إسلام ويب

الصبر والإيمان بالقدرللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الإيمان بالقدر من أركان الإيمان التي لا يقوم إلا بها، ومتى ما تحقق هذا الإيمان؛ فإنه يؤدي إلى تمثل صفة الصبر في واقع حياة المؤمن، والتي تعتبر من أعز الصفات التي يؤتاها المؤمن، والتي يعد أجرها في الآخرة من أعظم الأجر، فالصابرون يؤتون أجرهم يوم القيامة بغير حساب.

    1.   

    الصبر خلق الأنبياء

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فإن الصبر يعتبر من أشرف مقامات السائرين إلى الله عز وجل، ومن أعظم منازلهم، وقد أخبر تبارك وتعالى أن كل عامل يوفى حقه يوم القيامة وفق عمله إلا الصابرين، قال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] وهل هناك أعظم من أن تعطى أجرك بغير قيد ولا شرط، يعني: أن تعطى حتى تكتفي، وتسعد. لكن بالحساب والعدل يمكن ألا تكتفي، أو يمكن ألا تبلغ الدرجة التي تضمن لك الفوز العظيم، ولكن بالصبر تعطى أجراً بغير حساب.

    وبعض الناس لا يفهم من الصبر إلا المفهوم الجزئي المتعلق بأنه الصبر على البلاء، بمعنى: أنه لو مرض شخصٌ أو حلت به مصيبة وصبر عليها فهو الصابر، هذا جزء من الصبر، ولكنه جزءٌ بسيط من المفاهيم الكبيرة للصبر؛ لأن الصبر يتعلق بثلاثة أمور تقسم وفقها، وكل قسم له ثلاثة أقسام، بمعنى: أن المجموع يصبح تسعة أنواع:

    فمن حيث تعلق الصبر بذات الصبر ينقسم إلى الأقسام الثلاثة التي ذكرتها في الندوة الماضية، وهي: التصبر، والصبر، والاصطبار.

    ومن حيث تعلق الصبر بالموضوع الممارس عليه، فالصبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام وهو: الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله المؤلمة، وهذا هو المفهوم الذي يظن الناس أن الصبر يقتصر عليه، فهذه ستة أنواع للصبر.

    والتعلق الثالث يتعلق بما يريده الإنسان المؤمن بالصبر، أي: ما هي نيتك من الصبر؟ قالوا: وهو أيضاً ثلاثة أقسام: صبرٌ لله، وصبر بالله، وصبر عن الله؛ وهو أسوأ أنواع الصبر -أعاذنا الله وإياكم من ذلك- فالصبر الذي لله يقول فيه ابن القيم رحمه الله: هو صبرك عن معصية الله. فأنت تصبر لله.

    والصبر الذي هو بالله: صبرك للطاعة، فأنت تعبده بقوة منه وباستعانة وتأييدٍ وتوفيق منه تبارك وتعالى.

    والصبر الذي هو أسوأ أنواعه: وهو الصبر عن الله، وهو صبر الكافر والفاجر؛ لأنه يريد أن يصبر عن ربه؛ فيورد على نفسه من الأشياء التي تصرفه عن أن يذكر الله أو أن يستجيب لأمر الله بالملهيات والمشاغل، ولهذا فهو يحاول أن يصبر، لكن عمَّن يصبر؟ عن ربه وخالقه.

    والصبر مدحه الله وأثنى عليه في القرآن العظيم، وبين تبارك وتعالى قيمته وأثنى عليه في أكثر من تسعين موضعاً، فمرةً أمر به تعالى، فقال: وَاصْبِرْ [النحل:127]، ومرةً أثنى على أهله، ومرةً أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبشر أهل الصبر، فقال جل وعلا: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة:155]، ومرةً جعله شرطاً في حصول النصر والتأييد والعناية والرعاية من الله، ومرةً أخبر أنه مع أهله فقال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153]، وأثنى به على صفوته من خلقه وهم الأنبياء والرسل.

    صبر أيوب عليه السلام على أقدار الله

    قال الله عن نبيه أيوب عليه السلام: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:44]، وقد تحققت في أيوب عليه السلام جميع أنواع الصبر؛ فكان صابراً لله على طاعته، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، فقد ابتلاه الله في ماله وولده، وجسده بالمرض فصبر. وتذكر كتب التاريخ أنه عانى من المرض الشديد والبلاء العظيم في جسده ولم يشك ويتضجر ويتسخط، بل صابر على كل الأحوال، حتى إنه ما سأل الله أن يشفيه، وإنما كان يعلم أن قضاء الله خيرٌ له في كل الأحوال؛ فكان صابراً.

    ومرت به السنون والأيام حتى انتشر الدود في جسده، وأكل اللحم والعصب، ولم يبق إلا الهيكل العظمي، ولكن الله حمى له قلبه ولسانه، فكان قلبه شاكراً، ولسانه ذاكراً.

    ومرت السنون بعد ذلك فدخل الدود في اللسان الذاكر والقلب الشاكر، ورأى أيوب عليه السلام أنه سوف يتعطل عن الذكر والشكر بهذا الأمر؛ فابتهل إلى الله وقال: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83] يقول المفسرون: إن الضر الذي مسه ويشكو منه ليس ضر المرض، ولكن ضر التعطيل عن الذكر والشكر، فيقول: أما المرض فصابر عليه، ولكني لا أصبر عن ذكرك وشكرك، فاستجاب الله له، وقد قالت له زوجته رحمة بنت يوسف عليه السلام: أنت نبي مستجاب الدعوة، فسل ربك أن يرحمك ويشفيك، فقال لها: كم بلغت مدة مرضي؟ قالت: (18) سنة، قال: وكم بلغت مدة عافيتي قبل ذلك؟ قالت: ثمانون عاماً، قال: فإني أستحي أن أسأل ربي حتى تبلغ مدة مرضي مدة عافيتي.

    يقول: إذا أنهيت ثمانين سنة فأخبريني لكي أدعو الله أن يعافيني، يعني: سواء بسواء. أما نحن فيعافينا الله سنين طوالاً، فإذا أصاب الإنسان مرض ضجر، وقال: ما بالي أنا من بين الناس، كل الناس في عافية إلا أنا؟!! وليته يصبر ويسلك السبل الشرعية في التداوي؛ لأن التداوي لا ينافي التوكل، بل هو مأمور به، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عباد الله! تداووا ولا تداووا بحرام، فإن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها)، ولكنه يتداوى بالحرام، فيذهب إلى الكهنة والمشعوذين ويشكو ربه إليهم، ويبيع دينه -والعياذ بالله- ويخرج من الإسلام؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد، ومن أتاه ولم يصدقه لم تقبل له صلاة أربعين نهاراً).

    من الناس من يأتيه المس من الجن، وعلاج المس من الجن معروف وواضح في الدين والقرآن، فالرقية الشرعية للمس ليس هناك أنجع منها، لكن هناك علاج شيطاني عن طريق الكهنة والمشعوذين، بأن يذهب هذا المريض الذي عنده المس أو الصرع إلى هذا الكاهن، فيقوم هذا الكاهن بدعوة ذلك الجني الذي قد مس هذا الإنسي فيقول له: لا تقربه؛ لأن الرجل أتانا وهو من الجماعة -فمنذ أن أتى هذا الكاهن أصبح كافراً، يعني: خرج من الإسلام- فلو لم ننفعه لما اعتقد بنا، فلا تقربه. وحتى يضمن الكاهن تصديق هذا المسكين يأتي إليه فيكتب له عبارات مبهمة على أوراق ويقول له: انقعها واشرب ماءها، ويعطيه حرزاً طالباً منه أن يدفنه في غرفة مظلمة ليس فيها نور ولا صوت، وأحياناً يقول له: خذ تيساً أسود أو أبيض ليس عليه علامة وادخل به على هذا المريض، واذبحه ولا تسم. فيخرج بهذا الفعل من الدين والعياذ بالله.

    ولو كان صاحب عقيدة ودين وجاءه هذا المرض ولجأ إلى الله، فالله يختبره، فأحياناً يذهب إلى العالم أو إلى القارئ فيقرأ عليه القرآن مرة ومرتين وثلاث فلا ينتفع؛ لأن ابن القيم رحمه الله ذكر في كتابه زاد المعاد في علاج صرعى الجن قال: إن العلاج لا يقع إلا إذا توفر أمران:

    الأمر الأول: يأتي من القارئ، وهو مقدار يقينه وصدقه وصلته بالله.

    والأمر الثاني: يأتي من المريض المقروء عليه على مقدار يقينه وصدقه وصلاحه، فإن كان القارئ مخلصاً والمقروء عليه موقناً بالله؛ فإن العلاج ينجح بإذن الله، أما إن تخلف أحدهما بأن كان القارئ فاسقاً، أو جباناً، أو لم يكن عنده قوة عقيدة، أو تخلف المقروء عليه؛ بأن كان قليل دين -والعياذ بالله- ولولا أنه مرض لما عرف القرآن، فلا بد من توفر الشرطين.

    فصبر أيوب عليه السلام مضرب المثل، فقد تحقق له جميع أنواع الصبر، فقال عز وجل: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:44].

    وقال لخاتم أنبيائه ورسله محمد صلى الله عليه وسلم: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [الأحقاف:35] وقال: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل:127].

    صبر يوسف عليه السلام عن معصية الله

    قال يوسف الصديق لما دخل عليه إخوته وقالوا: أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي [يوسف:90] فقال بنيامين قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ [يوسف:90] سبحان الله! ما أعظم صبر يوسف، قصته مشرقة في جميع البيوت الربانية التي يتلا فيها القرآن، فقد مكث في السجن بضع سنين، وبعد ذلك أرسلوا له: أن احضر إلى ربك فيقول للرسول: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ [يوسف:50] يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (يرحم الله أخي يوسف لو كنت أنا لخرجت) أي: بمجرد أن يقولوا: اخرج من السجن فلن أطلب براءة، فالمهم الخروج من السجن. لكن يوسف يقول: لا أخرج من السجن حتى تثبت البراءة. وتثبت البراءة له عن طريق إحضار امرأة العزيز والنساء حين يقال لهن: مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ [يوسف:51] .. قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ [يوسف:51-52] هذه براءة تثبتها له صاحبة الشأن التي تسببت في اتهامه وسجنه.

    ويخطئ كثير من الناس في مقام الأنبياء المعصومين فيفسرون قول الله عز وجل: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا [يوسف:24] تفسيراً خاطئاً لا يليق بمقام الأنبياء، فيقولون: إنها همت به، يعني: بالفاحشة وهو هم بها، أي: أرادها، وهذا خطأ، لماذا؟ لأنه لو هم بها فما الذي يمنعه؟ الاستثناء الذي بعدها في قوله تعالى: لوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف:24] له تفسير في القرآن الكريم، وهو: أن معنى الهم في اللغة أي: العزم على مباشرة الشيء، هممت أن آكل، يعني: أردت أن آكل، هممت أن أقوم، يعني: أريد أن أقوم، هممت أن أنام، هممت بالسفر، وقد ذكر الله كلمة الهم في القرآن في أكثر من موضع: إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا [آل عمران:122]، ما معنى همت أن تفشلا؟ هل معناه همّت أنها تزني؟ لا. كلمة الهم تفسر من الحال الملابس لها، فالذي يقول: هممت أن أقوم يعني: همّ بالقيام، هممت أن أنام يعني: همّ بالنوم، والذي يقول: هممت أن آكل، يعني: همّ أن يأكل.

    فالهم يعني: العزم وإرادة الشيء، وتفسر بالمعنى الملابس لها، فالذي كان يلابس امرأة العزيز رغبتها في يوسف، فهمت به، يعني: لتباشر الزنا معه، والذي كان يلابس يوسف الرفض لأمرها، فهمّ بها، ما معنى: هم بها؟ قال المفسرون: همَّ ليضربها، همت به ليزني بها فهم بها ليضربها، واستبقا الباب، قال الله عز وجل: لوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف:24] ذكر المفسرون في هذا كلاماً، لكن أصح الأقوال في هذا الموضوع: أن الله قذف في قلبه برهاناً وبصيرة في أن ضربك يا يوسف لهذه المرأة سيزيد من إدانتك، ويثبت عليك الحجة، يعني: لو جاء زوجها ووجد يوسف يضربها فستقول: هو يراودني عن نفسي وأنا أرفض فيضربني. فالله قذف في قلب يوسف ألا يضربها حتى لا يدين نفسه؛ لأن ضربه لها -رغم أنه يضربها حتى لا يزني بها- سيمكنها من قلب المسألة، وفعلاً قلبت المسألة، فلما استبقا الباب كان هو فاراً منها وهي في أثره، وأرادت أن تمسك بأي جزء منه، فقطعت ثوبه من الخلف: وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ [يوسف:25] أي: وجدا زوجها عند الباب، فعلى الفور قلبت المسألة رأساً على عقب: قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [يوسف:25] قال يوسف: هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي [يوسف:26] يقول: هي التي تراودني، فكيف به لو دخل عليه الملك وهو يضربها لكانت الحجة قائمة عليه، وهذا معنى ما سبق، وإلا فهو عليه الصلاة والسلام نبي، وبعض الناس من غير الأنبياء يتنزهون عن الزنا فكيف بنبي يقع في الزنا، أو يهم به؟! معاذ الله! والذي يرى هذا القول إنما ينال من جانب النبوة.

    فيقول يوسف: قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ [يوسف:90] يقول المفسرون: إن صبر يوسف كان من أعظم المقامات في الصبر:

    الصبر الأول: أنه صبر في الجب.

    والصبر الثاني: أنه صبر في السجن.

    والصبر الثالث: أنه صبر على ممارسة الضغط عليه من قبل امرأة العزيز قبل ذلك، فإنه كان في بيت الملك وكان شاباً، جميلاً، وسيماً، غريباً، والغريب لو فعل شيئاً فلن يدري به أحد على الأغلب؛ لأن سمعته في بلده، كما أنه كان آمناً في بيت الملك؛ فلا يستطيع أحد أن يخبر به، وكانت امرأة العزيز من أجمل نساء العالمين، وهو مطلوب لها؛ لأن بعض الناس يتعفف حين لا يطلب منه، ولو طلب منه لما تعفف، وكانت الأبواب مغلقة عليه، قال الله: وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ [يوسف:23] وهذه تسمى صيغة مبالغة، يعني: ما أغلقت، بل غلَّقت، يعني: ما ردت الباب، بل أغلقته بإحكام، وهو ليس باباً واحداً بل أبواب، باب أول وثانٍ وثالث من أجل أن يأمن، وبالرغم من هذا كله صبر يوسف وقال: مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ [يوسف:23]ولم يزنِ.

    قال: قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:90] وهذا يدل على أن الصبر من أجلِّ مقامات الإيمان والدين، وأخص الناس بالصبر هم أخص الناس بالله عز وجل، وأولاهم بالله أشدهم على الصبر تحققاً وقياماً به، والخاصة أحوج إليه من العامة.

    1.   

    المفهوم الصحيح لمعنى الصبر

    بعض الناس كما قلت لكم: يفهم أن الصبر لا يكون إلا على مرض أو مصيبة، وهو فهم خاطئ، فالصبر أولاً هو صبرك على طاعة الله، فإنك وأنت تمارس الطاعة تحتاج إلى قدر كبير من الصبر، فحينما تدعى لصلاة الفجر وأنت نائم، هناك دوافع كثيرة تمنعك من الصلاة، لكنك ترفضها كلها وتصبر، أليس هناك معاناة في تلك الساعة؟ بلى. هناك معاناة، فيكون النوم كثيراً، والجو بارداً، والفراش دافئاً، والمسجد بعيداً والطريق مظلماً، ولكن كل هذه لا تمنعك من أن تقوم إلى طاعة الله، وهذه تحتاج إلى صبر.

    صبرك على طاعة الله في ممارسة الصلاة في المسجد؛ لأن بعض الناس لا يصلي إلا المغرب، أو يوم الجمعة في المسجد. وباقي الصلوات أين يصليها؟ يصليها في البيت، وهذا أمر لا ينبغي، فإن الله تعالى يقول: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43] أي: مع المسلمين، ويقول: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ [النور:36-37].

    وأذكر مرةً أن رجلاً سكن في شارعنا هذا ولم يأتِ ليصلي في المسجد منذ أن سكن، فأخبرني جاره وقال لي: إنه يوجد لنا جار لا يصلي.

    قلت: إذن نزوره، فذهبنا إليه في بيته بعد صلاة العشاء، وطلبنا منه أن يصلي بنوع من اللطف في بداية الأمر، ولو رفض لأخذنا على يده.

    فقال: حسناً: جزاكم الله خيراً وسأصلي إن شاء الله.

    وجاء وصلى مرة -أظنها صلاة مغرب أو عشاء- ثم انقطع، فجاءني جاره وقال: إن الرجل صلى مرة ولم نره بعدها.

    قلت: إن شاء الله ما دام أنه صلى مرة فأبشر بخير، وسأذهب إليه. وذهبت إليه مرة ثانية، وقلت: السلام عليكم، يا أخي زرناك ونريدك أن تصلي وأنت مسلم ومؤمن.

    قال: صليت يا شيخ!

    قلت: متى؟

    قال: صليت ذاك اليوم الذي أتيتموني فيه.

    قلت: وبعدها؟

    قال: يكفي، وماذا تريدون بعدها؟

    قلت: ليست الصلاة مرة، فالصلاة هي أن تصلي كل يوم خمس مرات.

    قال: كل يوم خمس مرات ذهاباً، وخمس مرات إياباً! يعني: في الأسبوع كم مرة؟!! خمس مرات في سبعة أيام أي: خمساً وثلاثين مرة، يعني: في الشهر كم مرة؟ مائة وخمسين مرة ذهاباً، ومائة وخمسين مرة إياباً، يا شيخ! كيف تفعلون ذلك؟

    قلت: سبحان الله! ألا تعرف أنت، أأنت مسلم؟

    قال: أنا مسلم والحمد لله، لكن أنا أصلي هنا في البيت.

    قلت: صلاتك لا تكتمل هنا، زوجتك لها أن تصلي في البيت، أما أنت فلا بد أن تصلي في بيت الله.

    قال: حسناً إن شاء الله، وفي اليوم الثاني جاءني الجار الأول وقال: أبشر يا شيخ الرجل انتقل من المكان، فقد رأى أنه يصعب عليه أن يصلي كل يوم خمس مرات، فذهب إلى مكان حيث لا يقول له أحد: صل.

    فصبر الإنسان على الصلاة باستمرار علامة على إيمانه، فأنت الآن تذهب وتصلي المغرب، وبعض التجار لا يريد أن يغلق متجره، وأصعب شيء عليه أن يسمع: الله أكبر! فهذا مسكين؛ لأنك حين تغلق متجرك فإنك تقفل التجارة مع الدنيا وتفتح التجارة مع الله، وربنا لم يكلفنا كثيراً، بل كلفنا بخمس صلوات، كل صلاة تستغرق عشر دقائق في خمس مرات، فتقتطع خمسين دقيقة من أربع وعشرين ساعة لله عز وجل، والله يقول: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، فلو نظرنا كم طلب الله منا وكم أعطانا، لكان ما طلب تبارك وتعالى قليلاً بالنسبة لما أعطى، فحين تصلي المغرب ثم تذهب إلى البيت، قد تجد في البيت شاغلاً، إما مباراة كما يتلهى الناس في هذه الأيام، ولا يأتون ليصلوا، لماذا؟ لأنه لا يريد أن تفوته الكرة؛ لأنه وازن بين الكرة وبين الله فوجد أن الكرة في قلبه أحب من الله، حقيقةً! لو قلت له: الله أحب إليك أم الكرة؟ سيقول: الله. الله أكبر! كيف؟! لكن؛ دعتك الكرة ودعاك الله، فلمن استجبت؟

    إن كنت قمت إلى الله فأنت تحب الله، وإن كنت قعدت وأنت تعلم أن الله يدعوك في المسجد ولم تخرج لتصلي حتى لا تفوتك المباراة، أو الشوط، أو الهدف، الله يقول: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة:165]، لكن هؤلاء يحبونهم أعظم من حب الله، والله قال: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:165].

    بل إن واحداً من الناس يقول: إنه جلس يصلي في البيت وما ذهب إلى المسجد؛ لأنه خاف أن تفوته المبارة، وبينما هو يصلي والمباراة في التلفاز كان يتلفت فلا يريد أن يفوته شيء، وأخيراً دخل هدف للفريق الذي كان يشجعه، فصاح الجمهور معبراً أنه دخل (جول).

    انظروا إلى هذا النصر، إن لم تدخل الكرة فهزيمة، وإن دخلت فهو النصر، فهل هذا هو النصر؟!

    هذا نصر الأطفال، هل نصر الأمة في هذه المفاهيم الصبيانية؟ إن دخلت الكرة إلى المرمى فما شاء الله! وإن لم تدخل فيحزن لذلك حزناً شديداً، وبعضهم لا يتعشى تلك الليلة ولا يرقد، لماذا؟ لأن الكرة لم تدخل المرمى، ويقول: ليتها دخلت، الله المستعان! إنا لله وإنا إليه راجعون!

    فأخص أنواع الصبر -أيها الإخوة- صبرك على طاعة الله، تخرج الزكاة وأنت تصبر؛ لأنك تحب المال، وترى الناس أهل الأموال يضعون أموالهم في البنوك ويتقاضون عليها فوائد وأرباحاً، وأنت لا يمكنك أن تأخذ ريالاً حراماً فتصبر، وتحج وتصبر، وتبر والدتك وتصبر، فهذا صبر على طاعة الله.

    الصبر الثاني: وهو مهم جداً، ألا وهو صبرك عن معصية الله، فحين ترى الناس يغنون وفي قلبك شوق إلى الغناء، فلا يمنعك إلا أنك تخاف الله، فتحتاج إلى قناطير وأطنان من الصبر حتى تحجزك عن معصية الله، وحين تسير في الشارع فترى المرأة المتبرجة، والشباب يتابعونها وأنت عندك مثل ما عند الشباب الذين يتابعونها، لكنك عندك نور من الله، وخوف ومراقبة لله تعالى؛ فتغض بصرك خوفاً من الله، فهل تستطيع أن تمارس هذا بغير الصبر؟ فهذا هو معنى الصبر، صبرت عن النظر إلى الحرام، وعن أن تسمع الأغاني الحرام، وعن أن تغتاب. وإن أحداً استثارك وسبك وشتمك وفي إمكانك أن تكيل له الصاع صاعين، وأن ترد عليه بأكثر مما قال، لكنك قلت: خوفي من الله يمنعني من هذا، لا تثريب عليكم اليوم. فهذا هو الصبر.

    يقول الشافعي وقد عوتب في رجل، دخل عليه وسبه في مجلس العلم وأقذع في سبه، فما رد عليه بكلمة واحدة رحمه الله -فهو يمثل العلم- ولما خرج الذي سبه، قيل له: يا إمام! ألا دافعت عن نفسك؟ كيف لا ترد على الأقل دفاعاً عن نفسك؟ فرد عليهم بأبيات من الشعر قائلاً:

    قالوا سكت وقد عوتبت قلت لهم     إن الجواب لباب الشر مفتاح

    والصمت عن جاهل أو أحمق شـرفٌ     وفيه أيضاً لصون العرض إصلاح

    أما ترى الأسد تخشى وهي صامتة     والكلب يُخسأ لعمري وهو نباح

    يقول أما الكلام فأنا أقدر عليه، ولكن لا أريد أن أنزل إلى مستوى خصمي، ولهذا يقول رب العالمين إن أهل الإيمان يقولون: سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص:55] ويقول: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ [الفرقان:72] يعني: لا يحضرون مجالس الفجور ولا الزور: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً [الفرقان:72] فمن يحملهم على هذه الأخلاق؟ إنه الصبر، فالصبر عندهم قيم ومبادئ ومفاهيم وعقائد.

    بعض الناس حين يستثار يقول: يا شيخ! ما استطعت أن أصبر، إذن فمتى تكون صابراً؟ أفي الحالات الطبيعية؟ أصلاً لا يبرز دورك في الصبر وضبط النفس إلا عند الاستثارة، أما في الحالة الطبيعية فكلنا صابرون، وحين يكون مزاجنا هادئاً فكلنا حلماء، وعلماء، وكرماء. لكن متى يبرز الحليم؟ عندما يستثار المرء، فيحجم عن الرد فهذا هو الصابر، يقول عليه الصلاة والسلام: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى)، لما مرَّ على امرأة تبكي على ولد لها مات، قال لها: (اصبري واحتسبيه عند الله، قالت: إليك عني -ما عرفت أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم- إنه ولدي وليس ولدك -وهي تبكي بحرارة- فتركها وذهب، فجاء الناس إليها وقالوا: هذا رسول الله -كيف تكلمينه هكذا- فلحقته وقالت: يا رسول الله! ما عرفت أنك أنت، فقال لها: إنما الصبر عند الصدمة الأولى).

    فالصبر مع أول الصدمة، أما بعدها فستصبرين رغماً عنك.

    لكن متى يكون الصبر؟ عندما يصاب الإنسان في أول الأمر، فهنا الصبر عظيم ومفاهيمه كثيرة.

    1.   

    الإيمان بالقضاء والقدر

    ننتقل الآن إلى مجمل ما سبق أن ذكرناه في الإيمان بالقضاء والقدر على سبيل الاختصار، وهو أن من أركان الإيمان الهامة ومن أسسه ومبانيه: أن المؤمن يؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى، وهو تقدير الله للكائنات حسب ما سبق به علمه تبارك وتعالى.

    مراتب الإيمان بالقدر

    مراتب الإيمان بالقدر أربع مرات:

    المرتبة الأولى: العلم.

    فنؤمن بأن الله تعالى بكل شيءٍ عليم، علم ما كان وما سيكون، وكيف يكون بعلمه الأزلي الأبدي، فلا يتجدد له علم بعد جهل، ولا يلحقه نسيان بعد علم.

    المرتبة الثانية: الكتابة.

    فنؤمن أنَّ الله كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة قال تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج:70].

    ونؤمن أيضاً بالمرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقضاء والقدر وهي: المشيئة، فنؤمن أن الله تعالى قد شاء كل ما في السماوات وما في الأرض، إذ لا يكون شيءٌ إلا بمشيئته، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

    وتنقسم المشيئة إلى قسمين: مشيئة كونية قدرية، ومشيئة دينية شرعية، فالكونية القدرية تشمل كل شيء، والدينية الشرعية تشمل استجابة المكلفين بما أمر الله به، وأحبه.

    المرتبة الرابعة وهي: مرتبة الخلق.

    فنؤمن أن الله تعالى: خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الزمر:62-63].

    الأدلة على أن للعبد قصد وإرادة

    هنا بيت القصيد، وأرجو التركيز عليه، مع كل ما سبق نؤمن بأن الله تعالى جعل للعبد اختياراً وقدرةً يفعل ما يختاره، والأدلة على أن فعل العبد باختياره وقدرته كثيرة منها:

    الدليل الأول: قوله تعالى: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223] أي: كيفما أردتم، ولكن في موطن الحرث: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223] يعني: يجوز للرجل أن يباشر زوجته كيفما يريد، ولكن في موطن الحرث، في القبل، أما إن باشر في الدبر فقد وقع في لعنة الله، وقوله عز وجل: وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً [التوبة:46] فأثبت للعبد إتياناً بمشيئةٍ وإعداداً بإرادة.

    الدليل الثاني: من الأمور التي نستدل بها على أن للعبد إرادة ومشيئة أنه موجهٌ إليه أمرٌ ونهي من الله عز وجل، ولو لم يكن له اختيار وقدرة لكان توجيه ذلك من التكليف بما لا يطاق، وهو أمر تأباه حكمة الله عز وجل، ورحمته، وخبره الصادق إذ قال: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] فما دام أن العبد مأمور ومنهي، فهذا يقتضي أن يكون عنده قدرة على أن يأتي بالمأمور به وأن يترك المنهي عنه، ولو لم يكن له قدرة على أن يأتي بالمأمور به ويترك المنهي عنه لكان الأمر والنهي في حقه تكليفاً، والله قد قدّر التكاليف.

    الدليل الثالث: مدح الله المحسن على إحسانه، وذم المسيء على إساءته، وأثابه بما يستحق، ولولا أن الفعل يقع بإرادة العبد واختياره لكان مدح المحسن عبثاً، فكيف تمدحه على شيء لم يعمله باختيار وإرادة؛ ولكانت عقوبة المسيء ظلم، والله منزه عن العبث والظلم.

    الآن لو جاءت الشرطة والمرور وأقفلت الشارع في مكان معين -فالشارع فيه اتجاه للذهاب واتجاه للإياب- فإن جاءت الشرطة، وقالوا: يمنع السير إلا في اتجاه واحد، والاتجاه الآخر مغلق، فسيضطر السائقون إلى السير في اتجاه واحد؛ لأن الأمر بيد المرور، لكن إذا جاءت الشرطة ومنعوا السيارات من العبور وقالوا: إن هذا يخالف قوانين السير، ومن يفعل ذلك يعاقب، فسيقول السائقون: إن المرور هو الذي أجبرنا على ذلك، فكيف نعاقب! ولو صدر هذا الأمر من مدير المرور فماذا يسميه الناس؟ يقولون: إن مدير المرور مجنون، ثم يأتي كبار المسئولين يقولون لمدير المرور: كيف تكلف الناس بأمر وتجبرهم عليه ثم تجازيهم؟ فهذا لا يليق بالإنسان، فكيف يليق بالله أن يخلق الإنسان مجبولاً على المعاصي ويجازيه ويدخله النار؟!

    فمدح الله للمحسنين وذمه للمسيئين يدل على أن الفعل يقع باختيارهم وإرادتهم.

    الدليل الرابع: أن الله تعالى أرسل الرسل: مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165] فلم تعد هناك حجة على الله، ولولا أن فعل العبد يقع بإرادته واختياره لما بطلت الحجة في إرسال الرسل؛ لأنك لو أرسلت رسولاً والإنسان ليس له اختيار، فبماذا ينفع الرسول وهذا العبد ليس له اختيار؟ فلا تقوم الحجة ولا تبطل المعذرة إلا بالاختيار من جانب العبد.

    الدليل الخامس: إننا نحن المكلفون العقلاء نشعر أننا قادرون على أن نفعل الشيء أو أن نتركه بغير إكراه من أحد. فالآن حين أذن المؤذن وكنتم في بيوتكم فخرجتم تصلون، فهل أخرجكم أحد رغماً عنكم لتصلوا؟ لا. وإنما خرجتم باختياركم. وهل كل من في المنطقة يصلون في المسجد؟ لا، فلو فتشنا البيوت لوجدنا مثل هذا العدد مرتين، فهل جلس أولئك باختيارهم وصليتم أنتم باختياركم؟ هل أجلسهم أحد في البيوت بالقوة كي لا يصلوا؟ وهل ساقكم أحد بالعصا إلى المسجد لتصلوا؟ لا. ففعلكم للصلاة باختياركم، وفعلهم لترك الصلاة باختيارهم. كما أن الإنسان يقوم ويقعد، وينام ويرقد، ويدخل ويخرج، ويسافر ويقيم بمحض إرادته، ولا يشعر بأن أحداً أكرهه، بل يفرق تفريقاً واقعياً بين أن يفعل الشيء باختياره وبين أن يكره على فعله. كذلك الدين فرق بين أن يفعل الإنسان شيئاً باختياره أو بين أن يفعل شيئاً مكرهاً عليه، فإذا أكره على شيء من أعمال السوء حتى ولو كان كفراً لم يكفر، ولهذا يقول الله: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106] وقد نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر رضي الله عنه عندما أمسكه كفار قريش، وقالوا: (لا نتركك حتى تسب محمداً صلى الله عليه وسلم -وهو يعرف أن سب الرسول كفر- فسب الرسول صلى الله عليه وسلم فتركوه، فجاء إلى الرسول وهو خائف -الإيمان في قلبه ولكنهم أرغموه على شيء لا يعتقده- فقال: يا رسول الله! والله ما تركوني حتى نلت منك، قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان، قال: فإن عادوا فعد) قال: إذا أمسكوك ثانية وقالوا: عد لما فعلت، فعد. فالمهم ما سكن في القلب.

    فانظروا إلى سماحة الدين، إذا عملت الكفر وأنت مكره عليه فليس عليك شيء، لماذا؟ لأنه ما كان لك اختيار في هذا، لكن إذا كنت تملك الاختيار وتعمل الكفر، فإنك قد عملته دون إكراه واضطرار، فتجازى على ذلك.

    دحض شبهة الاحتجاج بالقدر على المعصية

    نرى أنه لا حجة للعاصي حين يعصي بقدرة الله عز وجل، كما يفعل بعض الزناة أو العصاة، فيقول: أنا أعصي لأن الله قدر عليَّ. فالعاصي يقدم على المعصية باختياره من غير أن يعلم أن الله قدرها عليه، فلا يعلم أحد قدر الله إلا بعد وقوعه، فكيف يصح الاحتجاج بحجة لا يعلمها المحتج.

    فالذي يعصي ويزني هل عرف واطلع على الغيب، ونظر في اللوح المحفوظ، وعرف أن الله قدر عليه هذه المعصية فعملها؟ لا. وقد رد الله عز وجل على من قال هذا الكلام وسماه مشركاً في سورة الأنعام، يقول الله عز وجل: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا [الأنعام:148] سماهم الله مشركين، ولهذا أنا أحذر كل مسلم أن يخطر في باله أو يدور على لسانه مثل هذه الكلمة، فيعمل شيئاً من المعاصي ويقول: قدر الله عليَّ، مثل شارب الخمر الذي جيء به إلى عمر فقال له: [لماذا تشرب الخمر؟ قال: قدر الله عليَّ، قال: اجلدوه ثمانين سوطاً، فلما جلدوه قال: وأنا قدر الله عليَّ أن أجلدك ثمانين سوطاً].

    يقول أحدهم: إنه كان في الشام ، فوقع في الزنا، فلقيه زميله، فقال له: لماذا تزني؟ قال: مقدر علي أن أزني، فهل ترد قضاء الله وقدره، فإذا بصاحبه يصفعه، فقال له متسائلاً: لم صفعتني؟ قال: قدر الله عليَّ أن أصفعك. قال: وإذا بالرجل انتبه، قال: كيف ترضى بقضاء الله وقدره في الزنا ولا ترضى بقضاء الله وقدره في الصفعة؟ فأنت زنيت باختيارك وأنا صفعتك باختياري.

    فالعاصي يقول كما يحكي الله عنه: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:148] أي: هذا كلام الكفار السابقين، يقولون: لو شاء الله ما فعلنا، وما زنينا، وما أشركنا، فسماهم الله مشركين، ثم قال الله عز وجل: كَذَلِكَ [الأنعام:148] يعني: هذه المقالة وهذا الزعم: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنعام:148] أي: أجدادهم القدريون المحتجون بالقدر: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا [الأنعام:148] يعني: عذابنا في النار قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام:148] أي: هل اطلعتم على اللوح المحفوظ ورأيتم القضاء والقدر، وما كتب لكم فعملتموه بناءً على رؤيتكم: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ [الأنعام:148-149] أي: الحجة البالغة الدامغة لله على خلقه حيث أعطاهم القدرة على الاختيار، وأمرهم بالطاعة ونهاهم عن المعصية، وأنزل عليهم الكتب، وأرسل إليهم الرسل، وفطرهم على الدين، وأبان لهم الطريق مثل الشمس في رابعة النهار: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ [الأنعام:149] أي: لو شاء لسلبكم الإرادة والاختيار، ولجعلكم مسيرين في أداء العبادة، ولكن الله كرمكم وشرفكم فأعطاكم القدرة ولم يسلبكم الإرادة، فاستعملتم هذه القدرة وهذا التكريم في معصية الله عز وجل: فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام:149] * قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:150] ثم قال الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه، قل يا محمد: تعالوا أبين لكم وظيفتكم وعملكم ورسالتكم، أما غير ذلك فليس أمره إليكم، بل أمره إلى الله: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:151]، ثم ذكر هذه الوصايا العشر.

    فهنا لا حجة للعاصي، فكيف يصح الاحتجاج بحجةٍ لا يعلمها؟ ونقول للعاصي المحتج بالقدر: لماذا لم تقدم على الطاعة مقدراً أن الله كتبها لك؟ لأن المعصية والطاعة في الجهل بتقديرها سواء.

    فأنت لا تدري أكتب الله عليك خيراً أم شراً، فلماذا افترضت أن الله كتب عليك الشر؟ لماذا لم تقدر أن الله كتب عليك الخير، وصرت مصلياً وطائعاً وباراً ومجاهداً؟ لماذا احتملت الاحتمال الأسوأ وقلت: إن الله قد قدر ذلك عليَّ؟ ما فعلت ذلك إلا لانهزامك أمام شهواتك، ولأنك عبدٌ لشهواتك ونزواتك.

    ولهذا لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن كل واحد قد كتب مقعده من الجنة أو النار، قالوا: (أفلا نتكل؟ -قالوا: إذاً نتكل ما دام أنها محددة مسبقاً- قال: لا. اعملوا -هذه وظيفتكم- فكل ميسر لما خلق له).

    ونقول للعاصي المحتج بالقدر: لو كنت تريد السفر إلى مكة ، وقال لك أحدهم: هناك طريقان: طريق سهل موصل، وطريق صعب ينطوي على مخاطر؛ فإنك دون شك ستسلك الطريق السهل، ولن تسلك الآخر، وتقول: إنه مقدر عليَّ. وكذلك لو عرض عليك وظيفتان: إحداها ذات مرتب كبير، فإنك سوف تعمل فيها، ولن تختار ذات المرتب القليل. فكيف تختار لنفسك في عمل الآخرة ما هو أدنى وتترك ما هو أفضل؟!

    ونقول: إذا أصبت بمرض جسمي؛ فإنك بعقلك تطرق أبواب الأطباء، وتصبر على ما ينالك من آلام الجراحة والعمليات والدواء، فلماذا لا تفعل ذلك في مرض قلبك بالمعاصي؟

    هذه أدلة على أن العبد يملك اختياراً وإرادة، وعلى أساسها كلفه الله، وعلى أساس التكليف توعده الله بالنار إن عصى، ووعده بالجنة إن أطاع.

    نقف عند هذا القدر، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يزيدنا وإياكم إيماناً ويقيناً.

    وطلب بعض الإخوة أن يغير موعد هذا الدرس إلى وسط الأسبوع، وقالوا: إن معظم الطلاب في الجامعات يذهبون إلى أهاليهم في جيزان ، والباحة ، ونجران ، وظهران الجنوب؛ يومي الخميس والجمعة ويجدون صعوبة في الاستمرار طوال الأسبوع، ولكن حين يكون الدرس خلال الأسبوع فهو أفضل.

    ولذا إن شاء الله سيكون الدرس في الأسبوع القادم بعد أذان المغرب من يوم الإثنين، بدلاً من يوم الخميس.

    نسأل الله التوفيق لنا ولكم، والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.