إسلام ويب

الثبات حتى المماتللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بيَّن الشيخ أصناف الناس في معرفة الحق والالتزام به، موضحاً معنى الردة وأنها ليست بالأمر الغريب بل إنها صاحبت دعوة الرسل وعانى منها أتباع الرسل، ثم تحدث عن أنواع الردة وفصل فيها.

    1.   

    أصناف الناس في معرفة الحق

    إن الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعـد:

    فيا أيها الأحبة -جميعاً-: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته:

    وإنني في مستهل هذه الكلمة أرحب بإخواني -جميعاً- الذين مشوا إلى هذا المكان المبارك، وأسأل الله تعالى أن يكتب لهم ذلك في ميزان حسناتهم، وأرحب بكم جميعاً وأشكركم على حرصكم على حضوري إلى هذا البلد الطيب، وإلحاحكم، وإن كنت لا أملك شيئاً كثيراً أقدمه لكم، ولكنني أجود بما أملك، ومن جاد بما يملك فإنه ما بخل.

    فإنني أشكركم كثيراً -أيها الأحبة- في هذا البلد الكريم، الحريص المضياف، وأسأل الله تعالى أن يجزيكم جميعاً خير الجزاء، ثم إنني أشكر -أيضاً- على وجه الخصوص أصحاب الفضيلة، والمشايخ، والعلماء، والدعاة، والقضاة، وأساتذة الجامعة الذين حضروا إلى هذا المكان... فجزاهم الله خيراً.

    أيها الأحبة هذه الليلة هي ليلة التاسع من رجب من سنة ألف وأربعمائة وثلاثة عشر للهجرة، وعنوان هذه المحاضرة هو: الثبات حتى الممات، وهذا هو جامع القرطبي في الخرج.

    إن الحديث عن موضوع الثبات لا يحتاج إلى مسوغ فإن الثبات على الحق لا يقل أهمية عن معرفة الحق ذاته، ولو تأملت أحوال الناس لوجدتهم أصنافاً شتى فهناك:

    الذين لا يعرفون الحق أصلاً

    الفئة الأولى من الناس: الذين لا يعرفون الحق أصلاً، وبالتالي لا يتبعونه، بل يتخبطون في دياجير الظلمات، كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها، ألا وهم: الضالون، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة7] ومثال ذلك النصارى الذين يعبدون الله تعالى على جهلٍ وضلال، فهذا هو الصنف الأول.

    الذين يعرفون الحق ولا يتبعونه

    الصنف الثاني: الذين يعرفون الحق معرفة ذهنية عقلية ومجردة، ولكنهم لا يتبعون الحق ولا يعملون به، وهؤلاء هم: المغضوب عليهم، كما قال الله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7].

    وقال: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ [المائدة:60].

    ومثال ذلك: اليهود، فإنهم يعلمون ولكنهم لا يعملون، وأيضاً: من ضل من أحبار هذه الأمة، ففيه شبه من هؤلاء.

    يعرفون الحق ويعملون به زماناً ثم ينحرفون

    الصنف الثالث: هم الذين يعرفون الحق، ويتبعونه، ويعملون به زماناً، ثم ينحرفون عنه، وهؤلاء هم الناكصون على أعقابهم، كالمرتدين على أعقابهم ردة كلية بمعنى الخروج من الإسلام؛ أو ردة جزئية تعني ترك بعض شعائر الإسلام وبعض شرائعه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم -في شأن أولئك الذين رآهم يوم القيامة، وقد أوشكوا على ورود حوضه، فلما قربوا منه أبعدوا عنه- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {يا رب، أمتي.. أمتي، فقيل له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم!} فهم لزموا الحق زماناً حتى عرف النبي صلى الله عليه وسلم سيما الأمة فيهم، ثم ارتدوا وانحرفوا عن سواء السبيل.

    من عرف الحق وعمل به واستمر عليه

    الصنف الرابع: هم الذين يعرفون الحق ويتبعونه، ويعملون به، ويستمرون عليه، وأولئك هم المؤمنون المفلحون، قال الله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم:27].

    ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله تعالى الثبات -كما سوف يأتي- ويقول: {يا مقلب القلوب؛ ثبت قلوبنا على دينك} ويقول: { يا مصرف القلوب؛ اصرف قلوبنا إلى طاعتك} وكان المؤمنون منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم الناس هذا يفرحون بالثبات، سواء كان الثبات في اليقظة بلزوم الطريق والاستمرار عليه، والصبر على الحق والتواصي به، وتحمل الأذى في سبيله، أم كان الثبات في المنام.

    فقد كان السلف رضي الله عنهم كـمحمد بن سيرين وغيره، كانوا يفسرون القيد في القدم في النوم -في الرؤيا- أنه: ثبات في الدين، فيقولون: القيد ثبات في الدين؛ بخلاف الغل في اليد فإن الغل في اليد وفي العنق مكروه -يعني في الرؤيا- أما القيد في الرجل فهو ثبات في الدين، وكانوا يحبون الثبات في الحياة، ويحبون الثبات عند الممات ويفرحون به، ويدعون لصاحبه، ويغتبطون بحاله!.

    1.   

    الهداية بعد الجهل

    إن الذي لم يعرف الحق أصلاً ولم يدر به ربما يعود إلى الحق أو يتبعه إذا عرفه؛ لأن انحرافه ناتج عن جهل والجهل من السهل أن يدفع بالتعليم، فكم من إنسانٍ عاش زماناً في الظلمات؛ لأنه لم يعرف الحق فبمجرد ما سمع صوت الداعي إلى الله؛ أصغى له، وتقبله، وآمن به، واندفع إليه؛ لأن انحرافه كان ناتجاً عن جهل، وليس عن هوى.

    الانحراف بعد الهدى

    أما الذي عرف الحق ثم أعرض عنه، أو تبعه زماناً ثم تركه، فأي شيءٍ تعتقد أن يغريه باتباع الحق من جديد، إلا أن يتداركه الله تعالى برحمته.

    إن من أخطر الأشياء أن ينحرف الإنسان بعد الهدى، ويضل بعد أن كان على الصراط المستقيم، فإنه لا يكاد ينفع فيه كلام، ولا تفيد فيه موعظة؛ لأنه يعتبر نفسه خبيراً مجرباً، وكل الكلام الذي يمكن أن تقوله أنت، أو تنصحه به، أو تذكره به، كل هذا الكلام.. لا أقول أنه سبق أن علمه من غيرك، لا،بل ربما يكون سبق أن قاله هو لغيره، ودعا به غيره، وأمر به غيره، ونهى به غيره، وهكذا أصبح الكلام عنده غير ذي معنى وغير ذي تأثير.

    مثال: إنسان كان على الهدى، ثم انحرف بسبب مواقف يعتبر أنها غير جيدة من قبل بعض أصدقائه، وبعض أصحابه، وبعض جلسائه الذين كانوا معه على الهدى، وعلى الطريق المستقيم؛ فأحدثت هذه التصرفات، وهذه المواقف منهم ردود فعل ضدهم، فأصبح يكره الأخيار والطيبين، بل ويكره الخير ويكره الداعي إليه، ولا يثق بأحد من هؤلاء؛ لأنه يقيس كل من سمع على أولئك الذين جربهم يوماً من الأيام في حياته.

    مثل هذا الإنسان، لو أتيته لتحدثه عن الشباب الصالحين، أو عن العلماء العاملين، أو عن الدعاة المخلصين، أو عن الملتزمين، لظنك مخدوعاً مثلما كان هو مخدوعاً من قبل، وأن الغشاوة يجب أن تزول عنك مثلما زالت عنه، ولهذا لا يفيد فيه كلام ولا يؤثر فيه وعظ، إلا أن يشاء الله تعالى.

    الهدى بعد الضلال

    وإنه مما يؤثر في القلب! ولعله من أسباب طرح هذا الموضوع في مثل هذه المحاضرة، أن الإنسان يسمع بين الفينة والفينة على رغم الأخبار الكثيرة السارة؛ عن أفواج بعد أفواج ممن يقبلون على الله تعالى، ويودعون حياة الغواية وحياة الضلالة، ويلتزمون بالحق، والهدى، والعلم، والعمل، والدعوة، إلا أنك مع ذلك لا تعدم أن تسمع أخباراً هنا أو هناك، عن بعض قوم من رجالٍ أو نساءٍ كانوا زماناً على الطريق المستقيم، وكانوا محسوبين من أهل الخير وعلى الخير، بل وربما كان منهم الداعية، أو المتحدث، أو الواعظ، أو الإمام، أو كان منهم تلك الأخت التي كانت تقيم حلقة الذكر في المدرسة، أو تدعو إلى الله تعالى، أو تعلم الناس الخير، فإذا بك تسمع أخباراً خلاف ذلك، وإذا بالأمور تتحول، فنعوذ بالله تعالى من الحور بعد الكور! وإننا بقدر ما نفرح ونسر بأخبار هداية فلان وفلان، نحزن ونجزع لضلال من ضلوا بعد ما عرفوا الحق واتبعوه.

    1.   

    الردة ومصاحبتها للدعوات والرسالات

    ثانياً: مسألة جديدة قديمة، إن الردة مصاحبة للدعوات والرسالات، ولهذا حذر الله تعالى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم منها فقال: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144].

    حالات الردة

    إنه لا يمكن أن توجد دعوة -أي دعوة كانت- إلا وتصاحبها حالات -تقل أو تكثر- لأفراد تبعوا هذه الدعوة في زمان يطول أو يقصر، ثم انحرفوا وابتعدوا، فإما أن يكونوا قد انحرفوا ليتحولوا إلى أعداء للحق، وأعداء لدعوتهم، وأعداء لما كانوا عليه من قبل، ومحاربين. وإما أن يكونوا قد تركوا ما كانوا عليه، ثم ضاعوا في دهماء الناس، وغرقوا في لجة الحياة الدنيا، فلا يسمع بهم أحد، ولا يخبر عنهم مخبر.

    ولهذا لو تأملت حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحياة أصحابه رضي الله عنهم، لوجدت أن التاريخ يحدثنا أنه كان من ضمن المهاجرين إلى الحبشة كان هناك رجل اسمه عبيد الله بن جحش قد ارتد وتحول من الإسلام إلى النصرانية وهو غير الصحابي عبد الله بن جحش رضي الله عنه وأرضاه، وكذلك رجل اسمه الرجال بن عنفوة الحنفي فإنه كان قد أظهر الإسلام، ثم ارتد وقال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: {إن ضرسه في النار أعظم من جبل أحد} وقد تبع الرجال مسيلمة الكذاب وكان من ضمن وزرائه وأعوانه.

    الردة في عهد أبي بكر

    إذاً حالات الردة موجودة في كل دعوة، وفي كل أمة، وعبر عصور التاريخ، حتى في أتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل قد تصبح الردة أحياناًظاهرة منتشرةً، متفشية، كما حصل للناس في أول عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، حيث لم يبق على الإسلام -من الأمصار الكاملة- إلا ثلاثة أمصار هي: مكة والمدينة والطائف أما بقية بلاد العرب في الجزيرة العربية وفي اليمن وفي غيرها، فإنه قد دخلهم من أمر الردة ما دخل، وصار بينهم هرج ومرج، وقيل وقال، وصراع وأخذ ورد، وثبت منهم من ثبت، وتغير من تغير، وسفكت الدماء، واختلفت الأمور في كل البلاد إلا في الأمصار الثلاثة!

    ردة عالم مسلم يحفظ القرآن

    وعبر عصور التاريخ كان يحصل أشياء من ذلك؛ حتى إنني قرأت في البداية والنهاية لـابن كثير: أن رجلاً ذهب مع المسلمين، وكان عالماً حافظاً للقرآن، وكان طيلة ذهابه معهم في الغزو يقرأ القرآن الكريم، فلما نـزلوا قريباً من إحدى مدن الروم رأى هذا الشاب فتاة جميلة حسناء تطل، فنظر إليها نظرة؛ فوقع حبها في قلبه، فأعجب بها، وذهب إليها وجلس عند الروم، وافتقده الجيش، وسألوا عنه، فأخبروا أنه ذهب إلى الروم وجلس عندهم، فلما رجعوا إلى تلك القرية بعد الغزو وجدوا هذا الرجل يطل عليهم، فقالوا له: ما فعل الله بك، فأخبرهم: أنه قد ارتد بعد إسلامه، فقالوا: أين القرآن الذي كنت تحفظه؟ قال: لم يبق عندي منه إلا آية واحدة! قالوا: وما هي؟ قال هي: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [الحجر:2].

    ولقد كان الإسلام عبر عصور التاريخ كلها عزيزاً بأهله، وبرجاله، عزيزاً بدوله، وعلمائه، ولذلك كانت الصورة الغالبة والكثيرة أن الكفار كانوا في الإسلام يدخلون في دين الله أفواجاً لأنهم يرون الحق، ويرون مع الحق القوة.

    الردة في العصر الحاضر

    أما في العصر الحاضر فقد أصابت المسلمين الذلة، وقوي جانب أعدائهم من أهل الكتاب -من اليهود والنصارى- وهيمنوا على الحضارة، واستخدموها في تهييج الغرائز -كما هو معلوم- وإثارة الشبهات، واشتروا وبذلوا كل الوسائل الممكنة في إخراج المسلمين عن دينهم، سواء بإعلان الكفر والردة الصريحة؛ كأن يتنصر المسلم -مثلاً- أو يعلن الكفر -والعياذ بالله!- أو كان ذلك بالتخلي عن دينه في صمت وسكوت، وحدث من جراء ذلك مصداق ما أخبره عنه الرسول صلى الله عليه وسلم -كما في حديث ثوبان وهو في الصحيح- { لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان} يعني فئات وطوائف من هذه الأمة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من هذه الأمة من سوف يلحق بالمشركين، وأن من هذه الأمة من سوف يعبد الأوثان، فدل هذا على أن الخوف من الردة -سواء كانت ردة كلية أم ردة جزئية- أنه واجب علينا جميعاً.

    مواضع الردة في القرآن والاستبدال

    إذاً من الواجب علينا جميعاً أن نخاف على أنفسنا من أن نتحول إلى الضلال بعد الهدى، أو يخاف أحدنا على أمته، أو على بعض شعوبها، أو أممها أن يتحولوا إلى أعداء الدين، كما هو في خبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وكما هو في واقع الحياة التي نشهدها ونراها اليوم، مع أن الله تعالى وعد بأنه في حالة التخلي، والفرار، والتراجع، والنكوص؛ بأنه سيقيض لهذا الدين من ينصره، ويقوم به، وهذا وعد من الله تعالى كريم عظيم، وكل ضعف معه لطف، فحينما توجد هذه الردة؛ يقيض الله تعالى لهذا الدين من ينصره، كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة:54] وكما قال سبحانه: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام:89].

    ولهذا لما حصلت الردة في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، قيض الله تعالى للإسلام والمسلمين أهل اليمن كـأبي موسى الأشعري وأتباعه، وقيض أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من القراء الذين نصروا الإسلام وأعزوا الملة، وقاوموا الكفار وحاربوا المرتدين حتى انتصر الإسلام ودانت الجزيرة العربية كلها للإسلام، وخضعت للحكومة الإسلامية التي كان يقف على رأسها أبو بكر الصديق رضي الله عنه تعالى وأرضاه.

    واليوم ونحن نجد مظاهر الردة تبين في العالم الإسلامي، من أقصاه إلى أقصاه، سواء في الذين يتركون الإسلام إلى دين آخر فيتنصرون -مثلاً- أو يأخذون بـالشيوعية، أم يأخذون بالأديان الأخرى المختلفة، أو في أولئك الذين يتخلون عن الدين ويتركونه إلى غير شيء، فيصبحون من الغافلين اللاهيين في دنياهم؛ فإننا نشاهد إلى جوار ذلك وعد الله تعالى يتحقق، فيظهر أولئك المؤمنون الأبرار الأخيار من رجال الصحوة، ومن العلماء، والدعاة، والمخلصين، والمجاهدين في سبيل الله، الذين لا يخلوا منهم مكان، ولا دولة، ولا قطر؛ بل إنك تجد أن تلك الجمهوريات التي عاشت تحت مطارق الشيوعية أكثر من سبعين سنة، وكانوا يستخدمون الحديد والنار في صرف الناس عن دينهم، ويقتلون الإنسان بمجرد الظنة، أو بمجرد وجود المصحف عنده، وكان علماؤهم لا يفرقون بين القرآن وبين الغناء وبين غيره من الكلام، ولا يفقهون في دين الله عز وجل، فما إن زال هذا الستار؛ حتى ظهر الإسلام من جديد، وظهرت بوادره وبشائره، تصديقاً لموعود الله تعالى: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام:9] وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ [المائدة:54].

    هذا هو أحد المواضع التي ذكرها الله تعالى في كتابه في شأن من يرتدون عن الإسلام، وهو يتعلق بالردة عن الإسلام كله، أو مايتعلق بالردة عن شعيرة الجهاد، ولهذا قال تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [المائدة:54].

    أما الموضع الثاني: فهو قوله تعالى: هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38] وهذا -أيضاً- يشمل: الردة الكلية، فإن من ارتدوا ردة كلية يقال لهم: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38] كما يشمل: الردة الجزئية، والمقصود بها في هذه الآية -والله تعالى أعلم-: التراجع عن الإنفاق في سبيل الله، وقبض اليد، والشح، والبخل، ولهذا قال:هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38].

    1.   

    أنواع الردة

    ثالثاًُ: أنواع الردة:

    إن السياق السابق يدل على أن التراجع والنقوص عن الإسلام يشمل صورتين، إحداهما تؤدي إلى الأخرى.

    الردة الكلية

    الردة الجزئية

    والصورة الثانية: هي التراجع عن بعض شرائع الإسلام؛ كالجهاد وتعطيله، والقعود عنه، أو التراجع عن نصرة المجاهدين في سبيل الله، أو نصرة عدوهم عليهم، وكالتراجع عن الإنفاق في سبيل الله، وقبض اليد، والاشتغال بالدنيا، ولهذا جاء في حديث عبد الله بن عمر الذي رواه أبو داود وأحمد وهو حديث صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، وتبعتم أذناب البقر، سلط الله عليكم ذلاً لا ينـزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم} فانظر كيف أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى مسألة (ترجعوا إلى دينكم)، مع أنه لم يقل: إذا كفرتم بعد الإسلام، إنما قال: إذا تركتم الجهاد، وقوله: (إذا تبايعتم بالعينة): يعني بالربا، وصور الربا مختلفة، والعينة أحد صورها، فالمقصود إذا تبايعتم بالربا واستخدمتموه، (ورضيتم بالزرع): يعني بالدنيا، وانشغلتم بها عن القيام بهذا الدين، ونصرته وإقامة دولته، (وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلاً لا ينـزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) والرجوع إلى الدين في مثل هذه الصورة المذكورة في هذا الحديث، هي: الرجوع إلى الجهاد، وأن تعرف الأمة الشيء الذي أوجدت من أجله؛ وهو أنها لم توجد من أجل الدنيا، والاشتغال والانهماك فيها، وإنما وجدت لتكون أمة قائمة شهيدة على الناس، كما قال الله تعالى:لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة:143].

    الردة الجزئية سبيل إلى الردة الكلية

    الصورة الثانية: هي سبيل إلى الأولى وذريعة إليها، وذلك أن الناس ربما لم يخرجوا من دينهم بالكلية، ولكن خرجوا من بعض الدين، فتركوا بعض شرائع الإسلام؛ كأن يتركوا الجهاد في سبيل الله، أو أن يتركوا الإنفاق في سبيل الله، أو أن يتركوا إقامة شريعة الله تعالى والحكم بما أنـزل سبحانه وتعالى وبسنة نبيه عليه الصلاة السلام وما أشبه ذلك.

    وهذه الصورة -وهذه لاشك- سبيل إلى الأولى؛ لأن الذي فرط في بعض الشيء قد يفرط فيه كله، هذا من جانب، والجانب الآخر: أنه ربما كان من أسباب ردة بعضهم عن دينهم أنهم تسلط الأعداء عليهم وفتنوهم عن دينهم، وألزموهم أو ضايقوهم حتى تركوا الإسلام، وهذه هي الفتنة التي سماها الله سبحانه وتعالى في كتابه: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْل ِ ) [البقرة:191].

    الفتنة: تعني فتنة الإنسان عن دينه وخروجه من الإسلام، وأن يفتن ويضيق عليه حتى يتراجع عن الدين، وهذه الفتنة لم تكن لتحصل على المسلمين لو أنهم كانوا يجاهدون في سبيل الله، ولو أنهم كانوا قائمين بما أوجب الله عليهم، وإنما تحصل في أزمنة الذل، وفي أزمنة التأخر، وفي أزمنة ترك شريعة الجهاد في سبيل الله تعالى.

    وربما ترك بعض المسلمين دينهم كلية بسبب الفقر أو الحاجة أو الطمع في متاع الدنيا: الطمع في مال، أو في لباس، أو على الأقل في غذاء يأكله ويسد جوعته، أو في ثوب يواري عورته، أو في علاج يداري به ألمه ومرضه، والفقر كاد أن يكون كفراً، ويلاحظ أن ترك الإنفاق في سبيل الله؛ قد يؤدي إلى الوقوع في الردة العظمى والخروج من الدين بالكلية بالنسبة لبعض المسلمين، وكما أن من الناس من دخل في الإسلام أول الأمر طمعاً وتأليفاً لقلبه، ثم أسلم صدقاً من قلبه وحسن إسلامه؛ فكذلك قد يوجد من المسلمين -في الأمس واليوم وغداً- من يخرج من الإسلام طمعاً في عاجل الدنيا.

    1.   

    أسباب النكوص

    إن هذا الظاهرة تحتاج إلى رصد، ومعرفة الأسباب التي تكمن وراءها، وهذه الأسباب كثيرة جداً والحديث عنها يطول، لكن من هذه الأسباب ما يلي:

    الانحراف الخفي في القلب

    السبب الأول والأخطر والأكبر -في نظري- هو: الانحراف الخفي في القلب، بحيث يكون الإنسان أصلاً رقيق الدين، يتظاهر بالإسلام، يتظاهر بالخير والهدى، وهذه هي حقيقته، ثم يفتضح بعد ذلك، فجرثومة الانحراف، والشك، والشهوة موجودة في قلبه، إنما هو يتظاهر بالدين فقط لسبب من الأسباب، من هذه الأسباب:

    التظاهر بالدين مجاراة للتيار

    من ذلك أنه يتظاهر بالدين مجاراة للتيار -كما يقال- ومسايرة للركب، كحال المنافقين الذين لما رأوا أمر الإسلام قد اعتز وارتفع، وأنه قل بيت في المدينة إلا ودخله الإسلام، قالوا- كما في صحيح البخاري: هذا أمر قد توجه. فلا حيلة في دفعه فينبغي أن نسايره، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، ولهذا تخونهم قلوبهم أحوج ما يكونون إليها، فمن تظاهر بشيء من ذلك، ربما ستر في الدنيا، لكنه تفضحه كروب النـزع.

    وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، فيما يبدوا للناس، وهو من أهل النار! وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، فيما يبدوا للناس، وهو من أهل الجنة!} وفي رواية أخرى: {إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها! وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها!}.

    إذا الإنسان قد يتظاهر بعمل أهل النار، أو يتظاهر بعمل أهل الجنة، لكن حقيقته خلاف ذلك، فيفضح الله تعالى ما ستر في قلبه، إما في الدنيا وإما عند الموت، فمن الناس من تظاهر مجاراة للتيار ومسايرة للركب كما قلت.

    ومنهم من يتظاهر خوفاً على دينه وماله، وأراد عصمة نفسه وماله من القتل بالتظاهر بالإسلام، أو حباً في الرئاسة والجاه، أو كيداً للإسلام والمسلمين، فيكون معهم ليعرف أسرارهم، أو ليشكك فيهم، أو ليغرس الريبة في قلوبهم، كما قال تعالى:وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنـزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [آل عمران:72].

    فقد يزول -بعد ذلك- السبب الذي من أجله جعل هذا الإنسان يتظاهر بالإسلام، فيأمن الخائف على نفسه، أو ييأس الطامع مما يريد في رئاسة، أو في جاه، أو في مال، ييئس مما يريد؛ فيبوح بالسر المكتوم، وكما قيل:

    صلى المصلي لأمر كان يطلبه      فلما انقضى الأمر ما صلى وما صامَ

    إذاً: كان الإيمان عند هؤلاء الناس تظاهراً دون أن يخالط شغاف القلب، أو تستشعره النفسٍ، أو يمتلئ به الصدر، ولهذا لما سأل هرقل أبا سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه: هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا، قال: وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب!

    إن هذا يدل على أن أولئك القوم لم تخالط بشاشة الإيمان قلوبهم، وما ذاقوا طعمه، ولا تلذذوا بحلاوته، وما أنسوا به، إنما كان هذا الإيمان تظاهراً، وتشكلاً، وتصنعاً، وتكلفاً، وتعملاً. وكان الإيمان ستاراً يتسترون ويتترسون به، فهم يعلنونه خوفاً، أو رغبةً، أو رهبةً، أو طمعاً، أو لمصلحة دنيوية؛ أما قلوبهم فهي تغلي بمراجل الحقد والغيظ على الإيمان وعلى المؤمنين؛ فيفتضح -هؤلاء- إما في الدنيا وإما عند الموت.

    الإصابة بالعجب والغرور

    ومما يدخل في هذا الجانب وهو -الانحراف الخفي في القلب-: أن يداخل القلب العجب والغرور، والثقة المفرطة بالنفس، والتعاظم والاستكبار عن عبادة الله، أو الاستكبار على عباد الله تعالى، ومثل هذا الإنسان إذا دخله العجب والغرور والاستكبار، مثل هذا يصل الأمر به إلى تسخط الأقدار، فهو يرى أنه مظلوم، وأن من حقه أن يكون غنياً، أو ثرياً، أو تاجراً، أو عالماً، أو رئيساً، أو زعيماً، أو ما أشبه ذلك.

    يقولون: إن الأقدار ظلمتنا فصرنا متأخرين، وأولئك القوم الذين ارتفعوا، وسادوا، وعظموا، واغتنوا، ليس لهم مثلما ما لنا من العقل، ولا من العلم، ولا من المعرفة، ولا من المكانة، وحق هؤلاء في نظر أنفسهم أن يكونوا سادة مطاعين، أو زعماء، أو أثرياء، أو ما أشبه ذلك، ففي قلوبهم الاعتراض على القضاء والقدر، فهم ما رضوا بالله تعالى رباً حق الرضى وإنما في قلوبهم التسخط، وكيف فلان أغنى مني، وهذا أرفع مني، وأنا أعقل منه؟ ولماذا نال فلان المال ولم أناله أنا، مع أني أعقل من فلان؟! وما علم هذا الإنسان أنها قسمة الله تعالى:أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ[الزخرف:32] فالله تعالى أعطى هذا الغنى وأعطاك العقل، والعقل لاشك خير من الغنى، والله تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

    إن أمثال هؤلاء لا يقبلون الحق ولا يؤمنون به ولو عرفوه، ليس لأنه الحق فقط، ولا لأنهم لم يعرفوا الحق أصلاً؛ ولكن لأن الحق جاء عن طريق فلان، وهم يرون أنفسهم أعظم منه، فكيف يتبعون من يعتقدون أنه أحط منهم منـزلةً أو أحط منهم قدراً، ولهذا قال المشركون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَقَالُوا لَوْلا نـزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31].

    قال الله تعالى:أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الزخرف:32] ولما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ودعا أبناء عبد كلال، قال أحدهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما وجد الله أحداً يرسله غيرك! وقال الآخر: أنا أمزق ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك! وقال الثالث: ما ينبغي لي أن أكلمك، إن كنت نبياً فأنت أعظم من أن أكلمك، وإن كنت كاذباً على الله فما ينبغي لي أن أكلمك، المهم: أنهم ردوا الحق لأن الذي جاء به هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمثل هؤلاء استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيرا، فأشربت قلوبهم التعبد للذوات، والإعجاب بالنفس، والاستكبار والغرور، فلا يرون لأحدٍ قدراً، ولا يرون عند أحد علماً ولا عقلاً.

    قصة عبد الله القصيمي

    ولعلي أذكر لكم قصة شهيرة معروفة، وهي قصة رجل كان يقال له عبد الله القصيمي، وكان هذا الرجل يعيش زمناً طويلاًً في بلاد نجد يجالس العلماء ويقرأ عندهم، وربما مشى وصحيح البخاري في إبطه، وربما حضر مجالس العلم والذكر، وكان معروفاً حتى أنه ألف كتباً كثيرة ينصر فيها الحق، ومن هذه الكتب كتاب مشهور مطبوع في مجلدين اسمه: الصراع بين الإسلام والوثنية وهو رد على أحد الشيعة الذين سبوا وذموا دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، فرد عليه عبد الله القصيمي بهذا الكتاب الصراع بين الإسلام والوثنية وقال بعض طلبة العلم آنذاك: لقد دفع عبد الله القصيمي مهر الجنة بهذا الكتاب، ثم انتكس الرجل وارتد وأعتقد والله أعلم أن ردته وهي ردةً كلية وصلت في فترة من الفترات إلى درجة الإلحاد المطلق، بل والكفر حتى بجملة الرسالة، والكفر بالأمة التي أنـزل عليها الإسلام، وهي أمة العرب، فرفض الإسلام ورفض العرب.

    ولم يكن كفره لشبهة بقدر ما كان كفره لشهوة خفية متأصلة في أعماق قلبه، هذا هو ما توصلت إليه بعد طول تأمل في حال هذا الرجل؛ وهذا درس يجب أن نعيه؛ فلم تكن القضية قضية شبهة... أو شك أو إلحاد حقيقي، إنما كان هذا الإلحاد ستاراً يتستر به أو مسوغاً يسوغ به الواقع الذي يعيشه، أما الحقيقة -والله تعالى أعلم- الذي يبدوا أن الرجل إنما ارتد بسبب شهوة؛ ما هذه الشهوة؟ إنها شهوة العظمة، حتى إن هذا الرجل كان يقول في شعره:

    ولو أن ما عندي من العلم والفضل      يوزع في الآفاق أغنى عن الرسل

    هذا البيت قرأته في كتاب أحد العلماء الذين ردوا عليه، ثم قلت في قلبي: هل من المعقول أن يقول إنسان مثل هذا الكلام؟! وإذا بي أقف على كتاب مطبوع من كتب القصيمي التي ألفها قبل أن يرتد، ألفها يوم كان يزعم أنه مهتدٍ، وهو كتاب اسمه الفصل الحاسم بين الوهابيين ومخالفيهم فوجدت هذا الرجل يتغزل بنفسه ويعظم ذاته، ويتكلم عن نفسه كلاماً يستغرب الإنسان أن يسمعه بعنوان (أسى) يقول:

    ولو أنصفوا كنت المقدم في الأمر      ولم يطلبوا غيري لدى الحادث النكر

    ولـم يرغبوا إلا إلي إذا ابتغـوا      رشاداً وحـزماً يعزبان عن الـفكر

    ولم يذكروا غيري متى ذكر الذكاء     ولم يبصروا غيري لدى غيبة الـبدر

    فما أنا إلا الشمس في غير برجها     وما أنا إلا الـدر في لجج الـبحر

    بلغت بقولي مـا يرام إلى الـعلى     فـما ضرني فقد الصوارم والسمر

    ومـا ضرني ألا أروح واغتدي     باردان مجدود عـلى سابـح يثري

    ثم يقول:

    أسفت على علمي المضاع ومنطقي     وقد أدركا لو أدركا غاية الفخر

    أرى كـل قـوم يحفظون أديبهم           ويجزونه بالعز والمال والشكر

    إذاً الرجل يشكو نفسه وحاله، ويرى أنه مضيع في أمته وقومـه وقبيلته:

    فلا خلى معشري ما عندهم لأديبهم     سوى الحسد الممقوت والبغض والهجر

    إذا قـام فيهـم ناشئ ذو مـخايل     تدل عـلى العلياء والحسب الحر

    أطاحوه غضاً قبل أن يبلـغ المدى      وقامـوا على أعواده الخضر بالكسر

    إلى آخر القصيدة التي أصبح يتكلم فيها عن واقع الناس كلام الذي يتسخط فيها على قضاء الله وقدره، ويرى أنه كان جديراً وحقيقاً بكل خير، وأن الأقدار ما أنصفته، وهذا هو الذي كان يقوله الأول:

    كم عالمٍ عالمٍ ضاقت مذاهبه      وجاهلٍ جاهلٍ تلقاه مرزوقا

    إذاً: هذا الرجل الذي تحول من التظاهر بالإيمان إلى التطاول على الله تعالى والسخرية به، وازدراء القيم، والعقائد، والمثل، والأخلاق، إنما يعيش ردة فعلٍ عن المجتمع الذي عاش فيه ولم يلب طموحاته الشخصية، ولم يكن متوافقاً مع متطلباته الذاتية، فكانت النتيجة أن تحطم هذا الرجل، ثم ترك الإيمان والإسلام -والعياذ بالله- وذهب يبحث لنفسه عن شهرةٍ ومجدٍ في الكفر والإلحاد.

    الشهوات

    وعموماً فالشهوات كلها سواء أكانت شهوة الأنا وحب الظهور وحب الشهرة، أم كانت شهوة المادة، وحب المال، أم كانت أي شهوة أخرى، فإن هذه الشهوات تفسد القلب وتكدر صفاءه، أم كانت شهوة الجسد بالجنس، أم شهوة النظر بالعين، أم شهوة الأذن بالسماع المحرم، أم شهوة التملك، أم شهوة السلطان والرئاسة وهي الشهوة الخفية، فإذا تشرب القلب الشهوة وأحبها؛ أكثر من تطلبها، وملاحظتها، والحديث عنها، وملاحظة من يعملها، حتى إنك تجد بعض الناس يلاحق هذه الشهوات -دائماً- ويركض وراءها ويعب منها عباً، وهو مثل الذي يشرب من البحر، لا يزيده شربه إلا عطشاً، أو مثله مثل الذي يضع على النار حطباً، أو يصب البنـزين على النار فلا تزداد إلا اشتعالاً، وقد لا يكون أحدهم -أحياناً- بلغت به الشهوة أن يكون بمثل المثابة الذي ذكرت، لكن قد يكون في قلبه شعبة من التعلق بالشهوة والميل إلى الشهوة المحرمة.

    وأضرب لذلك مثلاً مشهوداً: قد يذهب الواحد من الناس إلى الحرم الشريف حاجاً أو معتمراً، فهو يرى في المسجد الحرام المصلين، والقائمين، والراكعين، والساجدين، والخاشعين، والطائفين، والمعتمرين، والباكين، والمتصدقين وألوان الأخيار فلا يلفت هذا نظره، ولا يتوقف عنده، ولا يثير اهتمامه، ثم إذا رجع هذا الإنسان إلى بلده، أو قومه، أو زملائه، أو أصدقائه، قالوا له: ماذا رأيت في الحرم؟ قال: رأيت رجلاً يتربص بامرأة، لقد كان الرجل يبحث نظره وبصره في مواطن الشهوة، ويقول: ورأيت امرأةً تشخص في رجل، رأيت حركةً غير عفيفة، رأيت نظرةً مريبة، فيضخم هذه الأشياء ويؤصلها ويجعلها كالقاعدة، ليس لأنها وقعت، ولا لأنه رآها، فهذا أمر يقع من كل أحد، ولكن لأن قلب هذا الإنسان أصبح مثل الإسفنجة يتشرب مثل هذه الأشياء ومثل هذه الأخبار، ويجمع بعضها إلى بعض، ويحشد بعضها إلى بعض، ويؤلف بينها، ويكبرها، ويضخمها، وينفخ فيها، فإذا تحدث انتزع هذه المواقف، وجمعها، وهولها، وطولها؛ تلذذاً بذكرها واستمراءًَ في الحديث عنها.

    ولهذا روى أبو هريرة رضي الله عنه، كما في صحيح مسلم، ومسند أحمد، وسنن أبي داود، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكُهم أو فهو أهلكَهم} إما أن يكون هو أكثرهم هلاكاً، أو أنه هو الذي تسبب في هلاكهم، فيكون المعنى: أن من قال هذه الكلمة قالها إما تقنيطاً وتيئيساً للناس من رحمة الله تعالى، أو قالها وهي توافق هوى في نفسه، وأما من قال هذه الكلمة تحذيراً، وتعذيراً، وأمراً بالمعروف، ونهياً عن المنكر؛ فإنه لا يدخل فيما ذكر -والله تعالى أعلم- كما ذكر ذلك الإمام مالك بن أنس رحمه الله فيما رواه عنهأبو داود وغيره.

    العناية بالجانب الإيجابي

    إن النظر في الجانب الإيجابي في حياة الناس، والثناء عليه بالقسط والعدل، والعمل على تعميم الأنموذج الطيب، وتعميقه وتأصيله؛ من أعظم وسائل الدعوة وأنجحها، وعلى العكس: العناية بالجوانب السلبية وتضخيمها؛ مما يحطم الأمم والأفراد والجماعات. إن العناية بالجانب الإيجابي في حياة الفرد الواحد وتشجيعه عليه وعلى غيره من أعمال الخير، ومدح ذلك بالقسط والعدل على ما قدم؛ هو أفضل السبل لاستدعاء المزيد من الخير والبر والعطاء من هذا الإنسان، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن حفصة

    رضي الله عنها، أنها ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا رآها عبد الله بن عمر

    فقال عليه الصلاة والسلام: {نعم الرجل عبد الله بن عمر

    لو كان يقوم من الليل } فأثنى عليه بقوله: {نعم الرجل عبد الله بن عمر

    }ثم وضع قيداً جديداً أو مطلباً جديداً ينبغي أن ينافس فيه المنافسون: {لو كان يقوم من الليل } وهذا -أيضاً- لا يمنع من تحذير الإنسان من الشر قبل وقوعه، ولا يمنع من نهيه عنه بعد وقوعه، وفي موضوع قيام الليل -نفسه- ورد حديث آخر متفق عليه عن 1000236> أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: {يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل، فترك قيام الليل} إن هذا الحديث يؤكد أهمية الديمومة على العمل: {لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل، فترك قيام الليل }. إذاً: السبب الأول من أسباب الردة: أن يكون القلب مصاباً في الأصل بجرثومة أو مرض شهوة أو شبهة خفية كان يسترها، ثم زالت الأسباب الداعية إلى الاستتار فافتضح هذا الأمر أو زاد المرض، حتى لم يعد ثمة مجال لستره أو تغطيته.

    التهاون بالمعاصي واستثقال الطاعات

    السبب الثاني:هو التهاون بالمعاصي واستثقال الطاعات، وهذا يوشك أن يكون فرعاً عن السبب الأول، وإنما أفردته بالحديث لغلبته على الناس اليوم، فإن التهاون اليوم كثير، فتجد الواحد منا يتهاون في الصغائر، ويتهاون في النظر إلى الحرام، أوفي سماع الغناء، حتى يؤدي به ذلك إلى الكبائر، وربما ترك الإنسان بعض السنن، وأدى به ذلك إلى ترك بعض الفرائض، فاليوم يترك الرواتب، وهذا يدع ويترك سائر التطوعات، وربما أخل بالفرائض أو ترك شيئاً منها؛ حتى تهون عليه المعصية، ويتطلع قلبه إليها، وتشرئب نفسه، ويتلذذ برؤيتها أو ذكرها أو فعلها، خاصة حينما يفكر في عملها ويدعوه الشيطان إليها، أما إذا تسنت له المعصية، وتيسرت له، وقارب أن يقارفها؛ فإنه تنـزع عنه اللذة حينئذٍ كما ذكر ذلك غير واحد، وهذه عقوبة من الله، فلا يجد اللذة التي كان يظنها؛ حينما كانت المعصية أصلاً ينتظره وشيئاً يترقبه.

    ثم تثقل عليه الطاعة -أيضاً- فيقصر في السنن الرواتب، وفي الوتر ونحوها، ثم تثقل عليه الفريضة، فلا يأتي إلى المسجد إلا جباراً جبراً، وربما كان يقضي الصلوات في الأعم الأغلب، حتى ربما ترك الجماعة، ولا مانع -أبداً- أن يأتيه الشيطان بعد ذلك كلِه ليثير معه قضية وهي مناقشة مسألة: وجوب صلاة الجماعة أصلاً، وأنه ليس هناك أدلة قوية على وجوب صلاة الجماعة، ولم يكن هذا نقاشاً علمياً، ولا قناعة عقلية لهذا الشخص بالذات، وإنما كان هذا أثراً من آثار الكسل الذي ما زال به حتى تَرك، ثم بعد ما ترك بدأ يبحث عن مسوغات ومبررات تجعله على صواب فيما فعل.

    إن ثمة فرقاً كبيراً -أيها الأخ الكريم- بين مسلم أعلن إسلامه اليوم وشهد أن لا إله الله وأن محمداً رسول الله، فعلمناه به، وصبرنا عليه، وصار يترقى في مدارج الكمال شيئاً فشيئاً، ويزيد من طاعته لله بالتدريج، وبين شاب آخر نشأ في طاعة الله، وفي كنف أبوين مسلمين، وفي مجتمع صالح ثم صلحت أحواله، وبدأ يتردى وينقص شيئاً فشيئا، فإذا كبر تذكر أنه قد كان في حال صباه يقوم الليل، أو كان في حال صباه يصوم الأيام البيض، أو كان في حال صباه يقرأُ حزباً من القرآن الكريم، أمَّا الآن فهو لا يوتر، ولا يصلي الرواتب، ولا يصوم إلا رمضان.

    قرناء السوء

    السبب الثالث: هم قرناء السوء، فإن كثيراً من الناس لا يستطيعون الاعتماد على أنفسهم اعتماداً كلياً؛ بل يحتاجون إلى غيرهم من الناس، وإلا فالجميع يحتاجون إلى الله تعالى في كل أمر، أو يقلدون غيرهم في أمورٍ كثيرة، والمجالسة هي ثمرة المؤانسة، والله تعالى يقول:وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ [فصلت:25].

    فالمجالسة تؤثر في الإنسان تأثيراً كبيراً، والقرين بالمقارن يقتدي -كما هو معروف- والمرء على دين خليله، فالإنسان يتأثر بجلسائه سواء أكانوا من الإنس أم كانوا حتى من شياطين الجن، فإن الإنسان إذا كان يتعاطى الأمور الرديئة، ويقلِلُ ذكر الله تعالى، ويكثر الوقوع في المعاصي ومجالسة الأشرار، والحضور في أماكن الذنوب والمواقع التي تكثر فيها الشياطين؛ فإن هذا يورث قلبه ضعفاً، ويورث الشياطين جراءة عليه، ومثل ذلك الحال بالنسبة لشياطين الإنس الذين يتلصصون لهذا الشاب، ويغرونه بالرحلة، والمتعة، والزيارة، والموعد، ويبدؤون معه بداية بسيطة قد تكون في أمر معقول أو مقبول أو يتحمله الأهل على إغماض، لكن ينسون أن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، وأن هذا الشاب اليوم في الشارع، وغداً في أماكن (التفحيط)، وبعد غد مسافراً مع الأصدقاء إلى هنا، وبعده ربما يسافر معهم إلى الخارج، وهكذا تبدأ الرحلة الشاقة المظلمة.

    غياب القدوة

    السبب الرابع: غياب القدوة أو غياب القائد، لأن القائد يسن للناس السنة الحسنة، أو يذكرهم بالسنة الحسنة فيعملون بها، يغريهم بالخير فيقبلون عليه، وينهاهم عن الشر فيعرضون عنه، ولهذا لأهمية القدوة والقائد وأثر ذلك في ثبات الناس، قال الله تعالى:وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً [آل عمران:144].

    فدل على أن موت أو غياب القائد لسبب أو لآخر يؤثر في الأتباع، ويكون مظنةً لوجود تراجع، أو نكوص، أو تردد، أو ردة، ولهذا نهى الله تعالى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولهذا تجد أيضاً أن ردة العرب في خلافة أبو بكر رضي الله عنه كانت بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قال قائلهم:-

    أطعنا رسول الله إذ كان بيننا     فيا لعباد الله مال أبي بكر

    أيورثها بكراً إذا مـات بعده     وتلك لعمر الله قاصمة الظهر

    وفي الحديث السابق -أيضاً- قال: {إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم}

    إن هذا يؤكد لنا أمرين في غاية الأهمية:

    الأول: أثر الرجال الصالحين الصادقين الذين هم في موضع القدوة والأسوة، فهم دعاة إلى الخير، آمرون بالمعروف، ناهون عن المنكر، صابرون على دين الله، يوصون الناس بالحق، ويوصون الناس بالصبر، إن هذه القدوات فيها التثبيت للناس، والدعم لمواقفهم، وتعزيزهم، وتصبيرهم، وتقوية قلوبهم، ولهذا كان ابن القيم رحمه الله يقول: إننا كنا نخاف -أحياناً- وتمتلئ قلوبنا رعباً فنأتي إلى الإمام ابن تيمية فيتحدث معنا بكل هدوء فإذا خرجنا من عنده كانت قلوبنا أقوى ما تكون.

    الثاني: السبب الثاني الذي يؤكده أثر غياب القدوة؛ يؤكد أهمية التعلق بالشرع لا بالأشخاص حتى الأنبياء، قال الله تعالى:وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً [آل عمران:144].

    فما بالك بغيره من الناس، نعم، إنَّ للعلماء والدعاة مكانة، لكن ما هي مكانتهم؟ إنَّ مكانتهم أن يعلموا الناس دينهم، وأن يعلموهم النصوص الشرعية، وأن يكثروا في المجتمع من الفقهاء، والمفتين، والمجتهدين، والدعاة، والصادقين، والمستبصرين، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فإن الأمة معصومة في جملتها أن تجتمع على خطأ أو ضلال، ولكن الأفراد ليسوا معصومين، ولهذا ينبغي أن يكون عندنا عدل وتوازن، وأن لا نبالغ في التعلق بالأشخاص، وأن يكون تعلقنا بالمنهج، وبالدين، وبالشريعة، وبالمبدأ، أما الأشخاص فيذهبون ويجيئون، ويحيون ويموتون، بل ويهتدون ويضلون، ويصيبون ويخطئون، أما المنهج أي الشريعة والدين فهو تنـزيل من حكيم حميد.

    الطمع وانحطاط الهم

    السبب الخامس: هو الطمع، والرغبة، والرهبة، فإن كثيراً من الناس يرتدون عن دينهم كله أو عن بعض شرائعه، طمعاً في مالٍ، أو طمعاً في زوجة، أو طمعاً في منصبٍ، أو طمعًا في علاج، بل ترتد اليوم مدن بأكملها وأقاليم عن بكرة أبيها في الهند وفي إندونيسيا وفي عدد من الدول الأفريقية، على أيدي أولئك المنصرين الذين يتلصصون للمسلمين كالشياطين، ويستغلون الفقر والحاجة، ويستغلون غفلة المسلمين عن إخوانهم، فيقدمون الإنجيل بيد ويقدمون المساعدات المادية للمسلمين باليد الأخرى، إضافةً إلى أفرادٍ كثيرين متفرقين: في مصر، وفي الشام، وفي العراق، وفي جميع بلاد الإسلام -بدون استثناء- ينحلُّون عن دينهم ويتركون الإسلام إلى دين آخر، وإلى ملةٍ أخرى غير دين الله عز وجل، لطمعٍ، أو رغبهٍ، أو رهبهة، أو لعلاقة شخصية، أو محبةٍ، أو عشقٍ، أو ما أشبه ذلك، خاصة ونحن نعرف أن المال، والإغاثة، والدواء، والكساء، والقوة، والاقتصاد، والحضارة اليوم هي رهن أمم الغرب الكافرة، كما أن بعض الشباب قد ينحرفون بسبب قربهم من أبناء الأثرياء أو أبناء المترفين، وتطلعهم إلى ما في أيدي هؤلاء من المال، أو لما معهم من السيارات أو لغير ذلك من الأشياء التي تتعلق بها نفس الشاب فتكون سبباً في هلاكه وعطبه.

    الخلاف والفرقة

    السبب السادس: هو الخلاف، والفرقة، والشتات، فإن الإنسان قد يهتدي، أو يفكر في الهداية، أو يقترب منها، أو يوشك عليها، لكنه إذا دنا منا -معشر الأخيار- فوجدنا منقسمين على أنفسنا؛ يسب بعضنا بعضاً، ويشتم بعضنا بعضاً، ويلعن بعضنا بعضاً، ويبدع بعضنا بعضاً، بل وربما يكفر بعضنا بعضاً، قال: أنا على ما أنا عليه الآن أحسن من الحالة التي هم عليها، فربما كان هذا سبباً في بعده، وكان هذا من الصد عن سبيل الله عز وجل، وربما تنافس على هذا الشاب مجموعة من الدعاة، وكل داعيةٍ يجره إلى رأيه، أو مذهبه، أو منهجه، أو جماعته، حتى أصيب هذا الشاب في تفكيره، أو في فهمه، أو في نفسيته، وابتعد عن الجميع، وكان ذلك سبباً في ضياعه.

    الطبيعة المنقلبة غير المستقرة

    السبب السابع والأخير: الطبيعة المتقلبة والمضطربة بالنسبة لبعض الناس، فبعض الناس من طبيعته: التقلب، فهو لا يستقر على حال من القلق، بل يغير رأيه، ومواقفه، ونظراته، واتجاهاته، وهو -دائماً- متحمس، فهو اليوم متحمس لهذا العمل، وغداً يتركه بالكلية ليتحمس لغيره، وبعد غداً يترك الاثنين ليتحمس لعمل ثالث، وربما تجده في الخير مقدماً إقداماً غريباً حتى تقول: لا يحجم أبداً! ثم إذا بك تفاجئ وتسمع خبراً أن هذا الإنسان انحرف -والعياذ بالله!- وأصبح إماماً في الفسق والانحراف.

    وهذا أحياناً قد يعود إلى طبيعةٍ في هذا الإنسان ورثها، أو كانت بسبب التربية في الصغر أو ما أشبه ذلك، وهي تحتاج إلى عناية وعلاج وحفاوة من المربين، ولهذا تجد أن الله تعالى ذكر في القرآن الكريم:الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً [النساء:137].

    ومثل هؤلاء توعدهم الله بأنه لا يغفر لهم، لأن هذا الإنسان لا يعود للحق غالباً، ولو عاد لكان بعد عودته رجعةً أُخرى إلى الفساد، وهكذا، فهو لا تؤمن عواقبه قط.

    1.   

    أسباب الثبات

    وهذا هو الأمر المهم، فإن العبد ينبغي أن يفهم معرفة الحق والثبات عليه، ولا ثبات للإنسان إلا أن يثبته الله تعالى كما قال الله تعال: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم:27].

    وأنا أعرض لك -الآن- أسباب الثبات لعل الله أن ينقذني وإياك بها من مهاوي الردى:

    السبب الأول : الدعاء

    وذلك لأن الدعاء فيه معنى الاعتراف بالعجز من قبل العبد، والاعتراف لله بالألوهية والربوبية، وأن الأمر بيده، وأنه كله إليه، فالدعاء يزيل ما في القلب من الاستكبار، ويزيل ما في النفس من العجب والاغترار، لأن حقيقة الدعاء: ذلٌ وانكسار لله تعالى، وفيه روح العبادة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: {الدعاء هو العبادة} وذلك لما في الدعاء من التذلل لله تعالى، والتبتل إليه والاعتراف بقدرته وألوهيته، واعتراف العبد بضعفه، وفقره، وذله، وحاجته، ومسكنته، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، كما روى النواس بن سمعان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ما من قلبٍ إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه} قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك} فهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث صحيح فقد رواه النسائي في سننه الكبرى وأحمد، وابن ماجة وقال البوصيري إسناده صحيح، ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي على ذلك، ورواه البيهقي -أيضاً- ومثله -أيضاً- حديث p=1000236عبد الله بن عمرو بن العاص

    وهو في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: {يا مصرف القلوب صرَّف قلوبنا إلى طاعتك}.

    وقد جاء هذا المعنى عن جماعة من الصحابة، كـأم سلمة، وعائشة، وأنس، وسبرة بن الفاكه، وأبي هريرة، وغيرهم، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو الله تعالى بالثبات: { ثبت قلوبنا على دينك } وأيضاً من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه النسائي والترمذي وأحمد أنه كان من دعائه عليه الصلاة والسلام: {اللهم إني أسألك الثبات في الأمر} فإن العبد لا ثبات له إلا بالله تعالى، فيتوسل إلى ما عند الله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله -جل وعلا- ليغفر له، أو يعينه، أو يثبته.

    السبب الثاني : الذكر

    الذكر بألوان من الأوراد وقراءة القرآن، ومثل -أيضاً- المحافظة على العبادات، والنوافل، والسنن وغيرها، فإن ذلك يطرد الشيطان، ويقوي القلب ويثبته، ومن ذلك أن يكثر العبد من قول: لا حول ولاقوه إلا بالله، فإن معنى هذه الكلمة أنه يعترف بأنه لا قدرة له على التحول من حال إلى حال، ولا قوة به على مواجهة الصعاب إلا بالله تعالى، قال تعالى:وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24].

    فإذا عرف العبد أن الله تعالى يحول بين المرء وقلبه، وأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن إذا شاء أن يقيمه أقامه وإذا شاء أن يزيغه أزاغه، فإنه يقول: لا حول ولاقوه إلا بالله، فيبرأ من كل معاني الثقة بالنفس، أو الغرور بالأنا، أو الاعتماد على الذات، ويلتزم بطاعة الله تعالى، ومحبته، وتعظيمه، وتوحيده.

    ولابد أن يلتزم الإنسان بقدر من الذكر والعبادة لا يخل به، وأقل ذلك أن يلتزم الإنسان بالرواتب -وهي معروفة- والوتر، وصيام الأيام البيض (ثلاثة أيام من كل شهر)، وقراءة حزب من القرآن لأن ذلك عون للعبد على الثبات، لهذا قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلا * نِصْفَهُ أو انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أو زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [المزمل:1-5] فلا يصبر على القول الثقيل، ولا يتحمله، ولا يقوم به؛ إلا من كان له مع الله تعالى عبادة، وقربى، وزلفى إليه.

    السبب الثالث: صحبة الأخيار ومجالستهم

    سواءً أكانوا أحياءً، بأن يختار الإنسان الجلساء الصالحين الناصحين الذين ينفعونه: علماً، أو عملاً، أو تقدماً، أو حفظاً للوقت، فيستفيد منهم في دنياه، في دراسته، في حياته، ويستفيد منهم في تدينه، وصلاحه، واستقامته، ويستفيد منهم في أخلاقه، ويستفيد منهم في سمعته في المجتمع، فإن الإنسان ينسب إلى صاحبه وجليسه، سواءً كان هؤلاء الجلساء أحياءً يجالسهم، ولا بد له منهم، فإن الإنسان مدني بالطبع، أم كان هؤلاء الأخيار - أمواتاً، أعني أن يكثر من قراءة سير الصالحين، سير العلماء، سير الدعاة، سير المجاهدين، لأنها تملأ الوقت وترفع الهمة، وفيها من العبرة، والأسوة، والدرس، والتربية مالا يجده الإنسان في الواقع، فإن التاريخ مدرسة كبرى كما قال الشاعر:

    ومن وعى التاريخ في صدره     أضاف أعمـاراً إلى عمـره

    وكما قيل:

    مثل القوم نسوا تاريخهـم          كلـقيطٍ عيَّ في الناس انتسابا

    فينبغي أن يكون للإنسان صلة بالأحياء من الأخيار، وأن يكون له صلة بالأموات عن طريق قراءة سيرهم وتراجمهم.

    السبب الرابع : طلب العلم الشرعي

    فإن العلم الشرعي من العقيدة الصحيحة المأخوذة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلام الصحابة والتابعين، والتفسير، والحديث، والفقه، وغيره من العلوم الشرعية المفيدة، فإن هذه العلوم: نور في القلب، وانشراح في الصدر، والله تعالى يقول:وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة:124] وقال تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة:125].

    إذاً: طلب العلم بصدق، وإخلاص، ونية صالحة، وقلب سليم، من أهم أسباب زيادة الإيمان، والإيمان الذي يزيد هو لن ينقص بإذن الله، لأن النقص هو ضد الزيادة، فينبغي أن يسعى الإنسان في زيادة إيمانه عن طريق طلب العلم الشرعي الموصل إلى الله تعالى والدار الآخرة، وإذا لم يزد الإيمان فإنه يخشى عليه من النقصان.

    وإن طلب العلم الشرعي للإنسان عصمة عن التقليد الأعمى، وأي انحطاط للإنسان أكثر من أن يلغي عقله، وتفكيره، وإدراكه، وفهمه، ومسئوليته، ليجعل نفسه متابعاً لفلان، فما صوبه صوب، وما خطأه خطأ، وما قاله قال به، وما رده رده، إنَّ هذا إلغاء لإنسانية الإنسان، والله تعالى نعى على من فعل ذلك، وذكر أن هؤلاء كانوا يعذبون في الدار الآخرة، فقال: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيل * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ [الأحزاب:67-68]

    إنَّ الإنسان مسئول، ومحاسب، ومكلف، وينبغي أن يترك التقليد بقدر ما يستطيع، وأن لا يلجأ إليه إلا عند الضرورة التي لابد منها، بل يكون عنده بصيرة، وعنده معرفة، وعنده إدراك في الدين، ليس عن طريق التقليد، ولا عن طريق الوراثة من المجتمع، وإنما عن طريق الطلب، والبحث، والتحري، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما صلى صلاة الكسوف، ثم خطب الناس، قال بعد ذلك: {إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، فإنه يأتيه ملكان فيسألانه فيقولان له: ما ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فأما المؤمن أو الموقن، فيقول: ربي: الله، وديني: الإسلام، ونبيي: محمد صلى الله عليه وسلم، وأما الكافر أو المنافق -شك الراوي- فيقول: هاه.. هاه.. لا أدري! كنت أقول ما يقول الناس} فإذا كان شأنك مجرد ترديد لما قال زيدٌ أو ما قال عبيدٌ، فإنَّ هذا لا ينفعك في القبر، خاصة في مجال الاعتقاد، بل ينبغي أن تأخذ دينك عن بصيرة، ومعرفة، وعلم، ودراسة، وفهم، وأن تأخذ -أيضاً- الأحكام الشرعية ليس عن طريق التقليد بل عن طريق الدليل: قال الله.. قال رسول الله، كما قال الله: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111].

    دعو كل قول عند قول محمد      فما آمنٌ في دينه كمخاطر

    وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، إذا جاء: قال الله.. قال رسول الله، لا تحتاج إلى كلام أحد بعد ذلك، وما كلام العلماء، والفقهاء، والمصنفين، والمدرسين؛ إلا مجرد إيضاح، وبيان، وشرح لمعاني نصوص القرآن والسنة.

    السبب الخامس : الخوف الدائم من الانحراف وسوء الخاتمة

    فإن الشيطان لا يوقَّر أحداً، ولا يمتنع من أحد، وقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2]. فانظر كيف خوطب المؤمنون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بالنهي عن معصية رفع الصوت على صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو الجهر عليه كما يجهر بعضهم لبعض، ثم قال الله: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2] ولهذا بوب الإمام البخاري رحمه الله: باب مخافة الإنسان أن يحبط عمله وهو لا يشعر, وقال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60] يؤتون ما آتوا، يعني: يعطون ما أعطوا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة: { قالت: أهو الذي يسرق ويزني؟ قال: لا، هو الذي يصوم، ويتصدق، ويصلي، ويخاف أن لا يقبل منه عمله}ولهذا تجد أن المؤمن الحق: شديد الخوف، ودائم الخوف، كما قال الحسن البصري: [[إن المؤمن جمع إحساناً وخوفاً]].

    أما المنافق أو ضعيف الإيمان فإنه آمن مطمئن، لا يمر هذا الكلام منه بخاطر، ولا يمر منه على بال، لأنه يرى أن الأمر مستقر ولا يدري ما يعرض له في الدنيا [[أما المنافق جمع إساءةً وأمنا ]] وقال الحسن مرة أخرى عن النفاق: [[والله ما أمنه إلا منافق، ولا خافه إلا مؤمن]].

    إنه لابد من الالتفات إلى القلب، وزرع الخوف من الله تعالى، والخوف الدائم من المعصية ومن سوء الخاتمة، ومن حبوط العمل، وملء القلب بالأعمال الصالحة، كأعمال القلب، من حب الله، وخوفه، ورجائه، والإنابة إليه، وتعظيمه، وطرد كل معاني الرذيلة: كالخوف من المخلوقين، والتعلق بالمخلوقين، والأحقاد، والحسد، والبغضاء، والأمراض القلبية، والإعجاب بالذات، وتقديس الذات، وتقديس الأنا، فلابد من علاج هذه الأمراض، وأن يحرص الإنسان على إصلاح داخله، وليس على التصنع، والتعمل، والتكلف بين الناس بالمظاهر فحسب.

    السبب السادس : الثقة بوعد الله تعالى

    سواءً في الدار الآخرة، قال الله تعالى: إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134].

    فيعلم أن الأمر يؤول إما إلى جنة وإما إلى نار، كما ذكر الله تعالى في كتابه أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: {وإنها للجنة أبداً أو النار أبداً}. ومثله -أيضاً-: الثقة بوعد الله تعالى في الدنيا بنصر الإسلام ونصر المؤمنين، وإنجاز وعده بذلك، فإن الاغترار بالعاجل مما أثر عن المنافقين؛ فإن الإنسان ينبغي أن يثق بالله وبوعد الله، ويعلم أن الدين منصور، وعزيز، ومرتفع، وأنه مهما طال الزمن أم قصر؛ فإن الله تعالى سينصر دينه، ويحقق وعده، وينصر عباده المؤمنين الصالحين، قال الله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:105].

    وقال: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُون [الصافات:171-173] فلا يغتر الإنسان بوقت محدود أو عاجل من الأمر، تغلب فيه الكفر على الإيمان في بلاد كثيرة، وأصبحت الحضارة المادية (حضارة الطين وحضارة المادة) تبسط وتمد رواقها على العالم كله، فإن هذا تشبه بالمنافقين الذين كانوا ويقولون: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب:12].

    يقول أحدهم:(محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر، ونحن لا نستطيع نذهب لقضاء الحاجة) أما المؤمنون فقالوا -لمّا اشتد الكرب واشتدت الأزمة-: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً [الأحزاب:22].

    السبب السابع : هو التواصي بالحق والتواصي بالصبر

    فإن الإنسان لا غنى له أن يوصي غيره بذلك، ويطلب من غيره الوصاية به قال الله تعالى: وَالْعَصْر * ِإِنَّ الإنسان لَفِي خُسْر * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر [العصر:1-3].

    السبب الثامن : الصدقة

    فإن الصدقة برهان، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: {والصدقة برهان} يعني برهان على صدق صاحبها وإِيمانه، حيث غلَّب الآخرة على الدنيا، وتغلَّب على حب المال، كما قال تعالى: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات:8]. ولذلك قال الله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ [البقرة:265] فالصدقة من أسباب التثبيت، ومن أسباب الثبات، ومن أسباب لزوم الطريق، كما أن الله تعالى توعد التاركين للصدقة وللإنفاق في سبيل الله بأن يستبدل قوماً غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم.

    السبب التاسع : هو الجهاد في سبيل الله

    كما وعد سبحانه وتعالى المؤمنين فقال: مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ [المائدة:54] إلى آخر الآيات، فالجهاد؛ قوه للفرد المجاهد لأنه يستنفر طاقاته وإمكانياته، ويجعله قريباً من الآخرة، مستعداً لها، ويعرض عن الدنيا، وعاجلها، وزخرفها، حتى إنك تجد بعض الشباب المجاهدين، تتعجب من أحوالهم وارتفاعهم على زخرف الدنيا وشهواتها ومطالبها، والواحد منهم ربما لم يتزوج، وربما عقد ولم يدخل بزوجته، وربما كان له ولد أو أولاد يحنُّ إليهم يحنون إليه، ويشتاق إليهم ويشتاقون له، ولكن حب الله ورسوله والدار الآخرة كما قال:

    يا بنت عمي كتاب الله أخرجني     طـوعاً وهل أمنعن الله مـا فعلا

    فإن رجعتُ فرب الكون يرجعني     وإن لحقتُ بربي فـابتغي بـدلا

    ما كنت أعرج أو أعمى فيعذرني     أو ضارعاً من ضنا لـم يستطع حِوَلا

    إذاً: الجهاد يقوي نفس المجاهد، ويرفع مستواه، ويبعده عن التعلق بالشهوات، والطمع فيها، والارتباط بها، والميل إليها، كما أنه يرفع مستوى الأمة المجاهدة، فالأمة المجاهدة -أيضاً- طاقاتها مستنفرة، وجهودها، وإعلامها، وتعليمها، وأعمالها، وأشخاصها، كلها موجهة إلى هذا الأمر الخطير الذي هو مقارعة الأعداء، وانتزاع العزة من براثنهم، والتغلب عليهم، فهذه الأمة المجاهدة لا مكان عندها لكثير من الأمور المباحة والجائزة، فضلاً عن الأمور المحرمة من الشهوات وغيرها.

    السبب السادس : الثبات عند الممات

    روى أبو اليسر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو ويقول: {اللهم إني أعوذ بك من الغرق، والحرق، والهدم، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت} إنَّ من الملاحظ أن الإنسان يبكي عند ولادته، لماذا يبكي؟!

    لما تؤذن الدنيا به من صروفها     يكون بكاءُ الطفل ساعةَ يولدُ

    وإلا فـما يبكيه مـنها وإنها     لأرحب من مما كان فيه وأرغد

    ثم يختم للإنسان - أيضاً - بحالةٍ من الضيق تشبه ما بدأَ له، وذلك إيذاناً بأن الدار الدنيا: دار جهاد، ودار بلاء، ودار صبر، ودار مقاومة، ودار منازلة قال تعالى: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:64].

    ولذلك أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99].

    واليقين هو الموت، وليست العبادة مرهونة بغاية محددة، فلا حصول على شهادة، ولا مرتبة، ولا وظيفة، ولا درجة، ولا شيء غير ذلك، إنما حتى يأتيك اليقين.

    لقد خذل كثيرون عند الموت: فمنهم من شك، ومنهم من كفر، ومنهم من تسخط القضاء والقدر، قيل لرجلٍ عند موته: قل: لا إله إلا الله، فقال: هو كافر بها!! وقال أبو جعفر: دخلت على رجل بالضيعة، وهو في الموت، فقلت له: قل: لا اله إلا الله، فقال: هيهات حيل بيني وبينها!! وقال أبو الحسن الفقيه: نـزل الموت برجل كان عندنا، فقيل له: استغفر الله، قال: ما أريد! قيل له: قل: لا إله إلا الله، قال: لا أقول!!

    وكان سفيان الثوري رحمه الله يقول لـإبراهيم بن أدهم: [[يا إبراهيم اسأل الله تعالى أن يقبضنا على التوحيد] وكان يقول:[[أخاف أن يشتد عليَّ الأمر، فأسأل التخفيف عند الموت، فلا أجاب.. فأفتتن، وكان يقول:إني أخاف أن أُسلب الإيمان]].

    إنك تجد صوراً عجيبة عن الذين عرفوا الله في الرخاء فعرفهم في الشدة، صدقوا مع الله، صبروا مع الله، وآمنوا وجاهدوا في حال الرخاء، فلما كانت الشدة عند الموت، كان الله تعالى بكل خيرٍ أسرع، فحفظهم وألقى عليهم السكينة والإيمان واليقين، حتى كان المؤمن يموت بعرق الجبين، قال: الطبري وابن عساكر وابن الجوزي وابن الأثير وابن كثير وغيرهم من المؤرخين:[[لما ثقل معاوية رضي الله عنه، قال: احشوا عيني بالإثمد، وأوسعوا رأسي دُهناً، ففعلوا، وبرق وجهه بالدهن، ثم مهد له، وأجلس، وأسند، ثم قال: ليدن الناس: فليسلموا عليّ قياماً، فكان الرجل يقوم فيسلم عليه، ثم يقول: يقولون معاوية مريض وما به شيء هو أصح الناس، فلما خرجوا من عنده، قال:

    وتجلدي للشامتين أريهـم     أني لريب الدهر لا أتزعزعُ

    وإذا المنية أنشبت أظفارها     ألفيت كل تميمة لا تنفعُ

    أما أبو بكر رضي الله عنه لما حضره الموت، قال: كفنوني في ثوب خلق، فإن الحي أولى بالجديد من الميت، وإنما هذا الكفن للمهلة والصديق، فقالت عائشة رضي الله عنها:

    لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى      إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر

    قال: [[يا عائشة، دعي هذا، وقولي كما قال الله تعالى: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19].]]

    إن ساعة الموت ساعةَ يحضر الإنسان فيها ما كان يشغله في الدنيا من خيٍر أو شر، فالنحوي يفكر في النحو، فإذا قيل له شيء، قال: أموت وفي النفس شيءٌ من (حتى) والبياع يفكر في تجارته وبيعه فربما سام أو باع أو اشترى، وصاحب النساء والقيان والغناء ُيحضُر له ذلك، وصاحب الذكر، وصاحب الطاعة، وصاحب القرآن يختم له بذلك، حتى وهو في غيبوبته يقرأ من هذا القرآن وربما لا يتوقف أبداً حتى تخرج روحه، ولذلك يقال إن أبا طاهر القرمطي -وهو من القرامطة المعروفين -لما هجم على الكعبة، وقتل الحُجاج، وملأ بئر زمزم من هؤلاء، فلما قتل في الحجاج قتلاً ذريعاً وأتى إلى الطُّواف، فكان يقتلهم كان هناك رجل من الطائفين اسمه علي بن بابويه من العباد الطواف فكان يطوف، فضربوه حتى سقط، وكان يتمثل ويقول:

    ترى المحبين صرعى في ديارهم      كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا

    يعني هو محب لله تعالى، ولذكره، ولبيته الحرام، ولعبادته، ولطاعته فلا يهمه ما أصابه، وأبو الوفاء بن عقيل رحمه الله تعالى، وهو من الحنابلة، من أذكياء العالم، ومن كبار العلماء والفقهاء، يقول: لي خمسون سنة، وأنا أوقع عنه- يعني عن الله تعالى- فدعوني أتهيأ لمقابلته جل وعلا.

    ويروى عنعبد الأول السجزي كما ذكر ذلك ابن الجوزي وغيره، أنه لما حضرته الوفاة، قال: يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين.

    اللهم ثبت قلوبنا على دينك، اللهم ثبتنا بقولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب اصرف قلوبنا إلى طاعتك، اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة، والنجاة من النار... يارب العالمين.

    1.   

    الأسئلة

    حكم قراءة كتب المرتدين

    السؤال: هل تنصح بقراءة كتب عبد الله القصيمي -عافاني الله وإياكم من طريقه-؟ وهل ما زال على قيد الحياة؟ وأين يعيش -جزاك الله خيراً- والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؟

    الجواب: أما النصيحة بقراءة كتبه فلا أنصح بقراءة كتبه، لسبب: أولاً: أن هذه الكتب أنواع: ففيها الكتب التي ألفها بعد انحرافه، هذه لا شك فيها، لكن حتى الكتب التي ألفها من قبل، فإنها لا تخلوا من الروح التي أسلفت قبل قليل، هذا من جانب، الجانب الآخر أن لها تأثيراً تربوي على القارئ، فإن القارئ إذا قرأ وأعجب بهذا الكلام، وزاده هذا الكلام إيماناً، تذكر أن صاحب هذا الكلام ومصدِّره قد ارتد وألحد، فكان هذا سبباً في ضعف القارئ، وضعف تقبله وتأثره بما يقرأ لهذا الرجل، وقد يحدث هذا عنده تأثراً سلبياً عكسياً، ولهذا لا أنصح بقراءة كتب هذا الرجل، أما أين يعيش: فلست متأكداً، لكن أعتقد أنه ما زال حياً، وربما كان يعيش في مصر، أو فرنسا، أو غيرها والله تعالى أعلم.

    حكم حديث النفس وخواطرها المحرمة

    السؤال: وهذا يقول: مسلم تجري في هواجسه ودواخل نفسه حب الشهوة، وتذكر بعض صورها، ولكن في دنيا الواقع يبتعد عن ذلك، ويخشى من ربه إذا ما وقع في شيء من ذلك، فهل يحاسب على تلك الهواجس دون التطلع إلى العمل بها؟

    الجواب: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى [النازعات:40]. فليس الإنسان مطالب أن لا يعتمل الهوى في قلبه، لكنه مطالب أن ينهى نفسه عن الهوى، وإلا فإن الإنسان ركبت فيه الغريزة، ولكن ينبغي أن يعمل على إشباعها بالطريق المباح، ولهذا الله تعالى حرم السفاح وهو الزنا، وشرع النكاح، وحرم الربا وأباح وأحل البيع، فما حرم الله تعالى أو أغلق باباً من الشر إلا وفتح بديلاً عنه باباً من الخير، فعلى الإنسان أن يعمل على إشباع الشهوات الفطرية الطبيعية بالأسلوب الشرعي المباح، ويبتعد عن المعاصي ولا يضره ما مر في خاطره وراء ذلك.

    وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.