إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عَرَّف الشيخ حفظه الله تعالى المعروف والمنكر بداية، ثم بين قاعدتين مهمتين في معرفة المعروف والمنكر، ثم عرج على حتمية الأمر والنهي وانقسام الناس فيما يأمرون به وينهون عنه، ثم أكد على مسألة مهمة، وهي أن نجاة المجتمعات لا تكون إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم عرج على اختلاف الأمر والاستتار بالمعاصي والمجاهرة بها، وختم ببيان الحكم الشرعي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومتى يكون واجباً عينياً.

    1.   

    تعريف المعروف والمنكر

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن دعا بدعوته وعمل بسنته إلى يوم الدين، أما بعد:-

    أيها الإخوة: إن الموضوع الذي نتحدث عنه في هذه الليلة، هو موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأول قضية ينبغي أن يعرفها الجميع هي: ما هو المعروف الذي يجب الأمر به؟

    وما هو المنكر الذي يجب النهي عنه؟

    فأما المعروف: فهو مشتق في لغة العرب من مادة عرف، وهو كما يقول العلماء: اسم جامع لكل أمر عرف بالشرع والعقل حُسْنه، من طاعة الله عز وجل والإحسان إلى عباده، هذا هو المعروف، وإنما سمي معروفاً؛ لأن نفوس المؤمنين المستقيمين تعرفه، فتسكن إليه وتطمئن وتأنس به.

    أما المنكر: فهو كل أمر عرف بالعقل والشرع قبحه، من معصية الله عز وجل، أو الإساءة إلى عباده، وإنما سمي منكراً لأن نفوس المؤمنين تنكره وتنبو عنه، وتستوحش منه. هذا هو المنكر، ومن خلال تعريف المعروف والمنكر، يتضح لنا أمران مهمان:

    الشرع هو مصدر تحديد المعروف والمنكر

    الأمر الأول: أن الأصل في تحديد المعروف والمنكر، هو الشرع، فما جاء الشرع بالأمر به فهو معروف، وما جاء الشرع بالنهي عنه فهو منكر، وليس المرجع في تحديد المعروف والمنكر إلى عرف الناس، وعادات الناس وتقاليد المجتمع، فإن أعراف الناس تختلف من وقت إلى آخر، فما كان معروفاً ومشتهراً ومقبولاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، قد يصبح منكراً في بعض المجتمعات المنحرفة؛ لأن الناس لم يعتادوه، فيستوحشون منه ويستغربونه، وحتى في بعض المجتمعات التي يوجد فيها تدين وصلاح، قد تخفى عليهم كثير من السنن والمستحبات، بل وكثير من الواجبات فيستغربونها ويستنكرونها.

    فالناس يستغربون اليوم -مثلاً- تقصير الثوب، مع أن الثابت بسنة النبي صلى الله عليه وسلم تقصير الثياب إلى أسفل من الركبة بأربعة أصابع، فإن لم يمكن بأربعة أصابع، فإلى نصف الساق، فإن لم يمكن فإلى ما فوق الكعبين، ولا حظ للكعبين في الإزار، ومع أن هذا أمر ثابت بالسنة فإن كثيراً من المجتمعات التي شاع فيها إسبال الثياب -مثلاً- قد تستغرب تقصير الثوب، ورفعه إلى موضعه المشروع في السنة، لا تستغربه؛ لأنه أمر لم يرد في الشرع، وإنما تستغربه؛ لأنها لم تتعود عليه؛ لأنها تجهله، ومن جهل شيئاً أنكره وعاداه.

    وفي كثير من المجتمعات التي درجت النساء فيها على التبرج والسفور، وإظهار المرأة لمفاتنها ومحاسنها، يستغربون ظهور المرأة المحجبة أشد الاستغراب، ومنهم من يرمي المرأة المسلمة المتحجبة بالحجاب الشرعي بأسوأ الألقاب، فيقولون -كما قد تكونون سمعتم- إن هذه المرأة تمشي وكأنها خيمة، يسخرون بها لما يرون عليها من اللباس، مع أن هذا اللباس، لباس مشروع، وثابت بالقرآن والسنة؛ ولكن لأنهم لم يتعودوا عليه جهلوه وأنكروه، فصار في عرفهم منكراً، مع أنه في عرف الشارع معروف. ومنهم من يقول: إن هذه المرأة قبيحة فتستر دمامتها بهذه الثياب.

    إذاً فالمرجع في تحديد المعروف والمنكر إلى ماذا؟ المرجع في تحديد المعروف والمنكر إلى الشرع، إلى القرآن والسنة، لا إلى عرف الناس فإن أعراف الناس تختلف، وقد يصبح المعروف عندهم منكراً ويصبح المنكر عندهم معروفاً؛ لجهلهم بالقرآن والسنة وبعدهم عن الالتزام الصحيح بمدلولاتهما، هذه هي المسألة الأولى التي ينبغي أن نتأملها من خلال تعريفنا للمعروف وللمنكر، حيث إن المعروف ما عرف بالشرع والعقل حُسْنه، مما يحبه الله ويرضاه من طاعة الله والإحسان إلى عباده، أما المنكر فهو ضده مما عرف بالشرع والعقل قبحه من معصية الله والإساءة إلى عباده.

    ما رآه المسلمون معروفاً أو منكراً فهو كذلك

    المسألة الثانية: هي أن الأصل في المجتمعات الإسلامية، الالتزام بالمعروف، بطاعة الله والتباعد عن المنكر، عن معصية الله وعن الإساءة إلى عباده، فالمسلمون ما صاروا مسلمين؛ إلا لأنهم وحدوا الله عز وجل وأفردوه بالعبادة، ووحدوا رسوله صلى الله عليه وسلم بالطاعة والإتباع والرسالة، فهم يؤمنون بالله عز وجل وحده، ويؤمنون بأن النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وأن طاعة الأنبياء غيره فيما نسخ بالإسلام لا تجوز، فكيف بطاعة غير الأنبياء من البشر من أهل القوانين، ومن أهل النظريات والأقوال المخالفة للكتاب والسنة؛ فلذلك سمي المسلمون مسلمين.

    فالأصل أن المجتمع المسلم ملتزم بطاعة الله، متباعد عن معصية الله؛ ولذلك فما عرفه المسلمون الحقيقيون فهو معروف، وما أنكره المسلمون الحقيقيون فهو منكر؛ ولذلك قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: [[ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح]] وهو يعني بالمسلمين أهل الصدق والاتباع، من الذين جمعوا بين العلم والتجرد والإخلاص، ولذلك فما عمله الصحابة رضي الله عنهم وأجمعوا عليه، فهو حجة على المسلمين إلى قيام الساعة، بإجماع العلماء، فإجماع الصحابة، حجة بين الله وبين عباده بإجماع أهل العلم؛ لأن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم جمعوا بين العلم الصحيح المتلقى من الكتاب والسنة، وجمعوا بين الإخلاص والتجرد، فلم يتلوثوا بالأهواء والآراء المخالفة، فكانوا فيما أجمعوا عليه حجة بين الله وبين عباده بإجماع المسلمين.

    وكذلك ذهب الإمام مالك رحمه الله إلى حجية عمل أهل المدينة، فقال: [[إن عمل أهل المدينة في القرن الأول حجة]]؛ ذلك لأن أهل المدينة كانوا في ذلك القرن، متبعين لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، بخلاف بقية الأمصار التي وجد فيها من الآراء، ومن تأثيرات الأمراء وأوامرهم ما قد يخالف السنة.

    إذاً: الأصل أن المسلمين الحقيقيين يعرفون المعروف وينكرون المنكر، فما رأوه معروفاً، فهو معروف مما تشهد له دلائل الكتاب والسنة، وما رأوه منكراً، فهو منكر مما تشهد دلائل الكتاب والسنة على إنكاره.

    1.   

    حتمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أخطر المسائل وأعظمها، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن الرسل جميعاً عليهم الصلاة والسلام إنما بعثوا بهذا الأصل، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وقال: "إن كل إنسان مهما كان لا بد له، إما من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإما من ضد ذلك من الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، وإما بما يخالف ذلك بعض المخالفة، من الأمر بالمعروف وببعض المنكر، أو من النهي عن المنكر ونهي عن بعض المعروف".

    إذاً فكل إنسان لا بد له من أمر ونهي حتى ولو كان بمفرده؛ فإنه لا بد أن يأمر نفسه وينهاها، فإما أن يأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر، وإما يأمرها بالمنكر وينهاها عن المعروف، وإما أن يأمرها وينهاها بما فيه شوب واختلاط، من المعروف ومن المنكر.

    1.   

    صلاح المجتمعات ونجاتها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    قد بين الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم أن صلاح المجتمعات هو بقيامهم بهذا الركن الركين، وبهذا الأصل الأصيل، وأن فسادها هو بإخلالها بهذا الأمر، فقال الله عز وجل: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:79] فهذا هو سبب لعنهم أنهم عصوا واعتدوا وتركوا التناهي عن المنكر، وتركوا التآمر بالمعروف.

    وهذا الأمر الذي حكاه الله عز وجل لنا عن خبر بني إسرائيل،إنما حكاه لنا لنعتبر به معشر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فنحذر أن يصيبنا ما أصابهم، ولذلك يقول حذيفة رضي الله عنه وأرضاه: [[نعمة الإخوة لكم بنو إسرائيل، إن كان لهم المر ولكم الحلو]] أي: إن سلكتم ما سلكوا أصابكم ما أصابهم، حَذْوَا القُذَّةِ بالقُذَّةِ، وفي الحديث الصحيح أن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه، قال: [[يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها على غير موضعها وهي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105] وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: {إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب}]] وهذا الحديث رواه أصحاب السنن، والإمام أحمد وغيرهم، وروي موقوفاً على أبي بكر رضي الله عنه ومرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد رجح الأئمة كـالدارقطني وغيره، ورجحوا الموقوف على أبي بكر.

    وسواء كان الحديث موقوفاً عليه أو مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإن دلائل القرآن والسنة تشهد لمعناه، ولعله مما لا يقال بالرأي، فهو بكل حال حديث عظيم معناه صحيح، {إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب} فإن المنكرات إذا فشت في المجتمع، وانتشرت ولم يغيرها الناس، صارت عرفاً سائداً، يستحي المصلحون من إنكاره وتغييره وينشأ عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير، حتى ربما دَاخَلَ كثيراً من الناس اليأس من إصلاحه، فتركوه وبدءوا في تغيير منكرات أخرى، وهذا مدعاة إلى فشو المنكرات وانتشارها، وإلى خمول الأمور المعروفة، واستحياء الناس من إظهارها، ولذلك بوب الإمام مالك رحمه الله في موطئه، على نحو هذا الحديث، بقوله: (باب عذاب العامة بعمل الخاصة) وروى فيه أثراً عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه قال: كانوا يقولون، أي السلف من الصحابة والتابعين الذين تلقى عنهم عمر بن عبد العزيز،كانوا يقولون: [[إن المعصية إذا عملت سراً لم تضر إلا صاحبها، فإذا عملت جهراً ضرت الناس كلهم]] أو نحواً مما قال رحمه الله ورضي الله عنه وأرضاه.

    وجود المنكرات المستترة في المجتمع أمر طبيعي

    إن وجود المنكرات مستترة مستخفية أمر لا بد منه، ولذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أزهى العهود، وأكثرها التزاماً بالقرآن والسنة، وأبعدها عما لا يرضي الله في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وجد من الناس من وقع في المعصية، بل وجد المنافقون الذين لم يكتفوا بفعل المعصية فحسب، بل تعدوا ذلك إلى أن أصبحوا يتناهون عن المعروف، ويتآمرون بالمنكر -عياذاً بالله- كما حكى الله عز وجل من خبرهم في قوله: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [التوبة:67].

    وجد هؤلاء ووجدت المعاصي حتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنها كانت حالات فردية مستترة خفية، وكان صاحب المعصية يستحيي من إظهارها، ولم يعرف أن رجلاً كان يشرب الخمر والعياذ بالله في الشارع، أو يزني في عرض الطريق، حاشى ذلك المجتمع النظيف من مثل هذه الأعمال!!

    وإنما كان الرجل يعمل المعصية سراً، فيأتي للنبي صلى الله عليه وسلم، يقول: يا رسول الله زنيت فطهرني، فيعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم بوجهه، فيأتيه من الشق الآخر، فيقول: يا رسول زنيت فطهرني، يفعل ذلك أربع مرات، وهذا دليل على قوة الإيمان عنده، حتى وهو يعصي، فحتى العصاة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا نوعاً آخر غير العصاة في الأزمنة الأخرى، الذين يجاهرون بالمعاصي ويتبجحون بها، وينكرون على من يخالفهم أو ينكر عليهم.

    الخطر في التظاهر بالمعصية

    إذاً: وجود المعصية، بحد ذاته وفي حالات قليلة مستترة مستخفية أمر ليس بالغريب، ولكن الأمر الغريب أن يتظاهر أصحاب المعاصي بمنكراتهم، ويعلنوها على الملأ، بل ويحامون دونها! فلا يوجد من ينكر عليهم، أو يأمرهم أو ينهاهم، فإذا وصلت المجتمعات إلى هذا الحد، فقد تلوثت أجواؤها وصارت بيئات موبوءة، إذا وجد فيها الإنسان الصالح صار من الصعب عليه أن يستقيم على الحق، لأنه كما يقولون: يسبح ضد التيار.

    ولذلك تجدون في مجتمعاتنا اليوم كثيراً من الشباب الذين هداهم الله فاستقاموا على الطريق، يأتي إليك أحدهم ويقول: إني أحاول الصلاح والاستقامة، فأجد داخل بيتي من المنكرات والمعاصي ما يحول بيني وبين الاستقامة، وما يدعوني إلى الرذيلة والمعصية، وأجد من أبي أو من أمي المعارضة -أحياناً- لكثير من السنن؛ لأنهم لا يعرفونها، فوصول المجتمعات إلى هذا الحد هو أمر خطير وهو مؤذن بخرابها وانحرافها إلى أبعد حد، إلا أن يأذن الله بوجود أولي بقية ينهون عن الفساد في الأرض، كما قال الله عز وجل: فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ [هود:116] فأولو البقية الذين هم الطائفة المنصورة المبشر بها، هم الذين يقومون بالنهي عن الفساد في الأرض، بالتعليم وبالعمل وبما يستطيعون من الوسائل الممكنة، وهم بإذن الله العاصم للمجتمعات من الانحطاط والزوال والفناء.

    1.   

    حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    أيها الإخوة: يتساءل كثير من الناس عن حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأقول: أجمع المسلمون قاطبة، أولهم عن آخرهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، ثم اختلفوا في نوع هذا الواجب، هل هو وجوب عيني، أو وجوب كفائي؟ فذهب أكثر العلماء إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب وجوباً كفائياً، إذا قام به من يكفي من المسلمين سقط عن الباقين، وصار في حقهم سنة، وهذا هو الرأي الصحيح؛ لقوله عز وجل: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104] فقال: (ولتكن منكم أمة) فإذا وجدت هذه الأمة سقط الوجوب عن باقي الأمة وأصبح سنة.

    القول الثاني: وهو رأي لـابن حزم رحمه الله أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب وجوباً عينياً على كل مسلم، واستدل بالحديث الذي رواه مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه، أن النبي صلى عليه وسلم قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) ومما لا شك فيه، أن التغيير بالقلب واجب وجوباً عينياً على كل مسلم بلا خلاف، وإنما الكلام في التغيير باليد وباللسان، ولا شك أن ما ذهب إليه ابن حزم قول مرجوح للدليل الذي ذكرناه، ولرأي جمهور العلماء أنه واجب وجوباً كفائياً.

    متى يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجباً عينياً؟

    ولكن ثمة حالات يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيها وجوباً عينياً على الشخص بذاته، ومن هذه الحالات:-

    أولاً: إذا لم يعلم بالمنكر غيره، فإذا افترض أنك اطلعت على منكر لم يطلع عليه غيرك من الناس، وجب عليك التغيير حينئذٍ بقدر ما تستطيع: بيدك، فإن لم تستطع فبلسانك، فإذا لم تستطع تغيير المنكر بيدك، فعليك أن تغير بلسانك، وأن تبلغ أهل العلم والمسئولين عن وجود هذا المنكر حتى يقوموا بتغييره.

    الحالة الثانية: إذا لم يستطع تغيير المنكر إلا أشخاص معدودون، لا تقوم الكفاية إلا بهم، وذلك كما إذا وجد منكر عند الكبراء، من مسئولين أو تجار أو وجهاء أو غيرهم، مما يعجز عامة الناس عن التغيير والإنكار عليهم، فيصبح الأمر والنهي حينئذٍ على المستطيع من العلماء وطلاب العلم وأصحاب الوجاهة أمراً عينياً، وجوباً عينياً.

    الحالة الثالثة: أنه يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوباً عينياً على من استرعاهم الله عز وجل على رعية، كالأمراء ورؤساء الدوائر الحكومية، فإنه يجب عليهم تغيير المنكرات التي تقع تحت سلطتهم وجوباً عينياً.

    ملاحظة في تصرف بعض الآباء من أبنائهم

    وكذلك الأب يجب عليه وجوباً عينياً أن يغير المنكرات الموجودة في بيته، وبذلك تعرف مدى الضلال والانحراف الذي يقع فيه كثير من الآباء حين يجلبون وسائل الفساد والانحلال إلى بيوتهم، ويقولون: إننا لا نستطيع إلا ذلك، فهم لم يكتفوا بترك الأمر بالمعروف، بل أضافوا إلى ذلك تيسير المنكر لمن استرعاهم الله عليهم، وهذا من الخيانة، وفي صحيح مسلم: {أنه ما من عبد يسترعيه الله على رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة}.

    1.   

    طريقة الإنكار

    أيها الإخوة: إن الحديث عن موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يطول، ولا أحب أن أطيل عليكم أكثر من ذلك، فأدعوكم ونفسي في ختام هذه الكلمة إلى أن نكون إيجابيين في تغيير المنكرات وفي الأمر بالمعروف، وقد فشت في مجتمعاتنا اليوم منكرات كثيرة، فأنت إذا مشيت في السوق أو دخلت البقالة، أو ركبت الطائرة، بل وإذا دخلت المسجد أحياناً، تجد منكرات على بعض الأشخاص كثيرة، وكثير من الناس يتذمرون ويتكلمون بينهم وبين أنفسهم، ويقولون: ماذا نفعل؟ فأقول: لا أقل من الكلمة الطيبة، إذا دخلت البقالة -مثلاً- فوجدت أعداداً كبيرة من المجلات فيها من الصور ما يندى له الجبين، التي تؤثر بالانحراف على الشباب وعلى الفتيات، فلا تخرج وأنت مقطب الجبين فقط، بل تكلم معه بالكلام الطيب اللين المحبب إلى النفس، وقل له: يا أخي أنت مسلم، لا ترضى لنفسك بهذا الأمر، وذكّره بالله وباليوم الآخر، وتحدث معه فإن استجاب لك فبها، وإن لم يستجب فقد برئت ذمتك، وبعد يوم أو يومين يدخل شخص آخر، ويقول مثل ما قلت، فلا يزال الطَّرْق بهذا الإنسان حتى يغيره، وقد قيل:-

    أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته      ومدمن القرع للأبواب أن يلجا

    وهذا مجرد مثال أقتصر عليه لضيق المقام، وأسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، المتحابين فيه، وأصلي وأسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    التعامل مع جيران لا يصلون

    السؤال يقول: إن له جيراناً لا يشهدون الصلاة، ونصحتهم أكثر من مرة ويردون برد جميل، ولكنهم مستمرون على التخلف عن المسجد، وقد أخبرت عنهم الهيئة، فهل تبرأ الذمة منهم، علماً أني هجرتهم لله، لا أزورهم في شيء، أرجو توجيهي؟

    الجواب: باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحابته ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فقد سمعنا سؤال السائل الذي يقول فيه: إن له جيراناً وإنهم لا يحضرون الصلاة في المسجد، وأنه نصحهم مراراً ويردون رداً جميلاً ولكنهم لم يستجيبوا بعد وقد هجرهم، فهل يلحقه شيء من الإثم، بسبب هؤلاء الجيران؟

    فالجواب: ينبغي لك يا أخي أن لا تيئس ما دام هؤلاء الجيران الذين ذكرتهم، يردون عليك رداً جميلاً، ينبغي لك أن تَتَخَوَّلَهَم بالموعظة والنصيحة، وأن تخوفهم بالله سبحانه وتعالى، وتحذرهم من عملهم هذا وتستعين عليهم أيضاً بالإخوة الناصحين الذين يدعونهم بالحكمة ويجادلونهم بالتي هي أحسن، ويكرروا عليهم ذلك.

    وإذا لم يفد هذا ينبغي لك أن تقول لهم: إنني لا أصبر على هذا، فإنني سأرفع أمركم إلى ولاة الأمر، حتى تبرأ ذمتي منكم، فإذا لم يفد ذلك ينبغي لك، أن ترفع أمرهم إلى ولاة الأمر إلى أهل الحسبة، حتى يدعونهم إلى هذا الأمر، وإلى حضور الصلاة في جماعة المسلمين، ثم إذا رفعت أيضاً فيهم ينبغي لك أن لا تيئس منهم ولا تقنط، فعليك أن تكرر نصحهم وأن تدعوهم إلى الله سبحانه وتعالى، فإنك إذا تركتهم ويئست منهم، تسلط عليهم الشيطان، وربما استشرى الداء وصعب العلاج، ولكن إذا كنت دائماً تنصحهم، وتخوفهم وتحذرهم، وتدعو الناس إلى نصيحتهم، وتدعوهم إلى حضور مجالس العلم، ومجالس الموعظة، فإن ذلك له أثره، ولعل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بموعظتك، ومتى خلصت النية وصح القصد، فإن الله سبحانه وتعالى سيوفقك إلى ما تريد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    التعامل مع الكفار

    السؤال: نحن أصحاب المحلات التجارية وقد نضطر في كثير من الأحيان أن نضحك مع الكفار ونمازحهم، بل قد نشكرهم، فهل في هذا محذور؟

    الجواب: الإسلام وضع حواجز كبيرة بين المسلم وغير المسلم، فالمسلمون أمة واحدة، محبتهم في الله وأخوتهم فيه، يتناصرون فيما بينهم، ويتناصحون، وتتكافأ دماؤهم، ويسعى في ذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، وكما أخبر الله عز جل: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71] أما غير المسلمين، من سائر الملل من اليهود، أو النصارى، أو الكفار والمشركين الوثنيين، أو المنافقين أو غيرهم، فهم أمة أخرى ليس بينهم وبين المسلمين أي وشيجة، أو رابطة أو علاقة، إلا وجوب دعوتهم إلى الله عز وجل، وإقامة الحجة عليهم، بالقرآن والسنة، فإذا رأيت امرأً كافراً غير مسلم، فيجب عليك أول ما يجب أن تفكر في دعوته إلى الله عز وجل بأي طريق أمكن ذلك، والوسائل القولية والفعلية كثيرة ومعروفة، منها ما ورد في قوله عز وجل: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة:8] وتبين له بالخُلق وبالقول: أن الإسلام هو الدين الصحيح، وأن ما هو عليه كفر بالله عز وجل، وأن مصيره إن مات على ما هو عليه، هو النار، فإن لم يستجب لك قط، ورفض الدين الذي تدعوه إليه، فعليك حينئذٍ أن تتبرأ منه؛ لأن البراءة من المشركين هي أصل من أصول العقيدة، فالحب في الله والبغض في الله، والموالاة في الله والمعاداة في الله، هي من أصول الدين، وإنما تنال ولاية الله عز وجل بذلك، فمن أحب الكافرين أو والاهم أو شد على أعضادهم أو ناصرهم، فإنه يخشى أن يكون مثلهم، وقد قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51] وفي سنن أبي داود عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من جامع المشرك وسكن معه، فإنه مثله} والله أعلم.