إسلام ويب

التاريخ يعيد نفسهللشيخ : سيد حسين العفاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن لله في كونه سنناً ماضية من سلكها وأحسن التعامل معها وفق شرع الله وصل إلى غايته ومقصوده، ومن تنكب لها ولم يعتبر بها صادمته وأفرغت جهده سدى، وقد سار على هذه السنن سلف هذه الأمة، فحققوا لهذه الأمة المجد والسؤدد، والتاريخ خير شاهد على ذلك.

    1.   

    بطولات إسلامية

    إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134].

    ثم أما بعد:

    عن أبي عنبة الخولاني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم القيامة).

    ويأبى الغرس إلا طبيعته، والذي يريد للغرس أن يثمر غير ثماره فهو كالأحمق الذي يقول لشجر التفاح: لا تثمر إلا الحنظل، فنقول: (إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد للأمة أمر دينها).

    اتفق المؤرخون على أن المجددين للإسلام في القرن السادس الهجري هما البطلان نور الدين محمود زنكي وتلميذه صلاح الدين الأيوبي .

    وعلى مدار التاريخ الإسلامي كان هناك غرس طيب وقفوا أمام المد الصليبي، بداية من ليث الإسلام وسيف الله خالد بن الوليد ، إذ كان أول من خاض المعارك ضد الصليبيين، فمعركة الفراض اجتمعت فيها جيوش الكفر، ولأول مرة في التاريخ يجتمع الفرس والروم ونصارى العرب الموتورون في معركة واحدة ضد سيدنا خالد بن الوليد ، فقد جمعوا له بعدما استولى وفتح العراق في أربعين يوماً فقط، وكانت آخر معركة تسمى معركة الفراض، وكان عددهم 150000 فارس، عبروا إلى خالد بن الوليد الفرات، فقتل منهم خالد 100000 مقاتل وطارد الفلول فكانت أكبر نكبة وقعت بالفرس وبالروم في آن واحد..

    يا شام أين هما عينا معاوية وأين من زاحموا بالمنكب الشهبا

    فقبر خالد في حمص نلامسه فيرجف القبر من زواره غضبا

    يا رب حي تراب القبر مسكنه ورب ميت على أقدامه انتصبا

    يا ابن الوليد ألا سيف تؤجره فكل أسيافنا قد أصبحت خشبا

    سقوا فلسطين أحلاماً ملونة وأطعموها سخيف القول والخطبا

    وطالعوا كتب التاريخ واقتنعوا متى البنادق كانت تسكن الكتبا

    يا من يعاتب مذبوحاً على دمه ونزف شريانه ما أسهل العتبا

    من جرب الكي لا ينسى مواجعه ومن رأى السم لا يشقى كمن شربا

    من سنن الله الجزاء من جنس العمل

    إن لله سنناً يغفل عنها الناس، وهي تبين أن الجزاء عند الله عز وجل من جنس العمل، وأن الظالم يظلم، وأنه وإن طال ظلمه فسينتقم الله عز وجل منه يوماً من الأيام، لكن الناس غافلون عن حكمة الله عز وجل الكونية القدرية.

    كان لسيف الإسلام خالد بن الوليد مع الصليبيين عدة مواقع، منها يوم الموقعة التي حدثت في 15 رجب في 14هـ، وفتح الله على يديه فيها دمشق، وقد اشتركت في هذه المعركة أربعة جيوش إسلامية جيش بقيادة فارس الإسلام أبي عبيدة بن الجراح ، وجيش بقيادة شرحبيل بن حسنة وجيش بقيادة عمرو بن العاص والجيش الرابع بقيادة خالد بن الوليد ، وقد ظل الجيش الإسلامي محاصراً لمدينة دمشق أربعة أشهر، ولما طال المدى بـخالد بن الوليد وهو الذي وصف حينها بأنه كان لا ينام ولا ينيم، والذي قال فيه الخليفة أبو بكر الصديق : والله لأذهبن وساوس الروم بسيف خالد ، ولما ضاق ذرعاً من طول مدة الحصار، أوصلت إليه عيونه اليقظة التي لا تنام: أن كبير الروم بدمشق قد ولد له مولود، وأنه سيسقي حامية السور الخمر يوم الأحد، فأعد سيف الإسلام خالد حبالاً مفتولة من الليف، وجعل في نهاية الحبال خطاطيف.

    وأعد قرباً منفوخة بالهواء، وكان الروم قد حفروا خندقاً عظيماً حول السور وملؤه بالماء، ثم دعى مذعور بن عدي العجلي، والقعقاع بن عمرو ومن معهم فجعلوا يرسلون الحبال على أعالي الأسوار حتى علق منها حبلان، فصعد مذعور بن عدي العجلي والقعقاع بن عمرو التميمي ومعهما بقية الحبال، فوثقوها في أعلى الأسوار، ثم قال خالد لمن معه: إذا سمعتم تكبيرنا من فوق الأسوار فانهدوا إلينا، ثم نزل خالد ومن معه من أعلى الأسوار وسط تكبيرهم، ثم قتلوا حارس الباب، ثم ضربوا الباب ففتحوه، وظل سيف الإسلام خالد الليل بأكمله يحصد من أمامه حصداً، حتى سارع جند الروم وقالوا: افتحوا الباب لـأبي عبيدة لئلا يفنينا خالد، فالتقى جيش خالد بجيش أبي عبيدة عند سوق الزياتين بدمشق.

    أما المعركة الثانية التي خاضها سيف الإسلام خالد بن الوليد ضد الروم فهي معركة اليرموك، وقد أنهت الوجود الصليبي في بلاد الشام، وكانت بين قيصر وقائد جنده ماهان ، وهو أقوى فارس في إمبراطورية الروم، وبين جيش الصحابة وفيه مائة بدري على رأسهم معاذ بن جبل أعلم الأمة بالحلال والحرام، فقد كان قائد الميمنة، وفي القلب وعلى الفرسان سيف الله خالد بن الوليد ، وهو البطل الذي أمر نفسه في هذه المعركة الفاصلة، وأبو عبيدة أمين هذه الأمة والقائد الأعلى للقوات، وقيس بن مكشوح المرادي ، وسعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة وغيرهم من صناديد المسلمين.

    وكان سيدنا أبو هريرة ينادي: أتفرون عن الجنة، وأبو سفيان بن حرب يقول: يا نصر الله اقترب، يا نصر الله اقترب، وكانت المعركة الفاصلة التي أنهت وجود الروم في بلاد الشام، فقد بلغ عدد الذين قتلوا من الروم مائة وعشرين ألفاً، ثمانون ألفاً منهم قتلوا مقترنين بالسلاسل، وكانوا قد ربطوا أنفسهم بها، وأربعون فروا فقتلوا في منحدر جبلي تتبعهم المسلمون حتى سقطوا، وقتل صناديد الروم ورؤساءهم، وقتل أخ لـهرقل ، وانتهت قصة الروم في أرض الشام.

    أتوا وهم يرون أنهم لا غالب لهم من الناس، ففي بداية المعركة يجئ هرقل وينادي خالداً: عودوا نوصي لكل رجل منكم بعشرة دنانير، ونوصل إلى أميركم بالمدينة عشرين ديناراً، ونوصي لكل رجل منكم حمل بعير من التمر والبر والشعير، وكسوة الصيف، وكسوة الشتاء، نحن نعرف أنه ما أخرجكم من بلادكم إلا الجوع والجهد، فعودوا، فأجابه سيف الإسلام خالد بعزة المسلم: والله إنا قوم نحب شرب الدماء، وقد بلغنا أن دماء الروم من أحلى الدماء مذاقاً، فلا نعود إلا بشرب دمائكم.

    وكان المغيرة بن شعبة قد قال للرسل قبل مثل كلام خالد إذ قال: والله إن حبة بأرضكم تسمونها الحنطة منذ أطعمناها لأولادنا وهم يصيحون بنا: لا تأتون إلا بها، فلا نعود إلا بهذه الحبة من الحنطة. إنها عزة المسلم المقبل على الله عز وجل ولا يتمنى إلا الشهادة في سبيله.

    ولما فر الروم من خالد بن الوليد وجيشه ولما اختبئوا في الحصون قال لهم: والله لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا حتى نقاتلكم.

    نحن في هذه الأيام بحاجة إلى قلامة ظفر من سيدنا خالد .. إلى شسع نعله.. إلى حافر فرسه.. هل يقدر لظهور الخيل التي ركبها أبو سليمان أن يمتطيها بطل غيره، فيعيد للإسلام عزته، ويعيد للمسلمين مكانتهم؟!

    فانظر إلى واقع المسلمين وإلى التاريخ حتى لا تصاب باليأس، وفي التاريخ أكبر العظة، فهذا مسلمة بن عبد الملك يسمى الجرادة من كثرة ما قتل من جيوش الروم، وكان أولى بالخلافة من إخوته جميعاً كما قال الإمام الذهبي ، وهو أول قائد من قواد المسلمين يغزو بلاد الروم في عقر دارهم، وكان معه بطل من أبطال المسلمين يسمى عبد الله البطال ، يذكر أن المرأة من بلاد الروم كانت إذا أرادت أن تخيف ابنها تقول: نم وإلا أقول: خذه يا بطال !

    وقد سئل مرة: ما أغرب ما رأيت؟ قال: بينما أنا أمشي في بلاد الروم وإذا بي أمر تحت نافذة أحد البيوت، وإذا بامرأة تقول لطفلها وقد استعصى عليها تريد أن تنيمه: اسكت وإلا أقول: خذه يا بطال ، ثم أخرجته بيدها من النافذة فتلقفته منها، وهذا يبين مدى تأثير صناديد المسلمين في الروم وهم سادة الدنيا في ذلك الوقت.

    هارون الرشيد وصده للمد الصليبي

    يذكر التاريخ أيضاً أن هناك قواد وأمراء وقفوا أمام المد الصليبي سواء من الغرب أم من الشرق، منهم هارون الرشيد ، الخليفة البكاء المفترى عليه، الذي كان يغزو عاماً ويحج عاماً، وقد فدى أسرى المسلمين مرتين: المرة الأولى كانت عام 181هـ فدى فيها من أسرى المسلمين 3700 أسير، والمرة الثانية كانت سنة 192هـ فدى فيها من المسلمين 1500 أسير، ولم يبق في ديار الروم أسير واحد من المسلمين، والخليفة هارون الرشيد هو الذي فتح حصن الصفافي عنوة سنة 181هـ، ومما يذكر في التاريخ أن نقفور ملك الروم أرسل إليه خطاباً قال فيه: من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، أما بعد:

    فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ -والرخ طائر كبير يرتفع في السماء- وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها -أي من أموال الروم- ما كنت حقيقاً بحمل أمثالها إليها، ولكن ذاك ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها، وافتد نفسك وإلا فالسيف بيننا وبينك.

    فلما قرأ هارون الرشيد الكتاب استفزه الغضب حتى لم يمكن لأحد أن ينظر إليه ويخاطبه، واستعجم الرأي على الوزير ماذا يكتب، فدعا الرشيد بدواة وكتب على ظهر كتاب ملك الروم: من هارون ملك العرب، إلى نقفور كلب الروم.. أما بعد:

    يا ابن الكافرة! فالجواب ما ترى دون ما تسمع، ثم انطلق بجيش ضخم وأدب ملك الروم وألزمه الجزية.

    هكذا كان هارون الرشيد الخليفة المفترى عليه، فأين القائلون أنه صاحب ألف ليلة وليلة، وأن هارون كان يتعاطى الخمر، والحق أن هارون ما كان يشرب إلا نبيذ التمر؛ لأن مفتيه كان حنفي المذهب وهو أبو يوسف القاضي، وكان يبيح نبيذ التمر، وقد عرف عنه أنه كان بكاء، وذكر أن مجموع ما كان يصليه هارون الرشيد في اليوم والليلة مائة ركعة.

    جهود بعض قادة المسلمين في الحد من الزحف الصليبي

    ويأتي بعد ذلك فاتح عمورية الخليفة المعتصم .

    أما سمعت بأرض الروم مسلمة تشكوا لمعتصم ظلم المغيرينا

    فتسبق الخيل أصوات استغاثتها وتملأ الكون صيحات الملبينا

    وتصرخ اليوم آلاف مؤلفة فهل سمعت سوى أحزان باكينا

    ونحن نسمع أصوات استغاثتها وليس نسمعها إلا أغانينا

    خضر مرابعنا بيض صنائعنا سود وقائعنا حمر مواضينا

    ويذبح الطهر طهر البكر في دمه ونحن نسبح في أحلام ماضينا

    يذكر التاريخ: أن امرأة اعتدى عليها رجل من الروم فقالت: وامعتصماه، فلما وصله خبر استغاثتها، وكان قد دعا بشراب ليشربه، فوالله ما شرب منه شيئاً، وقال للساقي: أبقه حتى أعود من غزو الروم، ثم قال: أي مدنهم أمنع، قالوا: عمورية، فانطلق على رأس الجيش إلى عمورية، وكان النصر والفتح بإذن الله. فقد وجه المسلمون للروم صفعات عظيمة لا تنسى على مدار التاريخ.

    ومن المعارك المشهورة في تاريخ الإسلام معركة ملاذكرد، وهي معركة عظيمة نصر الله عز وجل فيها المسلمين، وكانت بين السلطان ألب أرسلان وقسطنطين الرابع امبراطور الروم سنة 643هـ، وكان عدد المسلمين في هذه المعركة لا يزيد عن 15000 مقاتل، وعدد الروم 200000 فارس، ومعهم من الرجالة 35000 مقاتل، ومن الغزاة الذين يسكنون القسطنطينية 15000، ومعهم 100000 نقاب وحفار، و400 عجلة تحمل النعال والمسامير، حتى إن ألب أرسلان عرض الهدنة وعرض المال؛ لأنه خاف أن تستأصل شأفة المسلمين عن آخرهم، وأن يباد الجيش المسلم عن آخره، فقد وصل مجموع جيش الروم إلى عدد مهول ومجموع المسلمين لا يزيد عن 15000 مقاتل.

    واقترب موعد اللقاء فصلى السلطان بالناس، ودعا وأمنوا، وبكى السلطان، وعفر وجهه في التراب، ثم خطب فقال: يا معشر الجند من شاء منكم أن ينصرف فلينصرف، فما هاهنا سلطان، وعقد ذنب حصانه بيده، ولبس البياض وتحنط، فأسرع الجيش وتحنط ولبس كل رجل كفناً، فكان يسمى هذا الجيش في التاريخ بجيش الأكفان، وكانت المفاجأة والنصر والتأييد، فقد دارت الدائرة على امبراطور الروم وهزم وقتل أصحابه وأعوانه، ونودي في آخر النهار: من يشتري أمبراطور الروم قسطنطين الرابع ؟ فنادى أحد الجند من أقصى الجيش وقال: لا أشتري الكلب إلا بكلب.

    ولا عجب فقد أخبرنا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (لتغزون عصابة من أمتي البيت الأبيض)، وهو بيت كسرى .

    ومن الأمثلة على مدار التاريخ الإسلامي: أمير المؤمنين محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام ، صاحب موقعة قريش، كان من ملوك المسلمين بالأندلس، فجمع له النصارى في الأندلس ما جمعوا، حتى ضاق بخيل العدو الفضاء الواسع، فدخل الشك في نفوس الأمراء، وظنوا ألا نجاة من الكفار، فصاح رجل المسلمين بقول الله تبارك وتعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا [آل عمران:173]، ثم جاء إلى الأمير فقال له: يا أمير المؤمنين! والله ما حذرت نفسي، إنه لا رأي لمن لا يطاع، ولست أستطيع أن أجاهد وحدي، فقال له الأمير: وأنا معك، والله ما قذف بهذه الكلمة على لسانك إلا ملك، ثم كان النصر في نهاية اليوم، بعد أن تحالف كل ملوك أوروبا: ملك قشتالة، وملك البشكنش، وملك فرنسا كلهم يريد قتال محمد بن عبد الرحمن ، فانتصر عليهم في معركة سليط.

    ومن النماذج في التاريخ الإسلامي أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر مؤدب ملكي ليون ونافار في غزوة موبش، إذ اعتصم في حصن موبش 100000 مقاتل، فرمى الملك الناصر الحصن بالمنجنيق، وأخرج مقاتلي الصليبين من صياصيهم، فقدموا إلى الناصر فقتلهم وأبادهم جميعاً، وغنم المسلمون ما في الحصن.

    وممن يذكره التاريخ الإسلامي قائداً عظيماً من قواد المسلمين، وأميراً من أمرائهم، وهو الملك العظيم الحاجب المنصور ، ومن أعاجيب هذا الملك أن أغلب جنوده كانوا ممن وقعوا في السبي فأسلموا، ولم يتفق هذا لغيره من الأمراء، ولا لغيره من الملوك، ولم تهزم له راية قط، وكانت له غزوات في الصيف، وأخرى في الشتاء، وبلغ مجموع غزواته ضد الصليبين في أسبانيا وغيرها 50 غزوة.

    ومما يؤثر عنه أنه كان يجمع غبار المعارك فتوضع معه كحنوط، أو لتصنع منها لبنات توضع في قبره، وكان مرة من المرات يمر بين جبلين -وقد كان يفعل الأفاعيل بجيوش الصليبيين- فاجتمعوا خلفه يريدون حصاره وجيشه، فما كان منه إلا أن نصب البيوت في بلاد الأسبان، ثم قال: نحن لا نكاد نصل إلى بلادنا إلا وقد جاء وقت الغزوة الأخرى، ولذا فسنقيم هاهنا إلى وقت الغزوة الأخرى، فإذا غزونا عدنا.

    ثم ظل يقاتلهم حتى يئسوا منه، فما زال الفرنجة يسألونه أن يرحل إلى أن ألزمهم أن يحملوا على دوابهم الغنائم والسبي، وأن يمدوه بالطعام والمال ما يزوده في طريق عودته إلى أن يصل إلى بلاد المسلمين، وأن يحملوا وينحوا دية القتلى بأنفسهم. وهو بذلك يجسد عزة الرجل المسلم.

    ومن النماذج في التاريخ الإسلامي القائد المسلم الملقب بـالمنصور ، فقد وصل إلى أقصى مدن الصليبيين، إذ ظل يسير قرابة أربعة أشهر في الجبال الشاهقة، وغزا مدينة تسمى شمس ياقب، وقد سميت هذه الغزوة باسم شمس ياقب، وكانت أعظم مدن النصارى بعد بيت المقدس، وكان غزوه لها سنة 387 هـ ووصل إلى أقصى مكان من أسبانيا في بلادهم، ومن ذلك الأقوال المأثورة لهذا الملك العظيم: الملك لا ينام إذا نامت الرعية، قال: ولو استوفيت نومي لما كان في دور هذا البلد العظيم عين نائمة، يريد أنه لو نام لاحتلت جيوش الغزاة بلاد المسلمين.

    روى شجاع الملك المستعين بن هود القصة التالية:

    قال: عندما ذهبت لمقابلة ملك النصارى الفونسو وجدته في مدينة تالي، وقد نصب على قبر الحاجب المنصور سريره، وامرأته متكئة إلى جانبه، فقال لي: يا شجاع ! أما تراني قد ملكت بلاد المسلمين، وجلست على قبر ملكهم، فحملتني الغيرة على أن قلت له: لو تنفس صاحب هذا القبر - الحاجب المنصور - ما سمع منك ما يكرهه، قال: فهم أن يبطش بي، فحالت امرأته -الملكة- بيني وبينه وقالت: صدقك والله.

    ومن النماذج في التاريخ الإسلامي أمير المرابطين يوسف بن تاشفين بطل معركة الزلاقة هو والمعتمد بن عباد التي وقعت في مثل هذا الشهر؛ شهر رجب، ففي هذا الشهر دارت رحى أكبر معركة خاضها المسلمون في الأندلس، والصليبيون يسمونها معركة فكر الياس، وقد كانت بين يوسف بن تاشفين بجيشه من البربر من المغرب والمسلمين في أسبانيا، وبين تحالف عباد الصليب وملوكهم: الفونسو السادس ملك قشتالة، وشانشو ملك أرغون، والقنط برنجار وفرسان من ولايات فرنسا الجنوبية، ولعب البابا دوراً عظيماً في الحث على قتال المسلمين، وأرسل الفونسو إلى ملوك النصارى في أوروبا لقتال المسلمين، فأرسل إليه يوسف بن تاشفين رسالة قال فيها: بلغنا أنك دعوت للاجتماع بك، وتمنيت أن يكون لك فلك تعبر بها البحر إلينا، فقد جزناه إليك، وجمع الله في هذه العرصة بيننا وبينك، وسترى عاقبة دعائك، وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [الرعد:14]. وكانت هذه المعركة العظيمة التي انتصر فيها الجيش المسلم، وهرب الفونسو عندما حل الظلام، ولم ينج من جيش الفونسو إلا 400 أو 500 رجل، وكان مجموع من قتل في هذه المعركة 18000 صليبي، وأسر الباقون.

    وفي نهاية المعركة صفت الرءوس على شكل هرم، ثم أمر فأذن للصلاة من عليها، وكانت معركة الزلاقة أو هذه المعركة التي يسمونها فكر الياس.

    ومن المعارك العظيمة التي دارت بين المسلمين وأعداء الله من الصليبين وغيرهم والتي تشبه معركة الزلاقة: معركة الأرك بين أمير المؤمنين يعقوب بن يوسف وبين الملك الفونسو الثامن ملك قشتالة قائد جيوش الصليبيين، فقد أرسل الفونسو الثامن برسالة إلى الملك المنصور فمزقها وكتب في ظهرها: ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ [النمل:37]، وكانت المعركة العظيمة -معركة الأرك- التي انتصر فيها المسلمون.

    ولا يزال التاريخ الإسلامي يذكرنا بصفحاته البيضاء، في مشارق الأرض وفي مغاربها، ويرينا أبطالاً مسلمين، وحكاماً صناديد أعادوا العزة للمسلمين.

    ففي بلاد الهند كان السلطان فتح علي خان الذي استشهد في قتاله ضد الانجليز، وكان يقول: يوم من حياة الأسد خير من مائة سنة من حياة ابن آوى، أما الذين يرفضون هذه الحياة الكريمة، ويبخلون عن العطاء لدين الله عز وجل فإنهم يدفعون ضريبة الذل أضعاف أضعاف ما يقدمونه في ميدان البذل والعطاء.

    ومن سلاطين الأتراك الذين فعلوا الأفاعيل بدول أوروبا: السلطان مراد الثاني الذي حكم بلاد المسلمين وسنه 18 سنة، فقد تفرغ لقتال ملوك أوروبا، فقد قاتل أحد ملوك أوروبا وانتصر عليه، كما انتصر على أمير الصرب، وكان يدفع له جزية سنوية مقدارها 50000 دوق ذهبي، ولما اجتمعت أوروبا كلها لقتال هذا السلطان العظيم وحاصروا مدينة بارانا انتصر عليهم، وكان ذلك في 28 رجب سنة 848هـ، ومنيت جيوش أوروبا وهي مجتمعة بهزيمة منكرة.

    ومنهم السلطان العثماني سليمان القانوني ، الذي فتح بلغراد في 25 رمضان سنة 927هـ، وحاصر بربع مليون جندي فينا عاصمة النمسا، ودفعوا الجزية له عن يد وهم صاغرون، وقد وصل الجيش المسلم بقيادته إلى الميدان الرئيسي في مدينة فينا عاصمة النمسا، إلا أن الشيعة بخياناتهم والدولة الصفوية اضطروه إلى أن يفك الحصار عن أوروبا، ولولا ذلك لوصل الإسلام إلى كل قرية وإلى كل سقع في أوروبا لا أقول إلى كل مدينة.

    ومنهم: بربروس البطل العظيم الذي أذل ملوك البحرية من بحارة أوروبا، وقد استطاع أن يفك ما يقرب من 70000 أسير مسلم من أسبانيا، وهو من أقام دولة الجزائر، وكان يشغل حينها مدير البحرية في الدولة العثمانية، وكان له الفضل في إعداد الأسطول الجزائري الذي انتصر ثلاث مرات على الأسطول الأسباني، وأنقذ المسلمين في أسبانيا من ذل الأسر، قام بذلك هو وأخوه خير الدين بربروس.

    ومن النماذج في التاريخ الإسلامي ملك المغرب المسمى: مولاي عبد الملك الذي قاد معركة وادي المخازن ضد ملوك أسبانيا سنة 986هـ وهو محمول على سرير مرضه، وقد انتصر على ملوك النصارى في هذه المعركة المسماة بمعركة وادي المخازن، والتي دارت أحداثها على الساحل الجزائري وكان له النصر.

    مهما كبتت الأمة فلا بد أن تستيقظ

    أتت على المسلمين أيام بلغوا فيها من الذل مبلغاً عظيماً، ومن الهوان ما ليس بعده هوان، ففي أيام حكم الفاطميين لمصر -والفاطميين من غلاة الشيعة الإسماعيلية- الذي استمر 208 سنوات أذلوا المصريين أيما إذلال، ومن ملوكهم الذين اشتهروا بذلك المعز لدين الله الفاطمي وكان أول خلفائهم، فقد أرسل جوهر الصقلي لبناء مدينة القاهرة وبناء المسجد الأزهر؛ لنشر الفكر الشيعي، ولسب الصحابة، ثم شاء الله عز وجل له أن يعود إلى أهل السنة على يد البطل السلطان صلاح الدين الأيوبي ، ومن أعمال الفاطميين أنهم لما جاءوا إلى مصر أمسكوا بكبير علماء المصريين وكبير حفاظهم أبو بكر بن النابلسي ، فقال له المعز لدين الله -الخليفة الفاطمي-: بلغنا أيها الرجل أنك تقول: لو كانت عندي عشرة أسهم لجعلت واحداً للرافضة وتسعة لليهود والنصارى، قال: ما هكذا قلت، ولكن قلت: لو كانت عندي عشرة أسهم لجعلت واحداً لليهود والتسعة الباقية للرافضة، فقال له المعز : لماذا؟ فأجابه: لأنكم غيرتم دين الأمة، وأطفأتم نور السنة، وادعيتم ما ليس لكم، فأمر بسلخه حياً، وأمر أن يقوم بسلخه يهودي، فسلخه اليهودي حتى وصل السلخ إلى منطقة القلب فرق له فطعنه بخنجر فقتله. حكى ذلك الحافظ الذهبي في كتابه القيم (سير أعلام النبلاء).

    وقد كان بدر الجمالي أمير الجيوش -وهو والي فلسطين من قبل الفاطميين- فلما جاءت جيوش أوروبا وجيوش النصارى يقودها بطرس الناسك ومعه ملوك أوروبا سقطت في أيديهم الرهى، وهي أول مدينة مسلمة تسقط في أيدي الصليبيين، ثم مدينة أنطاكية، وكانت في أيدي السلاجقة، ولم يكن لديهم أدوات حربية فسقطت الواحدة تلو الأخرى، ثم استمر زحفهم إلى بلاد المسلمين في بلاد الشام حتى وصلوا معرة النعمان فأوسعوا المسلمين قتلاً، والروايات الأوروبية التي تحكي الغزو الصليبي والحملات الصليبية تذكر أنهم قتلوا عدداً كبيراً من المسلمين في معرة النعمان، وقاموا بسلخهم بعد موتهم مباشرة، ثم شيهم وأكلوهم، وهذا ثابت في كل الروايات الأوربية التي تعرضت للحملات الصليبية.

    ثم بعد ذلك واصلوا زحفهم إلى بيت المقدس، وكان بدر الجمالي أمير الجيوش وغيره من قادة الفاطميين، فما شهروا في وجه الصليبيين سيفاً، ولا أرسلوا سهماً، وكل الذي عملوه أنهم سلموا للصليبين القدس، ولما سلموها قتل الصليبيون في هذا اليوم من المسلمين 70000 في بيت المقدس، حتى ما استطاع القائد الصليبي أن يدخل إلى المسجد الأقصى إلا بعد أن غاص بين جثث المسلمين إلى ركبتيه، وجعلوا من المحراب الأكبر مكاناً لخيولهم وخنازيرهم، وعلقوا على قبة الصخرة صليبهم الأعظم، وظلت ديار المسلمين يجول فيها الشيعة الرافضة فما أن يروا قائداً يهب لجهاد الصليبيين إلا وقتلوه، فقتلوا الأمير ممدود الذي كان من أبطال المسلمين الذين قاتلوا الصليبيين في بلاد الشام، قتلوه وهو خارج من المسجد بعدما صلى الجمعة، وقد أرسل ملك الصليبيين إلى كبير المسلمين يقول له معاتباً: إن أمة قتلت عميدها، في يوم عيدها، -يوم الجمعة- في بيت معبودها -في المسجد- حقيق على الله أن يبيدها.

    ثم أذن الله عز وجل أن يعود مجد المسلمين على يد بطل يسمى عماد الدين آق خنقر زنكي بن زنكي ، وهو أبو البطل نور الدين محمود زنكي ، فقد أذاق الفرنجة الويلات، يقول عنه ابن كثير : كان من أحسن الملوك سيرة، وأجودهم سريرة، وهو الذي أعاد الثقة إلى نفوس المسلمين بعد أن دب الوهن في قلوبهم، وفتح مدينة الرهى، أول مدينة سقطت من بلاد المسلمين.

    ثم اغتاله المماليك وهو يحاصر حصون الصليبيين، فتولى الإمارة من بعده ابنه ليث الإسلام نور الدين محمود زنكي، يقول عنه الإمام أبو شامة الشافعي: أطربني ما رأيت من آثاره، وسمعت من أخباره، مع تأخر زمانه، ثم وقفت بعد ذلك على سيرة سيد الملوك من بعده الملك الناصر صلاح الدين، فوجدتهما في المتأخرين كالعمرين -أي: كـأبي بكر وعمر- في المتقدمين، فلله درهما من ملكين تعاقبا على حكم السيرة، وجميل السريرة، والفضل للمتقدم -يريد نور الدين- فإنه أصل ذلك الخير كله للمسلمين -لأن صلاح الدين ما هو إلا عامل من عماله- فهو الذي مهد الأمور بعدله وجهاده وهيبته في جميع بلاده، ولكن صلاح الدين أكثر جهاداً، وأعم بلاداً، صبر وصابر، وسخر الله له من الفتوح أنفسها.

    وكان أول شيء عمله نور الدين محمود زنكي أنه أصلح الجبهة الداخلية، فقمع الرافضة، وأظهر السنة في حلب ودمشق بعدما كان الشيعة متسلطين عليها، ويذكر أنه لما حاول بعض أمراء المسلمين أن يعيدوا السنة كان الشيعة يسحبون الحصر في المسجد الجامع من تحت أرجل المصلين، ويقولون: هذه لـعلي بن أبي طالب ، فإذا أراد أبو بكر أن يصلي فليأت بحصر له.

    وبعد أن قمع نور الدين محمود زنكي الرافضة والشيعة بحلب أرسل أسد الدين شيركوه ومعه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي إلى مصر؛ من أجل أن يعين المصريين على طرد الشيعة، ومما يذكر عن هذا البطل العظيم أنه ما فاتته صلاة الجماعة، وكان له قبيل الفجر ركعات يركعها في المسجد قبل أن يأتي الإمام، وقبل أن يأتي المؤذن ليؤذن لصلاة الفجر، وكان هو السلطان الذي ملك بلاد الشام كلها يعمل الأغلاف والسكاكر، وكانت له عجائز يبعن هذه الأغلاف والسكاكر سراً، ويعيش عليها، ويعيش من سهمه في الغنيمة.

    ويذكر أن زوجته عصمة الدين بنت الأتابك خاتون بنت معين الدين أنر كانت كثيرة الصدقة، وكانت ترسل إليه أن يأتي إليها بالمال فيقول: ليس لي إلا ثلاثة دكاكين بحمص فخذيها، وأما ما أنا فيه من المال فإنما أنا خازن فيه للمسلمين، لا أخوض النار في هواك.

    ويذكر أنه كان في رمضان يمتنع عن طعام المملكة ويرسل إلى شيخه عمر الملا بالموصل ليأتي إليه بالرقاق ليعيش عليه طيلة الشهر.

    هذا السلطان العظيم يقول عنه الذهبي : قل أن ترى العيون مثله. وقال ابن الأثير : ما حكم البلاد بعد عمر بن عبد العزيز أعدل من هذا الملك العظيم. ومما ذكروا عنه: أنه كان مدمناً لصلاة الليل.

    قال ابن الأثير: وكذلك كانت زوجته عصمة الدين بنت الأتابك خاتون ، فقد ذكروا أنها قامت ذات ليلة غضبى من نومها، فسألها عن سر غضبها، فقالت: فاتني وردي البارحة فلم أستطع أن أصلي من الليل شيئاً، فأمر بضرب طبل خانة توقظ الناس لصلاة وقيام الليل.

    وكان هذا الملك العظيم يتعرض للشهادة كما قال كاتبه أبو اليسر ، ويسأل الله عز وجل أن يحشره إليه من حواصل الطير وبطون السباع، وكان شيخ الديار المصرية والشامية قطب الدين النيسابوري يقول له: بالله عليك يا مولانا السلطان لا تخاطر بنفسك، فأنت سور الإسلام ومنعته، ولو قتلت ما بقى في المسلمين أحد إلا وأعملوا فيه السيف، فيرد عليه هذا البطل العظيم ويقول: اسكت يا قطب الدين ! هذه إساءة أدب مع الله عز وجل، من كان يحفظ البلاد والعباد قبلي غير الذي لا إله إلا هو؟

    وكان قاضية القاضي كمال الدين يجلس للقضاء بعد أن تفشى الظلم في الجنود والقواد ويجلس معه في المجلس نور الدين مرتين كل أسبوع.

    ويذكر أن أسد الدين شيركوه نائبه على المملكة جمع الحاشية والجند ثم قال: لو أوقفتموني أمام نور الدين لصلبتكم، قالوا: إذاً يطمع في مالك العامة، قال: والله لضياع ملكي أهون عندي من أن ينظر إلي نور الدين بعين ظالم، فلما سمع بذلك نور الدين سجد لله شكراً وقال: الحمد لله الذي جعل عمالنا ينصفون من أنفسهم قبل المجيء إلينا.

    ومما يؤثر عنه أنه كان يكثر الصلات والنفقة على فقراء المسلمين وزهادهم وعبادهم، ويقول: كيف أقطع صلاتي بقوم يدافعون عني بسهام في الليل لا تخطئ، وإنما أنصر وأرزق بدعائهم وبإخلاصهم، وكان هذا البطل العظيم جذوة مشتعلة من الشعور بهم المسلمين، سكن الديار الشامية وكان سلطانها، وكان جيشه بمصر، فلما بلغه أن الفرنجة نزلوا على دمياط في الديار المصرية على الساحل المصري أرسل الجيش لقتال الفرنجة، وامتنع عشرين يوماً عن أكل الطعام، فما كان له إلا الشراب حتى بلغ به الضر والجهد، وأشار عليه الأطباء أنه يعرض نفسه للهلكة، فلم يكن يستطيع أن يسيغ الطعام والمسلمون محاصرون بمصر.

    ومما يذكر عنه أحد قواد جيشه أن حدثه بحديث مسلسل بالتبسم فلم يبتسم، فراجعه أن يبتسم حتى يتم له سلسلة السند، فقال: إني لأستحي من الله عز وجل أن يراني مبتسماً والفرنجة يحاصرون دمياط. واستمر به الحال حتى رأى إمام مسجده الإمام يحيى رسول الله في المنام يقول له: يا يحيى ! بشر نور الدين محمود زنكي برحيل الفرنجة عن دمياط، قال: وهل من علامة يا رسول الله؟ قال: قل له: علامة تل حارم. ثم قص عليه النبي صلى الله عليه وسلم هذه القصة: أنه لما اشتد الكرب بالمسلمين في يوم حارم، وهذه كانت أعظم معركة بينه وبين النصارى الصليبيين، وقتل فيها 10000 وأسر 10000، لما اشتد الكرب بالمسلمين نزل عن فرسه وجواده وعفر خديه في التراب، وقال: اللهم إن هؤلاء عبادك وهم أولياؤك، وهؤلاء عبيدك وهم أعداؤك -والقصة يرويها أبو شامة في عيون الروضتين في المجلد الأول- ثم قال: اللهم انصر دينك ولا تنصر محمود، أيش دخل محمود الكلب بين الله وبين عباده؟!

    وكان هذا النصر بداية وتمهيداً لفتح بيت المقدس على يد البطل صلاح الدين الأيوبي ، وانتصر المسلمون في هذه المعركة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ يحيى إمام المسجد: قل لـنور الدين العلامة التي بينك وبين النبي صلى الله عليه وسلم ما هي؟ قال: فأسرعت الخطى لصلاة الفجر فوجدت السلطان قد سبقني إلى المسجد، فهممت أن أكلمه، فقال: تكلمني أم أكلمك؟ قال: أكلمك، رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يبشرك برحيل الفرنجة عن دمياط، قال: وهل لذلك علامة؟ قال: يوم أن عفرت خدك في التراب وقلت: اللهم انصر دينك ولا تنصر محموداً ، أيش دخل محمود البيت؟ ولم يقل له: محمود الكلب، فقال: أتيت بالعلامة ناقصة، أتم العلامة، فلما أتم العلامة قال: صدقت.

    ثم كتبوا التاريخ في هذا اليوم، وبعد ذلك أتتهم الرسل من مصر أن الفرنجة قد أقلعوا عن مصر في هذا اليوم، وكان هذا البطل العظيم يعد العدة، وأعد منبراً في حلب ليدخل به بيت المقدس، وشاءت إرادة الله عز وجل أن يموت قبل أن يكحل الله عز وجل عينيه بفتح بيت المقدس، ومما تم في عصره أن صلاح الدين الأيوبي طرد الشيعة من مصر، وقطع الأذان بحي على خير العمل، وأعاد الخطبة للخليفة العباسي.

    ولما مات نور الدين محمود زنكي وترك وراءه زوجته عصمة الدين بنت الأكابر خاتون تزوجها من بعده صلاح الدين الأيوبي .

    ومن الملفت للنظر أن الدجاجلة ما تركوا شيئاً طيباً في حياة المسلمين إلا وقلبوه، فالمخرج المصري يوسف شاهين في فيلم الناصر صلاح الدين الأيوبي كل ما في الفيلم العرب ومجد العرب، وإنما نقاتل من أجل العرب والعروبة، والمعروف أن صلاح الدين الأيوبي كان من الأكراد، وقد دار الفيلم على العرب ومجد العرب.

    ومن ذلك أيضاً ما ذكر عن عيسى الغواص ، فقد تحدث القاضي ابن شداد في كتابه (النوادر اليوسفية) أو سيرة صلاح الدين الأيوبي عنه فقال: إن هذا البطل كان من أكبر الغواصين المسلمين في عكا، وكان من جند صلاح الدين الأبطال، وقد غاص ومات أثناء الغوص وعلى صدره الصليب. وهذه من الأغاليط التي يستحيا من ذكرها.

    أيضاً: قراقوشى الذي يتندر به، كان قائد المجاهدين المسلمين المحاصرين في عكا، كان أمير صلاح الدين الأيوبي على عكا، فالشيء النظيف في تاريخ المسلمين يتركونه ولا يظهرونه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها ستأتي على الناس سنون خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة؟ قال: السفيه يتكلم في أمر العامة).

    ومما يذكر عن صلاح الدين الأيوبي أن أمه وهي حامل به رأت أن آت أتاها في المنام وقال لها: إنك ستلدين سيفاً من سيوف الله عز وجل، وقد اتجه هذا القائد إلى التمسك بالشرع والتدين منذ أن عمل تحت إمرة نور الدين محمود زنكي ، ويذكر أن صلاح الدين الأيوبي مرض وكان له قاض فاضل يختم القرآن في كل يوم مرة، وهو عبد الرحيم البياني، وقد كان كاتبه ووزيره وقاضيه، يقول عنه صلاح الدين : والله ما ملكنا البلاد والمدن وفتحنا الحصون والمدن بالعساكر، وإنما برسائل القاضي الفاضل.

    فلما مرض صلاح الدين عرض عليه القاضي الفاضل أن ينذر إن شفاه الله عز وجل من مرضه أن يوجه كل همه لفتح بيت المقدس، فنذر صلاح الدين بما قال له القاضي، ولما شفاه الله عز وجل من مرضه والله ما أنفق درهماً ولا ديناراً إلا في الجهاد في سبيل الله عز وجل، ووجه كل همه لفتح بيت المقدس.

    أما في أمر الصلاة فقد كان يواظب على حضور الجماعة في المساجد، وكان إذا مرض ولا يستطيع أن يأتي المسجد يأمر إمام المسجد أن يأتي إليه في قصره يصلي به الجماعة حتى لا تفوته صلاة الجماعة.

    أما الزكاة فمات ولم تجب عليه الزكاة قط مرة في حياته، وعند وفاته لم يخلف إلا سبعة وأربعين درهماً ناصرية، وجرماً واحداً ذهباً صورياً، ولم يخلف داراً ولا عقاراً ولا بستاناً ولا مزرعة، حتى إن التبن الذي صنعوا به الطوب اللبن من أجل أن يضعوه على ضريحه سألوه من جيرانه، وهو ملك مصر والشام، عاش صلاح الدين الأيوبي ليس له شأن إلا في الجهاد، ولا حديث له إلا في الجهاد وآلته، وكان رقيق القلب، غزير الدمعة عند تلاوة القرآن، وعند سماع الحديث، والقارئ للتاريخ يجد أن كل من حول صلاح الدين شحذه صلاح الدين بهذه المهمة العظيمة، فتجد منه البذل والعطاء والسعي لتحرير بيت المقدس، حتى إن عاملاً من عماله اسمه حسام الدين اللؤلؤي كان بحاراً عند صلاح الدين الأيوبي ، بلغه أن النصارى ركبوا بحر القلزم -البحر الأحمر- لينبشوا قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: كم عددهم؟ قالوا: سبعون، قال: جهزوا لي سبعين قيداً، فهو لبسالته قبل أن يخوض المعركة يوقن أنه سيأتي بهم كلهم أسرى، فلما علموا أن حسام الدين اللؤلؤي ركب خلفهم خافوا فهربوا في الجبل، فتبعهم ثم أنزلهم من فوق الجبل كلهم مسلسلين، وأرسل منهم اثنين إلى منى ذبحهم العلماء في يوم النحر، والباقي ضرب العلماء أعناقهم تحت سماء القاهرة، فعل ذلك وهو خادم من خدم صلاح الدين الأيوبي .

    ثم كانت حطين مجزرة الصليبيين يوم السبت في ربيع الآخر سنة 583، منع فيها صلاح الدين الماء عن الصليبيين بعد أن أتى إليه كل ملوك أوروبا، وكان النسيم الحار في وجوه الصليبيين، والحشيش اليابس تحت خيولهم، وأرسل بعض المسلمين المتطوعة بعض النفط والغاز تحت الخيل، فهبت النار تحت أرجل خيولهم، وصار صلاح الدين برجال الجنة لقتال رجال جهنم، وكان هذا اليوم يوماً عسيراً على الكافرين غير يسير.

    كان عدد جيش الصليبيين 60000، قتل منهم صلاح الدين 30000، وأسر 30000، وأسر كل الملوك الذين أتوا لقتاله، ومنهم شيطان لئيم يسمى البرنس أرناط ، وكان البرنس أرناط لقي جماعة من المسلمين في طريقهم للحج فأخذهم -وكان بينه وبين صلاح الدين أمان في هذه الفترة- فذبحهم، فقالوا: اتق الله وناشدوه بالأمان الذي بينه وبين صلاح الدين ، فقال: قولوا لمحمدكم يأتي ليخلصكم.

    وهذا مثل قصة عاصفة الصحراء، فإن عاصفة الصحراء اسمها الحقيقي: المجد للعذراء، هكذا مع أول صاروخ أطلقوه سموا هذه المعركة، وعلى أول صاروخ قالوا: قولوا لهم: إن كان محمد عاجزاً عن تخليصهم فليدع المسيح!! هذا قبل أن يقتل أطفال العامرية، أما بعد أن قتلوا من قتلوا من أطفال العامرية، وقتلوا من قتلوا من أطفال فلسطين وكشمير والفلبين، اتضح أن الدم المسلم أرخص دم على وجه البسيطة، ولكم نتألم ونحن نذكر مجداً ورثه صلاح الدين حين قتل من الصليبيين 30000، وأسر 30000 وأتى بكل الملوك وأجلسهم في خيمة، فطلب منه الملك جفري ماء ليشرب بعدما اشتد به العطش، فأعطى له حلاباً بارداً، وكان من عادة الملوك أنه إذا أعطى ملكاً ماء أو طعاماً أعفاه من القتل، ولم يقتله، فمن لؤم ومكر السلطان جفري بعد أن أيقن أن أرناط سوف يقتل لعداوته للمسلمين ولذبحه الحجاج، أخذ الحلاب من يد صلاح الدين وأعطاه لـأرناط ، فقال له صلاح الدين : أنا ما سقيته أنت الذي سقيته. ثم قام إليه صلاح الدين وذكره بغدره مع المسلمين وعرض عليه الإسلام فلم يقبل، فحل كتفه بالسيف وقتله.

    وقد ذكر أهل التاريخ أنه بلغ من عزة المسلمين أن الفلاح من فلاحي الشام يسوق أمامه بعمود خيمته نيفاً وثلاثين أسيراً صليبياً، وقد نودي على الأسرى، فقال أحد الجند: من يشتري هذا الأسير؟ فقال آخر: أشتريه بطربول -أي: بشسع نعل- وقد بيع قسطنطين الرابع بكلب، فقيل له: ولم فعلت هذا؟ قال: حتى يقال: بلغ من هوانهم أن الأسير منهم كان يباع بطربول.

    وأخذ صلاح الدين صليبهم الأعظم ثم حرر صلاح الدين عكا ودخلها مؤذناً وفاتحاً، وعادت الجمعة إلى عكا بعد غياب دام 72 سنة، وحصنها صلاح الدين ووقف أمام بيت المقدس ليعيده.

    يا أيها الملك الذي لشعائر الصلبان نكس

    جاءت إليك ظلامة تسعى من البيت المقدس

    كل المساجد طهرت وأنا على شرفي مدنس

    كان مقدم النصارى بليان بن برزان، وكانوا 100000، وأسقط صلاح الدين بالمنجنيق جزء من السور، وأحكم الحصار حول بيت المقدس، ومعه ابن قدامة المقدسي ، وعبد الغني المقدسي الإمام الحافظ العابد الزاهد، وكانت معركة عظيمة خرج بليان بن برزان إلى صلاح الدين وذل له ذلاً عظيماً، ورق له وتشفع عنده بكل الوسائل، وصلاح الدين يقول: لا آخذها إلا عنوة، كما أخذتموها من المسلمين عنوة من 91 عاماً، أفني رجالكم، وأسبي نساءكم، السن بالسن.

    وكان صلاح الدين الأيوبي قبلها في هذا العام قد استنقذ 20000 أسير، منهم 5000 في عكا، فقال له بليان بن برزان : عندنا 5000 أسير مسلم نقتلهم ونقتل نسائنا وأطفالنا ونحرق أموالنا، ونغور المياه، ونعدم المصانع، ونقلع الصخرة، ثم نخرج إليكم فلا يقتل منا رجل حتى نقتل منكم عشرة، ودون قمامة -أي: الكنيسة- تقوم القيامة.

    وهنا رق صلاح الدين لأسرى المسلمين حتى لا يذبحوا، وفرض عليهم الجزية، فكان كل رجل منهم يدفع عشرة دنانير ذهبية، والمرأة خمسة دنانير، ولكل غلام وصبية ديناران، والذي يعجز عن هذا يقع أسيراً للمسلمين، وأعطاهم مهلة 40 يوماً، ووقع في أسر صلاح الدين بهذا الشرط 16.000 أسير، ويضم لبيت مال المسلمين 200.000 دينار، ودخل صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس يوم الجمعة في السابع والعشرين من رجب 583 هجرية، ولم يتمكن صلاح الدين من صلاة الجمعة لكثرة الخنازير التي كانت في المسجد الأقصى، وجعل صلاح الدين يقتلها طيلة أسبوع هو وجنوده، ثم غسل المسجد بالماء الطاهر، ثم بعد ذلك بماء الورد وبالمسك الفاخر، وصدر المنشور الصلاحي: أن يتولى الخطبة ذلك اليوم بعد غياب 91 سنة القاضي محيي الدين بن زكي القرشي ، فقام وصعد المنبر، وتلا قول الله عز وجل: فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:45].

    وتوالت الجيوش لمحاولة قتل صلاح الدين، وللأخذ بثأرهم في بيت المقدس، وقد ذكر ذلك القاضي ابن شداد فقال: وعددت من صلاة العصر إلى المغرب 75 سفينة تأتي من أوروبا عن طريق البحر، فقد بلغ بي الجزع والهول مبلغاً عظيماً، قال: فلما وقفت أمام البحر فإذا بـصلاح الدين واقف أمامي يقول: إذا ما تم لي فتح بقية بلاد الساحل -لأنه فتح بعد فتح بيت المقدس 50 مدينة وحصن- قسمت البلاد وأوصيت وودعت، وركبت البحر إلى جزائرهم -يعني: إلى جزر الصليبيين-، فما أدع فيها رجلاً إلا وأدخلته الإسلام أو أموت.

    فيقول له ابن شداد : لا تخاطر بنفسك يا مولانا فأنت سور المسلمين، يقول: إني أسألك عن أشرف الميتات، قال: القتل في سبيل الله، قال: حسبي أن أنال أشرف الميتات.

    ولما حوصرت عكا وقف صلاح الدين 36 شهراً كاملة أمام الحصار، يقولون له: أقم في دمشق، يقول: ما خلقنا للمقام في دمشق، إنما خلقنا للجهاد في سبيل الله، وكان ترك بيته وأولاده 36 شهراً وهو خلف أسوار عكا، يقول ابن شداد : وكان يحمل الأحجار في حجره، فلو رأيته وهو يحمل الحجر في حجره لقلت: سلطان يحمل جبلاً في ستره، وعيناه تذرفان الدموع وهو ينصب المجانيق، يقول: يا للإسلام! يا لعكا! يا للموحدين!

    فلما اشتد الجوع بأهل عكا وشارف الطعام على النفاد اضطروهم أن يأكلوا القطط، فكان صلاح الدين يرسل عيسى العوام ومعه الغواصين يغوصون تحت سفن الصليبيين، فيوصلون كتبه والمال إلى المحاصرين في عكا، حتى سلم المحاصرون من عوام المسلمين ولم يتحملوا الحصار، وحالفهم الصليبيين أن يخرجوهم أحياء وأن يبقوا على أرواحهم نظير أن يسلموا لهم عكا، وبعد أن سلموها لهم ذبحوهم ذبح الشياه، وبلغ عدد من قتل صبراً من المسلمين 3000 مسلماً.

    صلاح الدين الذي يقول عنه ابن شداد : ما خلق إلا ليعيش تحت خيمة، تهب عليه الرياح يمنة ويسرة، وقد ابتلاه الله بالدمامل فملأت ظهره، حتى ما كان يستطيع أن يأكل إلا وهو منبطح على بطنه، فكان إذا أتى أوان ركوب الخيل يركبها من الفجر إلى قبيل الظهر، ومن العصر إلى قبيل صلاة المغرب، يقولون له: فالدمامل، يقول: والله أنساها بمجرد أن أمتطي صهوة الخيل، فإذا عدت إلى الراحة عاد إلي وجع الدمامل.

    لا شك أن هذه الأمة تحتاج إلى صلاح الدين ليرفع الغمة عنها ويفك أسرها، ويشد أزرها، فمتى يعود أمثال صلاح الدين ، يقول الشاعر عن صلاح الدين وعن أمثاله:

    زمانك بستان وعصرك أخضر وذكراك عصفور من القلب ينقر

    دخلت على تاريخنا ذات ليلة فرائحة التاريخ مسك وعنبر

    وكنت فكانت في الحقول سنابل وكانت عصافير وكانت صنوبر

    ومس أمانينا فصارت جداولاً وأمطرتنا حباً وما زلت تمطر

    تأخرت عن نقع الوغى يا حبيبنا وما كنت عن نقع الوغى تتأخر

    أتسأل عن أعمارنا أنت عمرنا وأنت لنا الآمال أنت المحرر

    تعاودني ذكراك كل عشية ويورق فكري حين فيك أفكر

    وتأبى جراحي أن تضم شفاهها كأن جراح الحب لا تتخثر

    حصانك في سيناء يشرب دمعه وجندك في حطين صلوا وكبروا

    رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم وجندك في حطين صلوا وكبروا

    تناديك من فوق المآذن مكة وتبكيك بدر يا حبيبي وخيبر

    نساء فلسطين تكحلن بالأسى وفي بيت لحم قاصرات وقصر

    وليمون يافا يابس في حقوله وهل شجر في قبضة الظلم يثمر

    أيا فارساً أشكو إليه مواجعي ومسكي له عذر ومثلك يعذر

    تعال إلينا فالمروءات أطرقت وموطن آبائي زجاج مكسر

    هزمنا وما زلنا شتات قبائل تعيش على الحقد الدفين وتزأر

    يحاصرنا كالموت بليون كافر ففي الشرق هولاكو وفي الغرب قيصر

    وأصرخ يا أرض المروءات احبلي لعل صلاحاً ثانياً سوف يظهر

    وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله.