، وقد يلبس الواحد منهم ثوباً فضفاضاً وغترةً مكوية وطاقيةً بيضاء، ويلبس لباسنا، ويحمل أسماءنا، ومنا ومن بلدٍ عربي ومع ذلك يحمل فكراً دخيلاً، فهو طابور خامس لأعداء الإسلام!!.

    فنحن في حالة حرب سجال، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، لا تزال هذه الأمة تقاتل، حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال، إذاً الإعداد همُُ دائم، ينبغي أن يكون هماً دائماً في كافة ألوانه وصوره وأشكاله، سواء الإعداد التربوي بالعلم، بالعمل، بالعبادة، بالفهم، بالوعي، بجمع الكلمة، بنـزع الخوف من القلوب، بالتدريب، بكافة الوسائل.

    الولاء والبراء

    السؤال: في خضم الأحداث الجديدة، فإن الكثير من الناس، اختلطت عليه قضية الولاء والبراء من يوالي ومن يعادي، فهل هناك من كلمة توجيهية، حول هذا الموضوع؟

    الجواب: هذا الموضوع -من المواضيع- التي يجب ألا تختلط فيها الأوراق، لأنه من مواضيع العقيدة، الولاء لله ولكتابه ولرسوله وللمؤمنين، دائماً، وبالذات أعمال القلوب هذه ليس فيها جدال ولا مواربة، ولا فيها مرحلية، ولا فيها ما نستطيع، قد يأتي رجل إلى امرأة ويغتصبها، لكنه لا يستطيع أن يصل إلى قلبها أبداً إذا كانت كارهة، أي أن هذا الأمر لا يقبل جدالاً، ولا يقبل نقاشاً، ولا يقبل تنازلاً، ولا يقبل مهادنة، وهو الكره القلبي، الكره للكافر بكفره، والفاسق بفسقه، والفاجر بفجوره، والحب للمؤمنين، ولكتاب الله، ولرسوله، ولسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، هذه يجب ألا تختلف الأوراق فيها أبداً، يجب ألا تغيب هذه القضية في لحظة من لحظات الإنسان، من لحظة رشده إلى وفاته، أبداً لا تتغير في يوم من الأيام، الذي يتغير طريقة التعامل، الذي يتغير طريقة النصرة للمسلمين، كيف تكون؟ نصرة لسان، أو نصرة سنان، كذلك الأعداء الكفار، أما بُغْضهمْ، فهذا لا يتغير أبداً، يجب أن يكون بُغضهم من الأشياء التي نتعاهد بها قلوبنا، حب المؤمنين وبغض الكافرين، ما ينفك عنا أبداً، لكن الواقع العملي هو الذي قد يتغير بسبب المصالح والمفاسد، بمعنى لو أن واحداً ممن يبغض الكفار، يأخذ رشاشاً ويضرب به بعضاً من اليهود والنصارى، قد يُضرب بسبب هذه الضربة ألوف، وهو قد يقدر المصلحة، فيتركها إذا كانت الضربة أكثر منها، لكن أعمال القلوب، ليس فيها أي تنازل، يجب أن يكون البغض قائم دائماً للكفار، بكافة أشكاله ونحله، وللكفر أيضاً، وللفسق، دائماً قلوبنا يجب ألا تتنازل أو تضعف عن هذا الشيء، ولكن الأشياء العملية، هي التي يكون فيها الجوانب المرحلية، تقدير قوتك، وضعفك، وآثار المنكر، وتغيير الأثر المترتب عليك، هذا الفقه في هذا، أما الأول فما يحتاج إلى نقاش أو جدال، يجب أن يكون مستقراً لدى كل مسلم وكل مؤمن، أن هذه قضية أساسية، وقضية من قضايا دينه، من رأى منكم منهم أحداً فليقل: كفرنا بكم وبدى بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا، هذا الذي يجب أن يكون دائماً هو السائد، الذي يختلف في وجهات النظر، هو طريقة التعامل، أو طريقة الإنكار، أما الأول فلا يختلف.

    مجابهة البث التلفزيوني الهابط

    السؤال: يقول لنا القادمون من المنطقة الشرقية بأن هناك محطات بث تلفزيوني تغطي المنطقة، تبث الأفلام الجنسية الخالصة، وهي محطة تلفزيون أرامكو، ومحطة تلفزيون تبث للقوات الأجنبية، ومحطة تبث من دبي، ما الموقف من ذلك، وكيف درء هذا الخطر بالنسبة للقاطنين في المنطقة الشرقية؟

    الجواب: هذا يؤكد لكم أيها الإخوة ما ذكرته أثناء المحاضرة أو الندوة أن الحرب الآن علنية، ففي الماضي. ممكن شريط الفيديو الجنسي، أو رقص أو كذا يسرب بين الشباب ويتناقلونه سراً، ويعاقب عليه النظام، لكن اليوم لا تستبعد مثل هذه الأخبار سواء صحت أو لم تصح، ستصح غداً، ولذلك هناك يأتي دورنا -دور المواجهة- ليست القضية قضية شريط يحارب بطريقة أو بأخرى، لا،القضية أكبر من ذلك، ولهذا نحن علينا مسؤليات كبيرة، كل إنسان يحاسب نفسه، عليك مسئولية حماية نفسك وبيتك، هذا واجب، حماية من تستطيع، توعية الناس، القيام بدورك في مجالك، افترض، أنك إمام مسجد، خطيب، واعظ، داعية، مدرس، من خلال عملك تقوم بجهد في هذا المضمار، حديث في هذه القضية، كلام عن خطورتها، تنتقل إلى مدى أوسع وأبعد من ذلك، أنت داعية، مهتم، ننتقل إلى النقطة ماهي البدائل؟ هل فعلاً سوف يغزونا العدو بهذه الطريقة؟ ونحن لا نـزال نتجادل في جدوى مشاركة أجهزة الإعلام، لا،هنا ينبعث كوكبة من الدعاة ينذرون أنفسهم لهذا الميدان، يستخدمون السلاح ليردوه في صدر العدو، لو كنا أمة قوية، حتى البث المباشر، نستغله للإسلام، لأنهم معهم من يؤجرون محطة، أو قناة تبث وسائل دعوة، تبث تعريفاً بالإسلام، وهذا وجد عند بعض الشباب في أمريكا، قد يستأجرون ساعة مثلاً، يبثون فيها برامج إسلامية، الناس يأتون بغاية الشوق واللهفة يتساءلون عن الإسلام الذي سمعوا عنه وعنه..الخ.

    هذه أمور قد تكون ليست الآن قريبة، لكن يجب أن تكون من ضمن اهتماماتنا وأفكارنا في المستقبل القريب.

    تحرير المرأة

    السؤال: هل سمعتم ما حصل في مدينة الرياض يوم الثلاثاء من احتجاج على رفع الحجاب، وإذا سمعتم فما هو تعليقكم على هذه القضية الخطرة، وتعرفون كيف بدأ الحجاب في مصر، كما حصل في الرياض؟

    الجواب: هذا السؤال مكون من فقرتين، يقول هل سمعتم هذا أولاً، الثاني إذا سمعتم، فما هو تعليقكم؟ أنا أجيب على الفقرة الأولى هل سمعتم؟ أقول نعم.. وأترك الفقرة الثانية إلى الشيخ محمد أقول: نعم سمعنا، وأقول لكم: اتخذنا ما نراه مناسباً، لكن ماهو دروكم فالموضوع فعلاً بحاجة أن تتضافر عليه جميع الجهود لثلاثة أمور: لوقف هذا الشر، ولوقف شرٌ منه، وللبراءة أمام الله وأمام أنفسنا، أمس يمكن أن يتحدث أحد الإخوان، أو أحد المشائخ، أو أحد طلبة العلم، عن القضية وخطورتها، فيقول لك أبداً، أنت تقول أموراً ما تحتمل، وأنت نظرتك متشائمة للواقع، تقول هذا الواقع، بكل ثقله غداً تخرج فتجد واحدة ليس اسمها هدى الشعراوي؟ لا اسمها من بناتنا، لها اسم وقبيلة وعائلة وقد يكون عمها شيخ، أو له تاريخ عريق، وبيت علم، وطلبة علم، هذه مصيبة، فإذا نحن لم نقف وقفة جادة فعلاً بكافة اتجاهاتها، المدرس في مدرسته، وصاحب السوق في سوقه، والخطيب في خطبته، وهذا على صعيد التبيين للناس بما حدث، وأن هذا منذر سوء وخطر، كذلك نحن بحاجة إلى مكاتبة المسئولين بكافة قطاعاتهم، وكافة تخصصاتهم، لأنه كل تخصص عندهم من هذا شيء، يعني كل وزارة فيها قسم نسائي، وغداً قد تفتح لنا أبوابها الحمر، فكل إنسان يجب أن يسأل نفسه ماذا قدم لما حدث؟ قبل أن تختلط علينا الأوراق فعلاً، هذا أمر في بدايته، قبل أن نقول بعد فترة: إن الأوراق اختلطت ولا ندري من أين نبدأ.

    حقيقة ما ذكره الشيخ محمد فيه كفاية في التعليق على مثل هذا الحدث، وعلى كل حال، أنا أعتبر أن هذا طرف السكين، الأمر الذي جرى طرف السكين، ويجب أن ندرك أن هذا قد يكون لنا اختبار، لأن هناك قوة تعمل في الظلام، والآن جاء دور العلنية، كما تحدثنا في المحاضرة، علانية الصراع والمواجهة، فأروا الله تعالى من أنفسكم قوة وشجاعة في مواجهة هذه الأمور بحزم، لأن هذا جزء من كل، وقد أصبحت الأمور تنبعث علينا من كل جهة.

    تكاثرت الظباء على خراشٍ     فما يدري خراشٌ ما يصيدُ

    لكنَّ خراشاً يجب أن يستغيث بالله عز وجل، ثم بمجموعة من أبناء قبيلته، ويكون كل واحد منهم معه بندقية يصيد ما يستطيع من الظباء، بحيث يواجه خراش هذه الظباء المتكاثرة، يواجهها بقوة مكافئة، يجب أن يشتغل الجميع، يعمل الجميع، ولا تكن القضية قضية (ما تعليقكم) (وما دوركم)؟ وإلا ماذا فعل ابن باز؟ وإلا ماذا فعل فلان أو علان، كل واحد منا يجب أن يكون هو ابن باز، بقدر ما يستطيع، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، أنت حدد لنفسك أولاً ما هو الدور الذي تستطيع أن تفعله؟ دعونا يا إخواني من التلاوم.

    دعونا نفكر تفكيراً واقعياً هات ورقة صغيرة مربعة وقلم، واكتب بالضبط، ما هو الدور الذي سوف تستطيع عليه أنت بارك الله فيك؟ ماذا تستطيع؟ حدد لنا، ما أعتقد أنكم سوف تقولون: لا أستطيع شيئاً، إن كنت رجلاً، فلن تقول هذا، حتى لو كنت امرأة، المرأة تستطيع أن تصنع الكثير، وكما سلف، إذاً، حدد لنا بالضبط ما هو الدور الذي تستطيعه؟

    رسالة خطية، خطاب، اتصال هاتفي، كلمة، موعظة، نصيحة، خطبة، توعية، دعوة، ولو بكلمة طيبة، فإذا حددت حبراً على الورق انطلق بالتطبيق على الواقع، ما جرى في الرياض، وما جرى في غير الرياض، وما سيجري في الرياض، وفي غير الرياض، سوف يتحطم على صخرة الإصرار الإسلامي، على أن نظل محافظين على الإسلام عقيدةً وسلوكاً وعملاً، وأن يكون الإسلام شعارنا وظاهرنا وباطننا وسرنا وعلانيتنا، وأن لا نرضى بغير الإسلام ديناً لا في مجال السياسة، ولا في مجال الاقتصاد، ولا في مجال العلاقات الاجتماعية، ولا في أي مجالٍ من المجالات.

    ضياع الوقت في المخيمات

    السؤال: حياً الله ضيوفاً حلوا بأرض المخيم، بعض الشباب حينما علموا أن هذا المخيم لا يجتمع إلا على النشاط الرياضي والثقافي كأنهم رفضوا الاشتراك فيه، وبعض الشباب يبتعدون عن مثل هذه المخيمات وتجمع الشباب، لما فيهما من بعض إضاعة الوقت، فما رد فضيلتكم على هذين الصنفين من الشباب؟

    الجواب: الوقت لا يضيع في مثل هذه المخيمات، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلاعب أهله، يلاعب الأولاد، يلاعب الصبيان، وإذا جاء الإنسان هنا، فإن هذا ليس من إضاعة الوقت، لأنه قد يكون هو متشبع بفكرة، وإذا جاء اختلف، قد يكون عنده خلق "ما يستطيع أن يعايش الآخرين" فإذا جاء تهذب.. وهكذا، فمثل هذه الاجتماعات وهذه اللقاءات أقول: إنها زاد قد تصل أحياناً إلى أن تكون زاداً شهرياً، يعني دفعة لشهر كامل للشاب، حتى وإن كان عالماً، أو طالب علم كبير، يحس حين يأتي ويرى الناس سواء كانوا سامعين له، أو سامعاً لهم ولأفكارهم، وتصوراتهم، وتطلعاتهم، فإنه يندفع اندفاعاً عجيباً، لا يعرف إلا من جرب هذا، هذا الجانب الثاني، الجانب الأول: مثل ما أشرنا في استخدام الوسائل، فلا مانع أبداً من استخدام أي وسيلة مناسبة للترويح عن النفس، ولئلا يكون هذا المخيم، يغلب عليه طابع معين من الركود والجلوس، فإذا كان الواحد منا قد تعلم من خلال فترة طويلة، من اللقاءات والحلق، وغيرها، على أنه مستعد ساعتين، أو ثلاث ساعات يستمع، فإن غيره، لا يستطيع أن يجلس ولو نصف ساعة، ليستمع إلى كلام جاد، ولا بد من مراعاة ظروفهم، والتوسط مطلوب دائماً ونحن أمة وسط، لا إفراط في هذا الجانب، ولا تفريط في ذلك.

    دعوة المحاربين للدين

    السؤال: هل دعوة هؤلاء الصليبيين ومن معهم للإسلام واردة في هذه الظروف؟

    الجواب: نعم الدعوة واجبة، وأنا أقول للإخوة أن التتر جاءوا غازين لبلاد الإسلام، ومع ذلك، كما قال محمد إقبال:

    بغت أمم التتار فأدركتها     من الإيمان عاقبة الأماني

    فمنهم من أسلم، فهؤلاء القوم الآن وهم الصليبيون ومن معهم وإن كانوا الآن يعتبرون منتصرين وأقوياء ومتقدمين بالنسبة للمسلمين من ناحية الحضارة والعلم المادي، إلا أن هذا لا يمنع، إنهم فقراء وعطاش في مجال التغذية الروحية، والإيمان، والعلم، والخُلق، ولذلك هم يتطلعون إلى هذا الأمر، وعندهم قابلية للإسلام، وهذا أمرُُ معروف، ومن الميزات التي تميزهم أن عندهم استطلاع عجيب، ونهم غريب، لكننا لم نهتم له بالجهد في الواقع، إلا جهد مقل، وهو جهدُُ ضعيف، أستطيع أن أقول بكل اطمئنان: إن الذي يبذل حتى الآن هو جهود فردية محدودة لنشر الإسلام أو دعوتهم إليه، ولا تزال دون المستوى المطلوب.

    دور خطباء الجمعة

    السؤال: ما هو دور الخطباء خاصةً بعد أن كان العداء على الإسلام معلناً من جميع الأعداء، أقصد خطباء الجمعة، ما هو دورهم من على المنبر؟

    الجواب: إذا استطاع الخطباء أن يوحدوا اهتمامهم، وأن ينصرفوا إلى قضايا المجتمع الرئيسة، ويطلقوها جميعاً، لا أقصد في خطبة واحدة، وفي يوم واحد، لكن أن يحس الناس كلهم، أن كل الخطباء متضامنين مع هذا المجتمع، متفاعلين معه، يحسون بإحساساته، يعيشون له، وآلامه، وآماله، فإنهم حينئذٍ يستطيعون أن يؤثروا في هذا المجتمع، ويغيروا بالكلمة الطيبة، التغيير المطلوب، أما إذا بقيت المسألة على خطيبٍ في مدينة كذا، وخطيبٍ في مدينة كذا..الخ، فإنهم يعتبرون عند الناس، شتات، والمطلوب من الخطباء أن يتقوا الله، إنما شرعت هذه الخطبة في الجمعة لتوعية الناس، ولتبصيرهم في أمور دينهم ودنياهم، لا تضاع في كلام لا فائدة فيه، إما أن يكون تحت الأرض، أو فوق السماء، ودائماً يكون ترديده هذه مشكلة، والرسول صلى الله عليه وسلم، خطب بخطب، ولما جاء أبو بكر لم يعد خطب الرسول صلى الله عليه وسلم، بل خطب بخطب أخرى، ولما جاء عمر خطب بخطب أخرى تناسب الحياة والواقع، فاختلفت الصورة، فالذين يريدون اليوم من الخطيب أن يكون مقراءً يردد كلمات يقرأها من كتاب كذا أو من كتاب كذا، ولا يعيش لآلام الأمة وآمالها، هم يهمشون دوره، ويحجمون دوره، والمسكين الخطيب، ماذا يعمل في هذه السويعة؟ ربع ساعة أو نصف ساعة بالأسبوع، الإذاعة من جهة، والتلفزيون من جهة، والصحف من جهة، والإعلام الخارجي من جهة وبشكل مكثف طيلة الأسبوع الماضي، اطلعت على كتاب كذا، ما يدري الخطيب هل هو يصحح الأوضاع الفاسدة، أو يبدأ بطرح أشياء جديدة... وهكذا.

    فإن لم يكن الخطيب على مستوى الساعة ومستوى الأحداث، فإن هذه مصيبة من مصائب الأمة، وعلى الخطباء أن ينظروا في المسئولية التي حُمِّلت على أعناقهم، فكما يطالبون الآخرين بمسئولياتهم هم الآخرون مطالبون بمسئولياتهم أيضاً، فإن عليهم مسئولية تجاه المجتمع، المجتمع ائتمنك في هذا المكان لتقول الكلمة الصادقة، فإما أن تقول الكلمة الصادقة، وإما تتخلى عن هذا الموقع لمن يقول الكلمة الصادقة.

    أجهزة الفساد في البيوت

    السؤال: أرجو توجيه كلمة خاصة للشباب عن حقيقة الإعلام الفاسد الذي نواجهه أو قد يواجهنا؛ لأننا نجد كثيراً من الشباب الملتزم يوجد في بيته أجهزة الفساد، والبعض منهم يرى أنها لا تشكل خطراً على الفرد والأسرة؟

    الجواب: نعم الحقيقة هذه مشكلة، لأن بعض الشباب، يتكلمون عن غيرهم، وكأنهم هم غير مقصودين، مثل ما قرأت في بعض الكتب، يقول الشيخ محمد أمين المصري رحمه الله: كان هناك خطيب في الشام يتكلم عن قضية غلاء المهور ووجوب تخفيض المهور، وألا يغالي الناس في صداق النساء، يقول: فكان عنده بنت، فلما جاء زواجها، طلب مهراً عالياً وأسرف وبذخ وبالغ، فقيل له في ذلك، فهز رأسه وهز كتفيه منفعلاً، وقال: هل تريدون أن تكون بنتي أقل من بنات الناس؟!، أين كلامك بالأمس؟ أين ما كنت تقول بالأمس هذا حدث عملي واقعي، كلام الذي كنت تقوله! كلام الداعية تجد أنه ينتقد المجتمع، وينتقد القريب والصغير والعالم والحاكم، لكن لو تأتي إلى بيته تجد فيه أحياناً عشرات الأخطاء ولا من تصحيح، وربما لو قلت له في ذلك، قال: الزوجة قد تعترض، حسناً لماذا لا تفترض أنه والله حتى هذه المنكرات في الواقع ربما يكون سبب عدم تغييرها أنه هناك من يعترض.

    إذا كان في بيتك خمسة أفراد، ومع ذلك تأتي المعارضة، وتترك أشياء كثيرة من أجلهم، فما بالك بغيرك؟ هو أكثر عذراً بهذا!!

    طيب إذا نحن فتحنا هذا الباب معناه أن المنكرات تبقى بحجة أن الناس يطلبونها أو يريدونها! وهذا خطر كبير، لا أعتقد أن داعية يصدق أو يرضى به، هل سوف تصبح أيها الداعية، بواباً على شاشة التلفاز! تغلق وتفتح؟ إذا جاءت مادة فاسدة أغلقت، وإذا جاءت مادة صالحة فتحت من أجل الأطفال، هل سوف تترك عملك وذهابك وإيابك وصلاتك ودعوتك لتكون بواباً على التلفاز؟! هذا غير صحيح، إذاً معنى ذلك أنك سوف تهتم من أهل البيت، هل تربي أهل البيت؟ هذا السؤال أنت الذي سوف تجيب عليه، عندك نساء قد لا يكن تربين تربية سليمة، عندك صغار...، عندك شباب...، عندك مراهقون...، إذاً الحل هو أن تنظف بيتك من أجهزة الفساد.

    توسيع دائرة الأمر والنهي

    السؤال: ما رأيكم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الجماعي، كما هو موجود في الرياض؟

    الجواب: هذا أمرُُ طيب، ولكن مثل ما وجد في الرياض، ينبغي أن يتحمس له أهله من العلماء والقضاة، والدعاة الكبار ويكونون هم علية القوم فيه، فإن لم يكن كذلك، فأقول الوسائل الأخرى، بأشكال ثانية متاحة في أي مجال، مجالات كثيرة، سواء كانت في السوق، في المدارس، نستطيع أن ننظر في المجالات الأخرى، بغرض أن نعمل أذهاننا وتفكيرنا في كيف نـزيل هذا المنكر، ويصبح هذا المنكر مزالاً، عندئذ ستتفتق أفكارنا عن أشياء جديدة، قد تكون طبقت في جهة أخرى، وقد تكون لم تطبق، لأن السوق لو قام به مجموعة، وعملوا فيه أيضاً وفتحوا محلات، قاموا على عمل هذا خير قيام، أصبحوا هم يديرون السوق، ويتحكمون في السوق، ويستطيعون أن يجعلوا للسوق هيبة وهيلمان، لكن لم تكن له، لأنهم جزء من السوق وتجاره.. أما أن يكون الإنكار هذا مقصوراً على طلبة العلم فقط، هذا لا يكفي، مفروض أن المجتمع كله يتفاعل، ولكن طلبة العلم، يجب أن يوجهوا الجميع.

    محلات الفيديو

    السؤال: ما رأيكم في الأسلوب الأنجح بالنسبة لمحلات الفيديو؟

    الجواب: والله إغلاقها!! الأسلوب الأنجح هو إغلاقها، لأنها شر، اللهم أشرطة نادرة، وهي موجودة في غير هذه المحلات مثل المؤسسات الإسلامية، وينبغي مناصحة أهلها، ومخاطبة المسلمين بشأنها، ومراقبتهم من قبل الجهات المختصة، كل ذلك من الوسائل المفيدة.

    سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.