إسلام ويب

أخي رجل الأمنللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اشتمل هذا الدرس على عدة عناصر ونقاط منها: دور رجل الأمن في الحفاظ على أمن المجتمع من الداخل والخارج، كذلك اشتمل على بعض النصائح منها: عدم الاستهزاء بآيات الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وعدم الطاعة العمياء لمن هم أكبر رتبة، وعدم الاستقاء من الغرب، ووجوب الرفق بالأفراد وعدم إضاعة أوقاتهم في الأشياء التافهة، ووجوب المحافظة على الصلاة وبر الوالدين وحسن تربية الأبناء.

    1.   

    شمولية الخطاب

    إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستعينه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

    حديثي إليكم في هذه الليلة؛ هو حلقة ضمن سلسلة متصلة هي رسائل موجهة إلى أفراد متفرقين، وحديثنا هو بعنوان: (أخي رجل الأمن).

    وقبل أن أتحدث إلى رجل الأمن؛ أتحدث إليكم أنتم أيها الحضور، شاكراً ومقدراً، فإنه سرني وأبهجني ما جرى في المجلس السابق.

    فعلى رغم أن المسجد يستقبل الدرس لأول ليلة؛ إلا أن انضباط الإخوة في المجيء والدخول في المسجد، ومواقف السيارات وغيرها، كان أمراً عجباً، على رغم أنه لا يوجد من ينظم ذلك أو يسعى في ترتيبها.

    وما ذلك إلا دليل على مدى انضباط الإخوة وحرصهم وحسن تربيتهم، فجزاكم الله تعالى خيراً، وأسأل الله أن يثيبكم.

    إن الكثيرين كانوا يظنون أن يحدث في المجلس السابق بعض الارتباك، ولكن الله تعالى سلم، ووفق وأعان وسدد، فالحمد لله تعالى على ذلك كثيراً.

    ورقم هذا الدرس هو التسعون ضمن سلسلة الدروس العلمية العامة، ينعقد في جامع الذياب بـبريدة في هذه الليلة، السادس والعشرين من ذي القعدة، من سنة ألف وأربعمائة وثلاث عشرة للهجرة.

    أولاً: إنني لا أخاطب رجل الأمن في بلد معين؛ ولا مدينة خاصة؛ ولا قطر أو إقليم، ولكني أخاطب رجل الأمن حيثما كان، من بلاد الله تعالى الواسعة، في كل بلاد الإسلام، ولعل هذه من الحالات النادرة القليلة التي يخاطب فيها رجل الأمن.

    فإن الناس عامتهم وخاصتهم في كثير من الأحيان تربوا على مجانبة هذا الميدان، وعدم التعرض له بشيء.

    إنني أخاطب رجل الأمن في مصر والجزائر وتونس والسودان، وفي جميع الأصقاع والبقاع، وأخاطب رجل المرور، كما أخاطب رجل المباحث، كما أخاطب رجل الطوارئ، وجميع العاملين في أجهزة الأمن وقطاعاته.

    لقد اعتاد الناس أن يسبوا هؤلاء ويتهموهم، لكن لعلهم ألا يسمعوا مني في هذه الليلة ما يسوؤهم، كما اعتاد الناس أن يلهجوا عليهم بالدعوات الحارة الصادقة ضدهم،ولعلهم أن يظفروا مني ومنكم في هذا المجلس العامر المبارك بدعوات تنفعهم في دينهم أو في دنياهم.

    1.   

    أهمية رجل الأمن

    ثانياً: لعلك قد عرفت أخي رجل الأمن بحكم موقعك وطبيعة عملك؛ أن القرارات الرسمية الكبيرة التي تصدر في بلادك على أعلى المستويات غالباً يكون وراءها تقارير ودراسات خفية خاصة صدرت منك، أو من إدارتك، أو من قطاعك، أو ممن حولك.

    فالعالم الإسلامي غالباً يحكم بتلك التقارير السرية الخاصة؛ بل والعالم كله يقيم لهذه ألف اهتمام واهتمام، في مشرقه أو مغربه.

    ولهذا لا أحد يلومك حينما اتجهت لهذا العمل الضخم المؤثر، بل الكل يدركون أنه أحياناً شر لا بد منه كما يقال، وهو أحياناً خير نافع للأمة والبلاد والعباد، وهو بدون شك في أحوال كثيرة شر يجب الخلاص منه.

    من ذا الذي يشكك -مثلاً- في أهمية حماية المجتمع من المخدرات التي تعمل فيه ليل نهار؟! من ذا الذي يشكك في أهمية حماية المجتمع من التزوير؟! من ذا الذي يشكك في أهمية حماية المجتمع من الاضطرابات والقلاقل والفتن التي تزعزع أمنه، وتقلقل استقراره؟!

    من ذا الذي يشكك في أهمية حماية المجتمع من الجريمة، أو من التطرف؟! ولعلك تدري ماذا أعني بكلمة التطرف، فلست أستخدمها كما يستخدمها الإعلام العربي والعالمي وصمة عار يلحقها بكل متدين.

    بل أعني: التطرف الذي هو انحراف في الفكر، وانحراف في السلوك، وانحراف في التصرف، يقع فيه العلمانيون، ويقع فيه أعداء الدين، ويقع فيه المتسلطون، ويقع فيه -أحياناً- بعض المنتسبين إلى الدين.

    إن استقرار الأمن في بلاد الإسلام كلها؛ هو مطلب المخلصين الغيورين، وإن العمل على دعم هذا الاستقرار هو أحد الأهداف الرئيسة التي يسعى لها دعاة الإسلام في كل مكان.

    يسعون لها من خلال النظرة الشرعية التي تقرر أن ارتكاب الذنوب والمعاصي، وأن انتشار المنكرات والموبقات، وأن إعلان هذا وذاك هو السبب الأكبر في كل المصائب والنقم التي تقع في بلاد المسلمين.

    والنظرة الشرعية التي تقرر دون شك؛ أن السكوت على المنكرات المعلنة هو الموجب للعنة الله تعالى وغضبه ومقته، وأليم عقابه، العقاب الذي قد يأتي بصورة كساد اقتصادي، وقد يأتي بصورة عدو خارجي، وقد يأتي بصورة انشقاق داخلي وتسليط بعض الناس على بعض.

    وقد يأتي بصورة فيضانات أو زلازل، أو ما شاء الله وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ [المدثر:31].

    فلا أحد يشك في الدور الكبير الذي يمكن أن تؤديه أجهزة الأمن؛ إذا أخلصت، وصدقت، وتوجهت إلى أهدافها الحقيقية، واستقطبت الرجال الأمناء المخلصين.

    إن تقريراً صغيراً من فرد عادي يمكن أن يتطور ويتطور؛ ليكون تقريراً كبيراً تبنى عليه أعظم النتائج.

    1.   

    مهمة رجل الأمن

    ثالثاً: المهمة الأصلية لرجل الأمن: هي حماية المجتمع من الداخل، من جميع المخاطر والجرائم التي تهدد دين المجتمع، وأمن المجتمع، واستقرار المجتمع، فالدين هو الهدف الرئيس في حمايته لأجهزة الأمن، أجهزة الأمن في جميع بلاد الإسلام.

    وبناء عليه؛ فإن الاعتداء على الدين هو الجريمة العظمى التي تأخذ (رقم واحد) والتي يجب أن يجعل رجل الأمن من جهده جهداً كبيراً في مقاومتها، وكشف من يعملها أو يمارسها وإيقافه عند حده، وإذا سلم للناس دينهم؛ فقد سلمت لهم دنياهم، فإن الدين خير كله، وكل خير في الدنيا فإن الدين جاء بضمانه وتحقيقه.

    نعم. الأمن بالدين، والاستقرار بالدين، والرفاهية الاقتصادية هي بالدين، وكل خير يطمح إليه الإنسان فإنه لا يمكن أن يأتي حقاً، ودون أي مضاعفات أو أخطاء؛ إلا من خلال الدين والتزام السلوك الشرعي الصحيح.

    نعم؛ فقد عاشت جمهوريات الاتحاد السوفيتي زماناً بشيء من الاستقرار؛ لكن ذلك الاستقرار كان بغير دين، وكان من خلال أجهزة الأمن التي تعد عناصرها بالملايين، والتي جندت من كافة الطبقات والنوعيات، وضرب بعضها ببعض، وجعلت مهمتها تدمير الأخلاق، وتدمير الأسر، والمجتمعات، وإزالة كل ألوان النخوة والشهامة والمروءة والرجولة، واستطاعوا أن يحافظوا على الأمن سبعين سنة.

    لكن ذلك الأمن الذي حافظوا عليه؛ لم يكن في صالحهم؛ إذ دمر طاقات الشعوب واقتصادها وأخلاقها، وأسرها وقضى على كل مقدراتها، ثم كان المآل أن انفرط حبل الأمن، وتمزقت تلك الدول؛ فأصبحت كما يقال: تفرقت أيادي سبأ. وتفرقت وأصبحت اليوم تعيش ألواناً من الانهيار الاقتصادي، وأنواعاً من الخلافات والحروب المدمرة داخل تلك الدول بما يعلمه الجميع، وهي على شفا بركان، يوشك أن ينفجر صباحاً أو مساءً.

    فأولاً: ذلك الأمن الذي نعموا به سبعين سنة.. هل كان خيراً؟

    كلا، بل إن الحرب التي يعيشونها، والدمار الذي يشهدونه هو في نظر جميع المسلمين بلا استثناء، بل في نظر العالم كله، هو خير من الأمن الذي كانوا يعيشونه من قبل؛ لأن ذلك الأمن لم يكن لحماية الدين، ولا لحماية الأخلاق، ولا لحماية المجتمع؛ ولكنه كان لحماية وحراسة الحزب الشيوعي الحاكم الوحيد في تلك البلاد، هذا أولاً.

    وثانياً: إن ذلك الأمن لم يستقر؛ وإنما سرعان ما زال وتهاوى والسبب في ذلك أنه كان أمناً استقر من خلال البطش، والحديد والنار،والستار الرهيب الذي أقاموه على شعوبهم، فتململت هذه الشعوب، بعد طول زمان حتى كان ما كان، واستطاعوا أن يواجهوا تلك القوى العظمى.

    إنه لم يغن الشيوعية أنها كانت تملك أكثر من ثلاثمائة ألف رأس نووي، ولم ينفعها أو تنفعها صواريخها العابرة للقارات، ولم يغنها من الله شيء أن يكون جهاز الأمن فيها المعروف بجهاز k.g.b أنه يملك أكثر من ثلاثة ملايين عنصر، مهمتها أن تحسب على الناس أنفاسهم، وخطواتهم، وأقوالهم، وألفاظهم، وعباراتهم، بل ونياتهم ومقاصدهم، فأنت تراهم اليوم وقد صاروا أحدوثة وأمثولة يتسلى الناس بأخبارهم، ويتشمت بهم أعداؤهم.

    المهمة الأصلية هي حماية المجتمع من الداخل

    إن المهمة الأصلية لرجل الأمن في الإسلام؛ هي حماية المجتمع من الداخل، حماية دين المجتمع، وأخلاق المجتمع، ووحدته، وحماية الأمن والاستقرار للأمة، حماية للأمة والفرد والأسرة.

    حماية المجتمع من الخارج

    ومهمة الجيش في الإسلام هي حماية المجتمع من الأخطار المتمثلة بالغزو الخارجي الذي يهددها من الشمال أو الجنوب، ولعلك يا أخي يا رجل الأمن؛ تشاطرني الرأي أن كثيراً من بلاد الإسلام لم تعد تؤمن بهذه المهمة التي تحدثت عنها إيماناً صحيحاً.

    فقد أصبحت مهمة رجل الأمن في كثير من البلاد الإسلامية؛ هي إرهاب المواطن، وملاحقته وتهديده، وإيذاؤه في نفسه أو أهله أو وظيفته أو عمله أو أسرته أو دينه، وأصبحت مهمة الجيش هي التهيؤ للنـزول إلى الشوارع لتدعيم مهمة القمع التي يمارسها بعض رجال الأمن في هذا البلد أو ذاك مما تسمعه في الأخبار صباح مساء.

    إني سائلك وأنت أخي وأنا أخوك، وما بيني وبينك إن شاء الله تعالى إلا الود والمحبة ما صفت القلوب واتفقت الأرواح ورضينا بالمبدأ الأصل الذي هو الدين الذي ننتمي إليه جميعاً، إني سائلك؛ هل تعلم رجل الجيش في البلاد المجاورة لـإسرائيل أنه يتهيأ للمعركة مع اليهود؟! كلا! وكيف يتهيأ للمعركة مع اليهود وجلسات وجولات السلام بينهم تتقدم يوماً فيوماً إلى الأمام!!

    إنهم يوجهونهم إلى شعوبهم، أو على أحسن الأحوال يوجهونهم أحياناً إلى معركة معروفة الأحداث مع الجيران، فيوماً هنا ويوماً هناك:

    وأحياناً على بكر أخينا      إذا لم نجد إلا أخانا

    فهم أُسود أشاوس على الضعفاء من بني جلدتهم، أو من بلادهم أو من جيرانهم، ولكنهم حملان وديعة أمام عدوهم الحقيقي الشرس من اليهود أو النصارى.

    ثم إني سائلك مرة أخرى: هل تعلم مهمة رجل الأمن في تلك الديار؟! هل تعلم لهم مهمة أخرى غير اصطياد الشباب المتدين وملاحقتهم؟!

    أما أنا فلا أعلم إلا هذا، فهل يرضيك يا أخي وأنت المسلم الذي تعلم حرمة الدم المسلم، وحرمة العرض وحرمة المال، أن يحدث هذا!

    أم يسرك وأنت تسمع قول الباري عز وجل: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً [النساء:93].

    إن الكثيرين ينسون أن الرجل المسلم المقتول غدراً في الشارع أو في الجامعة أو في المسجد أو في المنـزل أنه رجل يجري في عروقه أيضاً دم، وليس ماء، وأنه بشر، له حرمته وليس شيئاً آخر غير البشر، وأن له أطفالاً ينتظرونه عند الباب صباح مساء، متى يأتي أبونا؟ متى يأتي والدنا؟

    وأن له أمَّاً تذرف الدموع بعد الدموع على قرة عينها الذي طال انتظاره دون جدوى، فلماذا تنـزعج أخي؛ أو ينـزعج غيرك من خبر يقول مقتل: ضابط أو شرطي في بلد كذا!! ثم تسر لخبر يقول لك: اقتحام منـزل وقتل عشرين من المتطرفين!!

    لقد اعترفوا بالقتل وقتل عشرين! لقد اعترفوا بالقتل! فيقبل اعترافهم على أنفسهم وهي جريمة منكرة في جميع الشرائع، بل وفي كل القوانين الوضعية، أما دعواهم أن هؤلاء من المتطرفين؛ فهي دعوى يعوزها الدليل، وهؤلاء القتلى لم يمثلوا أمام محكمة! ولم يظهر صوتهم في إذاعة! ولم يرهم الناس عبر شاشة! ولم يكتبوا في جريدة ليتحدثوا برأيهم ويدافعوا عن أنفسهم! فأين الدليل الحقيقي على أن هؤلاء كانوا من المتطرفين؟!

    لقد جاءت أخبار مؤكدة ووصلت إلي تقول: إن الناس في بعض الدول العربية والإسلامية أصبحوا يعتصمون بالجبال، قرى بأكملها ومدن عن بكرة أبيها أصبحت تعتصم بالجبال! وتترك البيوت والحقول والمزارع والنساء والأطفال! وهي مصممة على الثأر ممن تعدهم الجناة.

    فهل أدركت أخي رجل الأمن أي فجوة ضخمة خطيرة حفرها أولئك المغرضون المجرمون بينك وبين أخيك المسلم من وطنك وبلادك، بل ربما من أسرتك ومن قبيلتك، وربما من المدينة أو القرية التي كنت منها؟!

    لقد خوفوك به، كما خوفوه بك، قالوا لك: لا خطر علينا من اليهود، أو ما يسمى بـإسرائيل!! فهي حليفتنا وصديقتنا، وبيننا وبينها أوثق العلاقات، ولا خطر علينا من النصارى فهم أصحابنا وأصدقاؤنا، ولا خطر علينا من مجرمي المخدرات، فإنهم لا يضرون إلا أنفسهم.

    قالوا لك: الخطر كل الخطر من المتطرفين، فاقتله ولو كان المتطرف متعلقاً بأستار الكعبة، هكذا قبل أيام طالب رئيس دولة عربية معروفة -الرئيس الليبي- طلب من الطلاب في كل مكان قتل المتطرفين دون محاكمة!!

    أتدري ما آية التطرف عندهم؟! إن إعفاء اللحية أو حمل السواك، أو التردد على المساجد، كافٍ في الدلالة على أن صاحب هذه الأعمال من المتطرفين؛ فإذا قصر ثوبه أو قام يخطب في المسجد، أو نصح، أو ألف كتاباً، أو ألقى درساً، فحينئذ يكون تطرفه مما لا يقبل النظر ولا الجدل عند هؤلاء.

    لقد ملئوا قلبك -أخي رجل الأمن- خوفاً وذعراً، حتى أصبحت إذا رأيت ذا اللحية فكأنما رأيت بعبعاً عنيفاً، أو شيئاً مخيفاً، وبالمقابل خوفوه بك وجعلوك سيفاً مصلتاً على رقبته، فصار ما إن يراك ببزتك وبدلتك؛ حتى يرى الموت الأحمر، ويدري أنه إن لم يقتل يُقتل، وصرت أنت وهو -حينئذ- ضدين لا يجتمعان.

    إنه الدم، إنه القصاص، قال الله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:179] والقاتل مقتول ولو بعد حين، وسيقضي القاتل أياً كان، سوف يقضي بقية عمره في قلق لا يهدأ وتوتر لا يسكن، وإن من عقوبة القتل أن يزرع الله في قلب القاتل شقاء لا سعادة معه أبداً.

    وإذا أمن عقوبة أهل الأرض، فلا يأمن عقوبة رب السماء، تنتظره من يومه أو من غده، نـزيفاً في المخ، أو سرطاناً، أو جلطة، أو حادثاً مرورياً مدمراً، أو أزمة قلبية، أو إيدزاً، أو مأساة مروعة على زوجته أو على أطفاله، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:13-14].

    1.   

    أجهزة رجل الأمن

    رابعاً: إن كل ما حدث ويحدث أخي رجل الأمن؛ لم يكن لينسينا أنك أنت وأجهزتك ومن وراءك جزء من مجتمعنا المسلم الممتد عبر هذه الرقعة الواسعة، من العالم الإسلامي، التي تشكل خمس سكان الكرة الأرضية.

    ففي هذه الأجهزة كما في غيرها، ونحن نعلم ذلك كما تعلمه أنت، فيها الخير والشر، والحق والباطل، والإيجابيات والسلبيات، وفيها الأخيار الذين يتحرقون ألماً على واقع أمتهم، وبلادهم،ولكن واحدهم -ونرجو أن تكون من هؤلاء- واحدهم كمؤمن آل فرعون، يعمل في جو مشحون مضغوط، ويدفع عن الخير وأهله بقدر ما يستطيع، ولكنه يحاذر أن يرتاب فيه المرتابون، أو يتصيده المتربصون، وفي هذه الأجهزة أيضاً الأشرار الذين يكيدون للحق وأهله، من منطلق الحقد على دين الله عز وجل، والبغضاء والمقت للمؤمنين.

    وفيها الموظفون الذين لا يعنيهم إلا أمر الراتب في آخر الشهر،ولا يعنيهم إلا أن يضبط الإنسان نفسه، فلا يساءل عن تقصير في عمله، أو إهمال في وظيفته، وقد تكون أذهان هؤلاء مشحونة أو متأثرة بما يسمعون في أجهزة الإعلام، أو في مكاتب العمل، أو في مجالس السمر مع الزملاء والأصدقاء.

    وهذا يعني أن الإصلاح ممكن، وأن التدارك وارد، إن لم يكن في كل مكان، ففي بعض البقاع والرقاع، فأين الخطباء عن هذا، وأين الدعاة الغيورون المخلصون؟! وأين الشعراء؟! وأين الموظفون؟! وأين القادرون؟! لماذا يبتعدون عن مثل هذه الأمور؟! فتزداد الفجوة البعيدة بين المتدين، ورجل الأمن.

    إن رجل الأمن جزء من المجتمع بدينه، بأخلاقه، بنسبه، بعلاقاته فهو أقرب ممن سواه؛ لذلك فإنك تجدهم في روسيا -مثلاً- كما أسلفنا يجندون المجهولين -أجارنا الله وإياكم- يجندون أولاد الزنى الذين لا يعرف لهم نسب، حتى يكونوا في قوات الكوماندوز، أو الصاعقة، أو التدخل السريع، أو مكافحة الشغب، لأنهم يعلمون أن هؤلاء يمكن أن يشحنوا بالأحقاد على مجتمعهم.

    حيث لا رابط يربطهم، ولا علاقة، ولا قرابة، ولا أبوة ولا صهر ولا نسب، ولا دين أيضاً، فيأخذون هؤلاء منذ الطفولة، ويخضعونهم لتربية خاصة، وفي بعض البلاد العربية يقع مثل ذلك.

    أما أنت يا أخي؛ فأنت ابن هذا البلد، تحمل دينه وهمه ومشاكله وتحمل مشاعره، وتحمل أخلاقه، وهؤلاء الناس هم إما أبوك أو أخوك أو قريبك أو صديقك أو جارك أو نسيبك، فأي فرق بينك وبينهم؟! ولماذا ترضى أن تسدد سهمك إلى أحد منهم؟! أو تسدد قلمك إلى بعضهم؟! إنك أنت وهم في خندق واحد،والمصير مشترك، وحق عليك أن تطيل التفكير فيها.

    1.   

    الحزم في الدين

    خامساً: أنت مسلم تؤمن بالله تعالى واليوم الآخر، وتعلم أن لك مصرعاً ينتظرك، وتنتظره، وهو آتيك صباحاً أو مساء {فإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء}. وأنت موقوف بين يدي الله عز وجل، ومسئول عن كل شيء كما قال الله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ [الصافات:24] وقد تقول: إنك مقصر ببعض الطاعات، أو واقع في بعض المعاصي والمنكرات!!

    فأقول: حتى مع هذا وذاك، فأنت بحمد الله ما زلت مؤمناً، مسلماً، وكيف لا تكون كذلك وأنت تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولا تعبد إلا الله عز وجل، وأنت مقيم للصلاة، محافظ عليها، إما في المسجد أو حتى في إدارتك أو جهاز عملك أو على انفراد، فما تذكر يوماً أنك تركت صلاة متعمداً، فأنت حينئذ مسلم بحمد الله عز وجل، يرجى لك خير كثير.

    السخرية بآيات الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم

    فكيف -وحالك هذا- ترضى أن تسمع من زميلك سخرية بآيات الله عز وجل، أو استهزاء برسله، أو تشكيكاً بأمور الغيب من البعث أو الجنة أو النار، أو المعجزات والآيات التي جرت على الأنبياء؟! ثم تلوذ بالصمت! وربما كان جوابك عليه ضحكة طويلة مجلجلة!! ألا تذكر أن زميلك يوماً من الأيام شكك في الإسراء والمعراج، وقال: هل رأيت هذا بنفسك، فما رددت عليه ولا ناقشته، ولا ذكرته ولا خوفته؟!

    أنت أيضاً؛ قد وقعت في خطأ وأطلت إزارك أو بنطالك، فهلا أعجبت بأخيك الذي قصر الإزار أو طواه؛ تحرياً للسنة، وطاعة لله تعالى ورسوله، إذ لم تفعل أنت فعلام السخرية والتندر إذاً ممن هم أهدى سبيلاً وأقوم قيلاً؟!

    أخي.. أنت تعلم أن الشرائع والعبادات أمور مفروضة، وأعجب منك وأنت تصلي وتعلم أن الصلاة دعاء، وأن الدعاء صلاة، كما قال الله عز وجل: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60].

    ومع ذلك سمعت زميلك وأخاك وقرينك في العمل يسخر من أمر الدعاء، ويقول: لو كان كل مظلوم دعا استجيب له؛ لما بقي ظالم على وجه الأرض، فسكت عن ذلك، وغمغمت وجمجمت وأحجمت! ولم تبين له كم من مظلوم انتصر الله تعالى له في الدنيا قبل الآخرة! لكن الله تعالى {يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته} وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102].

    أنت تعلم أخي: أن الاستهزاء بآيات الله تعالى كفر، وقد قال جماعة خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد والغزو فسخروا من القراء وطلبة العلم، وقالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أكبر بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء، فأنـزل الله تعالى من فوق سبع سماوات آيات كريمات تقرأ إلى يوم الدين، تحكم على هؤلاء بالكفر البواح الصراح، وتتهددهم بنار جهنم وبئس المصير، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [التوبة:65-66].

    إن الاستهزاء بآيات الله تعالى أو رسله أو أنبيائه أو الغيب أو الجنة والنار أو بالصالحين، هو كفر بالله العظيم.

    الاستهزاء بالصالحين

    ولذلك لما ذكر عندك يا رجل الأمن فلان وفلان من أهل الخير والصلاح، فتماجنت وأظهرت الفرح والدعابة، وأن النكتة على طرف لسانك، فضحكت على فلان، وتندرت من شكله أو هيئته، أو منطقه وكلامه، أو تصرفاته، وربما آذيته إن كان لك عليه سبيل.

    أنت.. أنت يا صاحب الجسم النحيل! والعمر القليل! والهم الكليل! أتقدر أنت على أن تحارب الله جل وتعالى؟! إن الله جل جلاله يقول: {من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب} أي أعلنت على لسان رسولي بأنني محارب له.

    زعمت أوروبا أن ستغلب ربها      وليُغلبن مُغالب الغلَّاب

    والولي في قوله: {من عادى لي ولياً} لا تحكم عليه أنت ولا أنا، الولاية سر عند الله عز وجل، وهي الجدير بها أهل التقوى والإيمان أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63].

    فربما كان الولي بأسمال متواضعة، وربما كان بدون مرتب أو وظيفة، وربما كان ضعيف الجسم، وربما كان الولي في غياهب السجون، فإياك.. إياك لا يستفزنك الشيطان، فتطلق لسانك بالسوء على عباد الله، هذا متطرف، وهذا أحمق، وهذا يستغل الدين لمصالحه الشخصية، وهذا يريد الشهرة، وهذا يريد المنصب، وهذا يريد السلطة، وهذا وهذا!! هل جعلك الله تعالى رقيباً على قلوب العباد؟!

    أخي الكريم.. إنك قد تقول لي: أنا لست من أهل هذا الشأن، وما تكلمت في مؤمن قط، ولكنني أقول لك: هذا لا يكفينا منك، بل نريدك رسولاً لمن وراءك، أن تأمرهم بالمعروف، وتنهاهم عن المنكر، وتقرأ عليهم آيات الله والحكمة.

    ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها في الجنة، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم} وفي رواية: {إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب} وفي رواية: {يهوي بها سبعين خريفاً في نار جهنم}.

    أفيسرك أن تكون أنت من أهل هذا الوعيد العظيم الشديد، سبعين عاماً يتجلجل في نار جهنم! وما جرمه أو ذنبه إلا كلمة لم يتبين فيها، وربما قالها تندراً أو مجاملة لزيد أو عبيد!!

    وفي سنن الترمذي بسند جيد عن بلال بن الحارث المزني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت} لم يُقِم لها بالاً ولا وزناً ولا اعتباراً، بل ظنها كلمة سهلة يسيرة، وربما قال: كل الناس يقولون هذا، { يكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه}.

    تأمل نفسك، وتحسس جسدك؛ هل عندك قدرة أن تظل تعيش كل عمرك الذي بقي لك، تتقلب في سخط الباري عز وجل، الذي أنفاسك منه، وعطاؤك منه، ومالك منه، وزوجك منه، وكل خير بك فمنه، وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ [النحل:53] أفيسرك يا أخي أن تتقلب يوماً من الأيام على فراش المرض، تئن من آلام مبرحة؛ لو وزعت بين مائة رجل لأثقلتهم وأبكتهم وصاحوا منها؟! أيسرك أن تتحمل هذه الآلام، ثم تدعو الله تعالى فلا يستجيب لك، وتسأله فلا يعطيك، وتستنصره وتستصرخه فلا يجيبك، لماذا؟! لأنك تتقلب في سخطه، نظير كلمة قلتها في حق امرئ مسلم.

    1.   

    بعض اهتمامات رجل الأمن

    سادساً: أخي رأيت جزءاً من حديثكم عن المتدينين، بل إذا أردت أن أصارحك فقد أصبح المتدينون شغلكم الشاغل في كثير من بلاد الإسلام، وهمكم الأول، بل والأخير، ففي بعض الأصقاع النائية جند الجميع، حتى قوات الدفاع المدني لهذه المهمة! مهمة مطاردة المتدينين، وأنا محدثك عن المتدينين بصراحة، فقد كثر حديثكم عن أخطائهم:

    الأولى: المتدينون بشر من البشر، يخطئون ويصيبون، ولكنهم يخطئون قليلاً، ويصيبون كثيراً، فصوابهم أكثر من خطئهم، ولكن افتراض الكمال فيهم غير وارد، فهم يجتهدون فيخطئون أحياناً، وقد يخطئون من غير اجتهاد أحياناً أخرى، ربما يظهر بمظهر المتدينين من ليس منهم على الحقيقة، ولكنه دعي لصيق فيهم تزيا بزيهم، ودخل مجالسهم وليس منهم،والناس ليس لهم إلا الظاهر، هذه واحدة فاعقد عليها إصبعك.

    الثانية: أن مراقبة المتدينين وعد أنفاسهم، وحساب حركاتهم، سوف يجعل أخطاءهم دائماً في الصورة، فالخطأ مهما صَغُر وَقَل يُعْرف، ويكشف، ويراقب، ويضبط، ثم يكبر، ويكثَّر، ويكتب،ويضخم وينشر، ويضم إلى نظيره ومثيله وقرينه حتى نجعل من الحبة قبة فيما يتعلق بالمتدينين.

    وأنا ضارب لك مثلاً: افترض أن مسئولك سخط عليك يوماً من الأيام، ووجد عليك في نفسه وأبغضك وهو لا يخاف الله، فصار يتربص بك الدوائر، ويريد أن يؤذيك، وينتظر الساعات المباركة التي يقع منك الخطأ حتى يعاقبك وينتقم منك، أفيسرك أن يحدث هذا؟! كلا.

    إذاً فيجب أن تأتي الناس بالذي تحب أن يؤتى به إليك، بل إنني أقول لك بصراحة إن بعض صواب المتدينين يتحول إلى خطأ بقطرة يضيفها متبرع من بعض أصحابك أو زملائك، فإذا حذر المتدين عن المعاصي وعقوباتها، قيل: تشويش، وإذا تكلم عن خطر الكفار، قيل: إثارة، وإذا تحدث عن مؤامرات العلمانيين قيل: مبالغة وتهويل، أو تفريق للصف، وتمزيق للمجتمع، وإذا أنكر منكراً ظاهراً واجب الإنكار، قيل: تشهير، وإذا نصح، قالوا: فضح!!! فأين المهرب؟!

    الثالثة: إنها سنة الله عز وجل،كما في حديث معاوية رضي الله عنه {لا تتبع عورات الناس فإنك إن تتبعت عوراتهم أفسدتهم، أو كدت تفسدهم} فالمتابعة والملاحقة هي نـزع للثقة،وغرس لبذور الريبة والشك بينك وبين هؤلاء، ولا يمكن أبداً أن أسمح لنفسي بأن أتجاوز في حق الآخرين، وأخطئ عليهم، وأتعدى، وألاحقهم، وأضرهم، وأتجسس عليهم، ثم أفترض في الناس دائماً الصبر والتحمل والعفو، والإعراض وهدوء الأعصاب وطول النفس.

    الرابعة: هناك أشياء صحيحة، لكنها تدخل في باب المسائل الشخصية، فمثلاً: ربما توجه أخي رجل الأمن نقداً إلى نوعية اللباس الذي يلبسه المتدين، أو طريقته، أو مظهره الشخصي، هذه أمور لا تدل على شيء..نعم.

    حسناً، لو كان المتدين -مثلاً- أعلى في ذلك، وفي صحيح مسلم {إن الله جميل يحب الجمال} ولكن أيضاً، لا تنسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كما في حديث أبي أمامة الحارثي عند أحمد وابن ماجة وهو صحيح، قال عليه الصلاة والسلام: {البذاذة من الإيمان} يعني التواضع في الملبس، وعدم الفخر أو المبالغة فيه.

    ولا تنسى أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {رب أشعث أغبر، ذي طمرين، لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره} والحديث أصله في مسلم، وفي مسند أحمد، وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه.

    أشعث أغبر ذي طمرين، لا يؤبه له، فشكله وملبسه وشعره وهندامه يجعل الناس يعرضون عنه،ولكنه ولي لو أقسم على الله في شيء لأجاب الله تعالى قسمه وأبره، ولو دعا الله أو سأله لأعطاه، فهل تريد أن يكون خصمك هذا، وهل تريد أن تسخر بمظهره وأنت تغفل عن مخبره، وقد يكون أقرب إلى الله تعالى زلفاً؟!

    الخامسة: فإنك تتحدث عن أخطاء المتدينين، أو على أقل تقدير تسمع زملاءك يتحدثون،ولكن اسمح لي أيها الأخ العزيز أن أسألك: ما حجم هذه الأخطاء الموجودة عند المتدينين بالقياس إلى الأخطاء الفادحة الموجودة عند غيرهم؟! ألم تسمع أو تقرأ عمن يسمى بوحش الدار البيضاء؟! رجل في أعلى المناصب هو مسئول في إدارة المباحث، في تلك المدينة المغربية الشهيرة، في أعلى الرتب والمناصب، فماذا كانت جريمته؟

    ليست جريمته في ملبسه، أو في حذائه، أو في سيارته، إنها مجموعة من الجرائم المسجل منها على أشرطة الفيديو بالصورة والصوت يزيد على خمسمائة جريمة؛ يهتك فيها أعراض النساء، والرجال، ويتعدى عليهم، ويقتادهم بالقوة، ويغتصبهم، ويضع لهم الأحابيل، ويستخدم كل الإمكانيات التي تحت يده، وكل الأفراد الذين تحت سلطته، يستخدمهم في التمكين لهذه الجريمة، والحصول عليها.

    ثم هو يعترف في المحكمة وعلى مرأى ومسمع من الناس، يعترف بأن الجرائم التي لم تسجل هي أكثر بكثير من الجرائم التي تم تسجيلها!! ثم هو ينتظر من المحكمة أن تعفو عنه لأن له أطفالاً صغاراً ينتظرونه في المنـزل!! فهل غابت عن ذهنك هذه الجريمة المركبة العظيمة؟ وهل تظن ذلك الرجل كان يعمل بمفرده وهو يتسلم ذلك المنصب الرفيع؟! إنها لا تعدو أن تكون عينة لكثيرين ممن يحيطون به، أو يشبهونه!!

    ثم ألم تسمع أو تقرأ أيضاً عن تلك الفتاة الغجرية التي نشرت خبرها الصحف المصرية، وكيف تورط في علاقة الحب الحرام معها عليةُ القوم، وكبار المسئولين بما فيهم بعض رجال الأجهزة المسئولة عن الأمن، وكيف نشرت تلك الصحف الأخبار بالتفصيل؟! ألم تقع على مثل هذه الأخبار؟! وما هي إلا أشياء أو فضائح قليلة أصبح من المستحيل التستر عليها، أما الجرائم التي دون ذلك فحدث ولا حرج!!!

    لعلك سمعت خبراً عن زميلك الذي قبض عليه في قضية أخلاقية، ثم تستر عليها بواسطة تدخل بعض الأطراف!

    فلماذا تريد أن يكون المتدينون صفحة بيضاء؟! أبداً، وتغفل عن أنهم في الجملة أفضل ممن سواهم، وأن العبد لو تلفت إلى غيرهم حتى من زملائه،زملاء عمله أو معارفه، لوجد شراً مستطيراً، ولعلك أيضاً لم تنس تلك العصابة المتآمرة التي كانت تتعاطى المخدرات، وتبيعها، وتهربها، وتستغل مناصبها، وعلاقاتها في تحقيق ذلك والتستر عليه؟!!

    ثم إنك تعلم أن كثيراً ممن حولك يرتكبون ما حرم الله عز وجل، في أمور غير مشروعة يفعلونها في حق الناس، دعك من التجسس على المفسدين، أو المجرمين،أو على أهل المخدرات، أو على أهل الجرائم،أو على من يخشى أن يزعزعوا الأمن.

    ولكن ما بالك بغيرهم، والله عز وجل يقول: وَلا تَجَسَّسُوا [الحجرات:12] والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {من تسمع حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة} والآنك هو الرصاص المذاب، والحديث في صحيح البخاري.

    1.   

    المصداقية في كتابة التقارير

    سابعاً: نعم، أعلم -أخي- أنك تكتب التقارير، وأنك ملزم بذلك، لكنك لست ملزماً ولا مأذوناً أن تقرأ نيات الناس، أو تتحدث عما في قلوبهم، وليس يجوز لك أن تقرأ ما وراء الكلمات، أو ما بين السطور، أو الحروف، فهذا لرب العالمين، ومن نازع الله تعالى في ذلك عذبه.

    إنما الغيب لله، عالم الغيب، إن الشرع حين وضع حدوداً على محارم الله عز وجل فرض لها أدق الشروط وأعظمها وأوفاها، فهذا حد الزنى -مثلاً- لا يقام إلا بعدما يشهد أربعة شهود على حصول الجريمة، لكن لا يكفي أن يقولوا حصلت الخلوة، بل ولا المداعبة، بل ولا الضم، ولا ولا ولا، حتى يشهدوا بالجريمة تفصيلاً دقيقاً يزيل أي التباس، ليقام الحد بعد ذلك على المجرم.

    فأنت حين تكتب أو تدون لماذا تقرأ نيات الناس؟ أو تتكلم عن مقاصدهم؟ أو أهدافهم؟ أو مراداتهم؟ دع هذا لرب العالمين، أما أنا وأنت فبشر ضعاف مهازيل لا نستطيع أن ندرك من ذلك لا الكثير ولا القليل!

    ثم حين تكتب يا أخي.. لماذا تبحث عن رضا المسئول، لماذا لا تبحث عن رضا الله عز وجل، ولماذا لا تستنير بالقاعدة النبوية الشريفة العظيمة أنه {من أرضى الناس بسخط الله عز وجل، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أرضى الله تعالى بسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس}.

    إنك إن أرضيت الناس ولو أسخطت الله عز وجل يوشك أن يعود حامدك ذاماً لك يوماً من الأيام، ربما أخذ مسئولك فكرة معينة عن فلان من جراء كلمة سمعها، أو موقف بلغه، أو ما أشبه ذلك، فأصبح يعجبه أن تفسر أقواله، وأعماله، وتصرفاته، على حسب الفكرة المسبقة المستقرة عنده، ولكن هذه خيانة لنفسك ولمسئولك، اعتداء على ذلك الشخص الذي ظلمته.

    إنها جناية على أخيك المسلم تؤاخذ بها، في يوم لا درهم فيه ولا دينار ولا متاع، وإنما هي الحسنات والسيئات، فيؤخذ من حسناتك، فيوضع له، فإن فنيت حسناتك قبل أن يقضى ما عليك أخذ من سيئاته ثم طرحت عليك، ثم طرحت في النار، وحينئذ فأنت من المفلسين كما في الحديث الصحيح عن سيد المرسلين.

    وربما يرضى من فوقك أن تنقل له ما يعده هو أخطاء، أو يسميه تجاوزات، وأن تسكت عن الإيجابيات ولكن هذا ليس من العدل في شيء، إن الذي يعلمه الناس أنك ربما أعملت هواجسك وظنونك في فلان، أو فلان، ثم رفعتها لمسئولك،وهي ظن أو تخمين لا يقين، ولكن كم من ظن سوء كاذب أصبح عند من فوقك حقيقة لا تقبل الجدل! واقعاً لا يقبل الشك، ثم بنى عليها قراراً بسجن فلان، ونقل علان، وفصل هذا، وتأديب ذاك، ومحاكمة هؤلاء، وظلم أولئك، فإياك إياك أن تظلم الناس للناس،فإن شر الناس من ظلم الناس للناس.

    وإياك إياك أن تظلم نفسك، أنت تتقلب على فراشك، والعشرات من الناس يتقلبون، وقد بللت دموعهم خدودهم، وهم يتوسلون إلى الله العظيم الكريم الذي يسمع السر والنجوى أن ينـزل أليم سخطه، وعظيم عذابه على من آذاهم، أو آذى إخوانهم، أو آذى أقاربهم، أو مشايخهم، وهي دعوة مظلوم يرفعها الله عز وجل، فوق الغمام، ثم يقول: {وعزتي وجلالي لأنصرك ولو بعد حين} وفي الحديث المتفق عليه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب}.

    أتريد أن تكون التجربة في نفسك أنت، إياك إياك.. أخي أنت كغيرك أساء إليك فلان جارك، وأخطأ عليك فلان الذي لقيته يوماً من الدهر، وكان يمكن أن تأخذ حقك بالطرق الشرعية المرعية، فما الذي حدا بك إلى استخدام الوشاية، أو الكيد الخفي لهؤلاء، واستغلال موقعك لتوريطهم في أشياء وأمور هم منها براء.

    أخي.. لا يحملنك الاغترار بالمرتبة، أو العلاوة، أو الترقية، أو الجائزة، أو البدن، على أن تقفو ما ليس لك به علم، قال الله عز وجل: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] فسمعك موقوف ومسئول،وبصرك ولسانك، وهاجسك في قلبك، أنت مسئول عن ذلك كله متى أنفذته ومتى أعلنته في يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].

    فإياك أن تجهد في إيقاع الآخرين، فبئس المال مال جاء من أذية الناس، وما عند الله عز وجل من رزق لا ينال بمعصيته،والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {أيما جسد نبت من سحت فالنار أولى به}.

    1.   

    بعض أخطاء رجل الأمن

    ثامناً: أخي العزيز الكريم: ليس حديثي معك الآن حديثاً عن أخطاء العسكر، من ضباط أو أفراد، ولا عن طبيعة العلاقة التي تسود بينهم، فهذه خصوصيات وأسرار لا أرى مصلحة في البوح بها الآن، وإن كنت أنصح الإخوة جميعاً بالحرص على الاحترام المتبادل فيما بينهم، وتنقية القلوب من جميع أنواع البغضاء، فإنه لا أسعد من القلب النقي الذي لا يحمل الحقد ولا الحسد ولا الضغينة على الآخرين.

    يجب أن تفرح بما يصيب إخوانك المسلمين من خير،وتهنئهم بقلب صادق،وأن تثق بأن الذي أعطاهم سوف يعطيك خيراً من ذلك، متى صبرت واحتسبت وآمنت،قال الله عز وجل: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:32].

    ولكن لا بأس أن أعرض لك بعض الأمور الضرورية التي هي خلل لا بد من تداركها:

    الطاعة العمياء في كل شيء

    أولاً: الطاعة العمياء في كل شيء، هذا غير جائز بالنسبة للبشر، بل ربما يقول بعضهم (نفذ ثم اعترض) يعني: قم بالعمل الموكول إليك واعترض بعد ذلك، الطاعة المطلقة لله تعالى وللرسول صلى الله عليه وسلم، أما طاعة البشر كل البشر فهي محكومة بالشرع، ولهذا قال الله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] ثم قال سبحانه: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59].

    إذاً الطاعة المطلقة هي لله تعالى وللرسول صلى الله عليه وسلم فحسب، أما البشر فيطاعون في طاعة الله، ويعصون فيما أمروا به من معصية الله تعالى، إن الذين قتلوا المواطنين وواجهوهم، قتلوهم طاعة لبشر، فهل يجوز لك أخي أن تحقن دمك لتقتل أخاك المسلم؟! والذين نـزلوا للشوارع بأسلحتهم، نـزلوا إرهاباً لمواطنيهم وأقاربهم وجيرانهم، نـزلوا لطاعة بشر، فهل يجيز الشرع لأحد أن يرهب أمه وأباه، وأخته وأخاه، وجاره وزميله في غير طائل، ولغير هدف واضح معروف؟!

    إن الطاعة لا تجوز أبداً إلا في المعروف، ومن حق الفرد أن يراجع ويناقش، ومن أخطر الأساليب التربوية، سحق شخصية الإنسان، وتدمير طاقاته، وتدريبه على التبعية المطلقة للآخرين، إنها تدمير للمجتمع كله.

    قال لي شخص: يا لهول المصيبة لو صحا الناس على البيان رقم (1) قلت له: أرأيت لو صحا شعب أمريكا من واشنطن على البيان رقم (1) يعلن خلع الرئيس الجديد، وإلغاء الانتخابات، وتعليق العمل بالدستور، ويعلن أحد الضباط نفسه رئيساً لـأمريكا، ويفرض حالة الطوارئ على البلاد والعباد، ويصدر تعليمات بتأميم أجهزة الأمن والتعليم والإعلام وغيرها.

    أرأيت لو حدث ذلك؟! قال: محال أن يحدث في تلك البلاد. قلت له: لماذا؟ قال: لأنها بلاد ناضجة. قلت: أرأيت إن مصلحة نضج الشعوب هي مصلحة للحاكم والمحكوم والأمة كلها، سواء بسواء، إن الأمة الناضجة القوية الواعية، التي تعرف ما تأخذ وما تذر، وتشارك بالرأي والمشورة، وتحلل وتنظر وتأمر وتنهى وتعبد الله تعالى بذلك كله، إنها هي فقط الأمة التي تستطيع بإذن الله تعالى أن تضمن مستقبلها، فلا يعتدي عليها أحد، ولا تساق إلى حتفها أو مصيرها دون وعي أو شعور.

    الاستقاء من الغرب

    إن من المحزن -أيها الأخ الكريم- أن التربية العسكرية في جميع البلاد الإسلامية تأخذ غالباً بالنظم الشرقية الشيوعية القاسية، التي تنشئ أو تربي العسكري على الذل المطلق لمن فوقه، وعلى الاستكبار على من تحته، فهو يتحمل مما فوقه كل شيء، ليتحمل منه من تحته كل شيء، وهذه الإهانات التي يتلقاها ويأخذها من الكبار، يقوم هو بسقيها وإطعامها للصغار.

    ومنذ بداية الخدمة العسكرية؛ يعطى الكثيرون الانطباع بأن الإهانة ضرورة عسكرية وأمنية، لا بد منها، وما يسمى بفترة الاستجداد تشهد تسرب الكثيرين، ولعلك -أخي- تعلم ذلك أكثر مما أعلم أنا، تشهد تسرب الكثيرين من ذوي الهمم العالية والنفوس الكبيرة الذين لم يطيقوا مثل هذه الإهانة، نعم؛ أنت وأمثالك ممن صبروا وتحملوا، لكن هل نسيت زملاء دُفْعتك الذين دخلوا وكانوا نماذج حية بالرجولة والإخلاص والإباء، ثم انصرفوا لأنهم لم يحتملوا ذلك الوضع الصعب العسير.

    إن التربية الغربية -مع الأسف الشديد- تختلف جذرياً عن ذلك، فهي تحافظ على كرامة الفرد وعلى استقلاله، وتنشئه نشأة طبيعية، أما التربية الإسلامية فهي لون آخر، يقوم على احترام الآخرين، وتحميلهم المسئولية أمام الله عز وجل، وعلى قبول النصيحة من كل أحد، وعلى ربط الفرد بأهداف الأمة العليا، فهو لا يحامي عن شخص، ولا يدافع عن قبيلة، ولا يقاتل عن حدود، بل الهدف الأول والأخير عنده هو حفظ الدين والأمة والوطن الإسلامي الكبير.

    القسوة على الأفراد

    ومن ذلك أيضاً -أعني: من الأخطاء التي لا بد أنك أدركتها- القسوة على الأفراد أحياناً، أو على المرءوسين أو على الصغار، والتسرع في إيقاع أقسى العقوبات عليهم، من حجزهم، أو إيقافهم، أو مطالبتهم بالمشي، أو الغرامات عليهم، أو ما أشبه ذلك مما يدخل في دائرة الظلم.

    وأنت -إن شاء الله- حريص على العدل والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ويدعو أن: { اللهم من ولي من أمر الأمة شيئاً فارفق بهم، رفق به..} فليكن لك حظ من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم أن ترفق بمن حولك، ممن هم رعية لك، أو أنت مسئول عنهم.

    إضاعة الأوقات

    أيضاً من الأخطاء شغل وقت بعض العسكريين بما لا ينفع، وبطريقة غريبة، فإن هناك سياسة غربية تقول: >اشغل العسكري حتى لا يشغلك، وبذلك قد يكون هناك شغل لهم لمن تحت يده، قد يكون شغل لهم في أمور كثيرة أنت تعلم أنه لا طائل من ورائها، ولا منفعة منها، فلماذا لا تعطيهم وقتاً للراحة؟ أو لقراءة القرآن؟ أو لذكر الله؟ أو أي شيء آخر يفيدهم في دينهم؟ أو دنياهم؟ اللهم إلا إذا كان ثمة عمل يحتاج إليه في ضبط الأمور، أو في المسائل الموكلة، فهذا لا بأس به، أما شغلهم بأمور أنت تعلم أنه لا جدوى منها إلا مجرد إلهائهم؛ فلا شك أن ذلك ليس من المصلحة في شيء.

    1.   

    بعض النصائح

    تاسعاً: أخي العسكري.. في هذه الفقرة التاسعة ومن خلال دقائق لا تزيد على عشر إن شاء الله سوف أمر بتسع نصائح، أزجيها لك في آخر هذا المجلس المبارك:

    الصلاة

    أولاً: الصلاة، فـ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً [النساء:103] {والعهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر} {بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة} فإياك أن تترك الصلاة مهما تكن ظروفك، صلِّ مع المسلمين، فإن لم تستطع فصل في إدارتك، فإن عجزت فلو أن تصلي على أي حال تقدر أن تصلي عليها، المهم ألا تفوت الصلاة عن وقتها، وواجب عليك أن تصلي مع الجماعة متى كنت مستطيعاً لذلك.

    ثم إن من واجبك أيضاً أن تأمر من تحت يدك بالصلاة، قال الله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132] أفلم تسمع أن بعض زملائك يعدون التردد على المسجد علامة على التطرف، أو أن فلاناً الحريص على الصلاة قد يلقب بأنه (مطوع) أو ما أشبه ذلك، من العبارات التي يريدون منها السخرية به، أو تنقصه، إن ذلك لا يجوز في حال، وهو من الاستهزاء الذي أسلفت الحديث عنه.

    بر الوالدين

    ثانياً: بر الوالدين، إن لوالديك عليك حقاً عظيماً، وقد أمرك الله تعالى بالوالدين إحساناً، كما قال الله تعالى: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [البقرة:83] وقرن حقه جل وعز مع حقهما، فعليك أن تحرص على بر والديك، والإحسان إليهما ما استطعت، ربما دعتك ظروفك إلى البعد عنهما، وربما قصرت في زيارتهما، وربما بَعُدَ عهدهما بك، فعليك أن تكثر من الاتصال الهاتفي بهما، وعليك أن تطمئن على أحوالهما، وعليك أن ترفق بهما، وتقدم لهما الهدية، وتطعمهما، وتكسوهما وترضيهما، وتحرص على كسب رضاهما ما استطعت، فإن رضي عنك الوالدان فأنت على خير كثير إن شاء الله تعالى، فإن الجنة تحت أقدام الأمهات.

    تربية الأولاد

    ثالثاً: تربية الأولاد، فإذا كان والداك أصلاً لك، فأولادك فرع عنك، وبعد موتك هم باقون، فتذكر بهم إن خيراً وإن شراً: {إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له}.

    فرب أولادك تربية حسنة، على العمل الصالح والخلق الفاضل وتجنب الحرام ومخافة الله عز وجل، وعلى محبة الخير وأهله، وإياك أن تترك أمر التربية إلى خادمة، أو أجهزة الإعلام، أو المدرسة، فإن كل هذا لا ينفع ولا يكفي، بل ربما يضر في بعض الأحيان.

    حسن الخلق

    رابعاً: حسن الخلق، إنك أحوج ما تكون إلى أن تتحلى بمكارم الأخلاق، مع رؤسائك، ومع زملائك ومع مرءوسيك، ومع سائر الناس، فالكلمة الطيبة، والبسمة الصادقة، والإحسان إلى الناس؛ هي من الأشياء التي تزيل ما بينك وبينهم، وتجعل المودة قائمة، وربما تظفر بدعوة صادقة، أحسنت، جزاك الله خيراً، أحسن الله إليك، فهذه الدعوة قد يكون فيها سعادة الأبد بالنسبة لك.

    طيب المطعم

    خامساً: طيب المطعم، إن الجسد الذي نبت على سحت مآله النار، فلا تطعم نفسك ولا زوجتك ولا أولادك مالاً كسبته من حرام، يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً [المؤمنون:51] ويقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة:172].

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: {إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين..} ثم ذكر الآيات السابقة، فعليك أن تتحرى الحلال في مأكلك ومشربك وملبسك، وزواجك وسكنك وغير ذلك، كيف يقر لك قرار و(قصرك) التي عمرتها من حرام؟! وسيارتك من حرام؟! وحذاؤك من حرام؟! وملبسك من حرام؟! ومطعمك من حرام؟! ومشربك من حرام؟! فكيف يقر لك قرار؟!!

    وكيف تستغرب أن يسلط الله عليك رئيسك وجارك والأمراض وغير ذلك، وأن تتبدَّد أمورك ما دامت هذه حالك، إنني أعيذك بالله تعالى من هذا كله، وأسأل الله تعالى أن يوفقك للمال الحلال.

    صدق الحديث

    سادساً: صدق الحديث، فالصدق منجاة، والكذب شؤم، ولعنة الله تعالى على الكاذبين، فلا تحملنك ظروفك أو أحوالك أو مشاكلك أو مشاغلك، على أن تقول كذباً يؤاخذ به غيرك، أو تؤاخذ به أنت، فإن العبد مسئول عما قال، فلا تقل إلا حقاً ولو قطعت أو حرقت.

    طاعة الله عز وجل

    سابعاً: إياك ومعصية الله عز وجل، فإن العبد إذا عصى الله استوحش قلبه من ربه جل وعز، لا تسمع الغناء، فإنه ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل، ولا تنظر إلى الحرام، ولا تشرب المسكر، فإن العبد إذا شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوماً.

    اختيار الزوجة الصالحة

    ثامناً: ابحث عن الحليلة الصالحة، ابحث عن الزوجة الصالحة، فأنت كثير الغياب عن المنـزل، كثير الأسفار، وقد تدعى في ساعة متأخرة من الليل، فلا بد أن تكون زوجتك مأمونة ولا يكون الأمن والإيمان إلا عند المتدينة.

    فابحث عن ذات الدين تربت يداك، كما أرشدك إلى ذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، حينما قال كما في الصحيحين: {تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك} إنك أحوج من غيرك إلى الفتاة المتدينة التي تحفظك في نفسها، ومالك، وولدك، وتكون من بعدك حارسة على بيتك وعرضك وعلى أهلك وولدك.

    اختيار الجليس الصالح

    تاسعاً: عليك بالجلساء الصالحين، فإن الجليس الصالح هو كحامل المسك، لا بد أن يحذيك، أو تجد منه ريحاً طيبة، والعبد يحشر يوم القيامة مع من يجالسه احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ [الصافات:22] فاحرص على أن يكون جلساؤك الأخيار الأبرار الأطهار، وإياك ومجالسَ السوء التي يعصى فيها الله عز وجل.

    أسأل الله تعالى بمنه وكرمه، وأسمائه وصفاته، وهو الواحد الأحد الصمد: أن يوفقنا وإياك لكل خير، وأن يجعلنا وإياك من الهداة المهتدين، وأن ينفع بك دينك وأمتك وبلادك، إنه على كل شيء قدير.

    وأسأله جل وعز: أن يوفقك إلى كسب الحلال، والزوجة الصالحة والذرية الصالحة، وأن يهدينا وإياك سواء السبيل، وأن يعمر قلبك بالإيمان، وأن يوفقك لكل خير، وأن يبعدك عن كل شر، وأن ينـزل عليك الرضوان، وأن يهديك إلى سواء السبيل، وأن يبعد عنك جلساء السوء، وأن يجعلك نصراً وبراً وذخراً للإسلام والمسلمين إنه على كل شيء قدير.

    وأسأله جل وعلا أن يكون كل عمل عملته من أعمال الخير والبر والإحسان مكتوباً مضاعفاً في ميزان حسناتك يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].

    وأستودعك الله عز وجل.. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته،،،

    1.   

    الأسئلة

    هذه بعض الأسئلة منها:

    نتائج رحلة الرياض

    السؤال: يسأل عن أخبار الرحلة الأخيرة لبعض المشايخ إلى الرياض؟

    الجواب: أقول إنه كان هناك وفد مكون من سبع عشرة شخصية من الشخصيات العلمية والاجتماعية في هذه البلاد، تمثل جميع مدن منطقة القصيم، وقد قام هذا الوفد بزيارة إلى الرياض يوم الإثنين السابق إلى يوم الجمعة للقاء بالمسئولين ومحادثتهم.

    وقد تم لقاء هذا الوفد مع ولي العهد ووزير الداخلية، وأمير الرياض، ومجموعة من المشايخ والعلماء وأساتذة الجامعات، والقضاة والشخصيات المهمة هناك، والحمد لله رجع الوفد بنفسية طيبة، وشعر أنه قام بدور كبير، وأدى مسئولية عظيمة كان يجب أن يؤديها من قبل، وأسأل الله تعالى أن يكون هناك نتائج كثيرة ملموسة، أتمنى أن يحدث ذلك.

    أما ما سمعتموه من بعض الإذاعات، أو نشر في بعض الصحف الغربية؛ من خبر هذا الوفد، فإن عادة الصحف الغربية والإذاعات أنها لا بد أن تطعم أخبارها بشيء من الإثارة، أو التهويل، مثلما ذكروا فيما يتعلق بالوفد مثلاً؛ أنهم لم يقابلوا خادم الحرمين الشريفين، وبذلك اعتصموا في أحد الفنادق، فمثل هذا الكلام واضح أنه كلام مدسوس، يعني له ما وراءه.

    والواقع أن الوفد فعلاً كان يسكن في أحد الفنادق، ولكن هذا الأمر كان طبيعياً، وكانوا يذهبون إلى أعمالهم وارتباطاتهم، ومواعيدهم، ثم يعودون إليه، أما فيما يتعلق باللقاء بخادم الحرمين، فقد كتبنا أننا سنعود إن شاء الله تعالى مرة أخرى لمقابلته، وأسأل الله تعالى أن ييسر ذلك وأن يجعل من وراء ذلك خيراً للبلاد والعباد.

    لجنة الحقوق الشرعية ودور الشباب

    السؤال: عن لجنة الحقوق الشرعية وما يتعلق بها وما حدث لها؟

    الجواب: هذا موضوع يؤسفني أنه كثر الكلام عنه جداً، وذلك لأن الكثيرين يتتبعون وسائل الإعلام العالمية، كإذاعة لندن ومونتكارلو وصوت أمريكا وغيرها، ويسمعون ما تذيعه وما تتحدث عنه في مثل هذه القضية، نعم العالم اهتم كثيراً، وذلك لأنها تتعلق بالحقوق الشرعية، ومسألة حقوق الإنسان مسألة حساسة على المستوى الدولي، حيث يوجد عدد كبير جداً من اللجان والجمعيات والمؤسسات المعنية بالأمر، فهذا هو سر الاهتمام المتزايد بهذه القضية على المستوى العالمي والدولي.

    أما الذين قاموا بهذه اللجنة فهم نخبة من خيرة أبناء هذه البلاد، بل من علمائها ودعاتها، وعلى رأسهم سماحة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين وهو إمام جليل القدر، عظيم الشأن، وأقول ولا أتردد أنني أعتقد أن هذا الرجل ولي من أولياء الله عز وجل، وعلم الله أنني لا أقول إلا ما أعتقده.

    بل ومنذ زمن ليس باليسير كلما رأيت هذا الرجل شعرت بالإكبار والإجلال، فهذا الرجل بسعة علمه وكبر سنه هو حركة لا تتوقف، فله عشرات الدروس، والمحاضرات، لا يكل ولا يمل.

    ومع ذلك هو منذ زمن، منذ أن كان عنده ثلاثة أو أربعة طلاب وهو ثانٍ رجليه في دروس التعليم، واليوم تحضر عنده الجموع الغفيرة، فالرجل هو هو، ثم هذا الرجل تجده يوماً في الرياض، ويوماً في الشرقية، ويوماً في القصيم، ويوماً في الحجاز، ويوماً في الجنوب، يبذل قصارى جهده في الدعوة والتعليم، ولا يأتي أحد صغر أم كبر، قل أم كثر، يأخذ بيده إلى عمل الخير، إلا أسرع إليه ولبى، فهو أعجوبة وآية في هذا الشأن قل نظيره فيه.

    ثم مع ذلك كله ومع طول عمره في الإسلام والبلاء والجهاد والعلم هو رجل في غاية التواضع والزهد، لا يرى نفسه شيئاً، ليس لنفسه من نفسه حظ، وهو شديد التواضع، يكون في المجلس كلهم من أبنائه، وأصغر سناً منه، وأقل علماً منه، فيتحدثون ويستفيضون والرجل صامت لا يتكلم، بل يستمع، فهو حسن الاستماع، يستفيد مما يسمع ويأخذه، ويستفيد من الصغير قبل الكبير.

    حتى إن الكثيرين يجلسون معه فلا يعرفونه إلا إذا عرفوا به، أو حدثوا عنه، فهو عجب من العجب، وله في ذلك قصص لو ذكرتها لطال بها المقام والمجال، إنني أقول بملء فمي إن الوظيفة التي يشغلها إمام كالإمام عبد الله بن جبرين، إن الوظيفة تشرف به، وليس العكس، فالوظيفة لا تضيف بالنسبة إليه شيئاً، بل هي أصغر منه، وأقل شأناً.

    لذلك لا أخفيكم أنني لم أكره القرار الذي سمعتم، لقد شعرت أن الوظائف تحجم أمثال هؤلاء الرجال الكبار، وأن مثل هذا الرجل ينبغي أن يظل طليقاً بعيداً عن روتين الوظيفة، وزحمة الأعمال اليومية ليتفرغ للدعوة إلى الله، ونشر الخير، ونشر العلم، والتدريس والتعليم والتأليف والكتابة، فهو رجل ليس لبلد، ولا لمدينة، ولا لدولة بل ولا لعصر.

    ينبغي أن يكون هذا للمسلمين في كل مكان، وينبغي أن يكون لهذا الجيل، وللأجيال القادمة أيضاً، لهذا فإن مثل هذا الرجل هو أكبر من العمل، وأكبر من الوظيفة، وأكبر من الرتبة، وهي لا تضيف بوجودها إليه شيئاً، وفقدها لا يضره شيئاً.

    وهكذا بقية الإخوة المشايخ كأمثال الشيخ عبد الله المسعري رئيس ديوان المظالم سابقاً، والدكتور الشيخ عبد الله بن حمود التويجري، فهم من طلبة العلم المعروفين، ومن الدعاة، ومن المشايخ الكبار، وكذلك الدكتور حمد الصليفيح، والدكتور عبد الله الحامد، والشيخ سليمان الرشودي فهم جميعاً ممن لهم سمعة حسنة، وسابقة طيبة، وكان إعلانهم لهذه اللجنة للدفاع عن حقوق اللجنة الشرعية في نظري أمراً طيباً حسناً.

    وذلك لأن هذا الإعلان لا يعدو أن يكون نوعاً من المحاماة عن المظلومين بالمجان، فمكاتب المحاماة قائمة معمول بها في هذه البلاد، كما هو معروف، فهم لم يضيفوا شيئاً جديداً، سوى أنهم تطوعوا للمحاماة عن الفقراء والمساكين والعمال والمظلومين بالمجان، متى عرفوا أن هذا الإنسان مظلوم فعلاً.

    وكان مثل هذا العمل مما ينبغي أن يُفرح به؛ لأنه مما قاموا به هم بالنيابة عن الأمة كلها، فكان ينبغي أن يُفرح به، ويُؤيد ويُساعد ويسدد وينظم أيضاً إذا كان ذلك يحتاج إلى تنظيم، ويطور ويوجد له فروع في جميع المناطق وفي جميع البلاد.

    هذه وجهة نظري، ويشاطرني فيها مجموعة كبيرة من طلبة العلم في هذه البلاد طولها وعرضها، بل وفي بلاد الإسلام كلها.

    ولا شك أن الذي حصل لم يكن بودنا أن يقع، ولكن قدر الله وما شاء فعل، والمؤمن لا يكره أبداً: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ [البقرة:216] والعبد لا يدري، فعسى أن يكون الخير فيما يكره:

    وربما صحت الأجسام بالعلل

    نعم، نحن بحاجة إلى مجموعات من المشايخ وطلبة العلم، يتفرغون للدعوة إلى الله تعالى، ويتحررون من رق العمل اليومي الذي يأسرهم ويأخذ أوقاتهم ويستنـزف جهودهم وطاقاتهم، فإن الإنسان إذا قضى في العمل أكثر من ثماني ساعات، يأوي منهكاً متعباً فمتى يتفرغ للدعوة إلى الله عز وجل، ومتى يقوم بالتأليف، ومتى يجاهد، ومتى يسافر، ومتى يكتب، ومتى ومتى..

    فلماذا لا نعد أن هذه إيجابية ساقها الله إلينا على رغم أنوفنا وإرادتنا، وقد ذكرت قبلاً في محاضرة (دلوني على سوق المدينة) ما يعد إرهاصاً وتقدمة لمثل هذا.

    أما الفقرة الثانية: دور الشباب الملتزم في مثل هذا؟

    فالجواب: أرى أن الدور يمكن أن يكون من خلال خطابات التأييد التي تتداول الآن وتنشر وقد سمعت أن الكثيرين يوقعونها وترسل إلى اللجنة تأييداً، فمثل هذا العمل في نظري كافٍ في مثل هذه المرحلة.

    حكم قتل العصاة

    السؤال يقول: تكلمت عن رجل الأمن، وأنه يحرم عليه قتل أخيه المسلم، فهل تؤيدون ما يفعله بعض المسلمين من تلغيم المطاعم وتفجير الفنادق بحجة القضاء على جندي مثلاً أو غير ذلك؟

    الجواب: كلا، ولكنني أتساءل أولاً، لا بد أن أعرف يقيناً من هو الذي فجر المطعم، ومن هو الذي لغم الجسر، ومن هو الذي نسف العمارة، لأنني لا يمكن أن أسمع من طرف، ولا أسمع من الطرف الآخر، هذا من جانب.

    ثم إذا أردت مني فتوى فلا بد أن تكون فتوى متكاملة، ولا بد أن يكون السؤال عن أشياء كثيرة؛ ما هي الظروف التي عاشها هؤلاء الأفراد، وما هي الأوضاع التي يعانونها، وما هي الأحوال التي قاسوها، ثم لابد من معرفة أحوال المجتمعات هناك، والظروف التي تمر بها، والشريعة التي تحكمها، ولا بد من معرفة ضوابط السياحة في بلادهم، وهل يسمح للسيَّاح مثلاً بشرب الخمر.

    إن الذي نعلمه أنه يسمح لهم، بل ويسمح لهم بارتكاب المعاصي والموبقات، بل ويسمح لهم بما هو أشد من ذلك، ومفتي تلك البلاد صرح بأن كثيراً من السياح نقلوا أمراض الإيدز إلى بلادهم.

    إذاً علينا أن ندرك أن القضية ليست قضية فتوى، فالأمر الآن خرج عن طور أنه يحتاج إلى فتوى، والفتاوى التي تعلن رسمياً هي فتاوى توافق أهواء السلاطين، ويملونها على مفتين قد عينوهم ونصبوهم، في تكفير هؤلاء، أو تجريم هؤلاء، أو عدّهم متطرفين، أو إباحة السياحة أو ما أشبه ذلك، هي أمور لا أحد يحترمها.

    وكيف يحترمها وهو يعلم أن الذين أصدروها أصدروا بالأمس فتوى بإباحة ما حرم الله عز وجل من الربا، الذي صحت النصوص بمنعه، وجاء في تحريمه أكثر من (17) حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، بمنع بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة إلا وفق شروط، يداً بيد، مثلاً بمثل، سواء بسواء ومع ذلك تجرأ هؤلاء وأحلوا ما حرم الله عز وجل على رءوس الأشهاد، وفعلوا أمثال ذلك كثيراً! فهذه الفتاوى لا نريد أن تكون فتاوى مجيرة، فتوى تصدر لصالح السلطان، وأخرى تصدر لصالح هذه الفئة أو تلك!!

    نريد أن يكون المفتي حراً طليقاً، بعيداً عن الضغوط، وبعيداً عن الإلزامات وبعيداً عن التقارير التي توجه إليه من الجهات العليا، وبعيداً عن الإلحاح عليه أو وضعه في جو معين، يضطر إلى أن يقول أو يكتب أو يوقع أو يصدر أو يبين، فإذا خرج المفتي من هذه الضغوط، وكان عالماً شرعياً فحينئذ تكون فتواه مقبولة.

    اعتقال المسعري

    السؤال: هل صحيح ما سمعناه أمس في إذاعة لندن، من اعتقال الدكتور المسعري، وما هو الجديد في ذلك؟

    الجواب: نعم. هو صحيح، والخبر الذي أذاعته الإذاعة البارحة خبر دقيق، وليس في الأمر من جديد في هذا اليوم، ونسأل الله تعالى أن يفرج عن كل المظلومين والمأسورين والمقهورين والمسجونين، وأن يجمع كلمة المسلمين على الحق، وأن يوحد أمر هذه الأمة، وأن يقطع دابر الفتنة، وكل من يريد الفتنة بالإسلام والمسلمين.

    لحوم العلماء مسمومة

    السؤال: هذا السؤال تردد كثيراً يقول: إن هناك عدداً من الشباب ينالون من أعراض بعض المشايخ والعلماء، بل ربما وصل الحال والعياذ بالله ببعضهم إلى التكفير، بسبب ما صدر من فتاوى وبالذات البيان الأخير لهيئة كبار العلماء، فلا بد من بيان؟

    الجواب: مثل هذا الموضوع في الحقيقة موضوع طويل، ويحتاج إلى حديث خاص، لكن هذه بعض النقاط:

    أولاً: يجب على المؤمن أن يحسن الظن بالعلماء الذين عرفت الأمة بلاءهم، مثل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وفضيلة الشيخ محمد بن عثيمين، ومن في عيارهم، ممن عرفوا بالدعوة والعلم والفتيا، ويعرفهم الناس في مجالسهم وفي بيوتهم ودروسهم، وفي علمهم، يجب أن يحسن المسلم الظن بهؤلاء وألا يسمح لنفسه ولا لغيره أن يسيء الظن بأحد منهم أبداً.

    فإن للعالم حقاً وكرامة ومكانة يجب أن تحفظ وأن تصان بكل حال، هذه واحدة.

    وأقول: إن الأمر خطير أن يصل إلى مثل هذا المستوى، فنحن نريد أن يظل هؤلاء خاصة العلماء المعروفين الذين لهم جهود ولهم نشاط، نريد أن تظل لهم مكانة عالية، وأن يكونوا جزءاً من مرجعية الناس، في دينهم، وفي فتواهم، وفي شئونهم الشرعية، وفي إزالة المنكرات التي يضيق الناس بها ذرعاً.

    أما أن يؤول الأمر إلى الوقوع في أعراضهم، أو سبهم، أو شتمهم، فضلاً عن التكفير، فإن هذا شر مستطير، وينذر بخطر كبير، وإني أحذر الشباب جميعاً من مثل ذلك فليتقوا الله عز وجل، وليحفظوا أعراض هذه الأمة عن مثل ذلك.

    ثانياً: ما يتعلق بالجهات الرسمية، أو الهيئات أو غيرها، فإننا ينبغي أن نعلم أن ما تصدره لا يعدو أن يكون اجتهاداً، والاجتهاد قابل للخطأ والصواب، فهم بشر، وإن اجتهدوا فأصابوا فلهم أجران، وإن اجتهدوا فأخطئوا فلهم أجر واحد.

    أما تزكية الاجتهاد وعدّه صواباً وحقاً؛ فهذا لا يكون بحال من الأحوال، بل الخطأ وارد ومحتمل من الجميع، فليس المطلوب ألا يخطئ الإنسان، وإنما المطلوب أن يجتهد الإنسان وسعه، ولا يألو، وأن يخلص للوصول إلى الحق، فحينئذ أصاب أم أخطأ فهو في كل حال قد وافق ما هو مأمور به من الاجتهاد، وإن أخطأ في اجتهاد خاص.

    ثالثاً: يتحدث بعضهم ويقولون لا نعلم من تاريخ هيئة كبار العلماء إلا ثلاثة أمور؛ أولها: إدانة للوثيقة الشهيرة، وثانيها: استنكار للنصيحة، وثالثها: رفض اللجنة.

    وأقول: هذه الأشياء الثلاثة صدرت من الإخوة الشيوخ في هيئة كبار العلماء، ولا شك، وهي صدرت في ظروف خاصة، ووفق معطيات معينة، فلماذا لا ندع هذا الأمر جانباً، ونعد أن اجتهاد هيئة كبار العلماء اجتهاد، وأن اجتهاد غيرهم اجتهاد، فالوثيقة السابقة وقعها أكثر من أربعمائة، والنصيحة وقعها نحو هذا العدد، واللجنة وقعها ستة من العلماء، أو كثير منهم من العلماء الشرعيين، وبعضهم من أساتذة الجامعات، وأيدها جمع كبير أيضاً من طلبة العلم في الداخل والخارج أيضاً.

    فهذا اجتهاد ويقابله الاجتهاد الآخر، ولا داعي لأن نضرب هذا بذاك، أو أن نجعل هؤلاء خصوماً لأولئك، بل هم جميعاً إخوة، ونرجو أن يكون الجميع مجتهدين وإن كنا لا نضمن تزكية النيات دائماً وأبداً، فإن الله عز وجل يقول عن أفضل البشر بعد الأنبياء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران:152].

    لكن لا داعي لأن ندخل في النيات، أو نفسر مثل هذه المواقف، أو نقول: إنها نتيجة ضغوط، نترك هذه الأمور ولا داعي للحديث عنها، ونعد أن ذلك اجتهاد وذاك اجتهاد، الأمر الذي ساءنا جميعاً هو أن تستغل تلك الفتوى أو ذلك البيان في مثل هذه الإجراءات الإدارية التي نـزلت على مثل هؤلاء الدعاة.

    وكما أسلفت، فالوظيفة لا تنفعهم، وفقدها لا يضرهم، وهي بالنسبة لهم لا تقدم ولا تؤخر، فكثير منهم أساتذة، بل في رتبة بروفيسور، وهو يستطيع أن يجد عملاً في أي جامعة في العالم، ويجد عملاً في هذا المكان، وربما كان خلاصه من هذه الوظيفة خيراً من كثير من الوجوه، لكن مجرد الاعتبار أن الفصل نوع من التأديب والزجر وإعلان ذلك في وسائل الإعلان، هذا له سلبيات كثيرة.

    ثم أمر آخر ساءنا جميعاً ولا شك، الإمام سماحة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين، وأنا أدعو الإخوة إلى أن لا يسموه بعد اليوم إلا بهذا الاسم.

    فلنعلم أن الولاية الشرعية ليست كالولاية الدنيوية، يطرأ عليها العزل والفصل والإبعاد والطرد، الولاية الشرعية غير قابلة للعزل، فهي ولاية استمدها من الكتاب والسنة، وهي في أعماق قلوب المؤمنين جميعاً، تهش إليه بالحب والفرح والرضا والدعاء له، فسماحة الإمام عبد الله بن جبرين، أمس كانت وسائل الإعلام تسميه فضيلة الشيخ الدكتور وتنقل فتاواه وبكثير من الحفاوة، فما باله اليوم صار لا فضيلة ولا شيخ ولا دكتور ولا حتى أخ، إنما صار عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين.

    نعوذ بالله من تجاهل الحقائق، فهؤلاء الدكاترة أخذوا شهادات عليا، دكتور أو أستاذ، أو بروفيسور، أخذها بكد يمينه وعقله وعرقه، لماذا لا نسميه بهذا الاسم ولو فصلناه؟! هذا حق، ينبغي أن يكون غضبي ورضاي ألتزم فيهما بالقسط والعدل والبعد عن الظلم أو الجور أو الحيد.

    ونعوذ بالله أن نكون مثل أولئك القوم الذين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: {أي رجل فيكم عبد الله بن سلام

    ؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، قال: أرأيتم إن أسلم؟! فقالوا: نعيذه بالله من ذلك!!فخرج عبد الله بن سلام

    يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، قالوا: شرنا وابن شرنا
    }.

    فلم يكن بين تزكيته وذمه إلا بضع دقائق، نعم، هذا من سيما أهل الكتاب الذين غيروا وبدلوا، أن يصبح مدحهم وقدحهم مرتبطاً بآرائهم الشخصية، ومواقفهم الذاتية، أما نحن أهل الإسلام وأهل الإيمان فحق علينا ألا نتأثر بذلك، وأن نثني على الإنسان ولو خالفناه الرأي، وأن نعطيه حقه، ولو اختلفنا معه، فإن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، كما يقال.

    حقيقة حرب المتطرفين

    السؤال: ما رأيكم في تبادل بعض من له رتبة عالية في منصبه من رجال الأمن في بعض البلدان العربية وذلك لقمع الصحوة وإخماد المتطرفين؟

    الجواب: نعم، في جميع الدول العربية والإسلامية؛ تنسيق أمني لمواجهة التطرف، وعليك أن تهدأ كثيراً، فإنهم لا يحاربون المتطرفين أو فلاناً أو علاناً، وإنما يحاربون الله عز وجل: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدا * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [الطارق:15-17] ومن حارب الله فليبشر بالهزيمة العاجلة.

    عودة الشيخين سفر وسلمان للوعظ

    السؤال: هل صدر قرار يسمح لك وللشيخ سفر بالمحاضرات؟

    الجواب: نعم، هذا أيضاً ذكرني بهذا الأمر، فقد أصدر سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز تعميماً على مكتب الدعوة في الداخل، ومكاتب الدعوة الفرعية، بالسماح لي ولفضيلة الشيخ الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي، بإلقاء الدروس والمحاضرات في أي مكان من هذه البلاد والحمد لله تعالى على ذلك كثيراً.

    أسأل الله أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يهدينا إلى سواء السبيل، ويجمعنا في الدنيا على طاعته، وفي الآخرة على جنته، إنه على كل شيء قدير، وأسأله عز وجل أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنه سميع الدعاء.

    اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى أن تنصر الإسلام والمسلمين في كل مكان، اللهم انصر الإسلام يا حي يا قيوم، اللهم انصر الإسلام والسنة يا رب العالمين، اللهم أقر عيوننا بنصر الدين، اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل الدين، اللهم من أراد الإسلام بسوء فأشغله بنفسه، يا قوي يا عزيز، اللهم إن المسلمين ضعفاء فقوهم.

    وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.