إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع والثلاثون

شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع والثلاثونللشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    شرح حديث: (إن الله تجاوز لي عن أمتي...)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    قال المصنف رحمه الله: [ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تجاوز لي عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه) حديث حسن، رواه ابن ماجة والبيهقي وغيرهما ].

    هذا الحديث يتكلمون على سنده، ويكثر العلماء من القول فيه، وأكثرهم على ضعف سنده، ولكن تحسين المؤلف له لا عن طريق السند، ولكن عن طريق الشواهد، وما يتقوى به من غيره، والقاعدة عند علماء الحديث: أن الحديث إذا كان ضعيف السند، -أي: أن في رجاله من يتكلم فيه- ولكن المعنى صحيح، ويتقوى بنصوص أخرى هي صحيحة؛ فإنهم يحسنونه، وهو المعروف بالحسن لغيره، وهذا الحديث مما صح معناه، وشهدت له نصوص أخرى سواء من القرآن الكريم أو من السنة النبوية، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله.

    قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لي) التجاوز: التعدي، تقول: جاوزني فلان، أي: تعداني، وتقول: تجاوزت عن حقي الذي عند فلان أي: تعديته وأسقطته، وهنا يقول صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لي) بمعنى: أسقط لي عن أمتي.

    وقوله: (الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)، هذه مسائل يخبرنا صلى الله عليه وسلم أن الله أكرم الأمة برسوله في ذلك، ومفهوم المخالفة: أن الله لم يتجاوز لنبي غيره لأمةٍ من الأمم عن تلك الثلاث، وهذا المنصوص عليه، لأن الأمم الماضية كانت تؤاخذ بما أخطأت، وبما نسيت، وبما أكرهت عليه، أما الخطأ والنسيان والإكراه، فكما جاء في قوله سبحانه وتعالى: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة:286]، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: أنها عندما نزلت قرأها صلى الله عليه وسلم، فكان كلما قرأ واحدة منها يقول الله تعالى: (قد فعلت، قد فعلت).

    إذاً: هذه الأمور الثلاث كانت الأمم من قبل مؤاخذة بها، وهي الإصر والأغلال التي كانت عليهم، ومما أكرم الله أيضاً هذه الأمة مع تلك الثلاث التوبة، فقد كانت توبة بني إسرائيل -كما بيّن سبحانه وتعالى- أن يقتلوا أنفسهم، قال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ [البقرة:54]، كانت توبتهم في تلك الواقعة أن يقتل بعضهم بعضاً، وهذه الأمة جعل الله لها التوبة: الندم على ما فات، والعزم على عدم العودة، وكراهية الذنب كما يكره أن يقذف في النار.

    فمن توافرت فيه تلك الشروط الثلاثة صحت توبته، ولو عاد بعد ذلك بدون إصرار فإن الله سبحانه وتعالى أيضاً يتوب عليه ما دام صادق النية، والتوبة تكون فيما بينه وبين الله، وقد أتى الرجل الذي اقترف ما اقترفه مع امرأة أجنبية إلا أنه لم يجامعها، إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله! أصبت حداً فطهرني، قال: وما ذاك؟ قال: وجدت امرأة في أقصى المدينة، ما تركت شيئاً يفعله الرجل مع المرأة إلا فعلته، غير أني لم أجامعها، فنزل قوله سبحانه وتعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114] فقال الرجل: ألي هذا يا رسول الله؟! قال: بل لك ولأمتي جميعاً) .

    إذاً: كانت الأمم الماضية توبتها غير توبة هذه الأمة في الكيفية، وكانوا يؤاخذون بالخطأ والإكراه.

    أما قضية الإكراه فجاء في الحديث: (مر رجلان مسلمان في طريقهم على قوم لهم صنم نصبوه على قارعة الطريق، لا يسمحون لأحد أن يمر من هذا الطريق إلا إذا قرب إلى صنمهم قرباناً، فقالوا لهذين الرجلين: قربا قرباناً واجتازا، فقالا: ما كنا لنقرب لغير الله شيئاً، فقالوا: قربا ولو ذباباً، فقال: أحد الرجلين: أما الذباب فأمر هين، فقرب ذبابة فخلو سبيله فدخل النار، وأما الثاني فقال ما كنت لأقرب لغير الله ولو ذبابة، فضربوا عنقه فدخل الجنة) فهذا امتنع في مقام الإكراه على تقريب ذبابة، فقتل فدخل الجنة، وجاء في حق مؤمني هذه الأمة: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [النحل:106].

    فهذا بيان من الله سبحانه بأن من تكلم بكلمة الكفر مكرهاً معفو عنه، وقد نزلت تلك الآية الكريمة وما بعدها في عمار بن ياسر ، أخذه المشركون وأخذوا أبويه ياسراً وأم عمار سمية وعذبوهم، وقتلت سمية، وتكلم عمار بما يريدون فتركوه، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (هلكت يا رسول الله! قال: وما ذاك؟ قال: الأمر كذا وكذا.. قال: كيف تجدك الآن؟ قال: قلبي مطمئن بالإيمان بالله وبرسوله ، قال: أنت على ما أنت عليه الآن، وإن عادوا فعد).

    وهكذا الإسلام ما كان الشخص في موقف شدة إلا وجاءت الرخصة، ولا في موقف ضيق إلا وجاء الفرج.

    وهنا يتكلم العلماء في حكم الخطأ والنسيان، وحكم الإكراه، فقوله: تجاوز لي، أي: تسامح الله عما يقع من المسلم عن طريق الخطأ أو طريق النسيان أو طريق الإكراه، وكيف يكون هذا؟

    يقسم العلماء ما يقع فيه الخطأ والنسيان والإكراه إلى أمور قولية وفعلية، ثم يأتون من جانب آخر فيقولون: المخطئ والناسي هل هما في وقت الخطأ والنسيان مكلفان أو مرفوع عنهما التكليف؟

    جاء في الحديث الآخر: (رفع القلم عن ثلاثة: النائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق) أي: أن العقل مات، وهو أداة الإدراك ومناط التكليف، وإذا عمل الرجل عملاً مخطئاً فيه أو ناسياً إياه أو مكرهاً عليه، ففي الحديث الذي هو القاعدة العامة يقول: (إنما الأعمال بالنيات)، وهذا يفعل الفعل ناسياً إياه، إذا كان قد أقسم ألا يدخل بيت فلان، فنسي ودخل فهل له قصد في الدخول؟! لا، وإذا أخطأ في دار فلان عن دار فلان، أو بثوب فلان عن ثوب فلان فهل قصد؟ لا.

    يقول العلماء: الخطأ قسمان: خطأ ضد الصواب، وخطأ ضد الطاعة، فالخطأ الذي فيه الكلام هنا هو الخطأ ضد الصواب، فإذا أراد إنسان شيئاً وأخطأ ففعل غيره فمعفوا عنه، مثل القتل، فالقتل يكون عمداً وخطأ، والآخرون يقولون: عمد وشبه العمد، وخطأ وشبه الخطأ، فالقتل العمد: هو ما كان عن قصد، وقد سبق إصرار لشخص بعينه، وأما الخطأ فهو: أن يقوم الشخص ليفعل شيئاً مأذوناً له فيه، فإذا به يصيب غير المأذون فيه، ومثلوا له: لو أنه أخذ سهماً ورمى صيداً، وكان وراء الصيد شخص نائم، وهو لا يدري عنه، فنفذ السهم من الصيد وأصاب النائم، هل هذا يكون عامداً لقتله؟

    ليس عامداً لقتله، وإنما قتله خطأ، لأنه كان قصد الصيد، وإصابة الإنسان المعصوم ليس في ذهنه، ولم يخطر له ولم يرد ذلك أبداً، فهذا خطأ ضد الصواب، ومن هنا جاء الحديث يشهد لذلك: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ -أي: الخطأ ضد الصواب- فله أجر) أي: أجر على اجتهاده وإن لم يصب الحق، وقد امتدح الله سبحانه نبيه سليمان وداود في قضية واحدة، وقال في حقهما: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء:79].

    أما الخطأ الذي هو ضد الطاعة، فهذا معصية، تقول: فلان أخطأ، وفلان أطاع.

    ولذا يقال في الأول: مخطئ، وهو الذي جانب الصواب، ويقال في مقابل الطاعة: خاطئ، فالخاطئ الذي يفعل المعصية عمداً، ويترك الطاعة قصداً، والمخطئ هو الذي يقع فيما لا يريد أن يقع فيه، فلهذا قال: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ) ولكن هل كل خطأ متجاوز عنه؟

    يقولون: الفعل إما حق لله، أو حق للآدمي أو مشترك بينهما، فما كان حقاً لله فإنه يتجاوز الله عنه، وما كان فيه حقاً لآدمي فإنه لا يعفى من حق الآدمي نتيجة خطئه.

    ولذا يقول الأصوليون: هناك ما يسمى بخطاب التكليف، وخطاب الوضع، فخطاب التكليف فيه الأمر بالفعل أو بالنهي، وخطاب الوضع فيه العلامات والشروط والضمان وغير ذلك، فإذا جاء إنسان يمشي وبدون قصد كسر إناء لشخص، فإن كسر الإناء بدون قصد منه فيه أمران:

    إتلاف مال المسلم، والتعدي على حق الغير، فإثم التعدي مرفوع عنه؛ لأنه لم يتعمد التعدي على حق الغير، ولكن تعويض هذا المال الذي أتلفه لا يسقط عنه، فعليه أن يدفع القيمة، ويرفع عنه الإثم والخطأ، لأن ضمان المتلف لا يسقط عن الصغير، بل لا يسقط عن الدابة والبهيمة، فإذا كان هناك طفل صغير دخل بيت إنسان مع أبيه، ثم أخذ يعبث وأتلف شيئاً لصاحب البيت، فإن والد الصغير ملزم بضمان ما أتلفه الصغير، وإن كان الصغير غير مكلف.

    الخطأ في تعيين القبلة وقت الغيم

    يبحث العلماء فيما يترتب على الخطأ، والنسيان، فيقولون فيما يتعلق بالخطأ: لو أن جماعة في صحراء وحان وقت الصلاة، وأرادوا أن يستقبلوا القبلة في صلاتهم، فاجتهدوا في ذلك، ثم تبين لهم بعد أن خرج الوقت أنهم أخطئوا في تعيين جهة القبلة، فما حكم صلاتهم التي أخطئوا فيها في استقبال القبلة؟

    إذا كانوا يعلمون أن القبلة في جهة معينة، ثم خالفوا واستقبلوا جهة أخرى عمداً فإن صلاتهم باطلة؛ لأنها تفتقد شرط الصحة، أما إذا كانوا لا يعلمون، واجتهدوا بكل ما في وسعهم، واقتضى رأيهم أنها في الجهة الفلانية وصلوا إليها، ثم بعد ذلك تبين لهم أنهم لم يصيبوا القبلة، فإن أدركوا ذلك في الوقت، كأن جاء إنسان من أهل البلدة وأخبرهم بالقبلة فعليهم أن يعيدوها؛ لأن الوقت باقٍ، وأما إذا لم يعلموا بذلك إلا بعد خروج الوقت فالصلاة قد مضت، ولذا جاءت الآية الكريمة: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115]، وقد وقع هذا للنبي صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه، صلوا ثم طلعت الشمس، فتبين لهم أنهم قد صلوا لغير القبلة، وعظم عليهم ذلك، فعفا الله عنهم، وقبلت صلاتهم، هذا فيما يتعلق بالقبلة للنص الوارد فيها؛ وقد جاءت نصوص أخرى تبين أن الله سبحانه يقبل صلاة المسافر في نوافله إذا استدبر القبلة قصداً، وكان صلى الله عليه وسلم في عودته من مكة يصلي النافلة وهو مستقبل المدينة، والكعبة من ورائه، ويقول سبحانه: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115].

    هذا إذا وقع الخطأ ولم يتبين إلا بعد خروج الصلاة، أما إذا أخطأ في شيء غير ذلك هل يمكن تداركه أم لا؟

    إن كان في صلب الصلاة، فيوجد تفصيلات عديدة طويلة محلها كتب الفقه والفروع.

    حكم من نسي ركناً من أركان الصلاة

    من نسي ركناً من أركان الصلاة هل يعيد الصلاة؟

    الركن هو: جزء الماهية، فإنه حينئذٍ عليه أن يتدارك ما نسيه؛ لأن الركن لا يمكن أن يجزئ عنه غيره، وننبه على خطأ من يقول: إن سجود السهو يجبر كل سهو في الصلاة، لا، وقد أجمع العلماء على أن سجود السهو لا يجزئ عن ركن الصلاة، لا عن ركوع، ولا عن سجود، ولا عن سجدة كاملة، إنما يجزئ عما يسمى بالواجبات، كما سجد صلى الله عليه وسلم للسهو عندما قام في الثانية ولم يجلس للتشهد الأول، ومرة صلى الرباعية وفي الركعة الثانية، فقال له ذو اليدين: (أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ قال: كل ذلك لم يكن)، وهذا يسمى عند المناطقة بـ(كلية السلب)، فقال: (بل كان ذلك يا رسول الله! وفي القوم أبو بكر وعمر فقال صلى الله عليه وسلم: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم -يا رسول الله!- فرجع واستقبل القبلة، وجاء بركعتين ثم سجد سجود السهو، ثم سلم بعد ذلك).

    إذاً: من سها عن شيء في الصلاة فإن كان ركناً من أركانها فعليه أن يأتي بما نسي، ولا تجبر سجدتا السهو ما كان ركناً؛ لأن الركن جزء الماهية.

    حكم من أكل أو شرب ناسياً في نهار رمضان

    كذلك إذا نسي الصائم فأكل أو شرب، الجمهور يقولون: جاء النص في خصوص الصوم: (من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)، قالوا: هذا امتنان من الله على العبد بأنه أطعمه وسقاه، فقال: الأئمة -ما عدا مالك رحمه الله: لا قضاء عليه ولا إثم، ويقول مالك رحمه الله: أما الإثم فلا إثم عليه، ولكن عليه قضاء يوم مكان اليوم، واستدل على ذلك بقوله سبحانه: فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187]، قال: هذا الذي أكل أثناء النهار ما أتم، قالوا: إنه ناسٍ قال: لا إثم عليه، ولكن عليه أن يأتي بيوم مكان اليوم.

    والصحيح -والله تعالى أعلم- ما ذهب إليه الجمهور؛ لأنه لو كان يلزمه قضاء يوم مكانه لبينه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يجوز في حقه صلوات الله وسلامه عليه تأخير البيان عن وقت الحاجة.

    حكم من جامع امرأته محرماً أو في نهار رمضان ناسياً

    كذلك لو نسي في نهار رمضان فوطئ زوجته، أو كان محرماً بالحج فنسي ووطئ، هل هذا النسيان يعفيه من نتائج الوطء في الصوم أو في الإحرام؟!

    الجمهور يقولون: نعم، وكيف ينسى الوطء؟! الوطء ليس كالأكل والشرب، وبعضهم يفرد القضية في الأكل وفي الوطء بأن العبرة بالقصد في فعله، فإذا تحقق أنه كان ناسياً فلا شيء عليه، وكذلك في الحج قالوا: حجه صحيح ويمضي فيه، والذين لا يعتبرون نسيانه في مثل هذه الصورة، قالوا: قد فسد حجه، وعليه وزوجه حج من عام قادم.

    وهكذا يتكلمون في سائر العبادات، كما لو حلف يميناً طلاقاً أو يميناً بالله ألا يدخل بيت فلان، فنسي ودخل، فهل يؤاخذ بدخوله ويكون حانثاً في يمينه، وعليه كفارة أو تطلق الزوجة أو أنه لم يحنث في يمينه؟

    إذا لم يكن يحنث بنسيانه فلا طلاق ولا كفارة.

    بعض العلماء: يمكن أن يقال: إن هذا الحديث وإن كان ضعيف السند، فيعتبر نصف الشريعة؛ لأن الإنسان المكلف يعمل العمل على أحد أمرين: قد يفعله ذاكراً قاصداً متعمداً لذلك بإرادة واختيار، وقد يفعله نسياناً أو خطأً أو مكرهاً.

    إذاً: هذا الحديث يتناول حالة النسيان، والإكراه، وحالة الخطأ، فاعتبروا أن هذا الحديث يعادل نصف التشريع تماماً.

    خلاف العلماء في اعتبار الإكراه

    أما مسألة الإكراه فأكثر العلماء يقولون: الإكراه في الأقوال لا شيء فيها، ما عدا الإمام أبا حنيفة رحمه الله فإنه يقول: كل من أكره على قول شيء، وقاله مكرهاً فإنه مؤاخذ بذلك، حتى ولو أكره على قول الكفر، فمن تكلم بكلمة الكفر عومل معاملة المرتد ظاهراً، أما بينه وبين الله فعلى ما في نيته مع الله.

    وقال الجمهور: المولى سبحانه يقول في ذلك: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106]، فقال أبو حنيفة : هذا في أول الإسلام، وقد كان صلى الله عليه وسلم مع أصحابه بمكة في الحجر، فقالوا: يا رسول الله! ألا تستنصر لنا؟ أي: تسأل الله النصر لنا، وذلك عندما كانوا يعذبون، فكان المشركون يعذبون ضعفة المسلمين، فقالوا: (يا رسول الله! ألا تستنصر لنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إن من كان قبلكم كان يؤتى بالرجل من قبلكم، وتحفر له الحفرة، ويؤتى بالمنشار، فيوضع على مفرق رأسه فينشر حتى يشق نصفين ولا يرجع عن دينه) قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: هذا يورده رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل المدح؛ فلا يجوز للإنسان أن يترخص بكلمة الكفر؛ لأن من كان قبلنا كانوا ينشرون بالمناشير فلا يرتدون عن دينهم، وجاء في حديث أبي ذر من ذكر وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم العشر الطويلة قال: (ولا تشرك بالله وإن قطعت أو أحرقت)، قال أبو حنيفة رحمه الله: هذا نهي من رسول الله، وتحذير له من أن يتكلم بكلمة الكفر، ولا يترخص.

    وأجاب الجمهور: أنه في بدء الأمر في مكة كان واجباً عليهم أن يصبروا ويتحملوا، أما بعد ذلك فإذا نطق بكلمة الكفر فإنها لا تضر الإسلام ولا المسلمين، وقد أباح الله سبحانه وتعالى ذلك بنص الآية الكريمة، فالآية مقدمة على ذلك الحديث، ولا سيما إذا كان الحديث متقدماً، ونزلت الآية بعده، والآية أثبت وأقوى دلالة، وعلى هذا الجمهور يقولون: من أكره على كلمة الكفر، فقالها وقلبه مطمئن بالإيمان، فلا شيء عليه، وهو ما يشهد له كتاب الله، فإنه قد بيّن وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [النحل:106]، فإذا كان يقولها وهو منشرح الصدر فهذا كافر حقاً بلا إشكال، أما إذا قالها مكرهاً فلا إثم عليه، وجاء عن ابن مسعود أنه قال: لو أن كلمة تنجيني من سوطين لقلتها، فقالوا: هذا ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يقول: لو أن كلمة يكون فيها تعريض بديني وتنجيني من السوطين لقلتها، اعتماداً على ما جاء في القرآن الكريم في أصل العقيدة: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ [النحل:106].

    وهكذا في اليمين: لو أن إنساناً أكره أن يحلف يميناً بالله، أو يميناً بطلاق، فما حكم هذه اليمين؟ وما حكم المحلوف عليه؟

    جاء عن بعض السلف أن رجلاً كان عنده متخف من سلطان ظالم، فجاء أعوان السلطان وسألوه عنه، فقال: ما رأيته، قالوا: أتحلف بالله، فحلف بالله أنه لا يعلم عنه، وقال: لأن أحلف بالله كاذباً وأنجي مسلماً خير من أن أسلم مسلماً للقتل ظلماً.

    وكان بعض الأمراء له من يتتبعون الأخبار، فجاءه شخص وقال: إن بمجلس فلان -وهو من سلف الأمة من تابعي التابعين- أناس يتكلمون عنك في مجلسه، فأرسل إليه، فقال: ما حصل هذا، قال: أتحلف بالله؟ فحلف بالله، فرجع السلطان على من أخبره وجلده سبعين سوطاً، فجاء ذاك المخبر إلى ذاك الشخص وعاتبه؛ لأن الوالي ضربه سبعين سوطاً، فقال له: لأن تضرب سبعين سوطاً خير من أن تسلم مسلماً للقتل ظلماً.

    حكم من أكره على الطلاق

    لو أن إنساناً أكره على الطلاق، ماذا يكون الحكم؟، يروي الإمام مالك في الموطأ أن رجلاً تزوج أم ولد لـعبد الرحمن بن عبد الله بن عمر ، فأحضره عبد الرحمن مقيداً، وأتى بالعصا ثم قال له: طلق وإلا ضربناك، فطلق ثم ذهب إلى عبد الله بن عمر واستفتاه، فقال: ما طلقت عليك، فذهب إلى ابن الزبير وأخبره بفتوى ابن عمر ، فكتب إلى عامله بالمدينة أن رد الزوجة لزوجها، وعاقب فلاناً، وهذه رواية الموطأ لا إشكال فيها.

    ويذكر ابن قدامة في المغني أن رجلاً كانت زوجته تطلبه الطلاق فيمتنع، فذهب مرة معها يجني عسلاً، وكان العسل على صفحة جبل، ولا يمكن أن يصل إليه من أسفل، ولا أن ينزل إليه من أعلى، فماذا يفعل؟ تدلى إليه بحبل، وربط الحبل في صخرة، ثم نزل على الحبل إلى أن وصل إلى موضع العسل، وبينما هو يجني العسل، جاءت زوجته من أعلى، وأخذت الفأس وقالت: طلق وإلا قطعت الحبل ومت، فأخذ يعتذر إليها ويترجاها قالت: أبداً الآن أن طلقني وإلا قطعت الحبل؟ قال: أنت طالق ثلاثاً، فجاء إلى عمر رضي الله تعالى عنه وأخبره، فقال: لم تطلق عليك، وأدبها، فهنا عمر رضي الله تعالى عنه لما وجد الرجل مكرهاً على الطلاق لم يعتبرها مطلقة عليه، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا إغلاق في طلاق ولا إعتاق..)، أي: لا يغلق على الإنسان بأن يضيق عليه حتى يطلق، ولا إعتاق، ولا يغلق الرهن على صاحبه، فإذا أغلق على الإنسان مسالكه، وضيق عليه وأكره لعتق عبده، أو ليطلق زوجاته، فإن هذا لا ينفذ؛ لأنه تحت الإكراه، عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).

    حد الإكراه

    ما هو حد الإكراه الذي يرفع عن الإنسان حكم ما فعل عند العلماء؟

    بعضهم يقول: حد الإكراه في البدن بالضرب، أو بالجرح، أو بالقتل.

    وبعضهم يقول: حد الإكراه بالبدن أو بالمال، والإمام مالك رحمه الله يروون عنه أنه ما كان يرى الإكراه في المال، لأن المال يفادي به دينه، والجمهور على أن من أكره في ماله، أو أكره في نفسه أو ولده وأهله، فإن ذلك الإكراه يجعله في حل مما أكره عليه، وبعضهم يقول: الإكراه بالسجن والقيد يعتبر إكراهاً، والواقع أن الناس ليسوا سواء، فهناك من يضرب ويجلد ولا يؤثر فيه، وهناك من توجه إليه العبارة فتكون أثقل عليه، فالناس يتفاوتون في الإكراه.

    ويذكر عن أحمد بن حنبل رحمه الله عندما كان يضرب في محنته وهو في السجن، ففي يوم من الأيام جاء سجين إلى أحمد وقال: يا أحمد! أتعرفني؟ قال: لا، فقال عن نفسه: إنه سارق مال فلان، وهو عندي، وقد دفنته في المكان الفلاني، وهأنذا أقر لك، وأنت تراني كل يوم أضرب فلم أقر أمامهم أبداً، أما أنت -يا أحمد- فانظر إلى ما وراء الأسوار من أقلام ومحابر تنتظر ماذا ستقول في قضية القرآن، يقول أحمد : والله! لقد شجعني، فهذا شخص يضرب كل يوم على مال، ويتحمل الضرب ولا يبالي به، فهل مثل هذا لو ضرب سوطاً وسوطين وعشرة، يقال: قد أكره على الطلاق؟ لا.

    بعد هذا البحث في نوعية ما يقع فيه الإكراه، قالوا: يقع الإكراه على المال، وعلى الطلاق، وعلى شرب الخمر، وعلى السرقة، لكن لكن هل ممكن أن يكره على الزنا؟ وهل يمكن أن يكره على قتل شخص آخر؟ أما الشافعي رحمه الله وغيره فيقولون: الإكراه في كل شيء إلا القتل، ويمكن أن يكره على الزنا، وقال الآخرون: لا، كيف يكره على الزنا، والزنا لا يتأتى إلا باختيار من الرجل، وبإرادة منه، وبانتشار يتأتى به الفعل؟ ويجيب عن ذلك الإمام ابن تيمية رحمه الله بأنه يصح ابتداءً أن يكون مكرهاً، أما عندما يتعرض للفعل وتتهيأ الأسباب، فإن الجبلة الإنسانية لا تعرف بعد ذلك إكراهاً أو غير إكراه، فإذا تهيأت الأسباب، وجئ بالفتاة وخلي بينه وبينها، وأخذت تراوده على ذلك، فإنه حيوان يتفاعل وينفعل، فهو ابتداء أكره على ذلك، وحين يقع الفعل خرج عن طور إكراهه وإرادته.

    إذاً: يتأتى الإكراه على الزنا، والعلماء مختلفون في إكراه الرجل على الزنا، فماذا يقولون في المرأة إذا أخذت بالقوة وكتفت، فهل يتأتى الإكراه لها أم لا؟ وهل يشترط في المرأة ما يشترط في الرجل؟

    أجمع المسلمون أن المرأة إذا أكرهت على الزنا فلا حد عليها، ولا ذنب عليها، ويأتي النص القرآني الكريم ليبين ذلك: وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:33].

    وهذا نص صحيح من كتاب الله صريح في موضوع إكراه المرأة، وما الذي يخرج الرجل؟ هل كونه لا يتأتى إلا باختيار؟ قد تكون الغريزة فيه بدون اختيار، وعلى هذا يطرد الباب فيما يتعلق بالزنا، وبالخمر، وبالسرقة إلى غير ذلك.

    أما الإكراه على القتل، فلو أكره إنسان على أن يقتل آخر وإلا أخذ ماله، فقتله، فبإجماع المسلمين أنه لا يعذر، وإذا كان الإكراه بالضرب فقتل فبإجماع المسلمين أنه لا يعذر، وإذا كان الإكراه بتهديده بالقتل: اقتل وإلا قتلت، وكان المهدد قادراً على أن ينفذ ما هدد به فقتل فما حكمه حينئذٍ؟

    هنا تأتي المعادلة، ما قتل المكره إلا مفاداة لنفسه، فكأنه فادى نفسه بغيره، إذاً: هو آثم ومؤاخذ، ولكن هل يقتل هو لأنه مباشر للقتل؟ المكره له اتخذه آلة للقتل، كمن جاء إلى صبي صغير وأعطاه السلاح وقال: اذهب فاقتل ذاك، فالجمهور يقولون: الصبي غير مكلف، ولكن الذي دفعه وأعطاه السلاح هو الذي يقتل، والصغير جزء من آلة القتل، لكن الصغير لا تكليف عليه ولا حساب، يقولون: ليست عليه مسئولية السؤال والحساب، فهو فاقد أهلية المسئولية كالمجنون، ولكن العاقل يتحمل المسئولية، وله أهلية السؤال والمسألة، فكيف يقدم قصداً على قتل إنسان ليسلم هو، إذاً فادى نفسه بغيره، فيقتل باتفاق، وهناك من يقول: المُكْرِهُ والمُكْرَه كلاهما يقتل لأنهما اشتركا في القتل، ويهمنا أن قضية الإكراه على القتل خارجة عن هذا الموضوع، لنص خاص، ولعصمة النفس، وللمقابلة في مفاداة نفس بنفس.

    أيها الإخوة الكرام! إن هذا الحديث يبين فضل الله على هذه الأمة، ويبين تجاوز المولى ومسامحته لها، وما يوجد في الإسلام طريق مسدود قط.

    وهذا الحديث وإن كانوا قد تكلموا في سنده من جهة الرجال، فإن كل جزئية فيه لها شواهدها، ولهذا حكم عليه النووي بأنه حسن، أي: حسن لغيره، وعليه العمل، وتلقته الأمة بالقبول.

    وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، والسلام عليكم ورحمة والله وبركاته.