إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. الموقف الصحيح من الاختلاف

الموقف الصحيح من الاختلافللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فيه ذِكْرٌ لمأساة اختلاف الواقع بين المسلمين، وتقسيم الاختلاف إلى قسمين: 1- اختلاف علمي. 2- اختلاف عملي. وفيه بيان لأسباب كل من القسمين؛ كما أنه يحتوي على تبيين الموقف الصحيح لطالب العلم والإنسان العامي من اختلاف العلماء.

    1.   

    مأساة الاختلاف

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

    أيها الإخوة: لا تكاد تجلس اليوم مع إنسان من المعنيين بشأن الإسلام في أي مكان، إلا ويحدثك بقلب مجروح وعين باكية عن أوضاع المسلمين المتردية، وبالذات عما يعانيه المسلمون في هذه الأيام، بل ومنذ أزمنة طويلة من اختلاف وتباعد فيما بينهم، وهذا الحديث يخوض فيه الكثيرون، يتحدث عنه أولياء الإسلام حديث المشفق الحزين، ويتحدث عنه أعداؤه حديث الشامت الفرح المسرور: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [البقرة:148] ولذلك رغبت أن أتحدث عن هذا الموضوع، وأجلي بعض جوانبه، وما دفعني إلى اختيار هذا الموضوع إلا النصيحة -إن شاء الله- لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، فإنني كغيري من المسلمين نشعر بالحرقة والحسرة والأسف، على ما تعانيه الأمة من تفرق واختلاف، ونتمنى أن يأتي اليوم الذي تجتمع فيه كلمة الأمة الإسلامية على كتاب ربها وسنة نبيها محمد صلى الله عليه وسلم.

    وبطبيعة الحال ليس مقصودي من الاختلاف الذي سأتحدث عنه في هذه الليلة، ذلك الاختلاف الجوهري بين المسلمين، اختلاف الفرق المفترقة من أهل الكفر والضلال والزندقة، ومن أصحاب الزيغ العقدي، الذين انفصلوا عن جسم الأمة أو كادوا، وإنما حديثي عن اختلاف أهل السنة والجماعة، الذين وحد بينهم الكتاب والسنة والإجماع، ولم يكن بينهم خلاف عقدي يوجب التناحر والتباعد والتفرق!

    أما غلاة الصوفية، أو الرافضة، أو القبورية، أو المعتزلة، أو غيرهم من الفرق المنحرفة، فهذه لها شأن آخر، ومباعدة هذه الفرق واعتزالها واجب، لئلا يلتبس الحق مع الباطل: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال:42] فلا يجوز أبداً أن يكون مطلب الاجتماع مدعاة إلى نسيان الخلاف الحقيقي الجوهري القائم بين أهل السنة وبين خصومهم، وما زال سلف هذه الأمة يتبرءون من أصحاب هذه البدع، ويعلنون النكير عليها.

    إذاً الحديث عن الاختلاف داخل إطار أهل السنة والجماعة، ويمكن أن أقسم الخلاف بين المسلمين، من أهل السنة والجماعة إلى قسمين:

    1.   

    الخلاف العلمي بين أهل السنة وأسبابه

    القسم الأول: الخلاف العلمي؛ وأعني بالخلاف العلمي ما يوجد من اختلاف بين العلماء وطلاب العلم في المسائل العلمية، سواء كانت في الأصول، أو الفقه، أو الحديث، أو التفسير، أو في غيرها، وهذا خلاف طويل عريض، ويوجد من الاختلاف بين المفسرين في تفسير القرآن الكريم مثلاً، وبين المحدثين في إثبات الأحاديث أو تضعيفها، وبين علماء الرجال في توثيق الرجال أو تضعيفهم، وبين الفقهاء في المسائل الفقهية، كما يوجد بين غيرهم من أصحاب العلوم الأخرى، كالخلاف بين النحاة والبلاغيين، وأصحاب العلوم الأخرى كافة، اللهم إلا العلوم الرياضية التي هي عبارة عن أرقام حسابية لا يكاد يوجد فيها اختلاف.

    فيوجد بين أصحاب هذه العلوم الشرعية من الخلاف كما يوجد بينهم من الوفاق،وليس صحيحاً ما يصوره بعضهم من أن كل مسألة فيها خلاف، فقد شاع عند الناس مثلاً: إذا قيل: ما حكم كذا؟ فيقول أيُّ واحد في المجلس: فيه خلاف! على سبيل السخرية، أو الإشارة إلى أنه ما من مسألة إلا وفيها اختلاف.

    والواقع أننا لو تأملنا ونظرنا نظرة علمية متعمقة، بعيدة عن السطحية والارتجال، لوجدنا أن المسائل المتفق عليها بين الأمة مسائل كثيرة جداً، لكن لأنها مسائل متفق عليها لا يثور فيها خلاف، وبالتالي ليس الناس بحاجة إلى التداول فيها، لأنها مسائل مفروغ منها، ولا شك -أيضاً- أن هناك مسائل كثيرة جداً هي الأخرى فيها اختلاف بين العلماء، وقد يكون هذا الاختلاف على أقوال كثيرة، أذكر على سبيل المثال:

    أن الإمام ابن القيم في كتاب زاد المعاد لما تكلم عن خصائص الجمعة، وعد منها ساعة الإجابة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في هذه المسألة ما يزيد على عشرة أقوال.

    ولما تكلم الحافظ ابن حجر وغيره أيضاً على مسألة ليلة القدر وتعيينها، والأقوال فيها، ذكر ما يزيد على أربعين قولاً.

    ولما تكلم الإمام الشوكاني في الفتح الرباني في فتاويه، عن قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: {إن الله تعالى يقول: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به} ذكر في تفسير هذا الحديث، وفي معنى كون الصوم لله (فإنه لي) نحواً من خمسة وخمسين قولاً في هذه المسألة.

    نعم. يوجد اختلافات قد تصل إلى هذا الحد الذي ذكرت وقد تكون دون ذلك أحياناً، فلسنا ننفي أو ننكر وجود الاختلاف بين العلماء وبين المسلمين، في هذه القضايا العلمية.

    لكن أقول: إنه يجب أن يكون نظرنا في هذا الاختلاف معتدلاً، فلا نبالغ في إثبات الخلاف، كما أننا -أيضاً- لا نبالغ في نفيه، فنقول: يوجد بين العلماء في سائر العلوم من الاختلاف مثل ما يوجد بينهم من الاتفاق أو أكثر، أو أقل من ذلك، وهو أمر لا مجال إلى إنكاره بحال من الأحوال.

    وهذا الخلاف الذي نستطيع أن نسميه الخلاف العلمي له أسباب؛ أستطيع أن أشير إلى ستة أسباب منها، وهي أسباب منطقية:

    عدم وصول الدليل إلى بعض العلماء

    السبب الأول: عدم وصول الدليل إلى بعض العلماء، وهذا موجود حتى على مستوى الصحابة رضي الله عنهم، مع قرب عهدهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، وسعة علمهم، ومع ذلك يوجد من الصحابة من يفوته من الأدلة ما يوجد عند غيره، حتى كبار الفقهاء من الصحابة كـعمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم، قد يفوتهم الدليل ولا يصل إليهم، وحتى كبار الرواة من الصحابة كـأبي هريرة ربما فاتهم الدليل، ولم يصل إليهم، أو وصل إليهم متأخراً، ويحضرني في هذا المجال الحديث الذي رواه البخاري ومسلم أيضاً عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما قالتا: { نشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من جماع غير احتلام فيصوم } يعني أن الإنسان لو كان عليه جنابة في رمضان أو في غيره، ولم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر فصومه صحيح، وأبو هريرة رضي الله عنه كان يفتي بخلاف هذا، اعتماداً على حديث رواه له بعض الصحابة، ولذلك لما سمع مروان هذا الحديث من أبي بكر بن عبد الرحمن قال له: أقسمت عليك لتقرعن به أبا هريرة أي: تواجه أبا هريرة وتوبخه بهذا الحديث الذي هو على خلاف فتواه، فكره ذلك أبو عبد الرحمن، ثم إنه التقى بـأبي هريرة بمزرعة له في ذي الحليفة فقال له: إني محدثك حديثا لولا أن مروان عزم علي وأقسم علي ما حدثتك به، ثم ساق له الحديث، فقال أبو هريرة رضي الله عنه: كذلك حدثني الفضل بن العباس فرجع أبو هريرة إلى مضمون هذا الحديث.

    فقد يحدث كثيراً أن يفتي العالم بمسألة، أو يقول بقول مخالف للدليل، نظراً لأن الدليل ما وصل إليه، فإذا بلغه الدليل رجع إليه، وإذا لم يبلغه ظل على ما كان يقول به قبل ذلك، ويوجد عند الأئمة الأربعة فضلاً عن غيرهم من ذلك الشيء الكثير، وهذا ليس بعيب، فإنه لا يمكن أن يجتمع العلم كله عند إمام واحد، ومن زعم أن السنة كلها تجتمع عند إمام واحد من الأئمة فقد أعظم الفرية، وبالغ في الادعاء، فإن هذه السنة لم تجتمع عند الصحابة، ولا عند التابعين، ولا عند كبار الأئمة المصنفين.

    نسيان الدليل

    السبب الثاني: أن هذا العالم أو ذاك قد يبلغه الدليل لكن ينساه فيفتي بالخلاف، والنسيان وارد حتى في القرآن، فقد ينسى الآية أثناء الكلام أو أثناء الفتوى، ولذلك الرسول عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم: {كان يثني على أبي بن كعب، ويدعو له، ويقول: كأيّ من آية أذكرنيها كنت أنسيتها } وهذا نسيان ليس مطلقاً لكن ينسى في ساعة من الساعات، أو لحظة من اللحظات، ثم يذكر أو يتذكر، ومن باب أولى يقع نسيان السنة.

    ومما يمكن أن يضرب به المثال في موضوع نسيان السنة، ما رواه الأئمة أن حذيفة رضي الله عنه كان يصلي بالناس في المدائن، وكان يصلي على دكان -أي: على مكان مرتفع وهو إمام بالناس- فكان معه أبو مسعود الثقفي فجره، فنـزل حذيفة وأكمل صلاته، فلما انتهى قال له أبو مسعود رضي الله عنه: ألم تكن تعلم أننا كنا ننهى عن ذلك -أي: كون الإمام يصلي في مكان مرتفع والمأمومون وراءه في منخفض ولغير حاجة- فقال حذيفة رضي الله عنه: بلى، ألم ترني طاوعتك حين مددتني؟ -يعني حين سحبتني أو اجتررتني- وأشار إلى أنه نسي، ثم تذكر لما جره أبو مسعود.

    فقد ينسى العالم أو الفقيه، أو طالب العلم الدليل، فإذا ذُكّر به تذكر، ورجع إلى مضمون هذا الدليل.

    إذاً من أسباب الخلاف، أو الاختلاف؛ نسيان العالم أو الفقيه لدليل المسألة بعد أن يكون علمه.

    عدم ثبوت الدليل

    السبب الثالث: ألا يثبت عنده هذا الدليل؛ كأن يكون -مثلاً- سمع بهذا الحديث، لكن لم يثبت لديه، ونحن نعرف أن العلماء يختلفون في إثبات الأحاديث، فقد يضعف عالم حديثاً ويصححه آخر، وهذا كثير جداً، فعلماء الحديث، وعلماء الجرح والتعديل، يوجد بينهم من الاختلاف والاتفاق مثل ما يوجد بين غيرهم من العلماء، ولذلك قد يصحح إمام ما حديثاً ويقول به، ويضعفه إمام آخر، فيكون الإمام الذي ضعف الحديث معذوراً بعدم العمل بهذا الحديث، لأنه ما صح عنده، وهذا من أعظم أسباب الاختلاف.

    ولذلك -أيضاً- نجد أن من العلماء من يقول بحديث، ثم يتبين له ضعفه فيترك القول به، وأضرب لذلك أمثلة بالإمام أحمد: كان الإمام أحمد رحمه الله يقول بمضمون حديث عبد الله بن عكيم: {لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب} فكان الإمام أحمد يذهب إلى أنه لا يجوز الانتفاع بجلود الميتة، لا قبل الدبغ ولا بعد الدبغ، أخذاً بهذا الحديث، فلما رأى اضطراب الرواة في هذا الحديث، واختلافهم فيه، ترك هذا الحديث، وذهب إلى غيره.

    وكذلك نقل عنه في مسألة الوضوء من مس الذكر؛ والأمثلة كثيرة جداً، المهم أن الفقيه قد لا يثبت عنده الحديث فلا يقول به، فهذا من أسباب الاختلاف.

    الاختلاف في فهم النص

    السبب الرابع: أن الآية أو الحديث قد يبلغ هذا العالم، ويثبت عنده الحديث، لكن لا يرى أنه يدل على هذه المسألة التي يقع عليها هذا الاختلاف، فمثلاً فيما يتعلق بالقرآن الكريم، يقول الله تعالى: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228] فالعلماء اختلفوا اختلافاً واسعاً في تحديد القرء، فمنهم من قال: إن القرء هو الطهر، ومنهم من قال: القرء هو الحيض، وحين ترجع إلى كتب اللغة تجد أن من علماء اللغة من قال: إن القرء من ألفاظ الأضداد، الذي يطلق على الطهر ويطلق على الحيض.

    ومن هنا جاء الاختلاف، فمن يقول: إن القرء هو الطهر ليس له أن يعتبر أن من يقول: لا. إن القرء هو الحيض مخالف للآية، لأنه يقول بمضمون الآية، لكن يرى أن دلالة الآية ليست كما فهمها الآخر.

    وفيما يتعلق بالسنة -والأمثلة بطبيعة الحال كثيرة جداً، لكن أكتفي بمثال واحد على الأقل حتى يفهم السبب- مسألة الوضوء من لحم الجزور، هذه ورد فيها أحاديث، منها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم: {سئل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم. فتوضأ من لحوم الإبل} فهذا الحديث أخذ منه الإمام أحمد وغيره من فقهاء السنة وجوب الوضوء من لحم الإبل، ولكن هناك علماء آخرون منهم الأئمة الثلاثة قالوا: لا يجب الوضوء من لحم الإبل، فما موقفهم من هذا الحديث؟ الحديث ثابت عندهم وصحيح، لكن حملوه على محامل، منهم من يقول: إن هذا للاستحباب وليس للوجوب، ويستدلون بأنه قال في أول الحديث: {أنصلي في معاطن الإبل؟ قال: لا قال: أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم} فقالوا: إن قوله: نعم لا يدل على وجوب الصلاة في مرابض الغنم، لكن يدل على جوازها.

    وكذلك لما سئل أنتوضأ من لحوم الإبل قال: نعم. فإن هذا لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على الاستحباب، والذي يظهر لي أن الراجح في هذه المسألة هو وجوب الوضوء من لحم الإبل، لقوة الأدلة وصراحتها في ذلك، ولأن هذا نقل عن جمهور الصحابة، أنهم كانوا يتوضئون من لحوم الإبل.

    ولكن يبقى أن الخلاف في المسألة له أصوله التي يعتمد عليها، وليس مبنياً على مجرد التحكم أو الهوى، وإنما هو مبني على أن دلالة الحديث على المقصود ليست دلالة قطعية لا تحتمل الخلاف، وإنما هي دلالة ظنية أو استنباط، قد تكون راجحة لكنها ليست قاطعة.

    فنحن نقول: الراجح كذا، لكن لا نعتبر أن المخالف ضال أو منحرف، أو مخالف للدليل، أو ما أشبه ذلك.

    وجود المعارض المساوي أو الأرجح

    السبب الخامس: هو أن العالم وإن ثبت عنده الحديث أو الدليل، فإنه قد يوجد عنده معارض أرجح منه، على الأقل في نظره هو، فقد يقول لك: أعترف بأن هذا الحديث ثابت وصحيح، لكن هناك أحاديث أخرى أثبت منه، وأصح منه، وأقوى في الدلالة، فأنا أقدمها على هذا الحديث، ولعل من الأمثلة على ذلك -والأمثلة كما أسلفت كثيرة- أن من العلماء من ترك العمل بحديث: {لا. إنما هو بضعة منك} عندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من مس الذكر قال: {لا. إنما هو بضعة منك} يعني لا يجب الوضوء من مس الذكر.

    فمن أهل العلم من ترك العمل بهذا الحديث أخذاً بالحديث الآخر، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: {من مس ذكره فليتوضأ} باعتبار أن هذا الحديث له طرق عن جماعة من الصحابة، وأنه أقوى وأثبت من الحديث الأول، إذاً من الأسباب أيضاً: ترك الدليل لمعارض راجح.

    هذه الأسباب الخمسة من أسباب الاختلاف وكلها أسباب مقبولة ولا بد من وجودها، ولا يعترض على الخلاف الناتج عنها، متى استفرغ الإنسان الوسع في سبيل الوصول إلى الحق بقدر ما يستطيع، وتجرد عن السبب السادس الذي سوف أشير إليه، وهو التعصب والهوى.

    التعصب والهوى

    السبب السادس: التعصب والهوى: والتعصب والهوى من أسباب الاختلاف؛ وذلك أن الأمة بليت عبر تاريخها الطويل بألوان من التعصب، مثلاً جاء وقت من الأوقات بليت الأمة فيه بالتعصب المذهبي، فكان كل فئة أو طائفة تتعصب لإمام من الأئمة الأربعة أو غيرهم، فتعتبر أن أقواله حق، فمثلاً:

    كان الحنفية يقول أحدهم: الحمد الله الذي جبلني على التعصب لإمام من القرون التي شهد الرسول صلى الله عليه وسلم بخيريتها أي: يحمد الله أن الله جبله على التعصب لـأبي حنيفة.

    والشافعية كان منهم من يعتبر أن اتباع الإمام الشافعي واجب لأن الشافعي قرشي مطلبي، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: {الناس تبع لقريش}.

    والمالكي يرى وجوب اتباع الإمام مالك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: {يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل فلا يجدوا عالماً أعلم من عالم المدينة } ويقول: إن عالم المدينة هو الإمام مالك فيجب اتباعه.

    وهكذا بقية الأئمة المتبوعين، فالحنابلة، وأتباع الإمام الثوري، أو ابن المبارك، أو الأوزاعي، أو غيرهم، يوجد منهم من يقعون في التعصب لإمامهم، ولا شك أن الأئمة أنفسهم يرفضون التعصب ويحاربونه، بل هم يرفضون التقليد أصلاً، ويقول قائلهم: [[لا تقلدني، ولا تقلد مالكاً وللـالشافعي وخذ من حيث أخذوا]] خذ الدليل من الكتاب والسنة، ويقول الإمام أحمد كما نقل عنه: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].

    إذاً الأئمة يرفضون التقليد أو التعصب، والتقليد قد يكون ضرورة أحياناً، لكن الشيء الخطير هو مسألة التعصب والهوى، بحيث إن الإنسان يرجح قولاً على آخر، ليس لأن الدليل معه! وليس لأنه الحق! لكن لأنه قول فلان! فليس هناك دليل، بل مجرد تحكم وهوى وتعصب، وليس هناك أحد يرجح قوله، أو يقبل قوله؛ لأنه فلان، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الذي إذا قال قولاً وجب قبوله والأخذ به.

    أما بقية الناس ولو كانوا أئمة فلا يجب أخذ أقوالهم لذواتهم، وكيف نأخذ -مثلاً- قول الشافعي، أو مالك، أو أبي حنيفة، بالقبول والتسليم، إذاً لماذا لا نأخذ قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود، وفلان بن فلان من فقهاء الصحابة، ونرجحه على غيره، الواقع أن ترجيح قول على آخر لمجرد أنه قول فلان بن فلان هذا إهدار للعقل البشري، وإهدار قبل ذلك للنص الشرعي، حتى يصل الحال ببعضهم أنهم يقولون: أصبحت نصوص القرآن والسنة تقرأ للبركة فقط، وإلا فالعلم يؤخذ من كتب الفقه، وهذا لا شك أنه غلط كبير.

    وهذا اللون من الاختلاف العلمي هو اختلاف مذموم، لأنه مبني على التعصب والهوى، وليس على الاجتهاد والنظر في الدليل.

    1.   

    الأخطاء الواقعة في موضوع الاختلاف العلمي

    هناك أخطاء في موضوع الاختلاف الفقهي والعلمي، في واقع الناس اليوم، وأود أن أشير إلى شيء منها، فمن الأخطاء أن كثيراً من الناس يتبرمون بهذا الاختلاف ويضيقون به ذرعاً، وكثيراً ما تسمع الناس من المثقفين والعامة وطلاب العلم، يتكلمون: لماذا يوجد الخلاف بين العلماء؟ لماذا فلان يفتي بكذا وفلان يفتي بكذا؟ الشيخ الفلاني قال في هذه المسألة قولاً والشيخ الفلاني قال قولاً آخر، كيف السبيل إلى جمع أقوال العلماء؟! لماذا لا يتفق العلماء؟ لماذا لا يجتمعون ويخرجون برأي واحد؟ إلى غير ذلك من تساؤلات كثيرة، تنم في الواقع عن عدم وعي وفقه شرعي، عند الذين يثيرون مثل هذه الأسئلة.

    أقول: إننا يجب ألا نضيق ذرعاً بهذا الاختلاف من حيث هو، فهو اختلاف لا بد منه، وهو واقع شئنا أم أبينا، ولا يمكن أن ينتهي هذا الخلاف إلا في حالة واحدة، وهي إذا انتهى العلم الشرعي، وفقد الناس النصوص والأدلة، وضاع العلم، وقبض العلماء، فصار الناس كلهم جهالاً، حينئذ تعدم.

    إذا اتفق الناس على الجهل، ونسوا هذه الأقوال، حينئذ يمكن أن تنتهي الأقوال، أما قبل ذلك فلا.

    جمع الأمة على رأي واحد وهم ومحال

    ولذلك أقول: إن الذين يحلمون بجمع الأمة على رأي واحد في هذه المسائل مغرقون في الوهم والتفاؤل، كيف تحلم بجمع الناس على أمر ما اجتمع الناس عليه في عهد أبي بكر وعمر!! في عهد أبي بكر وعمر اختلف الصحابة رضي الله عنهم في المسائل الفقهية، فمن بعدهم أولى أن يختلفوا.

    وأقول: أيها الإخوة! يجب ألا نشغل عقولنا وقلوبنا وألسنتنا أو مجالسنا، بالكلام عن كيف ننهي الخلاف؟! فهذا سؤال ليس له جواب، وجوابه أن هذا الخلاف لن ينتهي، وفِّر على نفسك التعب، فالخلاف لن ينتهي.

    لكن عليك أن تطرح بدل هذا السؤال سؤالاً آخر، وهو: كيف نتعامل مع هذا الخلاف؟ وكيف نواجه هذا الخلاف؟ وماذا نأخذ من هذه الأقوال؟ وماذا نترك منها؟ فهذه أسئلة طيبة سليمة، تنم عن وعي ومعرفة وإدراك، لكن في الحقيقة يضيق الإنسان ذرعاً بتبرم الناس من هذا الخلاف، أحياناً تثار حتى قضية صحفية،و أذكر عدداً من صحفنا المحلية أثارت هذا الموضوع.. اختلاف المفتين.. اختلاف الفقهاء والبلبلة التي تحدث عند العامة.

    فيجب أن نوعي العامة بأن خلاف العلماء ضروري، ولا بد منه، وأنتم أيها العامة! هناك حل نقدمه لكم يعالج موقفكم من الخلاف، أما اختلاف العلماء فلا تفكروا في أنه يمكن أن يأتي يوم ينتهي فيه الخلاف، إلا كما قلت حينما ينتهي العلم ولا يبقى إلا الجهل.

    فلا بد من الاعتراف بواقعية الخلاف، ومعرفة أنه لا بد منه، وهذه القضية مفيدة جداً للإنسان إذا فهمها وأدركها، لأنها تجعل موقفه من الاختلاف موقفاً يتسم بالهدوء والاعتدال والتفهم، وليس بالغضب أو الانفعال، أو ما أشبه ذلك من المواقف المبنية على تصور غير صحيح.

    تحويل الخلاف في المسائل الفرعية إلى خلاف أصولي

    أيضاً من الأخطاء التي تقع: أن الخلاف في بعض المسائل الفرعية قد يضخم عند البعض إلى خلاف جوهري وأصولي، فبعض الناس قد يحول الخلاف في مسألة فرعية إلى خلاف جوهري وأصولي، ويوالي ويعادي فيه، بل وربما ضلل وفسق وبدع، بل وربما وقع في التكفير أحياناً، والبراءة من فلان لأنه يقول بهذه المسألة.

    ولذلك ربما تجد فرقاً كثيرة اجتمعت على أقوال جزئية وفرعيات، وهذا من الضلال والانحراف في فهم الخلاف.

    وقد لقيت يوماً فئة من الناس كانوا يكفرون من يخالفهم في المسائل الفرعية الفقهية، ويحرمون الصلاة خلفه ومعاملته، وقبول شهادته، مع أن الخلاف ليس في أصول اعتقاديه، إنما هو في مسائل فقهية، وسلف هذه الأمة اختلفوا كما ذكرت، ولذلك لا تكاد تجد مسألة من المسائل المشهورة عند الفقهاء، إلا ويقول: هذا مذهب أبي بكر، وابن مسعود، وهذا مذهب عمر، وأبي هريرة، وعائشة، وفلان، فالخلاف في الفقه موجود من عهد الصحابة كما بينت قبل قليل.

    ولا يجوز أن يتحول الخلاف في مسألة من المسائل الفقهية إلى ميدان للخصومة، والمنافرة والمباغضة والهجر والمفاصلة والشتم والسب والتضليل والتبديع والتفسيق والتكفير أحياناً، فهذا كله لا يجوز، فالخلاف الفقهي ليس فيه هدى وضلال، وحق وباطل، ما دامت المسألة في إطار أمور لا تصل إلى درجة القضايا القطعية، وإنما هي قضايا اجتهادية اختلفت فيها الأمة قديماً وحديثاً، إنما فيها راجح ومرجوح.

    ولا يوجد مانع أن أقول: هذا القول راجح، وذاك القول مرجوح، وفي مقابل ذلك قد يأتي آخر ويقول: والعكس، هذا القول مرجوح، وذاك القول راجح، وكل إنسان يقول ما يعتقد في هذه المسألة، وفق ما أدى إليه اجتهاده، على ضوء النصوص الشرعية.

    فالمسألة فيها راجح ومرجوح، وإذا كان الدليل قوياً فقد أقول: هذا هو القول الصحيح، وأقف عند هذا الحد، أما كون القضية تتحول إلى تضليل فهذا نوع من غياب الفقه الصحيح، ولذلك نجد أن العلماء السابقين كانوا يتعاملون مع الخلاف الفقهي في هذا الإطار، وأحياناً يلتقي عالمان للمناظرة في المسألة، فلا يتفرقا حتى يأخذ كل منهما بقول الآخر، وهذا طريف، وهو يدل على أن العلماء السابقين كانوا متجردين للحق.

    وأذكر أن إسحاق بن راهويه وهو إمام وفقيه من فقهاء المحدثين، التقى بالإمام الشافعي في مكة، فتناظرا حول مسائل عديدة، منها مسألة جلود الميتة وحكمها، ومنها مسألة كراء بيوت مكة وبيعها، والطريف في الأمر أنهما لما تناظرا في مسألة جلود الميتة كان بعد المناظرة رجع الشافعي إلى قول إسحاق، ورجع إسحاق إلى قول الشافعي، كل واحد منهم أعجبته حجة الآخر فقال بها، وهذا دليل على التجرد للحق.

    ومثل ذلك كثير فلا بأس من المناقشة والمناظرة، وأن أقول: هذا راجح وهذا مرجوح، أو إذا قوي الدليل عندي أقول: هذا الصحيح، وإن كنت أوثر من وجهة نظري الشخصية الضعيفة، أن الإنسان يستخدم دائماً العبارات التي لا تدل على الجزم والقطع فيما ترجح لديه، إلا في مسائل محدودة جداً، فكلما أمكن أن طالب العلم يعرض القول الذي ترجح بأسلوب لا يغض من قيمة القول الآخر، ولا يدل على أن الرجحان عنده قوي جداً، كان هذا أولى وأقوى وأحسن في التربية، المهم أنه لا يجوز أن نحول الخلاف في مسألة فرعية إلى خلاف جوهري وأصولي، ونبني عليه التفرق.

    القطع في مسائل لا مجال للقطع فيها

    الخطأ الثالث: أن بعض الناس قد يقطعون في مسائل لا مجال للقطع فيها، وفي اعتقادي أن المسائل التي تكون دلالة النصوص عليها ظنية، أو يكون ثبوت النص فيه نظر، وهي قضايا اختلف فيها سلف الأمة وأئمتها، من الصعب أن يصل فيها الإنسان إلى درجة القطع بقول من الأقوال، ولذلك كان الإمام الشافعي وهو من هو في الفقه رحمه الله يقول: " قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب" إذاً الاحتمال قائم، ومسألة القطع فيما لا مجال فيه ليست من سيما أهل العلم، بل هي دليل على نقص العلم، لأن الإنسان عندما لا يكون لديه إلا دليل واحد، أو قول واحد، ولا يعرف إلا دليله، قد يخيل إليه أن هذا هو القول الصحيح بلا شك، وذلك لضعف علمه، وأحياناً عندما تأتي بإنسان خالي الذهن، تقول: هذه المسألة فيها أقوال، وأريد أن أعرض عليك الأقوال والأدلة وأنت رجح، لما تعرض عليه القول الأول في المسألة، وتأتي له بأدلة من القرآن والسنة وأقوال أهل العلم، وتقول: ما رأيك في هذا القول؟ يقول: والله هذا القول هو الصحيح الذي لا شك فيه، سبحان الله! كيف يوجد اختلاف وهنا هذه الأدلة، فتقول: تريث قليلاً، اسمع القول الثاني، ثم تذكر القول، ومن قال به، وأدلته، يبتسم ويقول لك: والله يا أخي! هذا القول أرجح، الحقيقة كنت متعجلاً لما رجحت القول الأول، لكن عندما تعرض له القول الثالث يمكن أن يرجحه أيضاً!

    إذاً القطع في مسألة سببه ضعف العلم، فإنسان ما اطلع إلا على قول واحد ودليله، يخيل إليه أن هذا القول هو الصحيح، ولذلك من فوائد بحث الفقه المقارن -كما يسمونه- تربية الطالب على سعة الأفق، ومعرفة الأقوال المتعددة، حتى لا يكون عنده تعجل في القطع في مسائل لا مجال للقطع فيها، فكون الطالب -كما هو الحال في الكليات الشرعية وغيرها- يتربى على معرفة الأقوال في المسألة وأدلتها، ثم الترجيح، هذا يربي لديه عدم التعجل في الترجيح واتساع قلبه وعقله لوجهة النظر المخالفة، وعدم التسرع والقطع في هذه المسائل التي لا مجال للقطع فيها.

    الإنكار في مسائل الخلاف

    الخطأ الرابع: هو الإنكار في مسائل قد لا يكون الحق فيها دائماً مع المنكر، والفقهاء والعلماء يقولون: لا إنكار في مسائل الخلاف، وهذه الكلمة ذكرها جماعة من العلماء كـالغزالي، والنحاس وغيرهم، ولكن الصحيح أن فيها تفصيل، بمعنى أنه لا يمكن أن نطلق هذه الكلمة، بل لا بد أن نفصل فيها؛ لأن كثيراً من المسائل فيها خلاف، فلو قيل: إنه لا إنكار في مسائل الخلاف، معناه أنا أبطلنا الإنكار في مسائل كثيرة.

    أقول: مسائل الخلاف أنواع:

    منها: مسائل القول الراجح فيها واضح ومشتهر، والقول الآخر مرجوح وضعيف، فهذه ينبغي تنبيه الآخذ بالقول الضعيف والمرجوح إلى ما هو الحق والراجح ومناقشته في ذلك.

    كذلك هناك مسائل يوجد فيها خلاف صحيح، لكن أحد الأقوال هو المشتهر والمعروف والمعمول به في الواقع، وفي التزامه مصلحة كبيرة، فلا بد من الإنكار فيه.

    وأضرب لذلك -مثلاً-: مسألة حجاب المرأة، وأعني بالحجاب النقاب الذي هو تغطية الوجه، مسألة فيها خلاف، ليس هناك إشكال، ولا أحد ينكر وجود الخلاف فيها، لكن تأتي إلى بلد كـالسعودية -مثلاً- النساء فيها بمقتضى قوة الأنظمة ملزمة، سواء كانت المرأة سعودية أم غير سعودية، مسلمة أم غير مسلمة، هناك أنظمة تنص على أن كل امرأة تأتي إلى هذا البلد يجب أن تلتزم بتغطية الوجه ولبس العباءة، فهذا نظام موجود هنا، ففي هذه الحال قد تقول لإنسان -وقد يكون متديناً أحياناً- قد كشفت امرأته وجهها: يا أخي! لماذا لا تتحجب امرأتك؟ يقول: يا أخي! هذه مسألة فيها خلاف! نحن الآن لسنا في مجال الحديث عن الخلاف في هذه المسألة، أنت في بلد يلتزم أهله بتغطية الوجه، وتغطية الوجه فيه مصالح عديدة، وإجماع العلماء على أن تغطية الوجه مشروعة، لكن خلافهم هل هي واجبة أو مستحبة، فأنت حين تغطي وجه امرأتك ما خالفت أحداً من أهل العلم بحال من الأحوال، كل العلماء يحمدونك، ولا يوجد أحد من العلماء يقول: أنت مخطئ إذا غطيت وجه امرأتك، لكن منهم من يقول: فعلت واجباً، ومنهم من يقول: فعلت أمراً مستحباً.

    إذاً افعل هذا الأمر على الأقل لأنه مستحب من وجهة نظرك، وهو أمر تفرضه عليك أنظمة هذه البلاد، وهي مصلحة كبيرة لئلا تتجرأ النساء على هذا الأمر، ثم يؤدي الأمر إلى ما بعده، خاصة ونحن نعرف مدى الانحراف الذي وقع في البلاد الإسلامية، في مجال التفسخ والسفور والتبرج والاختلاط وغير ذلك.

    مثل آخر: قضية الإسبال؛ وكون الإنسان -أو بعض الناس- يكون قد أرخى ثوبه إلى ما تحت الكعبين، فإذا نبهته على ذلك قال: يا أخي! فيه خلاف، بعض أهل العلم يقول: إذا لم يكن فيه خيلاء فهو ليس بحرام، وهذا أيضاً فيه خلاف ولا شك، وليس في المسألة إجماع، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار} ولم يحدد ما إذا كان ذلك لخيلاء أو لغير خيلاء، لكن لا ننكر أن فيها خلافاً، إنما كون الإنسان يسبل مع أن النصوص في ذلك صحيحه، وليس هناك ما يدل على أنه لغير خيلاء، كيف يعرف الناس ما في قلبك؟!

    في مثل هذه الحال ينكر الإنسان على من وقع في مثل هذه الحال، فإذا قال لك هذا الإنسان: أنا فعلت هذا بمقتضى دليل، وأنا عندي أن القول الراجح هو القول الآخر، وأنا استفتيت فلاناً.

    إذاً لا داعي لإطالة الجدل، المهم أنك بينت وجهة نظرك، والدليل الذي تعتمد عليه، ولا داعي لطول المناقشة في مثل هذه الأمور، لكن لا بد من بيان ما تعتقد أنه الحق.

    هناك أمر آخر لا نسميه إنكاراً بل نسميه بيان الحق الذي تعتقده، والفرق بينه وبين الإنكار هو أنك تعرض ما لديك بهدوء، ولا تعرضه على سبيل الإلزام للطرف الآخر، لكن تعرضه على سبيل أنك تعتقد أنه أولى وأحرى بالقبول والاعتبار والتنفيذ.

    1.   

    موقفنا من خلاف العلماء

    أشرت قبل قليل إلى أن الناس يتبرمون من الخلاف، ويضيقون به ذرعاً، وهذا يجر إلى سؤال وهو: ما هو موقفنا من خلاف العلماء؟

    باختصار شديد ألخص الموقف من خلاف العلماء بنقطتين:

    فأقول: أنت إما أن تكون عامياً أو تكون طالب علم.

    موقف طالب العلم من خلاف العلماء

    إن كنت طالب علم فموقفك من هذا الاختلاف سواء كان خلافاً قديماً، أم حديثاً، هو أن تختار من هذه الأقوال ما تعتقد أن دليله أصح وأقوى، بحسب ما منحك الله تعالى من العلم والعقل والمعرفة، فتختار بحسب اجتهادك وبحثك وتحريك لأنك طالب علم.

    موقف العامي من خلاف العلماء

    الاحتمال الثاني: أن تكون عامياً، وحين أقول: عامياً، ليس بالضرورة أن يكون لا يقرأ ولا يكتب، بل قد يكون طبيباً أو مهندساً، أو متخصصاً في أي مجال، لكن في مجال العلم الشرعي لا علم عنده البتة، لا يورد الأمور ولا يصدرها، فهو عامي في مجال العلوم الشرعية، فهنا نقول له: ما دمت عامياً فحكمك التقليد، لكن من تقلد؟ تقلد من تثق بدينه وعلمه، عندك مجموعة من العلماء أفتوا بفتاوى متعددة مختلفة، لا عليك من هذه الفتاوى، ولا تشغل نفسك بها، وفلان قال كذا وفلان خالفه، انظر هؤلاء العلماء، من هو أوثقهم عندك، من حيث العلم والدين والفهم؟ فهذا العالم الذي وثقت بعلمه ودينه، ورأيت أنه أقدم من غيره بهذا المجال، خذ بفتواه ودع ما سواها، ولذلك من الخطأ أن بعض العامة صاروا يتلاعبون بهذه القضايا، فمنهم -مثلاً- من يأخذ من هذه الأقوال ما يشتهي، ليس لأن العالم الذي أفتى به أعلم أو أقدم أو أكبر قدراً، وإنما وجدها فتوى تناسبه فأخذ بها، ويقولون: اجعل بينك وبين النار فقيهاً أو مطوعاً، أو ما أشبه ذلك، وهذا غلط وخطأ!

    أيضاً من العامة من تجد أنه يقف على رأس كل عالم ويسأله عن مسألة، أو مسائل لا يعرف غيرها، فيذهب إلى هذا العالم فيقول: يا شيخ! ما حكم مثلاً طواف الوداع بالنسبة للعمرة؟ ويذهب للشيخ الفلاني: ما حكم طواف الوداع؟ ثم يذهب للآخر والثالث والرابع والخامس، فيسأل الخمسة كلهم عن مسألة واحدة، ثم يبدأ يقول: أنا سألت فلاناً وقال كذا، وسألت فلاناً وقال كذا، فهذا لا شك أنه متلاعب.

    ولذلك نقول للعامي: لا داعي لهذا العمل، وأيضاً هذا العامي لا يقبل حتى نقله للفتوى، لو قال لك إنسان عامي لا علم عنده: الشيخ الفلاني أفتاني بكذا فلا تقبل نقله للفتيا، لأنه قد لا يضبط الفتوى، وقد ينقلها خطأ، وقد يفهم خطأ، وقد يعرض السؤال بصورة غير صحيحة، فحتى نقل الفتوى له ضوابط، وليس كل من نقل فتوى تقبل منه.

    إنما على العامي ألا يتلاعب بالفتوى بهذه الطريقة، إذا عرضت له مسألة أو نازلة، بل ينظر أحد العلماء الذي يثق بعلمه ودينه فيسأله، ولا باس أن يسأله عن الدليل في المسألة أيضاً، ثم يأخذ بهذه الفتوى ويعمل بها.

    1.   

    الخلاف العلمي بين المسلمين وأسبابه

    أنتقل إلى القسم الثاني من الخلاف وهو ما يمكن أن يسمى بالخلاف، العملي، فقد ذكرت أولاً أن القسم الأول هو الخلاف العلمي في المسائل الفقهية، في مسائل الأصول، أو الحديث، أو التفسير، أو في الرجال، ...الخ، فهذا خلاف علمي.

    القسم الثاني: هو خلاف عملي، وأعني به ما يقع بين المسلمين في واقع حياتهم، وشئون دعوتهم، من اختلاف وتباين في المواقف، ووجهات النظر، والأعمال والآراء، وهذا الخلاف يعصف بالأمة الإسلامية عصفاً في هذا العصر، ويتسبب في مشاكل تبدأ ولا تنتهي في أوساط العلماء وطلاب العلم والدعاة إلى الله، بل وعامة المسلمين.

    مئات اللافتات واللوحات والأحزاب والجماعات والأسماء، وسببها هو الاختلاف والتناحر والتنافر في أوساط الدعاة إلى الله تعالى والعلماء وطلاب العلم، ليته كان اختلاف تنوع -إذاً- لهان الأمر، لكنه اختلاف تضاد، وتباين في المواقف، وهذا الاختلاف خطير جداً، ويؤثر على مستقبل الأمة الإسلامية، ولذلك أتمنى أن يتفهم المسلمون وخاصة الشباب، الموقف السليم من هذا الاختلاف، ويدركوا كيفية التعامل معه، بروح مرنة وواقعية، ويخافوا الله تبارك وتعالى في هذا الأمر الخطير.

    هذا الخلاف له أسباب كثيرة، أذكر منها:

    التمسك ببعض الحق وترك بعضه

    أولاً: التمسك ببعض الحق وترك بعضه، فقد يجتمع الجماعة أو فئة من الناس على أخذ جزء من الدين، والعناية به وترك ما عداه، فيكون هذا سبباً للاختلاف، لأن غيرهم يأخذ جزءاً آخر، والثالث يأخذ جزءاً ثالثاً وهكذا، ولذلك فقد نعى الله تبارك وتعالى على بني إسرائيل أنهم نسوا حظاً مما ذكروا: فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [المائدة:14] فتجد فئة من الناس ينظرون إلى الإسلام على أنه نظام سياسي، فيركزون جهودهم في الدعوة إلى إسلامية السياسة، وإلى دخول المسلمين في مجال السياسة مثلاً، والأحزاب والانتخابات والمجالس، وغير ذلك، ويغفلون عما سوى ذلك، وينظرون -مثلاً- إلى من يُعنى بتعلم العلم الشرعي، والدعوة إلى الالتزام بالسنن والعمل بها، وتصحيح العقائد، ينظرون إليهم على أنهم أناس مغفلون.. بعيدون عن الواقع.. مشغولون بالقشور أو بأمور تافهة كما يعبر بعضهم، مع أن هذا كله خطأ، ولا يجوز استخدام مثل هذه الأساليب، فينظرون إلى من يشتغل بجزء آخر من الدين نظرة تنقص، وأنه يفتقد الوعي.

    وإذا قلبت الصورة تجد الأمر نفسه كذلك، فتجد -مثلاً- من المسلمين من قد يهتم بالعلم الشرعي فقط، ويغفل عن جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو عن جانب الدعوة إلى الله تعالى، ويغفل عن جانب مقاومة المنكرات، أياً كانت هذه المنكرات، التي تهيمن على واقع المسلمين، ويعتبر أن من الواجب على الجميع أن ينصرفوا إلى تعلم العلم الشرعي، إذاً كل إنسان يمسك بطرف، ومن هنا يوجد الاختلاف: (وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:13] فحين يوجد عند المسلمين جميعاً أهمية العناية والالتزام بجميع أمور الإسلام، هنا يحصل قدر من الاتفاق.

    قد يقول قائل: هل من المعقول أن كل إنسان سوف يهتم بالأشياء كلها بقدر متساوٍ؟

    أقول: لا. صحيح أن كل إنسان له مجال يهتم به أكثر من غيره، لكن فرق بين كوني أهتم بهذا المجال، وأعتبر أن غيري قام بعمل آخر جليل، فأنا قمت بفرض كفاية وهو قام بفرض كفاية، وبين أن أهتم بمجال وأعتبره هو الدين وأن غيره ليس له أهمية.

    فمثلاً: الذي يشتغل بالجهاد ومنازلة أعداء الله تبارك وتعالى في ميادين القتال، يقوم بفرض كفاية، ليس من حقه أن يلوم ويعاتب من يقوم بفرض كفاية آخر، وهو تعلم العلم الشرعي وتعليمه، فيصفهم بأنهم قاعدون أو متخاذلون أو مرجفون، أو ما أشبه ذلك، والعكس ليس من حق المشتغل بالعلم الشرعي وتعلمه وتعليمه، أن يعتب على القائمين بالجهاد ومقارعة أعداء الله، ويطلب منهم أن يتركوا الجهاد، ويأتوا ليتعلموا هذا العلم، إلا بقدر معين، وهو أننا نقول: هؤلاء الذين يجاهدون لا بد من أن يتعلموا فرض العين الذي يجب على كل مسلم أن يتعلمه، ولا بد أن يتعلموا أحكام الجهاد التي يحتاجونها في كل واقع حياتهم، ويتعلموا العقيدة الصحيحة التي تضمن صلاح مسيرتهم، وما أشبه ذلك، أما كونهم يتفرغون ليكونوا طلاب علم وفقهاء، فليس كذلك.

    ونجد -مثلاً- فئة ثالثة، نذرت نفسها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا عمل جليل ليس من حقي كطالب علم متفرغ للتفقه والتعلم والتعليم، أن أنتقد عليهم عملهم واشتغالهم بإصلاح المجتمع، والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأطلب منهم أن يتركوا ما هم فيه ليأتوا إلى ما أنا فيه، بل أنا أمدح ما هم فيه، وأثني عليهم، وأعتبر أنهم قاموا بجزء، وأنا قمت بجزء، وأن عملي يكمل ما يقومون به، وعملهم يكمل ما أقوم به، ونحن جميعاً نقوم بالإسلام بشكل إجمالي.

    إذاً: جهود المسلمين في هذه الحالة تتكامل ولا تتناقض، وهنا يوجد ما يسميه العلماء اختلاف تنوع، وليس اختلاف تضاد، فقد يوجد إنسان ثالث مهمته جمع الأموال، وإنفاقها في سبيل الله، ورابع يبني المساجد، وخامس يؤلف الكتب، وسادس يرد على أهل البدع، وسابع وثامن وتاسع وعاشر، كل هذه الأعمال مطلوبة، وهي أعمال لا ينقض بعضها بعضاً ولا يخالف بعضها بعضاً، فهي من اختلاف التنوع المقبول والمطلوب، بل والذي لا بد منه شرعاً وواقعاً.

    فلا بد أن ننتبه أن أول سبب من أسباب الاختلاف هو: وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:13] بحيث أن المشتغل في علم أو فن أو مجال؛ ينتقد غيره ويعتبر أنه مضيع لوقته، وكثيراً ما تجد النقد في هذا المجال.

    الالتفاف حول شخص معين

    السبب الثاني: هو الالتفاف حول شخص معين، فكثيراً ما يجتمع مجموعة من طلاب العلم حول شيخ، أو مجموعة من الدعاة حول داعية يكون نشيطاً وسابقاً في هذا المجال، فيصبح هؤلاء عبارة عن مريديه، ينظرون إلى الدنيا من خلال هذا الداعية، أو الشيخ الذي تتلمذوا على يديه، ويعتبوون أن قوله حق لا يحتمل الخطأ، وإذا رضي عن شخص رضوا عنه، أو سخط على آخر سخطوا عليه! وهنا جاء البيت العربي الذي يقول:

    وهل أنا إلا من غزية إن غوت      غويت وإن ترشد غزية أرشد

    إذا غضبت عليك بنو تميم      رأيت الناس كلهم غضابا

    فربط هؤلاء الناس عواطفهم ومعتقداتهم وآراءهم وتصوراتهم بفلان، بحيث أن كل ما قال تقبلوه، وقد يقول القول اليوم فيقبلونه، فيرجع عنه غداً فيرجعون، فرفع الأفراد فوق منزلتهم، وفوق قدرهم وهذا انحراف كبير جداً وخطير.

    وبعض الكبار أو القادة، من الذين لهم منـزلة يفرحون بهذا، يفرح الواحد أن حوله مجموعة لا يخالفون له رأياً، ولا يعملون عملاً إلا بعد الرجوع إليه وأخذ رأيه، ولا يعترضون عليه في قول، سواء كان في قول ما يتعلق بحكم شرعي أو واقعي، أو غير ذلك، يرتاح الإنسان أن من حوله مطاوعون له على طول الطريق، ويأنس لذلك، فيتربى هؤلاء الناس على هذا الأمر، وبالتالي يقع الانحراف.

    لكن الإنسان الناصح لنفسه ولدينه، لا يرجو ويعمل على إيجاد الاختلاف والعناد والمناقشة، والأخذ والرد، لكن يربي الناس على أن يكون لديهم اعتزاز بآرائهم وعقولهم، واستقلالية في أشخاصهم، بحيث يعرض عليهم القول ويطلب منهم المناقشة في هذا القول، ولا يلزمهم برأيه وقوله.

    كما أن على دعاة الإسلام والشباب بصفة خاصة، ألا يقدسوا شخصاً مهما كانت منـزلته، فالرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يؤخذ منه كل ما قال به، لأنه لا ينطق عن الهوى، أما من دونه فيؤخذ من قوله ويترك كما كان مالك رحمه الله يقول: ما منا إلا راد ومردود عليه، ما منا إلا من يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم.

    إذاً لا داعي أن ننظر إلى الدنيا كلها من قبل شخص معين، رأينا أنه مخلص مضحٍ متفانٍ قوي الشخصية وبعض الناس قد يعرض لك الباطل بصورة الحق؛ لأنه إنسان قوي الشخصية، بارع الأسلوب، عنده إمكانيات بلاغية وبيانية ومواهب، فإذا تحدث لسانه ويده وشخصيته ومكانته في نفوس السامعين مؤثرة بحيث أنه قد يحول الخطأ إلى صواب.

    فينبغي أن ينتبه الداعية إلى أن يستفيد من الكبار والسابقين، لكن لا ينصهر فيهم وتضيع شخصيته فيهم، بحيث يصبح شأنه معهم كما قال أبو حامد الغزالي: كالميت بين يدي مغسله ليس له رأي ولا اختيار، فلا ينبغي هذا!

    ضعف التربية

    السبب الثالث: هو ضعف التربية عند شباب الإسلام، فضعف التربية وعدم الخوف من الله جل وعلا ورعاية الأمانة التي ائتمنهم الله تعالى عليها، والله الذي لا إله غيره إن الإنسان الذي يحس بواقع الأمة الإسلامية، وآلام المسلمين في كل مكان، والحاجة الملحة إلى التصحيح وجمع الكلمة على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يوجد في قلبه من الرغبة الصحيحة في ذلك ما يدعوه إلى الالتزام بمنهج سليم يجمع ولا يفرق، وبعض الناس تحس أنهم فقدوا الشعور بالخوف من الله تعالى في هذا الجانب، وفقدوا الشعور بالأمانة التي ائتمنهم الله عليها، فأصبح لدى بعضهم رغبة وشهوة في مخالفة الآخرين ومنابذتهم واتهامهم بأنهم فعلوا وقالوا وغير ذلك من الأشياء، أو أن يصنع الواحد منهم من الحبة قبة -كما يقال- فيجعل من القضية الصغيرة قضية كبيرة موجبة للمنابذة والتفرق العملي الواقعي، مع أن الأمر قد لا يستدعي كل هذا، فالذي يوجد عنده خوف من الله تعالى يستطيع أن يتغلب على بعض أسباب الخلاف، ولذلك أهل السنة والجماعة على مدار التاريخ كانوا دعاة وحدة وليسوا دعاة فرقة!!

    وانظر إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في موقفه من خصومه؛ فقد شهروا به، وسبوه وشتموه وكفروه، وألفوا كتباً ضده، وحاولوا حتى أوقعوه في السجن، وأصدروا فتاوى بجواز قتله، ووشوا به إلى السلاطين، وقضى شيخ الإسلام جزءاً غير قليل من حياته في غياهب السجون، وأوذي وطرد وأوذي تلاميذه وأتباعه، وحرقت كتبه، ومع ذلك كان رحمه الله يواجه ذلك كله بروح تلقَّاها عن سلف هذه الأمة، عن الصحابة والتابعين وأتباعهم، فكان يعفو عمن ظلمه، ويقول: إنه في حل مني، ولا يسمح بالنيل منهم، ويطلب من تلاميذه الكف عنهم وعدم الوقيعة فيهم.

    وإذا استشاره أحد من السلاطين في الإساءة إلى الفقيه الفلاني وهو الذين أفتى في الأمس بقتله، قال: لا يجوز ذلك، وإن كان أفتى بقتلي فإنه لا يجوز قتله، وهو مسلم دمه وماله وعرضه حرام وإن كان أخطأ في حقي أو في حق غيري، ولا يصدر منه في حق أحدٍ منهم لفظ التكفير.

    فضرب بذلك أروع المثل في الموقف الصحيح لإنسان يخاف الله تعالى واليوم الآخر، ويراقب الله تعالى في هذه الأمة التي هي أمانة في أعناقنا جميعاً.

    أما أنه حين يوجد ما يدعو إلى المفارقة والمخالفة، كإنسان صاحب بدعة غليظة، قبوري أو مشرك أو صوفي غالٍ أو رافضي فلا كرامة لهؤلاء جميعاً، لكن حين يوجد أخوك المسلم الذي يتفق معك في الأصول والفروع وهو من أهل السنة والجماعة، وقد يخالفك في موقف عملي، أو في قضية، أوفي رأي حول شخص ثم تجعل من هذا الأمر مدعاة لمفارقته، فهذا لا يجوز.

    ضيق الأفق

    السبب الرابع: هو ضيق الأفق الذي يجعل الإنسان يرجع ليقول: قولي صوابٌ لا يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ لا يحتمل الصواب، وليس هو في قضايا شرعية؛ بل في قضايا واقعية، وأحياناً قد يكون الخلاف على رأيه في فلان، أو رأيه في المؤسسة الفلانية، أو رأيه في الشخص الفلاني، أو في الكتاب الفلاني، أو في العمل الفلاني، فيقع الخلاف، فتجد الإنسان إذا أصدر قولاً فإنه يعتبر أن هذا القول صوابٌ لا يحتمل الخطأ.

    وأذكر شخصاً يتكلم في قضية من هذا النوع ويقول: أشهد الله على أن كل ما أقوله حق، يا سبحان الله!! كل ما تقوله حق؟! فهذه ليست إلا للرسول صلى الله عليه وسلم فهو الذي كل ما يقوله حق، أما من عداه من الناس فلا يمكن أن يقول الإنسان عن نفسه أو عن غيره أن كل ما يقول حق أبداً.

    ثم أنت تتكلم في قضية شخصية أنت فيها طرف وهناك أطراف أخرى، وقد يكون لك جزء من الحق ونفرض أنك -مثلاً-(90%) من الحق فسيبقى (10%) لا بد أن يأخذه الطرف الآخر، وأنا لا أتكلم عن قضية خاصة بكل حال، لكن فكرة أن كل ما أقوله حق هي فكرة يجب أن تنـزع، ويجب أن نتربى جميعاً على سعة الأفق الذي بجعل -وإن ذهبت إلى رأي في مسألة- عندك استعداداً وقدرة على سماع ما عند الآخرين، فاسمع ما عند الآخرين، واجعل الآخر يعرض رأيه ومبرراته ومسوغات هذا الرأي، وبالتالي بعدما ينتهي من عرض ما لديه بإمكانك أن تقبل أولا تقبل.

    أما بعض الناس فالحقيقة أن قناعته ليست بعقله بل بقلبه، أي: أنه يتشبع وجدانياً وعاطفياً بقول، وبالتالي يصبح -أصلاً- ليس لديه استعداد أن يسمع منك، وربما تعرض عليه القول وهو مغلق الذهن، كالذي يقول: وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ [فصلت:5] فأحياناً تتذكر هذه الآية؛ فأنت تتكلم وهو أصلاً ليس في ذهنه أنه يحتمل أن ما عندك حقٌ حتى يسمع، بل هو مقرر سلفاً أن ما عندك باطل، والمهم أن تسكت.

    وبذلك يستمر الخلاف أو يزداد ويتسع، والذي ينبغي للشاب أن يتربى عليه هو سعة الأفق والاستعداد لسماع ما عند الآخرين، ثم القبول أو الرد على وفق ما يصل إليه اجتهاد الإنسان، وهي قضايا -كما قلت- اجتهادية.

    اختلاف المدارك والعقول والأفهام

    السبب الخامس: هو اختلاف العقول والمدارك والأفهام والاجتهادات، والله عز وجل خلق الناس متفاوتين في عقولهم؛ فمنهم العبقري، ومنهم الساذج المغفل، ومنهم بين ذلك، وهذا الاختلاف الذي فُطر عليه الناس وجبلوا عليه يؤدي إلى اختلاف في أشياء كثيرة، ولذلك نجد الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا لما قال الرسول عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين لأصحابه: {لا يصلين العصر أحدٌ إلا في بني قريظة} فاختلف الصحابة في تطبيق هذا الحديث، مع أنهم اتفقوا على أن الرسول عليه الصلاة والسلام قاله، ومعنى الحديث في الظاهر واضح، لكن اختلفوا في تطبيق هذا الحديث، فمنهم من طبق الحديث بطريقة، ومنهم من طبقه بطريقة أخرى، فالفئة الأولى: صلوا في الطريق، وقالوا: لم يرد الرسول صلى الله عليه وسلم منا ذلك وإنما أراد الإسراع، وفئة قالوا: لا نصلي العصر إلا في بني قريظة حتى لو فاتتنا صلاة العصر، فأخروا الصلاة إلى أن وصلوا إلى بني قريظة.

    فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يعنف أحداً منهم، فعلّمنا بذلك عليه الصلاة والسلام أن الناس يختلفون في عقولهم ومداركهم، وأن النصوص الشرعية جاء فيها مجال الاختلاف فيما لم يكن قطعي الدلالة.

    إذاً العقول تختلف! من ذلك -أيضاً- اختلاف الصحابة رضي الله عنهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في أمور كثيرة؛ منها قضية الخلافة، فقد تفاوضوا أول الأمر حين كانوا في السقيفة من يبايعون، ثم اتفقوا بعد ذلك على بيعة أبي بكر فأجمع المسلمون على بيعة أبي بكر وأنه أفضل الصحابة وأفضل الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم.

    وأيضاً الاختلاف في حرب المرتدين في أول الأمر حين كان هناك مرتدون ردة كلية ومنهم من منعوا الزكاة فاختلفوا، فكان عمر وبعض الصحابة يقولون لـأبي بكر: لو تركنا قتال الذين يمنعون الزكاة ممن يشهدون أن لا إله إلا الله، فقال أبو بكر رضي الله عنه: [[والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالاً أو عناقاً كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليها]] فشرح الله صدر عمر وبقية الصحابة لرأي أبي بكر.

    والمهم أنه قد وجد الاختلاف في قضايا عملية واجتهادية كثيرة جداً، وهي في الحقيقة لا تنحصر؛ لكن هذه أمثلة، ومن باب أولى يوجد الاختلاف في أمور الواقع بسبب اختلاف العقول، فقد يعجبني شيء ولا يعجبك، وأرى أن الطريق لحل المشكلة كذا وأنت ترى أن الطريق يختلف.

    الاختلاف العلمي

    السبب السادس: هو الاختلاف العلمي، فالاختلاف العلمي قد يؤدي إلى اختلاف عملي، فمثلاً: قد نبحث مسألة فيذهب فلان إلى أن هذا يجوز ويذهب الآخر إلى أن هذا لا يجوز، فكل واحد يتصرف على مقتضى ما وصل إليه الاجتهاد.

    مثلاً: قد يرى إنسان جواز المشاركة في عمل أو جهاز أو جهة معينة بغرض الدعوة إلى الله تعالى، ويرى أن هذا فيه نصوص تدل عليه وفيه مصلحة... إلخ، ويذهب آخر إلى أن هذا لا يجوز وعنده أدلة يلجأ إليها، فهذا اختلاف علمي في جواز أو تحريم ترتب عليه اختلاف عملي، وهذا أيضاً يعذر فيه الإنسان بحسب اجتهاده ولا داعي بأن يعنف إنسان على الآخر ما دام مجتهداً، وربما يكون في ذلك خيرٌ للأمة، كون البعض يشارك في هذا المجال والبعض لا يشارك.

    1.   

    الآثار المترتبة على الاختلاف العلمي

    وأشير إلى بعض الآثار المترتبة على هذا الاختلاف العملي الموجود بين المسلمين، ولا أقول الأخطاء لأن هذه الآثار التي سوف نشير إليها كلها عبارة عن أخطاء.

    فساد ذات البين

    فمن الآثار: فساد ذات البين، واختلاف القلوب بين المسلمين؛ وكذلك بعد الاختلاف يوجد سوء الظن، وإذا وجد سوء الظن كان هذا مدعاة إلى التجسس وتلمس الأخطاء والعيوب، ثم تأتي الغيبة... وهكذا سلسلة من المعاصي يجر بعضها إلى بعض، ولذلك قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْم [الحجرات:12] ثم قال: وَلا تَجَسَّسُوا [الحجرات:12]، ثم قال: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضا [الحجرات:12].

    إذاً سوء الظن، ثم تجسس، ثم غيبة، وبطبيعة الحال كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: {يسمونها بغير اسمها} أو كما ورد، يعني: سوء الظن هذا لا يسمونه سوء ظن؛ بل يسمونه تحليل وقدرة على ربط الأحداث بعضها ببعض، وفهماً وإدراكاً للواقع، فهذا سوء الظن يسمى هكذا!

    والتجسس: يقال: إنه لمصلحة ولغرض صحيح، ومن باب التحقق والتحري ولا يسمى بالتجسس.

    والغيبة: لا يسمونها غيبة إنما يسمونها تقويماً وملاحظات.

    وهكذا الكذب لا يسمى كذباًً إنما يسمى تورية أو ما أشبه ذلك.

    وهكذا أصبح بعض الناس يرتكبون ما حرم الله بأدنى الحيل، فهذا موجود وهو سبب في استحكام العداوة بين المؤمنين، يقول الله عز وجل: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ [الإسراء:53] فكم من عداوة فارت بين اثنين أو بين فئتين سببها سوء ظن، أو سوء فهم أو كلمة سيئة.

    إتاحة الفرصة للعدو للنيل من المسلمين

    الأثر الثاني: هو إتاحة الفرصة للعدو للنيل من المسلمين، فالعدو لا شك أنه يفرح حين يجد أن المسلمين أصبحت سهامهم توجه إلى صدورهم، وحينئذ يدرك أن الخطر منهم قد زال، وأنه ليس بحاجة إلى مواجهة المسلمين؛ لأن المسلمين يمكن أن يقضي بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضاً، ويسفك بعضهم دم بعض، ويهتك بعضهم عرض بعض، ويؤذي بعضهم بعضاً، ويهدم بعضهم ما يبنيه الآخر، فلا داعي بأن يشتغل الأعداء بذلك.

    وأضرب لهذا مثلاً واقعياً وقريباً: وهو ما تناقلته وكالات الأنباء الغربية مما يسمونه مجزرة -على حسب قولهم- فرخار في أفغانستان والتي حدثت بين فئتين من المسلمين، فقد فرح الإعلام الغربي وهلل وسماها مجزرة، مع أن القتل فيها ليس إلى هذا الحد.

    فكبروا القضية، وأصبحوا يربطونها بالخلافات الجذرية والجوهرية بين الجماعات المقاتلة، وبنوا عليها أن الدولة التي أقامها المجاهدون دولة مهلهلة، وأصبحوا يكبرون هذه القضية ويضخمونها، وبالتالي تناقلتها وكالات الأنباء وأجهزة الإعلام والصحف العربية وكبرتها أيضاً، وقد فرح بها الأعداء لأنها صراع بين فئتين من المسلمين.

    ولا أريد أن أتحدث عن هذه النقطة بالذات فالذي أعجبني حول هذه النقطة هو ما قاله أحد المجاهدين هناك تعليقاً على هذا الموقف، قال: إن الأفغان الذين يخوضون المعركة ضد الروس ليسوا مجموعة قليلة من الأفراد؛ من الدعاة أو من طلاب العلم ممن ينتظر منهم أن يكونوا -مثلاً- على مستوى معين، بل الشعب الأفغاني بكامله يقاتل، والشعب بطبيعة الحال ليس كله على مستوى واحد في العلم والفهم والإدراك؛ بل يوجد منهم من هو على مستوى عال من ذلك، ويوجد منهم من هو دون ذلك.

    وبالتالي يمكن أن توجد هذه الأخطاء وهذه التجاوزات عندهم بصورة طبيعية، كما أن زعماء المجاهدين حاولوا تلافي هذا الأمر من خلال قيام بعض العلماء بجهود لرأب الصدع، والحمد لله وصلوا إلى نتائج نرجو أن تكون مشجعة إن شاء الله.

    وليس موضوع حديثي هو مجزرة فرخار بذاتها، لكن قصدي أن الأعداء يشمتون ويفرحون حين يوجد أي بادرة اختلاف بين المسلمين، ويهولون هذه القضية وينفخون فيها ويحاولون تعميقها، وبعض المسلمين يعرف ذلك لكن يقول: لا يهمني الأعداء وأنهم يفرحون، بل يهمني أنني أدعو إلى الحق، ولذلك لو أن الأعداء ساعدوه فرح بهذه المساعدة، وقال: هم يريدونها لغرض وأنا أستفيد منها لغرض آخر، وينسى ولا يدرك أن هذا الأمر الذي يفرح الأعداء لا بد أن يكون ضد الأمة الإسلامية.

    انشغـال بعض المسلمين ببعضهم عن العدو المشترك

    الأثر الثالث: هو انشغال بعض المسلمين ببعضهم عن العدو المشترك كما ألمحت إليه قبل قليل، فلينم العدو قرير العين فإن سهام المسلمين قد وجهت إلى صدورهم ونحورهم، أقول: هذا فيما لو تحقق ما تمناه الأعداء، وإلا فنحن نطمع أن يجمع الله كلمة أهل السنة والجماعة على أمر سواء، وأن تكون سهامهم موجهة إلى صدور عدوهم.

    غالباً يدرك الإنسان من عيب القريب ما لا يدرك من عيب البعيد، ولذلك يشتغل بعيب القريب أكثر مما يشتغل بعيب البعيد!! طلاب العلم مجالسهم غالباً مع بعض، وأحاديثهم مع بعض، وأسفارهم مع بعض، ولذلك يدرك بعضهم عيوب الآخرين فتجده يتحدث فيها؛ لأنه أدركها وعايشها، ورأى أنه لا بد أن يوضح ما في فلان من العيب فيشتغل بإيضاح عيب فلان، والعكس بالعكس لكنَّ الآخرين من: الشيوعيين، والعلمانيين والحداثيين والقبوريين والصوفية وأعداء الإسلام، وأصناف المرتدين، بحكم أن طالب العلم والداعية لا يختلط بهم ولا يواجههم لا يدري ما هي عيوبهم، وهو مشغول عنهم ببيئته الخاصة وجوِّه الخاص، وبالتالي ربما سلموا منه ولم يسلم منه أخوه المسلم.

    ولذلك يعجبني أن عبد الله بن المبارك رحمه الله سمع رجلاً يغتاب رجلاً في مجلسه، فقال له عبد الله بن المبارك: يا هذا أغزوت الروم؟! قال: لا. قال: أغزوت فارس؟! قال: لا. قال: أغزوت السند والهند؟! قال: لا، قال: سلم منك الروم وفارس والسند والهند ولم يسلم منك أخوك المسلم!!

    وهذه حكمة ينبغي أن يضعها الداعية نصب عينيه، فلا يجوز أن يسلم منك الصوفي، والقبوري، والبدعي، والخرافي والمرتد، ولا يسلم منك أخوك المسلم، فتسلط عليه سهام السب والنقد والتجريح والتنقص بحق وبغير حق؛ حتى لو كان ما تقوله فيه حقاً، لكن ينبغي أن ترفق به وتسلك معه بدلاً من الغيبة أسلوب النصيحة، وما أجمل أن يأتيك إنسان ويقول: فيك كذا وكذا، لكن لو سمعت أن فلاناً يقول فيك هذا في ظهرك لوجدت في نفسك عليه، فالمناصحة هي البديل الشرعي عن الغيبة.

    تحطيم القدوة العلمية للشباب

    الأثر الرابع: هو تحطيم القدوة العلمية للشباب؛ لأن شباب الأمة لا بد لهم من قدوة علمية وعملية موجودة في الواقع، فلا بد من علماء وشخصيات موثوقة يلتف حولها الشباب، فإذا كان الاختلاف مدعاة إلى أن كل إنسان يتكلم في الآخر سنجد في النهاية أنه لا يوجد في الأمة قدوات علمية تفرح وتفخر بها، لأن هذه القدوات حطمها مخالفوها ولا يوجد إنسان إلا وله مخالف، فتلاميذ الشيخ فلان قد يختلفون مع تلاميذ الشيخ فلان أو مع الشيخ نفسه، وهكذا الداعية هذا مع الداعية الآخر، والمجاهد هذا مع المجاهد الثاني، فإذا انشغل هؤلاء بالتنقيص والحط من قدر ذلك الشيخ الذي يخالفونه والعكس، فمعنى ذلك أننا لن نجد للأمة والشباب قدوة يلتفون حولها ويستفيدون منها.

    تردي أحوال المسلمين

    الأثر الخامس: هو تردي أحوال المسلمين على كافة المجالات العلمية والعملية والدعوية، وشيوع الفشل في أعمالهم نظراً لوجود التنازع والاختلاف، كما قال الله تعالى: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46] فقد تنازع المسلمون ففشلوا في كثير من المجالات وحبطت أعمالهم، ولست أعني بحبوط الأعمال حبوطها عند الله، فهذا أمر إلى الله؛ لكن أعني حبوطها في الواقع حيث لم تؤد هذه الأعمال الثمار المرجوة منها، وكثيرٌ من المؤسسات والأعمال والجهود ربما قلت جدواها وثمرتها بسبب تصدي آخرين من الطيبين وربما -أحياناً- من المخلصين لها.

    1.   

    العلاج

    وربما تقولون بعد هذا كله: وما هو العلاج؟ ولعل مما سيؤثر في عرض العلاج أن الوقت تأخر ولذلك - مع أن العلاج هو أمر مهم- أعرضه بشيء من الاختصار:

    استشعار الضرر الناتج عن هذا الخلاف

    فأولاً: لا بد من استشعار الضرر الناتج عن هذا الخلاف والتفرق والتشرذم الموجود بين المسلمين وأهمية الوحدة؛ فإن الإنسان إذا فكر في الموضوع بينه وبين نفسه هداه الله تبارك وتعالى إلى أهمية الوحدة ولمّ الشمل وجمع الصف كلما كان ذلك ممكناً ولم يوجد ما يدعو إلى خلافه.

    عدم جعل الخلافات ميداناً للبحث العام

    ثانياً: الأمر الآخر الذي يساهم في العلاج: هو الاشتغال بمعالي الأمور وتكوين النفس والقيام بالواجبات الشرعية؛ إن الإنسان المشتغل -مثلاً- بالتعلم، والتعليم والدعوة والإصلاح والأعمال الخيرية ليس عنده فراغ يزجيه في الأمور التي لا فائدة منها، ولذلك فمن -وهذا لعلي نسيته- أسباب الخلاف العملي الموجود، الفراغ؛ فبعض الناس يعيشون فراغاً، فليس عنده مجال للتعلم، أو للتعليم، ولا للدعوة، أو لشيء، ولذلك صار يقضي ويزجي وقت الفراغ فيما يسميه بالتقويم، والكلام في فلان وفلان وتصنيف الناس والحط من قدر فلان، والرفع من قدر فلان ونقد هذه الأعمال... إلخ.

    فالإنسان إذا اشتغل بمعالي الأمور وقضى حياته في جد فإنك لا تجد عنده مجالاً للكلام في فلان وعلان، وفي العمل الفلاني والجهة الفلانية، بل هو مشغول بالأعمال المفيدة المثمرة الناجحة.

    تربية النفس على مراقبة الله

    ثالثاً: إدراك جهود الأعداء ومدى ما وصلوا إليه من تخريب عقائدي وأخلاقي للأمة؛ فإن الذي يعرف الوضع الذي آلت إليه الأمة، وعنده وعي بالواقع، سواءً الواقع العقدي الذي عبث بعقائد الأمة في جماعات من أصحاب الانحرافات الإلحادية والبدعية، أم الواقع الأخلاقي الذي أصبحت الأمة فيه كما يقال: تحت قنبلة موقوتة من أشرطة الفيديو والدعارة، والإعلام الموجه، والأغاني الهابطة، وإتاحة سبل الاتصال إلى غير ذلك من المفاسد التي أصبحت معروفة وهي تفتك بجسم الأمة بشكل قوي وسريع، يدرك أن الأمة بحاجة إلى تدارك عاجل، وأن الاختلاف حول جزئيات وفرعيات ليس هذا أوانه، فنحن جميعاً مجمعون على أن مقاومة الزنا الذي يفتك بالأمة واجب، ومقاومة الفساد العقائدي: القاديانية القبورية الصوفية واجب، وهذا متفق عليه!

    فلماذا لا نشتغل في هذه الأشياء المتفق عليها ونترك القضايا الفرعية؟ وإن تناقشنا فيها وأخذنا وأبدأنا فهذا لا بأس به، لكن لا تكون هي ميدان خصومة وصراع فيما بيننا.

    تجنب التعصب والهوى

    رابعاً: لا بد من تجنب الغيرة المؤدية إلى البحث عن الزلات، وهذه قضية ينتبه لها، فإن طلاب العلم والدعاة زملاء عمل واحد، وزملاء ميدان واحد؛ وزملاء الميدان الواحد أطباء كانوا أو مهندسين أو طلاب علم أو مدرسين دائماً توجد بينهم الغيرة، فتجد أنني -غالباً- أنظر إلى زميلي طالب العلم الذي جلست وإياه في ساحات العلم وقاعاته وأعتبر أنه مثلي، فإذا وجدت أنه حصل على نجاح معين تحركت الغيرة في نفسي، وبدأت أبحث عن عيوب فلان، وأحاول أن انتقص من قدره بأي طريقة، حتى لو كان عندي ورع، فربما لا أقول: فلان فيه وفيه، لكن إذا ذكر ومدح عندي في مجلس ربما لا أتقبل هذا المدح، وأقول: الله يستر علينا وعليه، أو جزاه الله خيراً، فقد أقول كلمة ظاهرها الدعاء لكن حقيقتها تضمر شيئاً آخر؛ وتضمر أن عندي كلاماً عن فلان لكن أنا لا أحب أن أقوله، فهذا يوجد.

    وقد تجلس مع طالب علم لا يقول حتى هذا الكلام لكن تعرف أن في قلبه نوعاً من الغيرة على زميل آخر له، وهذه الغيرة سواءً كانت غيرة شخصية، أم غيرة أوسع من ذلك فإنها تؤدي إلى البحث عن الزلات، وأحياناً الشيطان يصور للإنسان هذه الغيرة بأنها غيرة على حرمات الله، وبأنها من أجل قيادة المسلمين نحو الأفضل، وبأنها لمصالح معينة، لكن أنا حين أجد أن فلاناً أقام محاضرة أو درساً فاجتمع عنده أعداد غفيرة من الناس وازدحم المسجد، فأغار لأنه زميلي، لكن حين أجد أعداداً هائلة من الشباب تزاحموا على المدرجات الرياضية فلا أغار، فالمفروض أن أغار هناك ولا أغار هنا؛ لأن هؤلاء الذين تجمعوا في المسجد هم أهل الخير وهو زميلي وسيقول الكلام الذي أنا أرغب فيه أو أرضى فيه أو بعض الكلام على الأقل، لكن هؤلاء الذين في ساحات الرياضة، أو يزدحمون على الطائرة للسفر إلى هنا أو هناك، ينبغي أن أغار من تجمعهم على هذه الميادين وأغضب من ذلك.

    طلب العلم الشرعي

    خامساً: عدم جعل الخلافات ميداناً للحديث العام، فقد يوجد اختلاف وتباين في وجهات النظر في بعض المسائل، وربما يكون في نفس الإنسان على الآخر شيء، وهذا أمر طبيعي لأننا لا نخاطب ملائكة، والناس بشر مهما كان الأمر وحاول الإنسان وكان تقياً نقياً بعيداً عن الغيرة، فقد يوجد في نفسه على زميله شيء بسبب وجيه أو غير وجيه، وهنا ننتقل لنقول: هذا الذي وُجد في نفسك اجعله في إطار خاص بينك وبينه ولا تجعل هذا الأمر ميداناً للحديث العام، وربما تكتبه في مقال، أو تسجله في شريط وتوزعه للناس، أو تكتبه في صحيفة والقضية قضية شخصية، فاجعلها في هذا الإطار الخاص، ولا تجعلها ميداناً لأقوال الناس وأحاديثهم وشماتتهم بك وبه وبغيركما من دعاة الإسلام وأهل العلم.

    عرض الإسلام بصفة متكاملة

    سادساً: لا بد من تربية النفس على مراقبة الله تعالى وسعة الأفق والتماس العذر للمخالف، وهذا أمر في غاية الأهمية، فإذا تربى الشاب على سعة الأفق والمرونة وتقدير موقف المخالف، فإن هذا ضمان -بإذن الله- لتجنب الخلافات العملية الواسعة.

    والتماس العذر للمخالف حتى لو لم يوافقه وأصر على رأيه فإنه يلتمس العذر للمخالف.

    إن تربية بعض الشباب على أن الأمور إما أبيض أو أسود، وتشبيع عقولهم بأن الرأي الذي يعتقده حق، هذه من أكثر الأشياء منعاً لوجود الوحدة بين المسلمين، فلو نجحنا في سحب هذه القضية نكون قد قطعنا شوطاً كبيراً في جمع كلمة أهل السنة والجماعة على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    الاشتغال بمعالي الأمور

    سابعاً: لا بد من تجنب التعصب والهوى،

    وتخل عن ثوبين من يلبسهما     يلق الردى بمذلة وهوان

    ثوبٌ من الجهل المركب فوقه     ثوب التعصب وبئست الثوبان

    فينبغي للإنسان أن يخلع عنه رداء التعصب والهوى، ويكون كل دافعه الحق والتجرد له بغض النظر عمن يوافق أو من يخالف، وما أعز وأندر هذا الأمر! وما أسهله على من يسره الله تبارك وتعالى عليه!

    إدراك جهود الأعداء ومدى ما وصلوا إليه من التخريب العقائدي والأخلاقي

    ثامناً: أهمية العلم الشرعي، وأهمية العلم الشرعي في علاج الخلاف تكمن في أشياء عديدة:

    منها: أن الإنسان حين يختار قولاً راجحاً ليعمل به في واقع حياته يكون بنى ذلك على اختيار سليم.

    ومنها: أن الإنسان يعتني بالدليل فيما يفعل وما يأخذ.

    ومنها: أن الإنسان يتربى من خلال العلم الشرعي الصحيح والفقه الصحيح على تفهم وجهات النظر الأخرى؛ فطالب العلم الصحيح الذي عاش مع أقوال العلماء وتراجمهم وحياتهم وسيرتهم، يجد فيهم قدوة حسنة في معاملة الآخرين والتماس العذر للآخرين.

    تجنب الغيرة المؤدية إلى البحث عن الزلات

    تاسعاً: لا بد من الشمولية وعرض الإنسان للإسلام عرضاً بصفة متكاملة، فلا يعرض شيئاً من الدين ويعادي من يعرض جزءاً آخر منه؛ بل ينبغي أن يأخذ الحق كله، فيأخذ ما ذكِّر به كله، ولا يأخذ منه حظاً ويترك حظاً آخر.

    وأخيراً: لا بد من قيام الدعاة والعلماء بدورهم في التوعية والدعوة إلى الله تعالى، ونشر العلم الصحيح، وبالذات في توعية الشباب بهذه القضية، وما هي الأشياء التي لا يجوز الخلاف فيها، والأشياء التي يتسع فيها الخلاف، وما هو الموقف الصحيح من الاختلاف، وما هي الأشياء التي يعذر فيها والتي لا يعذر فيها، وما أشبه ذلك، حتى يكون الموقف موقفاً صحيحاً وسليماً وبعيداً عن الانفعال والتعصب والهوى.

    هذا... وأسأل الله تبارك وتعالى أن يجمع كلمة المسلمين على أمر سواء، وأن يوحد صفوفهم علماء ودعاة ومجاهدين، وأن يخلص نياتنا أجمعين، وأن يجعل هدفنا دائماً هو البحث عن الحق والتمسك به، ولا أقول التعصب؛ فالتعصب مرفوض بكل حال، وأن يجعل هدفنا هو البحث عن الحق والتمسك به، وأن ينجينا من التعصب للأشخاص والآراء مهما كانت منـزلتهم ومهما كان قدرهم، وأسأله جل وعلا أن يبعد عن المسلمين أسباب التفرق، وأن ينجيهم من كيد عدوهم ومن شرور أنفسهم؛ فإنها أحياناً تكون أبلغ وأوقع من كيد عدوهم، واستغفر الله تبارك وتعالى لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، وأصلي وأسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والله تبارك وتعالى أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    1.   

    الأسئلة

    الاختلافات الفقهية وأثرها على الناس

    السؤال: فضيلة الشيخ: أنا أسأل أحد العلماء من علمائنا، ثم يجيبني عن سؤالي، ثم أسمع جواباً آخر مخالفاً للجواب الأول من شيخ آخر، ماذا أفعل مع أنهما جميعاً في منـزلة واحدة؟

    الجواب: لابد من وجود نوع من الترجيح، فإذا استطاع الإنسان أن يرجح بين هذين العالمين بأي سبب من الأسباب المقبولة رجح، وأخذ بقول العالم الذي ترجح لديه، لكن لو فرض جدلاً أنه لم يستطع أن يرجح بأي وجه من الوجوه، فيأخذ بقول العالم الأول الذي سأله.

    الفتيا وخطرها

    السؤال: فضيلة الشيخ: إني أحبك في الله وأنا أُدرِّس حلقة وأحياناً يسألني أحد الطلاب عن مسألة فقهية، وأنا أعرف الجواب، ولكني أسمع من بعض المحاضرين عدم التجرؤ على الفتيا، فأرجو من فضيلة الشيخ وضع الضوابط التي يشرع للإنسان فيها أن يقول ما يعرف من المسائل الفقهية والإجابة عليها؟

    الجواب: أما مسألة التجرؤ على الفتيا، فلا شك أن التحذير منها قد ورد في نصوص وأقوال كثيرة مثل: {أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار} وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتدافعون الفتيا حتى تعود إلى الأول، وإنما الجراءة على الفتيا هي فيما لا يعلم الإنسان، فإذا سئل الإنسان عن مسألة لا يعلمها، فيقول: الله أعلم، أو لا أعلم، أما لو كان يعلم سواءً علمها عن طريق البحث، أو عن طريق السماع من الشيوخ وهو علم أكيد وواضح ليس فيه التباس عنده، وسئل عن هذا العلم، فيجب عليه أن يبينه، ولا يجوز له أن يكتمه، فإن: {من سُئل عن علم فكتمه، ألجمه الله تعالى يوم القيامة بلجام من نار} وهذا يؤكد على أن الإنسان إذا سُئل عن مسألة فقهية، أو غير فقهية، وهو يعرف الجواب، فيجب أن يقوله، وهذا لا يعتبر من التسرع، أو التعجل في الفتيا؛ إنما التسرع لو أن الإنسان سمع أن المسألة فيها خلاف، ثم يقول: الراجح كذا، أو يظهر لي كذا، والأقرب كذا، وليس لديه دليل، أو يفتي باجتهاده، أو يقول: لا أعلم فيها شيئاً؛ لأنه لا يعرف الحكم أصلاً، أو يقول: بحسب ما هو معروف والمتداول عند الناس أنهم يفعلون هذا الشيء، ولم يسبق أن أحداً استنكره، فأفتي بأن هذا لا بأس به لهذا السبب، فهذا من التجرؤ على الفتيا، أما كونه يفتي لأنه عرف المسألة هذه وقرأها وبحثها، فهذا لا يعتبر تجرؤاً.

    الاجتهاد عند تعارض الأدلة

    السؤال: أحياناً أبحث في مسألة ما وفي أدلتها، فتتعارض عندي الأدلة، ولست من أهل الاجتهاد، فهل أختار ما تميل له نفسي، أم ألتزم المذهب الذي أنتسب إليه، أم ماذا، وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: أما قولك: لست من أهل الاجتهاد، فإن الاجتهاد يتجزأ، صحيح أنك لست بمجتهد مطلقاً، أو مجتهد مقيد، لكن يمكن أن تجتهد في هذه المسألة بالذات، والاجتهاد يتجزأ، أي: ممكن أن تكون مجتهداً في هذه المسألة بمعنى أنك بحثت المسألة حتى وصلت إلى نتيجة، أما كونك لم تصل إلى الترجيح، فهذا راجع إلى أحد أسباب، والغالب أنه يعود إلى ضعف البحث، بمعنى أنك لم تستكمل البحث، فعليك أن تعود مرة أخرى، وتعتمد على مراجع جديدة حتى تجد ما يرجح أحد القولين، وقد يعود إلى السبب الآخر، وهو وجود نقص عندك في إمكانياتك الذهنية التي وهبك الله تبارك وتعالى، فحينئذٍ إذا لم تستطع أن ترجح أحد القولين، فلك أن تقلد في هذه الحالة.

    التمذهب وتتبع رخص الفقهاء

    السؤال: فضيلة الشيخ: هل يصح أن أنتقل من مذهب إلى آخر تتبعاً للرخص؟ وهل يصح أن أنتسب إلى مذهب دون غيره وأتِّبعه اتباعاً كلياً، ولا أنظر إلى غيره من المذاهب ولو كان صحيحاً؟

    الجواب: لا يجوز الانتقال من مذهب إلى آخر على سبيل طلب الرخص؛ ولذلك قال بعض أهل العلم: لو أن إنساناً تتبع رخص العلماء، لاجتمع فيه الشر كله، فلا يجوز للإنسان أن يتتبع الرخص، والمقصود هنا بالرخص على حسب مصطلح السائل ليست الرخص الشرعية؛ لأن الرخص الشرعية مطلوبة، لأن الله يحب أن تؤتى رخصه.

    فمثلاً: رخصة رخَّص الله لك فيها تيسيراً على عباده، فأتيتها كالفطر للمسافر إذا احتاج إلى ذلك، أو الجمع إذا احتاج إلى ذلك، فهذا ليس هو المقصود، وإنما المقصود بالرخص حسب ما يقول الأخ أنه يتتبع الأسهل، فمثلاً: إذا أكل لحم جزور، قال: اليوم أنا شافعي، أو مالكي، ثم إذا مس ذكره، انتقل عن مذهب الشافعي إلى مذهب إمام آخر حتى لا يتوضأ مثلاً، وهكذا ينتقل من مذهب إلى آخر يبحث عما يكون فيه إباحة، فهذا لا شك أنه محرم، ولا يجوز، لأن هذا تلاعب في الدين.

    نعم! يجوز للإنسان أن يقلد إذا كان عامياً بمن يثق بدينه وعلمه حياً أو ميتاً، فيما أعلم من الأحياء، أو من الأموات، بمعنى: أنه يأخذ -مثلاً- مذهب الإمام فلان من واقع كتبه، ومخلفاته، ويأخذ به، لكن إذا علم الإنسان أن الحق في غير هذا المذهب، فإنه لا يجوز له أن يصر على هذا المذهب، ويترك ما علم أنه الحق؛ لأن الله تعالى أوجب على عباده جميعاً اتباع الحق وقبوله.

    معنى: اختلاف أمتي رحمة

    السؤال: فضيلة الشيخ: ما معنى الحديث الآتي: {اختلاف أمتي رحمة } وما هي درجته؟

    الجواب: أما درجة الحديث، فإنه لا أصل له، فلا يعرف له إسنادٌ مطلقاً، لا صحيح، ولا حسن، ولا ضعيف، وليس له إسناد.

    أما معنى هذه الكلمة" اختلاف أمتي رحمة"، فالواقع أن الاختلاف عذاب وشر؛ ولذلك لما قيل لـابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: [[: إن عثمان رضي الله عنه وأرضاه صلَّى بالناس أربعاً بـمنى، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله واسترجع -وقال ما يدل على ضيقه من هذا الأمر- ثم لما صلَّى خلف عثمان، صلى معه أربعاً، فقيل له: كيف فعلت هذا؟ فقال رضي الله عنه وأرضاه: الخلاف شرٌ]].

    فالخلاف شر لا شك، لكن هناك اختلاف يعتبر رحمة، وذلك مثل الاختلاف الذي يعتبر اختلاف تنوع، كما أن اختلاف أصحاب المهن -مثلاً- رحمة فكون هذا نجاراً، وهذا بقَّالاً، وهذا كاتباً، وهذا خطيباً، وهذا كذا، وهذا كذا سواءً في الأمور الشرعية، أو الأمور الدنيوية، بمعنى أن المواهب موزعة بين الخلق، فهذا الاختلاف يُعدُّ رحمة، لأن الناس لو كانوا كلهم أطباء، أو مهندسين، لفرغت المجالات الأخرى عمن يقومون بها، فبهذا المعنى تصبح الكلمة صحيحة.

    من آداب الفتيا

    السؤال: فضيلة الشيخ: هل يجوز للشاب منا أن يقول حين يطرح موضوعاً معيناً في الفقه، أو غيره، يقول: أنا أرى كذا وكذا، ولكن دون دليل واضح عنده، إنما احتاج الموقف دراية؟

    الجواب: لا ينبغي لإنسان أن يقول قولاً بدون دليل؛ لأن هذا من القول على الله بغير علم، والموقف لا يحتاج إلى شيء اسمه: الله أعلم، ولا أدري، فإذا احتاج الموقف، يقول: الله أعلم أو لا أعلم، والحمد لله ما ضاقت الأمور، ولم يعدم المسلمون من يُرجِّح، أو من يُفتي في هذه المسألة بعلم، فلا ينبغي اللهم إلا في حالات نادرة، والنادر لا حكم له، مثل: قضايا عاجلة، أو تتطلب حلاً، لكن هذه القضايا في حينها لها حكمها الخاص، إنما الوضع العام عند الناس من كونه بحث وسأله السائل، ويحث عليه أنه لابد أن يعطيه نتيجة من هذا البحث فيقول: إن الموقف اضطرني إلى أن أرجح، ففي النهاية ممكن يقول: الله أعلم، أو لا أدري أو سوف أسأل لكم، أو أبحث، أو يسأل أحدهم عالماً آخر ليفتيه بهذه المسألة.

    ضرب أقوال أهل العلم بعضها ببعض

    السؤال: فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    هناك طائفة من الناس يضرب أقوال أهل العلم بعضها ببعض عن طريق تكرار السؤال على أكثر من عالم، فهل هذا الموقف سليم؟

    الجواب: هذا ليس موقفاً سليماً مطلقاً، وهذا في الواقع فيه إخلال بالشرع، وفيه إهدار لكرامة أهل العلم، فكونك تسأل فلاناً وفلاناً وفلاناً، أضعت أوقاتهم، وأجهدتهم في الفتيا، وقد يكون العالم عنده جماعة يسألونه سواءً في مجلس حديثه، أو عن طريق الهاتف، فأخذت جزءاً من وقته وجهده دون فائدة، كما أنه فيه إساءة للعالم نفسه، لأن بعض الأغبياء والجهلة إذا قال له العالم: كذا وكذا، قال: أنا سمعت من الشيخ الفلاني: كذا وكذا، وسمعت من الشيخ الفلاني: كذا وكذا، فإذا كنت سمعت، فلماذا تسألني؟

    التعصب للمشايخ

    السؤال: فضيلة الشيخ: ما رأي فضيلتكم في التعصب في وقتنا الحاضر على حساب أن هذا الشيخ، أو العالم من منطقتهم، أو من مدينتهم هل هو على حق، أم على غيره؟

    الجواب: لاشك أنه لا ينبغي، فالعالم إذا برز بعلمه؛ فهو ملك للأمة كلها، ولا أعتقد أن طالب العلم تخطر في باله هذه الأمور، لكن هناك أشياء طبيعية عفوية، فمثلاً: لما يوجد عالم في بلدي، من الطبيعي أن عنايتي بهذا العالم وقربي منه واستفادتي وانتفاعي بما لديه وتوافقي معه حتى من ناحية الطبع، ستكون أكثر، فهذا أمر لا حرج فيه، لكن ليس على سبيل التعصب في الفتوى.

    المباهلة في المسائل الفقهية

    السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    وبعد..

    يوجد بعض الأشخاص إذا اختلفوا في مسألة فقهية، أو غيرها من المسائل الأخرى، ربما يصل الأمر إلى المباهلة، فهل تشرع المباهلة في أي مسألة فقهية خلافية؟

    الجواب: المباهلة وردت في القرآن الكريم مع أهل الكتاب: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران:61] وقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم نصارى نجران إلى المباهلة، فأبوا، فقال: {لو أجابوا، لرجعوا، لا يملكون أهلاً ولا مالاً} وأما المباهلة فيما سوى ذلك، كالمباهلة في القضايا الواضحة التي الحق فيها واضح، والدليل جليٌ لا إشكال فيه، فهي واردة بعد إقامة الحجة على المخالف، واستنفاذ الوسع والطاقة، ولكن ينبغي أن يعلم أن هذه المباهلة لا ينبغي أن تكون في قضايا يختلف حولها الناس، أو في جزئيات، أو في أمور خلافية يسيرة، لأن المباهلة -أصلاً- لا تقع إلا في قضية قد اشتد خطرها على الناس، وإلا ليس هناك ما يدعو إلى المباهلة، هل كل من يعتقد قولاً باطلاً سوف آتي لأباهله؟ إذاً الإنسان يبقى ليس له شغل إلا المباهلة فقط، وهذا ليس مسلكاً علمياً، ولا شرعياً، إنما المباهلة تكون في القضايا مع المسلمين في ما إذا وجدت قضية -وهذا في حدود علمي- عم خطرها وضررها.

    فمثلاً: إنسان أعلن بدعة على الناس وانتشرت انتشار النار في الهشيم، وتأثر بها الناس، وأبى الرجوع عنها وأصر، فأراد عالم من العلماء الربانيين الذين طوقهم الله تعالى من سعة العلم والذكر والمكانة والفضل الشيء الكثير أن يوقف تيار هذه البدعة والضلالة عند حده، وناقش هذا المبتدع، ناقشه وأفحمه وأقام عليه الحجة، فأصر على بدعته، فحينئذٍ يباهله لتقوم الحجة على الناس في هذا الأمر؛ لأنه إذا باهله، فهلك المبتدع، عرف الناس أن ما كان عليه خطأ، فرجعوا عنه.

    تولد الحقد والبغضاء من أثر الاختلافات الفقهية

    السؤال: فضيلة الشيخ: عندما يتناظر شابان في مسألة ما فيها سعة للخلاف قد يصل بينهما حماسٌ للنقاش يصل إلى شيء من الحقد والبغضاء، فما هو توجيهكم لمثل هؤلاء؟

    الجواب: هذا بسبب سوء التربية عندهم، وإلا الحقد والبغضاء ليس لها مجال في المناقشات العلمية، وينبغي أن يتربى الشاب على المناقشة والأخذ والعطاء- كما ذكرت- بأريحية وسعة بال، وانفتاح نفس، وبقدر الإمكان يضبط الإنسان نفسه، لكن لو فرض أن النقاش أدى إلى ارتفاع الأصوات، أو جدل، أو مقاطعة في الحديث، أو من الأمور التي من الطبيعي أن تحدث بين الناس أحياناً فعندما ينتهي المجلس ينبغي أن تنتهي هذه الأمور، ويصفي الإنسان قلبه، وهذه يمكن أن يدركها الإنسان عن طريق الاستمرار، وتكرار هذه الأشياء ومعاناتها، ومراقبة نفسه بحيث أنه يزيل من قلبه أي أثر لهذه القضية، وإذا تكررت مثل هذه الأمور، يخف هذا الأمر من نفسه حتى يزول.