إسلام ويب

حديث الروحللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هذا الدرس حديث محب إلى أحبابه، حديث معلم مشفق إلى طلابه، بعد غياب عنهم استمر ثمانية أشهر، وهو يتكلم في جوانب مختلفة تتعلق بالدعوة إلى الله تعالى.

    1.   

    ترحيب وإشادة واعتذار

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وأصحابه وأتباعه الذين قضوا بالحق وكانوا يعدلون.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:71].

    ربِّ لك الحمد لا أحصي الجميل إذا     نفثتُ يوماً شكاة القلب في كرب

    فلا تؤاخذ إذا زل اللسان وما      شيء سوى الحمد في الضراء يجمل بي

    لك الحياة كما ترضى بشاشتها     فيما تحب وإن باتت على غضب

    رضيت في حبك الأيام جائرةً     فعلقم الدهر إن أرضاك كالعذب

    الترحيب بالجمع الحاضر

    أيها الأحبة: أود أن أرحب بكم ترحيباً حاراً، يتناسب مع هذا الجمع الغفير، الذي حضر في هذا المسجد، لحضور مجلس من مجالس العلم، والقعود في روضة من رياض الجنة، لكن الدهشة تعقد لساني وأنا أرى هذا الجمع يضيق به الرحب، فتموت الكلمات في فمي قبل ميلادها، خاصة وأنا أرى أمامي عدداً كبيراً من أصحاب الفضيلة المشايخ، وأهل العلم وأساتذة الجامعات ورجال الدعوة والإصلاح، من هذا البلد ومن غيره، فمعذرة -أيها الأحبة- لكم جميعاً، إن عيي اللسان وعجز البيان.

    الفرحة بوجود المشايخ

    أحبتي في الله:

    يشهد الله تعالى أنني أفرح بمثل هذا الجمع، لكن لغيري أفرح به، لو كان احتشد لسماع صوت داعية من دعاة الحق النابهين، كأمثال الشيخ الكريم عائض بن عبد الله القرني، أو الشيخ عبد الوهاب الناصر، أو الشيخ سعيد بن زعير، أو الشيخناصر العمر، أو الشيخ سفر الحوالي، أو الشيخ صالح الونيان أو غيرهم من أصحاب الفضيلة وأهل العلم، أما أن يكون احتشد لسماع ما عندي، فهذا والله يحزنني ويضايقني، وذلك لعلمي أني لا أملك الشيء الذي جاءوا يطلبونه، ووفدوا من أجله، وإنني أحوج إلى هذا الشيء منهم، وكما قال أحدهم: (فاقد الشيء لا يعطيه) ومع ذلك فإنه لا يفوت لي أن أشيد بمعنى كبير من معاني هذا الحضور إلى حلق العلم، ومجالس الذكر، فإن هذه الجموع جاءت لتعلن بحالها ومقالها، أن الأمة لم تعد تلك اللاهثة وراء التوافه من الأمور، ولم تعد تلك الجموع الساذجة، التي تبدأ همومها وتنتهي عند مباراة كرة، أو سهرة في غناء، أو حفلة لا طائل من ورائها، لكنها أصبحت أمة تعنيها قضيتها وتهمها هويتها، وتسعى إلى حيث تظن أنها تجد العلم والدعوة والكلمة.

    فهنيئاً أيها الإخوة لكل وافد إلى روضة من رياض الجنة، تتنـزل فيه الرحمات، وإلى حيث يباهي الله تعالى ملائكته، وينـزل رحمته ويقول:{هم القوم لا يشقى بهم جليسهم}.

    أيها الإخوة: يشهد الله تعالى أنني أتيت إلى هذا الموقع، وكل ما أتمناه أن أكون ممن يقول الله تعالى له:{هم القوم لا يشقى بهم جليسهم} فأكون غير شقي بمجالستكم ومقابلتكم لعل رحمة الله أن تنـزل فتعمني وتعمكم أجمعين، وتحية أيها الأحبة، لكل شاب آثر الجد في حياته على العبث، وآثر العمل على اللهو، وآثر الدعوة والإصلاح على الضياع والغفلة.

    هذه المجالس أثر نبوي

    أيها الإخوة:

    إن هذه المجالس التي نجلسها والدروس التي نتحدث فيها ونعقدها، هي أثر نبوي وهدي محمدي، نقتفي فيه أثر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يوم كان يجمع أصحابه إليه ليصل الأرض بوحي السماء، ثم كان أصحابه من بعده على إثره، فكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يجلس بـأهل الكوفة كل خميس، ومثله كان أبو هريرة رضي الله عنه في المدينة وابن عباس في مكة، ومعاذ في الشام وهكذا، ثم ورث هذه المهمة الجليلة النبيلة علماء الإسلام، جيل بعد جيل، ورعيل بعد رعيل، وأمة إثر أمة، يأخذ الآخِر عن الأول.

    أيها الأحبة: إن كل بضاعتنا، آية محكمة أو سنة ماضية، أو علم ينتفع به، وما كانت مجالس العلم في المساجد يوماً من الأيام، مجالس لهو ولعب، ولا مجالس عبث ومتعة، ولا مجالس سفه ولذة، وإنما يقفو فيها الدعاة أثر أنبياء الله ورسله، ينادي كل منهم: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأعراف:59] أما غير هذا فليس من بضاعتنا، وقد رضي الدعاة كلهم.

    من عاجل الدنيا بهذا الفرح الغامر المتصل الذي يعمر قلوبهم، فيحسون به في كل بسمة صدق، وفي كل رعشة طرف، وفي كل تحية، وكل كلمة، وكل خطوة، بل وفي كل غمضة عين، فإذا رأوا أرباب الدنيا، وما هم فيه من الكد والنكد والهم المقعد المقيم، انطلقت ألسنتهم بعفوية تامة، وأيديهم مرفوعة إلى السماء تقول: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاكم به، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا.

    الدعاة ملوك على الأسرة

    إن الدعاة إلى الله تعالى يركبون اليوم وفي كل يوم ثبج هذا البحر المتلاطم اللجي، ملوكاً على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة، كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم- عن الغزاة الذين يركبون البحر مجاهدين في سبيل الله حين رآهم في منامه، فاستيقظ وهو يضحك أنه قد رأى أناساً من أمته ملوكاً على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة، غزاة في سبيل الله تعالى، والدعاة إلى الله لا يرضون أبداً أن تكون الدنيا كلها جزاء لبعض ما عملوه وقدموه، فضلاً عن أن تكون جزاء لكل ما عملوه وقدموه، فلئن كان لهم على جهادهم في سبيل الله تعالى أجر في الآخرة، فهم لا يبيعون أجرهم من الآخرة بعاجل الدنيا، ولا يبيعون الذهب بالخزف، ولئن كانوا محرومين من الأجر، فما فاتهم من أمر الآخرة لا يعوض بثمن، ولا ينفع بعده أن يملكوا الدنيا وما فيها، فهم قد رضوا بالدار الآخرة، حين رضي غيرهم بالدنيا، قال تعالى: فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة:38].

    سبب توقف الدروس

    كان آخر درس انعقد في هذا المسجد المبارك، هو برقم (34) وكان بعنوان (الشريط الإسلامي ما له وما عليه) وكان بتاريخ (1/6/1411هـ)، وحصل بعده التوقف بسبب السفر، ثم الامتحانات إلى غير ذلك من الأسباب التي هي غير خافية عليكم، إن المدة التي فصلت بين هذا الدرس الذي نعقده الآن، وبين ذاك الدرس هي ثمانية أشهر بالكمال والتمام، بقي شهر واحد لتصبح تسعة أشهر، ولو كان ذلك كذلك لصح فيها قول العقاد في قصيدته المشهورة، التي ألقاها على ضريح سعد حينما خرج من السجن، وكان يقول في مطلعها:-

    إلى الذاهب الباقي ذهاب مجدد     وعند ثرى سعد مثاب ومعهد

    إلى مرجع الأحرار في الشرق كله     إلى قبلةٍ فيها الإمام موسد

    خرجت له أسعى وفي كل خطوة     دعاء يؤدى أو ولاء يؤكد

    وشاهدي من تلك القصيدة: قوله:-

    وكنت جنين السجن تسعة أشهر     وهأنذا في ساحة الخلد أولد

    ففي كل يوم يولد المرء ذو الحجى     وفي كل يوم ذو الجهالة يلحد

    وما غيبتني ظلمة السجن عزمة     فما كل ليل حين يغشاك مرقد

    وما غيبتني ظلمة السجن عن سنىً     من الرأي يتلو فرقدا منه فرقد

    عداتي وصحبي لا اختلاف عليهم     سيعهدني كلٌ كما كان يعهد

    إنها معان كبيرة، فهو يقول: إن المرء العاقل اللبيب يكتسب كل يوم ميلاداً جديداً لخبرة وتجربة تحنكه لموقع قدمه، وإن المرء الجاهل يدفن في كل يوم بألوان من الجهالات، وسوء الرأي وخطأ التدبير.

    ويقول: إن غيابة السجن لم تحطم عزيمتي، بل زادتني قوة ومضاء، فليس كل ليل يغشاك فرصة للنوم والرقاد، ويقول: لن يغير ما حدث لي شيئاً مما كنت عليه، فأعدائي وأصدقائي سيجدوني كما عهدوني لا اختلاف عليهم، فما أجمل ما قاله العقاد في قصيدته هذه.

    1.   

    التردد في اختيار العنوان

    أيها الأحبة: على أنني أشكركم على هذا الحضور المعبر كما أسلفت من هذا البلد، ومن بلاد ومناطق أخرى، إلا أنه يقلقني أن أرى هذا الجمع أمامي، فهذا الجمع ما حضر إلا ليسمع شيئاً ثميناً سميناً، وهذا الشيء الثمين السمين لا أملكه ولا أستطيعه، فلعل كرمكم الذي دعاكم إلى هذا الحضور، أن يدعوكم إلى أن تلتمسوا العذر لأخيكم في هذا الوقت وفي كل وقت، وقد خاطرت نفسي -أيها الأحبة- كثيراً فيما أتحدث به إليكم في هذه الجلسة الافتتاحية الحافلة، فلم أجد من المناسب أن أعالج موضوعاً خاصاً محددا،ً كما هي العادة في هذه الدروس، ولكني وجدتها فرصة للإفضاء إليكم بمجموعة من الخواطر والأحاسيس المتأججة في نفسي، وإن كانت متفرقة متناثرة، فالحديث -كما تقول العرب- ذو شجون.

    ثم احترت في العنوان الذي يجمع شتات هذا الحديث فأطل علي اختيار الإمام ابن الجوزي رحمه الله وقال لي ليكن عنوان حديثك (صيد الخاطر) ولكن سبقه حسن تعبير محمد إقبال رحمه الله في قصيدته (جواب شكوى) فقال: بل حديث الروح فكان عنوان هذه الجلسة (حديث الروح).

    حديث الروح للأرواح يسري     فتدركه القلوب بلا عناء

    هتفت به فطار بلا جناح     وشق أنينه صدر الفضاء

    ومعدنه ترابيٌ ولكن      جرت في لفظه لغة السماء

    لقد فاضت دموع العشق مني     حديثا كان علوي النداء

    فحلق في ربا الأفلاك حتى     أهاج العالم الأعلى بكائي

    1.   

    جهود المشايخ في عودة الدروس

    أيها الأحبة: وفي الوقت الذي أشكر فيه جميل مشاعركم وكبير جهودكم في عودة هذه الدروس إلى ما كانت عليه، فإنكم دون شك تدركون أنكم كنتم تصنعون شيئاً ترونه أنتم نافعاً للأمة، أو لأفراد من الأمة، وإنني إذ أقدر اجتهادكم وجهادكم وبلاءكم، أقدر أيضاً جهاد أولئك الأئمة الأفاضل النبلاء الذين كان لهم بلاء أي بلاء، وعلى رأسهم سماحة الوالد الإمام العلامة بقية السلف الصالح الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن بازحفظه الله، وفضيلة الشيخ العالم الداعية الموفق محمد بن صالح العثيمين، وفضيلة الشيخ عبد الرحمن العجلان، وأمثالهم من مشايخ كُثر، لا يحضرني عدهم وحصرهم ولا أنسى منهم أيضاً الشيخ صالح الفوزان، والشيخ صالح اللحيدان، وغيرهم من كبار شيوخنا، ممن بذلوا جهودهم في عودة هذه الدروس ومشاركتنا ومشاركتكم جميعاً في ذلك.

    1.   

    مفاهيم ضرورية

    أهمية الوقت واستغلاله

    ومع ذلك فإنني أرى من واجبي بهذه المناسبة، أن أضع بعض المفاهيم الضرورية بين أيديكم أولها: لم تكن هذه الأيام بل الشهور التي مضت لتضيع سدى، على قوم عرفوا معنى الحياة، ونافسوا في استدراك لحظاتها العابرة والتهابها قبل فواتها، فأما أنتم فلكم بحمد الله تعالى من حضور مجالس العلماء العامرة، وحلقات الوعظ ومتابعة ما يَجِدُّ من الأشرطة والكتب، ما يحفظ عليكم أوقاتكم، ولم يكن من الحزم بحال من الأحوال، أن يضيع لفرد واحد منكم فصاعداً ولا دقيقة واحدة من وقته في انتظار الإفراج، عن درس أو محاضرة، فالوقت كما قال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي: [سريع التقضي، أبي التأتي، بطيء الرجوع]] والله تعالى لم يجعل الاستمساك بالدين، ولا البحث عن العلم مربوطاً بوجود شخص بعينه مهما كان قدره، حتى ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم فضلاً عن الصعاليك المفلسين من أمثالنا، وفي الأمة بحمد الله تعالى من الرجال المخلصين، والدعاة الصادقين، والعلماء العاملين، ما تقوم بهم الحجة في كل وقت وحين، فالحمد لله رب العالمين.

    إنه ليسوؤني أن يكون عشرة فقط من أفاضل الطلاب، توقف تحصيلهم العلمي لتوقف الدروس، فإن معنى ذلك في لغة الحساب ضياع ثماني سنوات من عمر فرد واحد، وهي فترة يستطيع الفرد المخلص الجاد أن ينجز فيها الكثير الطيب المفيد، أما بالنسبة لي فقد تسنى لي في هذه الفترة، فترة التوقف التي دامت ثمانية أشهر إنجاز ما يزيد على ثلاثمائة صفحة من دروس بلوغ المرام، أرجو أن تكون محققة محررة وما يسرني أن لي بها حمر النعم، فضلاً عن إعداد مجموعة من الكتب والمؤلفات والمقالات التي أسأل الله تعالى أن يرزقني فيها الإخلاص والصواب، وأن يجعلها خالصة لوجهه نافعة لعباده، إنه على كل شيء قدير.

    أهمية الكتاب والشريط

    أمر آخر: لقد علمنا الله تبارك وتعالى أن نتواضع في تقديرنا للأمور، فقال سبحانه: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [النساء:19] وقال: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:216] فالإنسان قد يدرك شيئاً من الحاضر، لكن كثيراً ما يغيب عنه المستقبل، وعلى سبيل المثال: يقدر الناس في هذا الوقت قيمة الدرس المسجل في شريط، فيقولون: الشريط يسمعه الجميع، ويوزع منه عشرات وربما مئات أو ألوف أو عشرات الألوف وهذا لا شك صحيح، ولعلي ممن قال مثل هذا الكلام في مناسبتةٍ، ولكن الناس أيضاً قد يقللون من قيمة الكتاب مثلاً؛ لأنه يخاطب فئة معينة في المجتمع، مع أننا نقرأ في الإحصائيات، أن بعض الكتب قد يوزع منها في بلد واحد، وربما في غضون شهر واحد أو شهور ما يزيد على مليون نسخة، خاصة لدى الأمم المحبة للقراءة والاطلاع، وقد ينسى الكثيرون أن الكتاب أطول عمراً من الشريط، وقد تنتفع به أجيال وأجيال وأجيال، ولا يزال العلماء الذين دونوا علمهم في الصحائف أحياء بيننا بعلمهم وتراثهم، ومن ذا يجهل أثر الإمام ابن تيمية أو تلميذه الإمام ابن القيم على تفكير المسلمين في كل مكان، مع أنك لو ذهبت إلى أماكن التسجيلات، لم تظفر ولو بشريط واحد لهذا ولا لذاك، إنني لا أقلل من قيمة الشريط، ولكني أقول: ربما أدى استغراق بعضهم في إعداد المادة العلمية المسجلة التي يحتاجها جمهورهم المباشر، ربما أدى ذلك إلى غفلتهم أحياناً عن المادة المكتوبة التي تحتاجها الأمة في كل مكان، وقد تحتاجها أجيال الأمة في حاضرها ومستقبلها، وعلى كل حال فالخير لنا جميعاً فيما يختاره الله -تعالى- لنا، واختيار الله لنا أعظم وأفضل من اختيارنا لأنفسنا قال الشاعر:

    لا تُدبِّر لك أمرا فأولو التدبير هلكى     سلم الأمر تجدنا نحن أولى بك منكا

    سعة أبواب الخير

    أيها الأحبة: أمر ثالث: فمجالات الدعوة إلى الله مجالات واسعة، لا تحدها الحدود والسدود، ولا تحول دونها الحوائل والقيود، والداعية الصادق لا يتوقف عن دعوته، ما دام دمه يجري في عروقه، فالدعوة نبضه وحياته وخفق فؤاده، والداعية الصادق هو من إذا ضاق عليه طريق شق لخدمة دعوته ألف طريق؛ وإذا أُغْلِقَ في وجهه باب، فتح لخدمة دينه ألف باب.

    وقد جاء الإسلام يعلمنا الكثير أيها الأحبة، وعلى سبيل المثال قف قليلاً وتأمل هذه النصوص النبوية، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: {يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟

    قال: إيمان بالله وجهاد في سبيله، فقلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها، قال: فقلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعاً أو تصنع لأخرق، قال: قلت يا رسول الله: أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال:تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك}.

    فهناك مستويات شتى تبدأ بالجهاد في سبيل الله والإيمان به، الذي فيه بذل الروح ونـزف الدم، وعقر الجواد وتنتهي بأن تكف شرك عن الناس، فهو صدقة منك على نفسك، وبين ذلك مراحل ومراحل قال تعالى: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [البقرة:60] وكل إنسان يضع نفسه في الموضع الذي يرى أنه يطيقه ويستطيعه، حتى أولئك الذين تأصلت فيهم السلبية وعجزوا، يكفي أن يكفوا شرهم عن الناس، وهذه صدقة منهم على أنفسهم، ولم يكن أبو ذر رضي الله عنه -بحال من الأحول- واحداً من هؤلاء، بل كان من أهل البذل والتضحيات الجسام، لكنه يسأل هذا السؤال تواضعاً لله عز وجل وتعليماً لمن وراءه، وإدراكاً أن الإنسان الواحد قد يكون في حال من الأحوال، صاحب بذل وتضحية في سبيل الله، وفي حال أخرى قد يدركه شيء من الضعف، فيقعد عن بعض العمل.

    وهناك حديث آخر عن أبي ذر رضي الله عنه، قال يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق} من هو الذي لا يملك الابتسامة الصادقة التي تكسو وجهه، فتكشف عن قلب لا يحمل لإخوانه المسلمين، إلا الحب والوداد، ولا يتمنى لهم إلا السعادة والتفوق، وليست البسمة الصفراء، التي تخفي وراءها الغدر والخديعة، {ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق، وتبسمك في وجه أخيك صدقة}.

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة} وفي رواية {ولو ظلفاً محرقاً} أي تتصدق المرأة لجارتها ولو بظلف شاة، ولو كان الظلف محرقا أيضاً، فإنه لا يجوز لها أن تحقر هذه الصدقة لأختها المسلمة، وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة} وكل هذه الأحاديث صحيحة.

    ولذلك قال الإمام النووي رحمه الله في رياض الصالحين: (باب كثرة طرق الخير) وساق أحاديث كثيرة جداً، تدل على أن أبواب الخير كثيرة غير محصورة، وأنه لا أحد يقول: لا أستطيع، بل كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهو يستطيع أن يصنع الكثير، شريطة أن يكون عنده إيمان بالله، ثم عنده ثقة بما أعطاه الله تبارك وتعالى وأنعم عليه.

    نماذج لخدمة الدين

    إن مجالات خدمة الدين -أيها الأحبة- واسعة سعة الهمة والإرادة التي يتحلى بها المسلم، وكم من باب يعرض عنه الإنسان زهداً فيه فيسوقه الله تعالى إليه برغمه وربما بكيد خصمه، وأضرب أمثلة سريعة لبعض المشاركات الإيجابية المتواضعة التي عرفها المسلمون في أزمنة شتى.

    قال الذهبي رحمه الله في ترجمة الإمام أحمد من كتابه تاريخ الإسلام، عن صالح بن أحمد عن أبيه أنه قال: [[لما صرنا إلى الرحبة، جاء رجل فقال: أيكم أحمد بن حنبل؟ فقيل له هذا أحمد بن حنبل، فقال الرجل للجمال الذي يحمل الإمام أحمد على رسلك أرفق! فتوقف الجمال، فقال الرجل يا هذا؟ -يخاطب الإمام أحمد الرجل المجاهد في سبيل الله الذي كان يرفع راية أهل السنة في وقته، وكان رمزاً ونموذجا للصبر عليها، فهذا الرجل يرى أن له مشاركة ومساهمة في هذا الباب، إن لم يقف ذاك الموقف لم يعجز أن يقف أمام الإمام أحمد- ويقول له: يا هذا! ما عليك أن تقتل ها هنا وتدخل الجنة، ثم قال أستودعك الله ومضى]] فتعجب الإمام أحمد من هذا الموقف، وسأل عن الرجل فقيل له: هذا رجل من ربيعة من البادية يعمل الشعر في الصحراء، في رواية أخرى أن الإمام أحمد كان يقول: [[ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر، أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في الرحبة، قال يا أحمد: إن يقتلك الحق تمت شهيداً، وإن تعش تعش حميداً، قال: فقوى قلبي بذلك ]].

    وفي بعض الروايات أن لصاً كان في السجن قال للإمام أحمد: [[والله يا إمام إنا لنجلد في متاع سرقناه لا يساوي درهمين، مثل ما تجلد أنت على قضية دينية، فاصبر واحتسب، قال: فقوي الإمام أحمد بذلك]] ونموذج آخر من المشاركة والمساهمة، خطب السلطان نور الدين خطبة حث الناس فيها على الجهاد، وألهب حماسهم في مقاومة أعداء الإسلام، فسمعته امرأة من المؤمنات فتلفتت فلم تجد لها شيئاً تستطيع أن تجاهد به، تقول الرواية التاريخية: فنظرت المرأة وأحست أنها هي المخاطبة دون غيرها، فما كان منها إلا أن قطعت ضفيرتها وبعثت بها إلى السلطان نور الدين، وقالت ليكن هذا لفرسك، وقل للرجال: إن كنتم عجزتم عن القتال فهلموا واقعدوا في بيوتنا ودعونا نقاتل.

    ولا أريد أن نناقش هذه الرواية من الناحية الفقهية، أكانت هذه المرأة مصيبة حين قطعت شعرها أم لا؟

    أكانت هذه المرأة تصلح أن تخرج للجهاد أم لا؟

    فليس المقصود أن نقتدي بهذه المرأة في تفصيل ما عملت، لكن المقصود أن ندرك أن كل واحد منا يجب أن يشعر أنه هو المخاطب قبل غيره، بوجوب أن يبذل ما يستطيع لهذا الدين.

    تصورات ممكنة لخدمة الإسلام

    أيها الأحبة: إننا نحتاج إلى مجتمع كل أفراده عقائديون، ليس فيهم من يكون انتسابه للإسلام انتساباً صورياً، ليس فيهم عضو شرف كما يقال، أو متفرج أو صفر على الشمال، أو مسلم بالمجان، هذا لا يكون ولا يجوز، ولا يجوز أبداً أن نظل نردد كل ما سمعنا خطباً يلم، أو مصيبة تنـزل، أو منكراً يقع، أو معروفاً يختفي، أين فلان؟

    ماذا عمل فلان؟

    أين الشيخ الفلاني؟

    أين العلماء أين الدعاة؟

    لا؛ بل يجب أن تقول أين أنا؟

    والسؤال أنت ماذا فعلت؟

    وماذا قدمت؟

    وما هو دورك الذي اطلعت به كفرد من أفراد المسلمين؟

    نريد منك - بارك الله فيك- المشاركة الإيجابية، ولو بكلمة طيبة، ولو بدعوة صادقة في جوف الليل، بل ولو بخفقة قلب حزين يعبر عن الأسف لمصائب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. إن الأمة -أيها الأحبة- تنهار حين تضع مستقبلها في يد فرد واحد، مهما كانت منـزلته، بل يجب أن تمارس الأمة وجودها في كل فرد من أفرادها.

    ولو تصورنا الأفراد الإيجابين، الذين يمارسون ويؤدون مشاركتهم في هذا الأمة، لو تصورناهم عشرة ملايين فقط من بين مليار مسلم، كما يقال في الإحصائيات الرسمية، فماذا يمكن أن نتصور، كيف يمكن أن تكون الأحوال؟

    لو أن كل فرد من هؤلاء الملايين العشرة في رقعة الإسلام من شرقها إلى غربها، لو أنه أشترى في الشهر نسخة من كتاب مفيد، ثم قرأه وأهداه؛ كان معنى ذلك أننا أوصلنا مضمون هذا الكتاب إلى عشرين مليون مسلم، في شهر واحد ولو أنه اشترى شريطاً واحداً فسمعه، وأسمعه أهل بيته، لكان معنى ذلك أن مستمعي هذا الشريط، لايقلون عن خمسين مليون مسلم في أسبوع أو شهر واحد، ولو أنَّ كل واحد منهم خاطب بالدعوة إلى الله تعالى، وساهم بنشر المفاهيم الإسلامية الصحيحة، لدى ثلاثة أفراد فقط، لكان معنى ذلك أننا خاطبنا بالدعوة ثلاثين مليون إنسان في وقت واحد، من الذي يعجز عن ذلك؟!

    قل لي بالله عليك أي مؤسسة في الدنيا مهما عظمت جهودها، وكثرت وتضخمت إمكانيتها، تستطيع أن تجند مثل هذا العدد الهائل من المراسلين، أو أن تطبع مثل هذا العدد الهائل من الكتب، أو أن توزع مثل هذا العدد الهائل من الأشرطة، أين جهود المؤسسات التنصيرية التي تدعو إلى النصرانية، والمدعومة بالأعداد الهائلة من المنصرين، وبالأموال الطائلة، إن جهودها عند هذا العمل الإسلامي العظيم لا تعد شيئاً مع أن هذا العمل الكبير يمكن أن يقوم بجهودي وجهدك فحسب.

    إن طالب المدرسة الابتدائية، يستطيع أن يوفر من ريال المقصف الذي يدفع له يومياً، أربع ريالات في الشهر، يشتري بها كتاباً أو شريطاً يستفيد منه، ثم يدعو به غيره، ولو أن كل مسلم من هؤلاء الملايين العشرة الذين اعتبرناهم إيجابيين، لو أنه أنشأ مشروعاً تجارياً متواضعاً، لا يتعد رأس ماله خمسين ألفاً، لكان معنى ذلك أن المسلمين يمتلكون عشرة ملايين مشروع تجاري، ولما صار المسلمون من الشعوب المتخلفة الفقيرة، بل شديدة الفقر التي أصبح يطلق عليها في هذا الوقت حزام البؤس، وكثير منهم لا يجد قوت يومه، وربما يموت عشرات الألوف من المسلمين جوعاً في مشارق الأرض ومغاربها.

    دعنا من هذا كله، لنفترض أن إنساناً لا يريد أن يساهم بهذا ولا ذاك، أو لايطيق هذا ولا ذاك، لدينا أمر آخر، لو أن هؤلاء الملايين العشرة تصورنا أنهم قاموا في جوف الليل في ليلة واحدة، فدعوا الله دعوة صادقة من أعماق قلوبهم، لا يدعونه فيها بطلب دنيا، وإنما يدعون الله تعالى أن يرفع عن المسلمين البلاء الذي يحل بهم في المشرق والمغرب، وأن يفرج عن المسلمين مايحل بهم من الكربات، هل تتصور عشرة ملايين قلب صادق مخبت بعيون دامعة، وألسن متضرعة وأكف مرفوعة يدعون الله تعالى بدعوة واحدة، هل تتصور أن الله تعالى يمكن أن يرد دعاءهم؟

    أظن هذا والله من سوء الظن بالله، ولا يمكن إلا أن يكون الله تبارك وتعالى أعلم من بين هؤلاء الملايين العشرة الذين هم صفوة المسلمين، والله أعلم أن يكون من بينهم من لو أقسم على الله لأبره، فأين الدعوات الصادقة؟!

    وأين القلوب الملهوفة؟!

    وأين النفوس التي أمضَّها الألم مما أصاب المسلمين ونـزل بهم من الأحوال التي يطول عنها الحديث؟!

    إن الجهد المتواضع الذي يبذله أفراد كثيرون، أجدى على الأمة بكثير من جهد فردي يقوم به قلة من الناس، مهما تعاظم جهدهم ونما، والجهد الذي يقوم به الكثير أعظم بركة وأعظم أثراً وأبقى وأمنع من كيد الخصوم، من الذي يستطيع أن يمنعك من شراء كتاب، أو توزيع شريط واحد، أو مخاطبة فرد واحد بالدعوة إلى الله تعالى؟!

    لست أنكر يا أخي أننا بدأنا نلمس شيئاً من الإيجابيات التي ندعو إليها، وهذا التفاعل والمشاركة التي نطمح إليها، بدأنا نحس شيئاً من ذلك يجعلنا أن نردد مع الشاعر المسلم محمد إسماعيل قصيدته الجميلة المعروفة التي هي بعنوان: (قبول السماء) والتي يقول فيها:

    بدأنا نمزق ثوب العدم     ونلطم بالحق وجه السدم

    بدأنا كما بدأ الهالكون     إذا السور في جانبيهم ألم

    بدأنا كما بدأ التائهون     رمى الفجر في ناظريهم علم

    بدأنا كما انتبه الغافلون     على صيحة من هدير القمم

    بدأنا وفينا الأسى والهوان     وفينا العذاب وفينا السقم

    وفينا قبور طوال الأنين     عليها الردى ليله مدلهم

    وفينا الظلام منيف الفساد     يعشعش فيه خراب الذمم

    وفينا الكرامة مرجومة      كمحصنة لوثتها التهم

    وفينا المذلة للغاشميـن      كأنا ولو لم يشاءوا خدم

    وفينا النفاق عطور تساق     وفي زهرها فاتكات النقم

    وفينا الجياع وفينا لهم     قلوب متيمة بالصمم

    وفينا التعبد للجائرين     نصلي لمن جار أو من ظلم

    تباركت يا رب، هذا الجحيم     من الذل ما كابدته أمم
    !

    ولكن يا ترى، متى تصل الأمة المسلمة إلى مستوى كيد عدوها الجاثم في بلادها؟!

    وعلى أرضها الممسك بخناقها، والمتعجرف الذي لا يعرف إلا الرفض، على حين تعلمت الأمة المسلمة المرونة حتى أصبحت بمرونتها، تستطيع أن تجعل رأسها مكان رجليها.

    إن كل يهودي في الدنيا مجند لخدمة إسرائيل، وبذلك تمكنت أن تملك أخطر أسرار الأسلحة النووية، والكيماوية وما يسمى بأسلحة الدمار الشامل، حيث تفيد بعض التقارير الحديثة أن إسرائيل تملك نحو مائتي قنبلة نووية، ولست أدري بالضبط لمن يعدون هذا السلاح، في الوقت التي ترتفع فيه أصوات المنادين بالسلام، لكن المهم على أي حال أنهم جادون في عصر لا يحترم الكسالى، وأقوياء في عصر لا يحترم الضعفاء.

    أحبتي: إن من مظاهر البداية الحسنة، أن المجالس أصبحت تعمر كثيراً بالكلام المفيد، والحوار الجاد مهما كان إتجاه هذا الكلام أو ذاك الحوار، لم يعد هم الناس محصوراً في الصيد أو في الرياضة أو في الفن، بل تعدى ذلك وأصبحوا يتكلمون كثيراً بالكلام المفيد النافع، ومن مظاهر تلك البداية الحسنة، تكاثر الأشجار المثمرة في حقل الإسلام، وكلما قطعت شجرة أنبت الله تبارك وتعالى عنها عشراً، حتى قال أحد المناوئين للدعوة الإسلامية، قال هؤلاء كالشيب في الشعر إذا اقتلعت واحدة خرج بدلها عشر.

    1.   

    البذل قدر المستطاع

    أيها الأحبة: نقطة رابعة: إن من الخطأ أن تتصور أنك لكي تدعو يجب أن تكون على مستوى خاص، وإعداد خاص، بل يجب أن يكون كل فرد منا داعياً ومدعواً في ذات الوقت، وموجِهاً وموجَها، ومتعلماً ومعلماً، وهذا سر من أسرار الكلام، وهذا سر من أسرار الكمال , وأود أن اقارن، مقارنة سريعة بين صورتين:

    الصورة الأولى: صورة الجيل الأول من المسلمين الذين كانوا كما يريد لهم الإسلام، كيف كانوا؟ خذ منهم نموذجاً واحداً، عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في الصحيحين يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {بينما أنا نائم، إذ أوتيت بقدح لبن، فشربت حتى أرى الري يخرج من أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر

    ، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: العلم} وفي الحديث الآخر أيضاً قال: {بينما أنا نائم إذ رأيت الناس وعليهم قمص، وعلى عمر

    قميص يجره، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين
    }.

    إذاً: عمر في الذروة من العلم والدين، وفي وقت من الأوقات أصبح عمر بن الخطاب أمير المؤمنين تدين له رقاب كل الموحدين في مشرق الأرض ومغربها، ويوماً من الأيام كان يرقى على المنبر، أشرف مكان معد للحديث والخطابة، منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فربما يقول للناس: [[اسمعوا وأطيعوا]] فيقوم رجل من عامة المسلمين، فيشير إليه بيده ويعترض حديثه ربما قال عمر قولاً، فيعترض عليه بعض الحاضرين، حتى إنه في القصة المشهورة، قام عمر فنهى الناس عن المغالاة في صداق النساء، فقامت امرأة واعترضت عليه وقالت إن الله تعالى يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً [النساء:20] فطأطأ عمر رأسه وقال: [[كل الناس أفقه منك يا عمر

    وأعلم منك]] وفي رواية قال: [[ أخطأ عمر

    واصابت امرأة
    ]] وهذه الرواية قال فيها السيوطي اسنادها حسن، واستشهد بها ابن تيمية في غير موضع كما في كتابه المعروف رفع الملام عن الأئمة الأعلام، وبغض النظر، فنحن نملك عشرات القصص،فشخصية كـعمر لا يأنف أن يعترض عليه أي رجل من عامة المسلمين، ولو كان الرجل المعترض بدون تاريخ، ولو كان ليس له سوابق، ولو كان غير معروف، ولو كان نكرة من النكرات.

    فإذا تكلم سكت عمر حتى ينتهي من قوله، ثم ربما وافقه عمر على ما قال، أو بين له ما أشكل عليه، مع أنه في الذروة علماً وعملاً ودعوة وسؤدداً، وفي الجانب الآخر، لم تكن قضية الإسلام قضية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بل كانت قضية كل مسلم، وكل مسلمة، فلم يكن هناك رجل أو امرأة أو فتى أو كبير أو صغير من المسلمين، إلا تعنيه قضية الإسلام، حتى الأطفال والصبيان كانوا يؤدون دورهم، فيستقبلون المجاهدين بالأناشيد التي تثير الحمية والنخوة والحماس، كما كانوا يقولون:

    طلع البدر علينا      من ثنيات الوداع

    ولذلك لا تقرأ ترجمة رجل من رجال الصدر الأول، أو من رجال التابعين إلا وتجد له من المناقب كذا وكذا، فهو حضر غزوة كذا، أو قتل واستشهد في كذا، أو أنه روى من الأحاديث كيت، أو كان له من المواقف ما له، إذاً كان ذلك العصر مملوءً بالرجال، وبالبطولات المتزاحمه، ولم يكن أحد منهم يرضى أن يكون انتسابه للإسلام انتساب شرف، عضو شرف، ولا أن يكون صفراً على الشمال، ولا أن يكون متفرجاً بل كل واحد منهم كان له مشاركة، كبيرهم وصغيرهم، هذا في جانب.

    1.   

    سلبيات تخلي المسلمين عن واجبهم

    فإذا انتقلت إلى الصورة المعاكسة، وهي صورة مع الأسف نعانيها في واقعنا هذا، ماذا تجد؟! تجد أن أكثر المسلمين اليوم تخلوا عن واجبهم وأسندوا مهمة الواجب الدعوي والعلمي والسياسي إلى غيرهم، فصرنا نعيش سلبيات متعددة من جراء ذلك.

    قلة المشاركين في جهاد الدعوة

    السلبية الأولى: أن المشاركين في جهاد الدعوة والإصلاح أصبحوا قليلاً، بل كما قيل:-

    وقد كانوا إذا عدوا قليلاً     فقد صاروا أقل من القليل

    لأن عموم الناس اعتبروا المسئولية على غيرهم، واعتبروا أنهم ليسوا أكفاء لذلك، وأن مستواهم لا يؤهلهم، فاعتبروا أن الدعوة مهمة أشخاص معدودين، وأن التعليم مهمة أفراد معدودين، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له رجاله، أما الباقون فأقبلوا على دنياهم وتركوا أمر الدين لهؤلاء الناس، وهذه لا شك سلبية كبيرة.

    والأمر الآخر: أن من تصدى للدعوة والإصلاح والتعليم، أصبح في كثير من الأحيان يشعر قولاً وعملاً وأن فوق النقد، وأنه له قداسة تمنع المساس به، أو تقديم النصح له، لأن الأمة أصبحت ترجع إلى أفراد فقط، في كل مجالاتها وفي كل شؤونها في دينها أو دنياها، فأصبح هؤلاء الأفراد من طول ما أسندت إليهم الأمة المهمات، من طول ما اعتمدت عليهم، أصبح هؤلاء الناس يشعرون بشيء من الذاتية أو الشخصية، وأن النقد غير لائق بالنسبة لهم، ولا شك أن المنهج السليم أن يقال لكل من يملك شيئاً يستطيع أن يقدمه: تفضل قدم ما لديك، وكونك الآن تقدم ما لديك، كلمة أو موعظة أو مقالة أو قصيدة أو أي شيء تشارك فيه لخدمة دينك، فكونك تقدم ما لديك لا يعني أنك أصبحت شخصاً مستقلاً، ولا يمكن أن تتعلم من غيرك، بل لا مانع أيضاً أن تكون الآن خلال عشر دقائق معلماً وموجهاً وناصحاً وواعظاً، وتكون في بقية اليوم والليلة خلال ثلاث وعشرين ساعة وزيادة، أن تكون متعلماً ومسترشداً ومتفقهاً من غيرك، لا مانع من هذا أبداً، وبالتالي فليس أحد ممن يتصدى للدعوة والإصلاح بمنجاة من أن يقع في خطأ، وليس معصوماً ولا مانع من تقويمه وتصويبه بأي وسيلة مناسبة وملائمة، وإنما هلكت الأمة يوم أن صودرت الأمة كأفراد، واختزلت في فرد واحد، وقديماً قال حافظ إبراهيم:

    رأي الجماعة لا تشقى البلاد به     رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها

    .

    قلة المواقف الدعوية

    أيها الإخوة: أين المواقف، كموقف الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه وأرضاه، الذي يسلم الآن، وخلال ربع ساعة يتحول من كافر إلى مسلم داعية إلى الله تعالى، لم يعش سنين طويلة يقول: أتعلم أو أتفرغ للعلم، أو ما أشبه ذلك، بل مجرد مانطق بالشهادة أعلنها صريحة مدوية في مكة وكان داعية وذهب إلى قبيلته، وأسلموا عن آخرهم، أين المسلم الذي يشعر بهذا الشعور؟

    بل أين المسلم الذي يحس بإحساس أولئك النفر من الجن، الذي ذكر الله خبرهم، وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [الاحقاف:29] لم يقل ولوا إلى قومهم مسلمين ولا مخبرين، وإنما تحولوا من كفار إلى مسلمين دعاة إلى الله عز وجل، تعتمل في قلوبهم مشاعر الدعوة والنذارة والتخويف، ولهذا كانوا يخاطبون قومهم بكل حرارة وإشفاق ووجل: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الاحقاف:32] أين المشاعر التي توجد في نفوس هؤلاء، من مشاعر كثير من المسلمين اليوم، الذين قد يكون عمر الواحد منهم ثلاين أو أربعين أو خمسين سنة، ومع ذلك ما فكر وما سأل نفسه هذا السؤال، أي جهد قدمته لهذا الدين؟

    أي مشاركة؟

    ما هو موقعك وما مقامك وما بلاؤك في الإسلام؟

    هذه أسئلة يجب أن تطرحها على نفسك، ويجب أن تحس أنك أنت بذاتك المخاطب دون غيرك.

    قصة الهدهد

    بل أين نحن من قصة هذا الهدهد الذي ذكره الله في كتابه، وهو طائر أعجم إنه في كتاب الله تعالى داعية إلى التوحيد ناهٍ عن الشرك، فهو حين رأى ما رأى وتوعده نبي الله: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ [النمل:20] قال الهدهد: أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [النمل:25] فهو يستغرب كيف هؤلاء يعبدون غير الله تعالى، ويسجدون لغيره، فيأتي يتحدث حتى مع نبي الله عليه الصلاة والسلام، يقول: أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ [النمل:22] وهذه أعجوبة، لأن الهدهد لم يمنعه قلة شأنه، أن يخاطب نبي الله بهذا الأسلوب، أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ [النمل:22] عندي خبر لم يصل إليك ماهو؟ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ [النمل:22] هؤلاء القوم يعبدون غير الله تعالى: يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ [النمل:24] فحذارِ حذارِ أن تقعد بك همتك عن المنافسة في هذا السبيل.

    الدعوة إلى النصح والنقد الهادف

    إننا جميعاً يجب أن نكون من دعاة النقد الهادف، الملتزم بأدب الشرع الساعي إلى التصحيح على كافة الأصعدة، ونحن دعاة الإسلام، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعاً من دعاة الإسلام، يجب أن نكون أرحب الناس صدوراً بالنقد، وأقدر الناس على تقبله واحتمال مرارته -إن كان له مرارة- كما أننا جميعاً يجب أن نكون من دعاة المشاركة العامة من الجميع، كل بحسب طاقته في هذا السبيل، فإنني أذكر أيها الإخوة أنني سبق أن طرحت عدة اقتراحات، وأرى من المناسب، وأنا أتحدث إلى هذا الجمع الطيب الكبير، أن أعيدها، منها فكرة المراجعات، وهي دروس مخصصة لمراجعة الاجتهادات التي قدمها الإنسان يوماً من الأيام، ثم تبين له أنها تحتاج إلى تصحيح أو تعديل.

    الفكرة الثانية: هي فكرة المشاركة من الآخرين باقتراح موضوعات للدروس أو تقديم ما لديهم حولها من عناصر أو أفكار أو توجيهات إلى غير ذلك.

    الاعتزاز والثبات على الدعوة

    وإنني بهذه المناسبة أيضاً، أشكر أولئك الإخوة والأخوات الذين تجاوبوا مع ذلك المطلب وذاك، فزودوني بما لديهم من ملاحظات وانتقادات، وزودوني بما لديهم من مقترحات وموضوعات، يرون أنها متواضعة في نظرهم، لكن قد تكون كبيرة نفيسة مهمة في نظر غيرهم، كما أنني أشكر أولئك الذين يسدون النصيحة في أي أمر أو شأن أو ينبهون على خطأ، فإننا لانهلك أبداً، إلا إذا خُلي بيننا وبين أنفسنا.

    المعركة مع الحساد والأعداء

    ولعلي أيضاً لا أنسى أن أشكر أولئك الذين ينالون من الآخرين حسداً من عند أنفسهم، أو بغضاً للحق وأهله، وقد قال الشاعر:

    عداتي لهم فضل عليّ ومنة      فلا أبعد الرحمن عني الأعاديا

    هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها     وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا

    ولا ينتظر هؤلاء ولا أولئك الدخول معهم في معارك هوائية، فهم في واد ونحن في واد، كما لا ينتظرون أن يتوقف الدعاة عن دعوتهم، رعاية لخواطرهم أو حرصاً على قلوبهم، فقد وطن الدعاة أنفسهم على ما هو أعظم من ذلك وأهول، كيف وهم يسمعون قول الله تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران:186] وكيف وهم يسمعون قول الحق تبارك وتعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214] وكيف وهم يسمعون قوله جل وعلا: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:3] ولقد آمن الدعاة إلى الله عز وجل في كل زمان ومكان، بأن الإبتلاء سنة إلاهية لا حيلة في دفعها، وقد واجهها النبيون والصديقون والصالحون فصبروا عليها، كما آمن الدعاة بأن الخصومة بين الحق والباطل باقية ما بقي الليل والنهار، باقية ما بقي في الأرض مسلم واحد ينطق بكلمة لا إله إلا الله! وآمنوا أنه بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، قال الله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] كما آمنوا بأن العاقبة للتقوى، وأنه لا يحيق المكر السيء إلا بأهله.

    أيها الأحبة: لقد رأينا وسمعنا وقرأنا مصداق ما أخبر الله تبارك وتعالى به مما يقوله أهل الكتاب والذين أشركوا من الأذى الكثير، رأينا وسمعنا وقرأنا ذلك، مما سود الغربيون صفحات مجلاتهم وصحفهم بالحديث عن الصحوة ورجالها في هذا البلد، ولا ننتظر منهم إلا أن يقولوا ما قالوا، ونحن نعتبر ما قالوه عن الصحوة ورجالها ودعاتها تزكية لهذه الصحوة ولرجالها ولدعاتها، وآية على صدق أتباعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل لنبية عليه الصلاة والسلام: مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ [فصلت:43], وإنني إذ أعتبر نفسي -أيها الأحبة- متطفلاً علىموائد الدعاة إلى الله تعالى لصيقاً فيهم، وأشهد أني لست منهم على الحقيقة، إنني أجد الشجاعة أن أقول بالنيابة عنهم شهادة صدق، أعلمها من كل من عاشرته منهم، إن أحد هؤلاء الدعاة يفرط في دنياه من أجل غيره، ويكره أن يتولى أمر اثنين فصاعداً، ومع ذلك فهم أشد الناس عزوفاً عن المجد والشهرة والرياسة والمنصب، على أنهم أسرع الناس إلى البذل والفداء , وأكثر الناس تضحية بنفوسهم، وأموالهم إذا دعا داعي الجهاد، فمن الذي رويت ربوع أفغانستان بدمائهم؟

    ومن الذين ضمخوا تراب الجزائر؟

    من الذين ضحوا على ثرى فلسطين؟

    إنهم الدعاة إلى الله عز وجل، الذين يسرع الواحد منهم إلى حتفه، وهو لا ينتظر أن يذكر في جريدة ولا مجلة، ولا أن يقام له احتفال وإنما همه أن يكون احتفاله عرساً: فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:55] همهم أن ينالوا شرف الشهادة في سبيل الله تعالى، وهم مع هذا وذاك صبر على الأذى، كرام النفوس، لا يجزون السئية بمثلها، بل يعفون ويصفحون ويقولون إذا ضاق الرحب الفسيح: (حسبنا الله ونعم الوكيل).

    1.   

    الدعوة وظيفة العمر كله

    أيها الأحبة الكرام الأفاضل: إن جميع العقبات والصعاب التي تواجهنا، يجب أن لا توهن من عزيمتنا في الدعوة إلى الله تعالى، فإن الدعوة إلى الله والعمل في سبيله، وظيفة العمر كله، وليست محددة في زمن ولا ظرف ولا حال، فالمسلم قد لبس عدة العمل للدين ولا يضعها إلا بالموت، قال الله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99].

    نوح عليه السلام

    فهذا نوح عليه الصلاة والسلام: قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً [نوح:6] إلى قوله: ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً [نوح:9] إذا كان هذا الرجل الصالح قد استغرق الليل والنهار، فماذا بقي من حياته لم يصرفه في الدعوة إلى الله تعالى؟!

    وإذا كان استخدم كافة الوسائل والأساليب والطرائق، فجهر بالدعوة حيناً، وأعلنها وأسر بها حيناً، وخافت، فلم يجدِ هذا ولا ذاك، فماذا بقي من الوسائل والطرائق لم يسلكه نوح عليه الصلاة والسلام في دعوته إلى الله عز وجل؟!

    يوسف عليه السلام

    وهذا نبي الله يوسف عليه السلام، لا يغفل عن دعوته حتى وهو مُلقى في غياهب السجن، يرسف في قيوده وأغلاله، فيستغل الفرصة ليخاطب أصحاب السجن: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [يوسف:40] حتى وهو في السجن يدعو إلى التوحيد، وينهى عن الشرك، ويقوِّض ما قام عليه دينهم ودعوتهم، ويبين لهم وهاء ما هم عليه.

    الدعوة حتى في لحظات الموت

    بل إن أنبياء الله ورسله وهم أئمتنا وسادتنا وقادتنا في هذا المجال وفي كل مجال، لم يغفلوا عن الدعوة إلى الله تعالى، حتى وهم في لحظات الموت قال الله عز وجل: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:133] فلم تلهه سكرات الموت وغصصه وآلامه أن يتعاهد بنيه، بدعوة التوحيد ويطمئن إلى الغرسة التي غرسها، والبذرة التي بذرها، وهذا محمد صلى الله عليه وسلم، سيد الرسل وخاتمهم، يموت وهو ينادي: {الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم} لا يكاد يفيض به لسانه، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.

    حاجة المسلمين إلى الدعاة والعلماء

    والمسلمون -اليوم أيها الأحبة- أحوج ما يكونون إلى الدعاة لتبصيرهم بحقيقة دينهم، والتأكيد على مسؤولية انتسابهم إلى هذا الدين، وهذا الغثائية في الملايين من المسلمين الجغرافيين بحاجة إلى أن يعيش العلماء والدعاة حالة استنفار دائم، ليزيلوا عن العقول الصدى، ويطردوا عن النفوس الوهن، ويعالجوا القلوب من ذلك المرض الذي ألم بها، ويُشعِروا الأمة كلها بحقيقة الدين الذي تحمله، وبالتبعات الملقاة على عاتقها، ولذلك فإن الدعاة والعلماء اليوم في وضع أصبح من المتعين والمتأكد عليهم، أن ينظروا إلى هذا الأمر الذي تعانيه الأمة، فيهبوا أفراداً وجماعات، ليبثوا في هذه الأمة ميراث محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يسع عالماً أو داعية أن يتذرع بأي عذر كان، ولا أن يتحجج ولا أن يتعلل بأي حجة في القعود والتحلل من هذا العهد، الذي أخذه الله تبارك وتعالى على أهل العلم أن يبينوه للناس ولا يكتمونه.

    إنه لايملك أحد كائناً من كان أن يحول بين عالم أو داعية وبين بلاغ رسالات الله تعالى إلى عباده، بل لا يسع أحداً عالماً كان أو داعيةً مسلماً، أن يقدم قول أحد كائناً من كان، أو أمره على قول الله تعالى أو قول رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36] يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري وغيره عن ابن عمر {بلغوا عني ولو آية} وهذا أمر يقتضي وجوب التبليغ على كل من يملك شيئاً، يعلم أن الناس بحاجتة، حتى ولو لم يكن عالماً مشاراً إليه بالبنان، فواجب علينا جميعاً أن نبلغ ما علمناه من دين الله تعالى وشرعه، ولو كانت آية محكمة من كتاب الله تعالى أو حديث عن رسوله صلى الله عليه وسلم، أو حكماً تعتقد أن الناس يحتاجون إلى بيانه.

    أيها الأحبة: لا يسعني في نهاية هذه الجلسة الطيبة المباركة، إلا أن أزجي جميل الشكر، لكل صاحب كلمة أو مهاتفة أو رسالة أو دعوة بظهر الغيب، مع أنني علم الله لا أستحق منكم هذا التبجيل وهذا الدعاء، وإن كنت وأقول مرة أخرى أجد أثر ذلك في حياتي، أجده في مواقف كثيرة، ييسر الله تبارك وتعالى فيها ويرزق ويستر شيئاً يعلم الإنسان أنه ما تأهل له ولا استحقه بنفسه، إلا بفضل الله تعالى وبرحمته، ثم بدعاء المخلصين الصادقين، الذين حملوني على حسن الظن وأخذوني به، عاملني الله تعالى وإياهم بلطفه وشملني وإياهم بكرمه.

    1.   

    الأسئلة

    قعود بعض طلبة العلم عن الدعوة

    السؤال: هناك عدد من طلاب العلم البارزين، المتفرقين في أنحاء البلاد ومع ذلك، فلا يزالون يقللون من شأنهم، وبعضهم يحذر من عوامل أخرى، أرجو توجيهاً لهؤلاء وتذكيرهم لا سيما والحاجة في هذا والوقت قد مست؟

    الجواب: أعجب أنه فعلاً لا يزال هناك بعض طلبة العلم، بل كثير منهم لم يقوموا بواجبهم في الدعوة إلى الله تعالى، إن من الصدق مع أنفسنا، أن أقول أيها الإخوة: لقد تأملت في واقع الدعاة المعروفين، الذين عرفهم الناس، وحضروا دروسهم ومحاضراتهم، فلم أجد أنهم أفضل من غيرهم، ممن قد يكونون بعيداً عن الأضواء، ولا يزالون يعيشون في الظل, وإنما عُرف هؤلاء لأنهم تصدوا للأمر وبذلوا ما يستطيعون، فأقبل الناس عليهم وهناك الكثير من الدعاة إلى الله تعالى وطلبة العلم، ممن يملكون العلم الغزير، ويملكون العلم الواضح، ويملكون القدرة على الحديث، ومع ذلك فإنهم لا يزالون يتأخرون بشتى الحجج، منهم من يتأخر بحجة أن الساحة ملأى، وفي الواقع أن هذا وهم كبير، فإن الساحة فارغة ووالله الذي لا إله غيره، لو جُمع الدعاة الصادقون المخلصون من مشارق الأرض ومغاربها في بلد واحد، لما غطوا حاجتهم، فما بالكم والأمة تعيش فقراً في كل بلد؟!

    ولقد ذكرت في بعض المناسبات أنني ذهبت إلى أندونيسيا، وهو بلد فيه أكثر من مائة وعشرين مليون مسلم، فتساءلنا عن العلماء فلم نجد إلا عدداً من العلماء، يعدون بعدد الأصابع الواحدة، وذهبنا نـزور بعضهم فجيء لنا بأفضلهم وخيرهم وأسلمهم عقيدة وأصحهم، وجيء لنا به يحمل على نقالة لايستطيع أن يتحرك ولا أن يمشي، فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون، كم يملك النصارى من الدعاة، وكم يملكون من المؤسسات؟

    وكم يملكون من الوسائل؟

    والمسلمون لا يملكون إلا هذا العدد القليل، وفيهم من عوامل الضعف والكِبَر ما فيهم، فمتى يشعر أولئك الدعاة وطلبة العلم بواجبهم؟

    ومتى يقومون بدورهم؟

    بعضهم قد يتعلل بحجة الخشية من فساد النية، فأقول هذا دليل على صلاح نيته، لأن كونه يبتعد عن الأضواء خشية فساد النية، هذا دليل على صدقه وإخلاصه، عليه أن يتقد ويتوكل على الله عز وجل، ثم إنه لا يسع مسلماً أبداً أن يترك العمل الصالح خشية فساد النية وسوءتها، بل عليه أن يعمل الصالحات، ومع ذلك يحرص على صلاح نيته، ويقول الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي بكر: {اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه} وآخرون قد تقعد بهم عوامل أخرى وكلها في الواقع من تزيين الشيطان، وربما طاب لبعضهم القعود، وآثر السلامة.

    أقول أيها الأحبة: أقول بلهجة واضحة صريحة كلنا والله يَسرُّه أن يجلس في بيته وبين أولاده، بعيداً عن هموم الناس ومقابلتهم، وتحمل ما قد يصدر منهم، وقيلهم وقالهم وحديثهم، وأخذهم وعطائهم، لكن لا يجوز في حال من الأحوال، أن نعتزل في بيوتنا وبين أولادنا، أو في مكتباتنا وندع أمر الأمة لمن نعتقد جميعاً أنه لن يقوم بها، فكثير من هؤلاء الدعاة وطلبة العلم يدركون أن الأمة، قد أثر فيهم الضجيج الإعلامي الفاسد، بل لوسألت أحدهم حتى عن بعض من يتصدرون للتدريس والتعليم والخطابة والوعظ، لأبدوا عليهم بعض الملاحظات، وقالوا: عليهم كيت وكيت، فما دمت ترى أن عليهم ما عليهم، فلِمَ لا تشارك يا أخي رعاك الله في هذا السبيل وهذا المضمار؟! ولماذا لا تسد هذا النقص الذي تشعر به؟! هل تعتقد أنك سوف تعيش عمرين، عمر للنقد والملاحظة، وعمراً للعمل والدعوة؟!

    إن الإنسان يصبح ولا يمسي، ويمسي ولايصبح، فعلينا أن نخاف الله تعالى في أنفسنا وفي هذه الأمة، بل علينا أن نخاف الله تعالى في الأمانة التي حملنا إياها يقول الله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ [الأنعام:165] أنتم جميعاً خلفاؤه في الأرض، جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ [الأنعام:165] فمنكم من هو أغنى من بعض، ومنكم من هو أعلم من بعض، ومنكم أعقل من بعض، وأذكى من بعض، وبعضكم أفصح من بعض، وبعضكم أشجع من بعض، وكل من يملك ما لا يملكه غيره من المال أو الغنى أو الشجاعة أو العلم والبيان أو غيرها، فإنه يطالب بالقيام بأمر الله عز وجل، بما لا يطالب به من لا يملك نفس الأمر، أرأيت التاجر الذي يملك الملايين الطائلة، أتكون زكاته كزكاة من لا يملك إلا مبلغاً بسيطاً؟!

    وكذلك من يملك شيئاً من العلم ليس الزكاة كزكاة الجاهل أو العامي، أو المبتديء في العلم، فعلينا أن ندرك أن ما أعطانا الله تعالى من المواهب، هي أمانات يبلونا الله تعالى فيها، قال تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ [المائدة:48].

    دورنا تجاه الدعوة

    السؤال: ماهو دورنا تجاه الدعوة، رغم أنني لست من المحبين للقراءة، ولكني أتيت لهذا المسجد لتكثير سواد المسلمين، مع العلم أنني لست مثقفاً، ولست على مستوى أخلاق الداعية؟

    الجواب: يا أخي نحن نريد أن نتخلص من هذا الهجاء الذي يبدأ ولا ينتهي، وأعتذر إليكم ما قلت عن نفسي أثناء المحاضرة، فيعلم الله أنني ما قلته لذاته، وما كان بُودي أن أقوله، لأن الإنسان أحياناً قد يجد نفسه مضطراً أن يقول بعض الكلام لمناسبة معينة يدركها هو وقد يدركها غيره أحياناً، وإلا فإني أرى أنه لا ينبغي أن نذم أنفسنا ونكثر من ذم أنفسنا لأسباب:

    منها أن هذا الذم أحياناً قد يظهر بصورة المدح، فقد يذم الإنسان نفسه أحياناً ويقصد أن يمدحها، فيكون المدح بما يشبه الذم.

    أمر آخر: أن كثرة الذم للنفس قد تؤدي بالإنسان إلى ترك العمل، وإذا كان الإنسان سيذم نفسه ويعمل فالأمر هين، إذا كان ذمك لنفسك بأنك لست ولست، يتبعها أن تقوم بعمل فهذا شيء طيب، أما إذا كان هذا الذم والهجاء لنفسك سيتبعه قعود وتكاسل فإن هذا لايليق منك بحال.

    المشاركة في المراكز الصيفية

    السؤال: يريد الأخ نصحية بالمبادرة إلى المشاركة الصيفية؟

    الجواب: فأقول: المراكز أحد أوجه النشاط في هذه الإجازة، ولا شك أنها من المجالات التي ينبغي للشباب أن يعمروها ويستفيدوا من ألوان النشاط الذي يقام فيها.

    مشكلة التأثر الوقتي

    السؤال: إن فكرة قراءة الكتاب واستماع الشريط ومن ثمّ إهداءه، لهي فكرة في غاية الإيجابية والتأثير الدعوي، ولكن قد يتأثر بعضهم أثناء المحاضرة، ثم ينسى العمل والتطبيق، فما رأيكم في توجيهاً توجيه مباشراً، والبدءُ بالعمل في أقرب يوم بعد هذا المحاضرة؟

    الجواب: الكلام الذي يقول الأخ يمكن أن يبلور بصورة عملية، وهي: أن كل واحد في حيه أو في مسجده، أو مدرسته يستطيع أن يجمع مالاً، أو اشتراكاً من بعض الناس، ويوفر لهم كل شهر أو نصف شهر كتاباً أو شريطاً بأموالهم هم، لكنه يختاره ويوفر عليهم قيمة الشراء، أو يكون شريط مخفضاً، وبذلك يكون هذا الكلام انتقل من كونه كلاماً نظرياً، إلى كونه كلاماً عملياً.

    دلالة الناس على الخير

    السؤال:كيف السبيل الصحيح لدلالة الناس على الخير، وهل خدمة الناس إذا كان فيها شهرة من الرياء؟

    الجواب: الرياء: هو شعور في القلب وليس عملاً، بمعنى أن الإنسان قد يعمل العمل لوجه الله، وقد يعمله رياءً، ويكفيك أن الله تعالى قال: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ [الماعون:6] فقد يعمل الإنسان العمل الصالح والعبادة المحضة رياء، فتكون سبيلاً له إلى النار، وقد يعمل الإنسان العمل الذي هو في أصله ليس عبادة، كأن يحسن إلى أحد، أو يخدم أحداً، أو يساهم في تقديم خدمة أو مصلحة دنيوية لأحد، ويكون قصد بذلك وجه الله تعالى فيثاب على ما نوى، وفي الحديث: {وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى}.

    تجعيد الشعر

    السؤال: يقول في المذكرة التي وزعت على شكل أسئلة عن حكم تجعيد الشعر، قلت: أن الحكم الجواز، انطلاقاً منكم إلى اللفظ العربي، أما فتياتنا فيفهمن ذلك أن التجعيد هو التشبه بالكافرات، حيث تجعل شعرها مكسراً منتفشاً على شكل مزري، ولكن التقليد وتزيين الشيطان، ما رأيكم يا شيخ؟

    الجواب: أما كون التجعيد جمالاً وليس بجمال، فإنني في الواقع لست خبيراً بالتجميل، فأستطيع أن أحكم عليه بهذا أو ذاك، أما كونه حراماً؛ فإن التحريم يحتاج إلى دليل، وقد نص الفقهاء على جوازه، والتجعيد معروف، فالتجعيد في الأمس هو التجعيد في اليوم، وإن اختلفت طرائقه ووسائله، واعتبار أنه خاص بأمة من الأمم فيه نظر، فإن هذه الأشياء تنتشر بسرعة ويتداولها الناس، وتكون عادات متداولة ليست خاصية مميزة لشعب من الشعوب، أما أنني قلت في الجواب الذي أشار إليه الأخ أن التجعيد جائز إذا لم يكن على سبيل التشبه بالكفار احتياطاً من مثل هذا الفهم الذي أشار إليه السائل.

    المشاركة في الحياة

    السؤال: كيف يكون للإنسان دور بارز في المجتمع، في جيمع شؤون الحياة من دعوة وغير ذلك، أفيدونا؟

    الجواب: كل إنسان ينطلق من الموقع الذي فيه من الإمكانيات، والمواهب التي أعطاه الله إياها، ولا أستطيع أحدد دورك، بل أنت تحدد دورك من خلال مواهبك، فقد تكون شاعراً، وقد تكون خطيباً، وقد تكون واعظاً، وقد تكون قوياً في الحق، وقد تكون موظفاً في مجال، وقد تكون خطاطاً أو رساماً، قد تكون شيئاً آخر، وقد تكون تملك موهبة لا يملكها غيرك، تساهم، كما أن هناك قدر مشترك من الواجب يحمله الجميع، ولا بد أن يقوم كل واحد منا به.

    الصلاة بين الأذانين

    السؤال: قام أناس وصلوا بعد الأذان، مع أنهم كانوا قبل الأذان جالسين بوقت طويل؟

    الجواب: نعم هذا ورد في حديث متفق عليه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، لمن شاء} والأذانين: الأذان والإقامة، فيشرع للإنسان ما بين الأذان والإقامة أن يصلي ركعتين.

    أسأل الله تعالى أن يجعل هذا الإجتماع، اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وأن لا يجعل فينا ولامنا شقياً ولامحروماً، وأن يعز بنا جميعاً الإسلام والمسلمين، وأن ينصر بنا دينه، ويعز بنا كلمته وأولياءه، إنه على كل شيء قدير، والحمد لله تعالى حمداً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على عبد ورسوله، إمامنا وهادينا وقدوتنا، محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه ودعى بدعوته، وعمل بسنته إلى يوم الدين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.