إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. شرح الأربعين النووية - الحديث الأربعون

شرح الأربعين النووية - الحديث الأربعونللشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    شرح حديث: (كن في الدنيا كأنك غريب)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فقال المصنف رحمه الله: [عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك رواه البخاري ].

    هذا الحديث ترتيبه في هذه المجموعة المباركة خاتمة الأربعين حديثاً، ولعل المؤلف رحمه الله جاء به في هذا الموضع لعظيم أثره، وواسع مدلوله، فمعناه أكبر عون للإنسان على حياته. يقول عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما مبيناً تلك الصورة المؤنسة، الدالة على الشفقة والرحمة والملاطفة من سيد الخلق وأكرمهم صلوات الله وسلامه عليه.

    أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي.

    والمنكب هو أعلى الكتف، وهو -كما يقال- أعلى شيء وأقواه في جسم الإنسان، ومنه يقول بعض العلماء في التوجيه الاجتماعي في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا [الملك:15]، أي: في جميع أجزائها، قمم جبالها، وسفوحها، وكل شيء منها؛ لتستخرجوا ما أودعه الله سبحانه وتعالى فيها من كنوز، فالمنكب هو أعلى الكتف، وهو أقوى موضع في جسم الإنسان، ويمكن أن يحمل عليه الأشياء الثقيلة.

    ملاطفة النبي صلى الله عليه وسلم لمن أراد أن يحدثه

    في هذه الصورة ملاطفة ومؤانسة منه صلى الله عليه وسلم لمن يريد أن يحدثه، ومثل ذلك ما جاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد وكفي في كفه)، أخذ كف ابن مسعود وجعلها في كفه وهو يعلمه.

    وهذا الحديث الذي جاء عن ابن عمر وجاء أيضاً عن ابن عباس فعن مجاهد رحمه الله أنه رُؤي حزيناً، فقيل له: مالك حزين؟! قال: تذكرت قول عبد الله ، -يعني ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- (أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بكفي بين كفيه وقال: يا عبد الله ! كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل)، ومجاهد وعطاء بن أبي رباح من كبار أصحاب ابن عباس الذين أخذوا عنه العلم والتفسير، وقامت بهم مدرسة مكة.

    إذاً: رواية مجاهد عن ابن عباس توازي رواية ابن مسعود رضي الله تعالى عن الجميع في كيفية معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، ومن قبل هذا معاملة المعلم الأكبر الرسول الكريم جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عمر بن الخطاب : (بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر ، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه).

    يقول العلماء: (على فخذيه) الضمير راجع لجبريل عليه السلام وهو في صورة رجل، أو للنبي صلى الله عليه وسلم، ومهما يكن فإنهم يقولون: إن هذه الصورة من دواعي تثبيت العلم عند السامع، ويقول علماء التربية: إن ربط المعاني بالمحسوس يثبتها، مثلاً : الطلاب أيام الامتحانات لهم مذكرات شخصية، وصور تمر بهم، إذا جاء -مثلاً- إلى المسجد النبوي ومعه كتاب الحديث، أو ذهب إلى النزهة ومعه كتاب الأدب، أو ذهب إلى مكان كذا ومعه كتاب الفقه، فإذا جاء وقت الاختبار تذكر أنه حينما كان في المسجد كان يقرأ في الحديث، وتذكر الصورة المحسوسة حيث كان يجلس، وكان معه فلان وفلان، فالصورة تعيد له الذاكرة، وتجمع له حسه فيما كان يذاكره، وهناك جماعة كانوا يسمون (المشائين)؛ لأنهم كانوا يدرسون العلم وهم يمشون، فيتذكرون أنهم في المكان الفلاني قرءوا كذا، وعند الشجرة الفلانية تذاكروا كذا، فتكون المعالم المحسوسة كالضوابط أو كالمنبهات أو كالعلامات مناراً في طريق الإنسان في علمه.

    وهنا ابن مسعود رضي الله تعالى عنه حينما يتذكر وضع يده بين كفي رسول الله صلى الله عليه وسلم لن ينسى ما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أبداً، وكذلك ابن عمر حينما يتذكر أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبه لن ينسى أبداً ما قيل له في تلك الحالة، وهكذا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

    وبعد هذه التهيئة، أو بعد هذا التنبيه، أو بعد إيقاظ الشعور والتطلع إلى ما سيقال بعد هذه اللمسة، يقول صلى الله عليه وسلم: (يا عبد الله)، وكلاهما اسمه عبد الله: عبد الله بن عمر ، عبد الله بن عباس : (كن في الدنيا)، والدنيا تأنيث الأدنى، وهي الحياة، والأخرى: هي الآخرة، ومعنى هذه الموعظة، وهذا التنبيه والإرشاد: وجودك في الدنيا ليس حالة المقيم الجالس المستوطن الذي لن يرحل، بل حالك حال الغريب وعابر سبيل: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) يقول بعض العلماء: (أو) بمعنى (بل) وكأنها إضرابٌ عما تقدم، أي: بل كن كعابر السبيل، وتحتمل أن (أو) هنا للتنويع، وهو الظاهر عندي.

    الدنيا مزرعة للآخرة

    قوله: (كأنك غريب) جميعنا يعلم أن الغربة تقتضي وطناً، وأن الغريب موجود وقت الغربة في غير وطنه، فإذا كنا غرباء في هذه الدنيا فأين موطننا الأول؟ وإذا كنا غرباء فإن كل غريب يحن إلى موطنه الأصلي، ويقطع أمله في مجتمع هو فيه غريب، فلا يعزم منه على تشييد القصور، ولا على غرس الأشجار، وكل غريب في بلد يسلك طريق السلامة، وقلّ أن يأنس إلى الناس، وكل غريب في بلد يلزم الأدب والاحتياط في غربته.

    والعوام يقولون: (يا غريب كن أديب)، فالغريب عابر سبيل في رحلته، ولابد له من غاية يقصدها، ويحب أن يصل إليها.

    إذاً: الغريب وعابر السبيل متلازمان، فكل غريب عابر سبيل، وكل عابر سبيل غريب، إلا أن عابر السبيل أخف، فلو تأملنا في الإنسان من بداية أمر هذا العالم: فما هي بدايته؟ نحن لا ننسى أن أبانا وأمنا آدم وحواء كان مسكنهما الأول الجنة كما قال تعالى: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة:35].

    إذاً: مسكن الإنسان الأول هو الجنة، ومنذ أن خرج منها فهو في غربة، ولذا يقول العلماء: فترة الحياة مرحلة عابر السبيل، وسبقتها مراحل:

    المرحلة الأولى: تناقل الإنسان في أصلاب آبائه حتى جاء إلى الرحم، وفي الآية الكريمة: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الأعراف:172]؛ فالذرية كلها من الأصلاب بالتسلسل إلى يوم القيامة: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف:172] .

    إذاً: عالم الذر والنطف تتناقل في الأصلاب في مراحل خفية، لا نحكم عليها ولا نتحكم فيها، ولا دخل لنا فيها.

    المرحلة الثانية: مرحلة التكوين المادي، وهي فترة الحمل في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن، ظلمة المشيمة، ظلمة الرحم، والمولى سبحانه يودعه في: قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ [المرسلات:21-23]، ثم يخرج إلى الدنيا: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10]، وبعد تلك المرحلة يخرج من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا، وهي رحلة التزود بما أمره الله، وهي مرحلة الابتلاء: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:2]، فكيفما تزودت في هذه المرحلة فهو زادك في طريقك، وهو مآلك، ومن يزرع الشوك لا يحصد إلا شوكاً، ومن يزرع الورد يجني الورد، فما تزرعه في الدنيا هو زادك إلى الآخرة.

    وقد ذكرنا رحلة أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه إلى الفسطاط في مصر؛ لطلب سماع حديث، فلما وصل سأل عن الصحابي الذي عنده الحديث، فقال: دلوني على بيته، فذهب إلى البيت، وطرق الباب، وكلم الخادم فأخبر سيده، وجاء الصحابي فوجد أبا أيوب صاحب رسول الله على الباب، فقال: أبو أيوب ! ما الذي جاء بك؟ قال: جئت أسمع منك حديثاً سمعته أنا وأنت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبق أحد سمعه إلا أنا وأنت فخشيت أن أنساه، فذكر له الحديث، فإذا به يركب راحلته، ويلوي عنانه، ويرجع إلى الحجاز، وأمامه مغريات الحياة، وقد وصف الله الحجاز بوادي غير ذي زرع، رجل أبو أيوب إلى أرض تجري أنهارها، وتتنوع ثمارها، فلم يغره شيء من ذلك؛ لأنه كان غريباً عابر سبيل، جاء لمهمة وغاية يقصدها.

    وأنت -أيها الإنسان- في هذه الدنيا غريب وعابر سبيل لغاية: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، ولمهمة: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:2]، فلينظر الإنسان ماذا فعل في رحلته وغربته، فهو لا يدري متى يرحل؟ ولا يدري متى يناديه داعي الموت؟ ولا يدري متى تنتهي المهمة؟ ولكن الخطر كل الخطر في الأمل، وورد أن بعض العلماء قال لأحد العارفين بالله: ما هو أملك؟ فقال: وأي أمل لمن نَفَسُهُ في يد غيره؟! فهل تملك أنت أن توقف هذا التنفس الذي تتنفسه؟ وإذا أوقفه الله هل تستطيع أن تجريه؟ لا. َ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34].

    ولهذا ابن عمر لما سمع هذا التوجيه وتصور حقيقة المعنى قال: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح)، وأعتقد أننا لا نستطيع أن نوفي هذا الحديث قدره، إلا إذا تذوقنا حلاوة الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة؛ لأنه لا يمكن أبداً أن يتحقق لإنسان زهد في دنياه إلا إذا تحقق عنده الرغبة في آخرته؛ لأن الدنيا والآخرة ضرتان، ولا يمكن أن تصلح بينهما أبداً، إذا أرضيت إحدى الضرتين فعلى حساب الأخرى، فاختر من ترضي ومن تسترضي، وكن في الدنيا كأنك غريب، والرسول صلى الله عليه وسلم حينما بنى المسجد قال: (عريش كعريش أخي موسى، والأمر أقرب من ذلك).

    يا سبحان الله! رسول الله جاء لدعوة، وتكوين أمة، ودولة ورسالة تعم العالم، ويقول: (والأمر أقرب من ذلك) أي: أعجل. ولو نظرنا إلى تاريخه صلى الله عليه وسلم من أول البعثة، ثم من أول الهجرة، إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى.

    كيف كانت حياته صلى الله عليه وسلم؟

    حقاً لقد كان كالغريب أو عابر سبيل، فما ركن إليها يوماً، ولا أنس بها يوماً، وكان في كثير من الأوقات، في غزوات، والمولى سبحانه وتعالى يهيئ له أموراً عجيبة، خرج من مكة، ثم دارت المعارك، وجاءت الحديبية، ويأتي الصلح بوضع الحرب، وبالهدنة عشر سنوات، لكن لم يبق من عمره صلى الله عليه وسلم عشر سنوات، فيجعل الله سبحانه سبباً نقض قريش للمعاهدة من أجل فتح مكة بعد سنتين!! فنقضوا عهدهم، وفتحت مكة، وجاء عام الوفود، وبعدها حجة الوداع، فكان صلى الله عليه وسلم عابر سبيل، وكانت حياته لغاية يحققها ومهمة يقصدها.

    ولما نزلت السورة الكريمة : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:1-3] بكى أبو بكر رضي الله تعالى عنه.

    وابن عباس رضي الله عنه قال: لقد نعى ربنا إلينا رسول الله وهو حي بين أظهرنا، فقال له عمر : وكيف أخذت ذلك؟ فقال: لقد أرسله الله برسالة يبلغها للناس، فإذا أتم الرسالة وقام بالبلاغ، وأدى الأمانة، وأصبح الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، فما الذي بقي من مهمته؟

    وكما يقول بعض العلماء: إذا كان لك عبد أرسلته إلى بلدة ليقضي لك حاجة، فيجب أن يسرع في طريقه ويقضي الحاجة ويسرع في العودة، أما إذا مكث فيها وركن إليها فلك أن تعاقبه.

    وابن مسعود يقول: (بيّن لنا صلى الله عليه وسلم حياة الإنسان وأمله، فخط لنا خطاً دائراً).

    وبعض العلماء يرسمه مربعاً، وخط خطاً داخل هذه الدائرة، والخط الذي ينصف الدائرة هو قطب الدائرة، والقطب ينتهي عند محيط الدائرة، وكل جزء من النقطة يسمى وتر، فمحيط الدائرة الخط الذي يصل طرفي المحيط أو يتصل بنقطتين من المحيط، وخط صلى الله عليه وسلم خطاً زائداً عن الدائرة.

    إذاً: هي دائرة فيها قطر، وأحد طرفي القطر خارج عن حد الدائرة، وخط خطوطاً جانبية، وقال صلى الله عليه وسلم عن محيط الدائرة: (هذا أجل الإنسان، وتلك الخطوط الجانبية ما ينتابه في حياته، وهذا الجزء الزائد عن الدائرة هو الأمل، فينقضي الأجل قبل أن ينتهي أمله).

    يقولون: من سائل الإيضاح في علم التربية أن يأتي المدرس بالصورة ويشرح عليها الدرس، وها هو صلى الله عليه وسلم يبين لنا ذلك بأجلى معاني الإيضاح، فأجلك محدود في دائرة تدور فيها يميناً ويساراً، وأملك يسبقك عن دائرة الأجل، أنت تريد أن تبلغ الأمل، ولكن يأتي دونه الأجل.

    الزهد في الدنيا

    إذاً: جاء في الأثر (الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن ، والرغبة في الدنيا وطول الأمل يحزن القلب ويشقي الجسم، وليس معنى الزهد في الدنيا تركها، ولكن أن تجمعها من حلها، وأن تضعها في حلها، لا كما يقولون:

    تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد

    والجوانب والمعاني في هذا الحديث فوق أن يحصيها إنسان: (كن في الدنيا كأنك غريب)، وأنت فعلاً غريب، وكما قالوا: الإنسان في الدنيا ساعته تهدم يومه، ويومه يهدم أسبوعه، وأسبوعه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره.

    دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان

    بل أقل من الثواني.

    والعجيب! أن الإنسان يستطيع أن يقف عند الغنى والفقر، وعند القوة والضعف، وعند العزة والذلة، وعند كل معاني الحياة، لكنه لا يستطيع أن يقف عند الحياة والموت، قال سبحانه: فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الواقعة:83-87].

    ارجعوها وأوقفوها عن الخروج! أمدوه بلحظة واحدة! لا والله! لو اجتمع العالم كله، إنسه وجنه وملائكته على أن يمحنوا الإنسان في اللحظات الأخيرة ثوانٍ لا يستطيعون، وانظر الإعجاز القرآني: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعة [الأعراف:34] ما قال: (يستقدمون)، قال: (لايستأخرون ساعة)، وما هي ساعة زمنية ستون دقيقة، لا، بل ساعة لغوية، وقدم (لا يستأخرون)؛ لأن كل إنسان يود أن يتأخر: وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34]، ولو أراد أن يعجل موته لحظة لا يستطيع؛ لأن هذا ليس له.

    والغريب في حياته يعمل لما ينجيه أو يسلمه من أهل المدينة التي حل فيها.

    وعابر السبيل ماذا يحمل معه؟ هل يجمع الحطب والحجر، والخشب والحديد ويحملها معه؟! لا يحمل معه إلا الزاد الذي يوصله.

    عابر السبيل قبل كل شيء يطلب الراحلة التي توصله، ويكتفي في زاده بما يكفي في سفره، فلو رأى أمامه مئات الأطنان من الفاكهة والعسل واللبن وجميع أصناف الطعام ما أخذ منها إلا ما يوصله.

    ولذا السلف كانوا كما قال الشاعر:

    إن لله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا

    نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا

    جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا

    وهكذا حال المسلم، وكما جاء عنه صلى الله عليه وسلم: (إذا خرج الإنسان من الدنيا تبعه ثلاثة: ورجع منها اثنان، وبقي معه واحد، تبعه أهله وماله وعمله) فأهله يشيعونه، يكون منه ما يتبعه، فيرجع المال والأهل ويبقى معه العمل.

    وجاء في الأثر: (ما من إنسان يخرج من الدنيا إلا وهو آسف حزين، إن كان محسناً يقول: يا ليتني استزدت، وإن كان مسيئاً يقول: ليتني أقلعت)، وما هي الغاية من جمع الدنيا والتكالب عليها؟ يقول صلى الله عليه وسلم: (من أصبح معافىً في بدنه، آمناً في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها)، ولا يدرك هذا إلا العقلاء، وكل إنسان مهما كان رصيده وماله، وممتلكاته، فلن يأكل الورق ولا الذهب ولا الفضة، وكم ستأكل من الطيبات؟ ما عندك خزان أكبر من بطنك، ومستودعات الطعام قبل أن تأكله لا تدري من سيأكل المستودع، لكن أنت ستأكل على قدر نفسك، (ابن آدم يقول: مالي مالي، وليس له من ماله إلا ما لبس فأبلى، أو أكل فأفنى، أو تصدق فأبقى) .

    إذا تصدق الإنسان أبقى كما جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، أنه ذبح عندها شاة، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (يا رسول الله! انتهت الشاة وقسمناها ولم يبق إلا رجلها، فقال: لقد بقيت كلها إلا رجلها) هي تقول: نفدت كلها ولم يبق منها إلا رجلها، فيقول صلى الله عليه وسلم: (بل بقيت كلها إلا الرجل هذه)؛ لأن الذي وزع قرض حسن عند الله، وهي وديعة، وأمانة ينميها المولى سبحانه: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [البقرة:245].

    حال السلف في الزهد

    حقيقة حالنا أننا غرباء، ولا يوجد إنسان في العالم إلا وهو غريب، فالغربة مفروضة.

    يحكى أن أعرابياً سمع رجلاً يتلو قوله سبحانه: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر:1-2] فقال: قف! بعثوا ورب الكعبة! قال: ما أدراك أنهم بعثوا؟ قال: من قوله: زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر:2]، فالزائر لا بد أن يرحل، ولا يوجد ضيف يستقر في محل الزيارة.

    ودخل شخص على أبي الدرداء ، فنظر في البيت فلم يجد شيئاً، فقال: يا أبا الدرداء ! لم أر لك متاعاً في البيت، فقال: صاحب البيت لا يتركنا نجعل متاعاً.

    وسالم بن عبد الله دخلوا بيته فلم يجدوا في بيته ما يساوي كذا، فقيل له في ذلك: فقال: الأمر أعجل من هذا.

    هذا الكلام في الزهد وترك الدنيا بالنسبة لنا الآن بعيد، وكأنه خيال! فكيف نترك المفروشات والثلاجات، والغسالات والسيارات، فهو شيء بعيد؛ لأن أذواقنا بعدت جداً، ولأن قلوبنا أصبح بينها وبين هذا الكلام حجاب، فلا يمكن أن نتذوق هذا الكلام، ولكن لنرجع رويداً ونقول: ماذا سنأخذ من هذا كله؟ ولا أقول لك: تترك هذا كله، ولكن الخطر كل الخطر أن يمتلئ قلبك بكل ما تملك، ولذا فإن بعض العلماء يقول: يا رب! لا تجعل الدنيا في قلوبنا، واجعلها في أكفنا.

    كنت أسمع بعض مشايخنا رحمه الله يقول: ما عقدت عقد بيع قط أطلب ربحه، ولا أقرضت قرضاً أنتظر رده.

    لو استطاع الإنسان أن يرد نفسه عن التعلق بزخرف الدنيا وزينتها، يسهل على نفسه الخروج منها، أما إذا كان متعلقاً بها كل التعلق، فإنه يأسف عند الخروج منها، كأناس سافروا إلى بلاد غربة، فواحد منهم اشترى له أرضاً وبنى له قصراً، فجاءوا ليرجعون ويرحلون، فيقول صاحب الأرض: لا أرجع، وإذا رحل يمشي قليلاً وهو ينظر إلى البستان والقصر غصباً عنه.

    وقوله في هذه الوصية النبوية الكريمة: (كن في الدنيا كأنك غريب)، معنى الغربة: التزام الأدب، والسلوك الحسن، ولا تعقد الأمل.

    ويبلور لنا هذه المعاني الجليلة ابن عمر فيقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح)، لو قدر أن سرية أو مجموعة نزلوا مساءً وخيموا في مكان، فإنهم لا يدرون متى يكون المسير، (وإذا أصبحت لا تنتظر المساء)، يمكن يأتي الأمر بالسفر في الظهر، أو في الضحى، أو في العصر، ومراد ابن عمر هنا: إذا أمسيت فلا تؤخرن عملاً يجب أن تؤديه في المساء إلى الصباح، وهو راوي حديث الوصية: (ما حق امرئشٍ مسلم عنده شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه).

    اغتنم حياتك قبل موتك

    يقول بعض شراح هذا الحديث: قدم (إذا أمسيت) على (إذا أصحبت)؛ لأن المساء محل الغفلة والنوم، والصباح محل الحركة، فأحرى بك في المساء ألا تتحرى الصباح، فإذا أصبحت ولديك شيء من العمل فلا تنتظر المساء، فلو كان عندك واجب في النهار فلا تؤخره إلى الليل، وانتهز فرصة النهار قبل أن يأتي الليل، لأنك لا تدري أتدركه أم لا؟

    وجاء في بعض الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم: (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل مرضك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك).

    الإنسان يجب أن ينتهز ويغتنم فرصة الشباب؛ لأن أمامه هرم، والهرم هو الكبر في السن، فإذا كنت في شبابك لا تعمل، فماذا ستفعل في هرمك؟

    إذاً: من لم يغتنم شبابه، ويدخر فيه لوقت الهرم ضيع نفسه.

    ولذا يقول العلماء في موضوع الحج في باب الاستطاعة: من ليس عنده مال، ولكن عنده صنعة، ويستطيع أن يرافق القافلة، ويعمل ويكتسب ويأكل حتى يصل إلى مكة بكسب يده مع القافلة، فإنه مستطيع مادياً.

    يقول النووي : ويشترط الشافعي أن يكون أجر عمل يومٍ يكفي لنفقة يومين، أما إذا كان عمله في اليوم لنفقة يوم واحد، فليس بمستطيع، فلعله يمرض، واليوم الذي يمرض فيه يموت من الجوع، لكن إذا كان أجر يوم واحد يكفي لنفقة يومين، فيمكن أن يمرض يوماً أو يومين في الشهر أو في الأسبوع، ويبقى عنده مال مدخر، وهكذا أنت في شبابك، إذا لم تدخر في شبابك ما ينفعك في هرمك، فماذا تفعل؟

    والدول تتعامل (بالتقاعد)؛ لأنها استغلت العامل والموظف مدة شبابه وقوته، فلما جاءه الكبر أحالته على التقاعد، ولم تتركه.

    وهذا أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه رأى عجوزاً ذمياً يتكفف السؤال، فقال: ما شأنك يا رجل؟! قال: أنا من أهل الذمة وكلفت بالجزية، قال: ما أنصفناك، كلفناك شاباً، وتركناك شايباً، لا، وأسقط عنه الجزية، وفرض له من بيت مال المسلمين ما يكفيه.

    إذاً: اغتنم شبابك قبل هرمك، وهذه قضية منطقية عقلية، لكننا لسنا في باب المادة، فالله سبحانه قال: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:58] وقال: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6]، ولكن نحن نعمل للآخرة، فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص : (بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقرأ القرآن كله في ليلة، فدعاه فقال: اقرأه في شهر؟ قال: إني أستطيع أكثر من ذلك قال: اقرأه في عشرين ليلة، فقال: إني أستطيع أكثر من ذلك، وهكذا حتى نزل معه إلى ثلاثة أيام) وهو يقول: إني أستطيع أكثر من ذلك، أي: غداً يأتيني الكبر ولا أقدر أن أقرأ، فكان يغتنم شبابه لهرمه، وكان يستطيع أن يصلي شيئاً من الليل، ويستطيع أن يصوم بعض الأيام، ويستطيع أن يكتسب ويتصدق، فلما جاءه الهرم عجز.

    (وصحتك قبل مرضك) والصحة والمرض شيء بيد الله، ولكن يفوت على الإنسان شيء كثير مع المرض، ومن فضل الله على المسلم أنه إذا كان يعمل في صحته من أبواب الخير ويداوم عليه فمرض أو سافر وعجز عن ورده، أمر الله الملائكة أن تكتب له مدة مرضه وسفره ما كان يعمل في الصحة والإقامة حتى يعافى أو يرجع إلى بلده.

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) فهل يقبل الله منك وأنت معافى، ثم أنت مريض يتخلى عنك؟ لا والله! فهو أكرم الأكرمين.

    وكذلك (غناك قبل فقرك)، إذا كان المال معك، فانتهز أبواب الخير، أنت لا تدري ماذا يصير؟ سبحان الله!

    وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل

    كم من إنسان بات في القمة، وأصبح في الهاوية، أي: فما دام بيدك المال، وعندك الغنى، ووفرة المال، فافعل الخير، ولعل الخير الذي تفعله يحفظ لك مالك.

    من يصنع الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب الخير بين الله والناس

    وقوله: (وفراغك قبل شغلك)، هذه نصيحة نقدمها لطلبة العلم قبل كل شيء، عليه أن ينتهز فراغه للتحصيل قبل أن يخرج من الدراسة إلى الحياة، ويواجه المشاكل العملية، فهو في فترة الدراسة متفرغ لها، وبعد ما يتخرج ويأخذ الشهادة ويخرج إلى ميدان الحياة يشغل، وأول شاغل يلقاه الزوجة والأولاد، ولذا كان بعض السلف يقول: (ذبح العلم بين أفخاذ النساء)، وقد تكون الزوجة تعين طالب العلم على دراسته، لكن مشاكل الأولاد ضريبة لابد أن تؤديها في طريق الحياة، ويفرض عليك أن تشغل بما ليس من طلب العلم، وقد يكون عملك لطلب العلم، ولكن ليس كوقت التفرغ ، ولهذا يروى عن أبي حنيفة رحمه الله أنه كان يقول: لا ينبغي لإنسان أن يتولى القضاء أكثر من سنتين قالوا: لماذا؟ قال: مخافة أن ينسى العلم، لأن مشاكل الناس تنسي العلم، ولكن الآخرون يقولون: كلما زاول القضاء كلما تمكن فيه وتمرس، وعرف طرق الخصوم.

    وقوله (وحياتك قبل موتك)، الحياة أمامك، ولكن الموت ليس عندك وليس بيدك، فالمولى سبحانه وتعالى قدر لكل أجل كتاب فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34].

    إذاً: على العاقل أن يغتنم هذه الأمور الخمس، وقد جاء في الحديث الصحيح: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسمه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ما عمل به).

    والله أسأل أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع، وأن يوفقنا وإياكم للعمل بما علمنا، وأن يتقبل منا، وأن يعاملنا سبحانه بلطفه وكرمه، وإحسانه، فما أضعف الإنسان وما أطول الأمل! وما أوسع فضل الله سبحانه وتعالى!

    وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.