إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. شرح الأربعين النووية - الحديث الحادي والثلاثون

شرح الأربعين النووية - الحديث الحادي والثلاثونللشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    شرح حديث: (ازهد في الدنيا يحبك الله)

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    قال المصنف رحمه الله: [عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله سلم فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملتُه أحبني الله وأحبني الناس، فقال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس). حديث حسن، رواه ابن ماجة وغيره بأسانيد حسنة].

    أيها الإخوة! نجد في ألفاظ هذا الحديث تصويراً لاتجاه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبُعد غايتهم، فهذا رجل جاء يسأل رسول الله عن عمل، لا لمال يحصل عليه، ولا لرئاسة يتولاها، ولا لمفخرة في الدنيا؛ ولكن جعل نصب عينيه أن يكون في الدنيا محبوباً عند الناس، وفي الآخرة محبوباً عند الله، فمحبة الله سبحانه غايته، وهكذا حال الصحابة يسعون بكل أعمالهم للحصول على شرف محبة الله سبحانه، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54]، وإن تبادل المحبة بين العبد وربه أمر عجيب! يصعب على إنسان أن يصوِّر كنهه، وهو -كما يقولون-: أمرٌ ذوقيٌّ، يتذوقه الإنسان ولا يستطيع أن يعبر عنه.

    هذا الرجل أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الاتجاه؛ لأن غايته سليمة، ومطلبه كريم، ويوجهه إلى العمل الذي يحصل به على هذه المحبة من الله ومن الناس: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس).

    إذاً: الزهد طريق المحبة، فإن كان لله فزهدك في الدنيا، وإن كان للناس ففي ترك ما في أيديهم.

    ولو فتشنا تفتيشاً أدق قليلاً: فهل الذي بأيدي الناس كله والذي يزهد فيه الإنسان إنما هو جزء من الدنيا؟!

    ولكن عملياً: الزهد في عموم الدنيا هو الزهد في خصوص ما بأيدي الناس.

    تعريف الزهد في الدنيا

    كثر كلام العلماء في تعريف الزهد، فترك الكسب ليس بمناسب، ويقول بعض العلماء: الزهد في السلطة أشد على النفس من الزهد في الدينار والدرهم، أو أشد على النفس من الزهد في الذهب والفضة، وفي التاريخ أن بعض خلفاء بني أمية جاءه رأس بعض الناس فنكت بالقضيب في وجهه وهو يقول: والله! إنك كنت لي صديقاً حميماً؛ ولكن هذا الملك عقيم، كان صديقاً ولكن خرج عليه، فقتله حفاظاً على الرئاسة والملك!

    وبعض الناس يتكلف ويقول: الزهد من ثلاثة حروف: زاي وهاء ودال، فالزاي: من الزينة، والهاء: من الهوى، والدال: من الدنيا، وكلها ترجع إلى مدلول واحد؛ لأن الزينة والدنيا شيء واحد.

    وبعضهم يقول: حقيقة الزهد هو: القناعة بقضاء الله، والرضا بعطائه الذي أعطاكه.

    ويقول أحمد بن حنبل : الزهد في الدنيا قصر الأمل فيها.

    ويبحثون مسألة: أيهما أفضل: الغني الشاكر أم الفقير الصابر؟

    فيرجح كثير من العلماء أنه الغني الشاكر؛ لأن غناه مع شكره سينتفع به غيره.

    من زهد السلف

    أويس القرني ، أويس رجل من أهل اليمن أوصى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب به، فقال له: (إن استطعت أن يدعو لك فافعل) وذكر له صفته.

    عمر وفود اليمن:

    أفيكم أويس القرني ؟

    إلى أن وجده فقال: ادعُ الله لي.

    قال: كيف أدعو لك وأنت أمير المؤمنين؟!

    قال: ادعُ الله لي أولاً، فدعا له، ثم قال له: إن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصاني بك.

    قال: أما وقد علمت بذلك فأنا أريد أن أخرج من المدينة.

    قال: إلى أين ستذهب؟

    قال: إلى العراق.

    قال: سوف أعطيك خطاباً لعامل العراق.

    قال: أريد أن أكون في عامة الناس، لا يعلم بي أحد.

    ثم ذهب يعمل أجيراً عند رجل، فكان عمر يوصي وفود أهل العراق أن يسلموا عليه.

    فكان الحُجاج يسألون عن أويس القرني : أين هو؟ وأين محله؟ وعند مَن؟ حتى استدل عليه رجل وقال: أوصاني عمر أن أبلغك السلام، فقال: ألقيت عمر؟

    قال: نعم، فخرج من الكوفة، ولم يعلم به أحد فيما بعد!

    فهذا يريد أن يكون في عامة الناس، على ما هو عليه من منزلة عند الله، ولا يرغب في الدنيا، حتى عمر يقول له: أعطيك كتاباً كوصية، فرفض، والشخص منا عندما يكون له حاجة عند إنسان، ينظر! صديقه ليكون الواسطة، فيقول له: اعمل معروفاً وأعطني خطاباً له، ووصِّه عليَّ، وهذا أمير المؤمنين يريد أن يكتب لعامله ليكرمه، فيقول: لا أريد أحداً يعلم بي، أريد أن أكون في عامة الناس!

    وعمر بن عبد العزيز كان من أعظم الشباب تمتعاً، وفي أبهه. يقول بعض المؤرخين: كان إذا لبس حلة وخلعها لا يرجع إليها، وإذا أرسل حلة للغسال ليغسلها فإن الناس يرسلون ثيابهم لتغسل عند هذا الغسال لتُغسل عقب ثياب عمر وتصيب من طيبها!

    وحينما تولى الخلافة خرج من هذا كله، وزوجته كان أبوها خليفة، وأخوها خليفة، فقال لها: يا فاطمة! أنا تركت الدنيا وخرجت منها واشتغلت بهؤلاء الناس، فإن كنت تريدين البقاء معي على ما أنا عليه فابقي أو فاذهبي إلى أهلك!

    فقالت: بل أكون معك.

    وعندما أراد أن يُصْلِح بيته كانت تصنع الطين وتناوله إياه، فهذا هو الذي خرج من الدنيا فعلاً بعد أن امتلكها.

    وكذلك مصعب بن عمير الذي أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقرئ أهل المدينة، ويعلمهم الإسلام، فبعد بيعة العقبة الثانية ذهب إلى الأوس والخزرج على مياههم ليدعوهم إلى الإسلام.

    يقول الذهبي في ترجمته: مَرَّ ذات يوم على أصحاب رسول الله فخفضوا رءوسهم حياءً لأنهم لا يجدون ما يكسوه، وكان عليه إزار مرقع بقطع من الأدم أي: الجلد!!

    وكانت أمه ذات ثراء، وكانت تكسوه اللين من الثياب، وتطعمه الناعم من العيش، فترك ذلك كله لله ولرسوله، وترك أمه وكل نعيمها وأموالها مسخرة لخدمته وترفيهه، فأسلم فخرج من هذا كله، وهاجر وصار رداؤه وإزاره مخرقاً ومرقعاً بجلد، وربما كان جلد قربة قديمة أو جلدَ فروة أو شيئاً من هذا يُرقَّع ثوبه به!

    ومع هذا كان هو الداعية الأول، والمعلم الأول في المدينة قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها.

    حقيقة الزهد

    نريد أن نبين موطنين في كتاب الله يكشفان لنا حقيقة الزهد.

    فليس الزهد ترك العمل بالكلية، والعزوف عن الدنيا، والهروب منها، بل هو تسخيرها وتذليلها وجمعها وإنفاقها في سبيل الله وفي أوجه الخير.

    الموطن الأول في سورة آل عمران: يصور لنا متاع الدنيا بمختلف مجالاتها، ويبين لنا أن من شُغل بتلك المفاتن وكانت غايته، فهي نهايته، ومن أعرض عنها ولم يقف عندها، وكانت وسيلة في يده وليست غاية، فهو حقيقة الزاهد وما له عند الله سبحانه أعظم.

    أهل الدنيا

    قال الله عز وجل: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ [آل عمران:14]، وهذا أمر جِبِلِّي، وغريزة في الإنسان، وسيد الخلق صلى الله عليه وسلم يقول: (حبب إلي من دنياكم ثلاثاً: الطيب والنساء -وهذان متلازمان- وجُعِلت قرة عيني في الصلاة)، يعني: النساء والطيب ما شغلاني عن الصلاة، بل كان يقوم الليل حتى تفطرت قدماه، فما شغله الفراش ولا الزوجات ولا الطيب عن أداء واجبه والتقرب إلى ربه.

    قال تعالى: حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ ، مكدس بعضُها فوق بعض، مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ ، ليست خيلاً عاديةً هاملة، بل خيلاً عربية أصيلة، وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ ، من البقر والإبل والغنم، وَالْحَرْثِ : كل المزروعات، ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، من المسمَّيات التي هي ألذ ملاذِّ الدنيا، وهل هناك مال آخر؟

    الآن أصبح هناك العمارات، وهي داخلةً في هذا، فهي تقابل الحرث في السابق، عمائر فاخرة، ومبانٍ شاهقة، ولكن كل ذلك متاع، والمتاع شيء مؤقت.

    قال تعالى: ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وهل وصفُ الحياة بـ(الدنيا) من الدنو والقرب أو الدناءة؟

    من الدنو والقرب في مقابل الآخرة.

    ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران:14] أي: المرجع، وهو جنة الخلد.

    إذا نظرنا في هذا: فإن تلك المسميات هي متاع الحياة الدنيا، وعلى الإنسان ألا يكون معها لمجرد المتعة، والنتيجة ذاهبة، لكن إذا كانت وسائل وليست غايات فلا بأس، فالمرأة هي سبيل الولد، والنكاح مقصد من مقاصد الحياة لبقاء النسل وعفة الإنسان، وإذا تزوج الرجل فإنه يعف نفسه، ويعف المرأة أيضاً، ويولد له من يذكر الله معه ومن بعده.

    إذاً: ينبغي أن المرأة وسيلة للإعفاف، ولبقاء النسل، ولعمارة الكون، ولتكثير هذه الأمة، ولتحقيق رغبته صلى الله عليه وسلم في قوله: (فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة).

    وينبغي أن يطلب الولد ليكون صالحاً يدعو له، أو يكون وديعة عند الله وشهيداً في سبيل الله، أو يكون آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر عالماً بكتاب الله، وعمله في صحائف والده.

    أما الخيل فقد أشرنا أنها على ثلاثة أقسام: أجر، وستر، ووزر.

    وهكذا الأنعام إذا اقتناها، وأدى حق الله فيها وفي رقابها وظهورها؛ كان له بذلك الأجر العظيم.

    عثمان رضي الله تعالى عنه جهَّز جيش العسرة، وإذا لم يكن عنده مال فكيف يجهز جيشاً؟! ولهذا يقول بعض الناس: كثير من الوعاظ يذم الدنيا ويقبحها وكأنها مصيبة وجريمة وقعت على الناس، هذه الدنيا إن لم تكن موجودة فكيف نكتسب الآخرة؟ فنحن لا نحصل على ثواب الآخرة إلا من الدنيا، فالدنيا مزرعة الآخرة.

    وفي بعض الآثار: (من الناس من يسب الدنيا، فتقول له: قبح الله أعصانا لله! أنا الذي أعصي الله أم أنت؟!)، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فطلع لنا جبل أحد، فقال: (يا أبا هريرة ! وددت لو أن لي مثل جبل أحد ذهباً، أقول به هكذا وهكذا -وأشار يميناً وشمالاً- فلا يمضي ثلاثاً وعندي منه شيء، إلا شيء رصدته لدَينٍ)، فالرسول تمنى أن يكون عنده مثل أحد ذهباً؛ لكي ينفقه في سبيل الله.

    إذاً: الأموال والقناطير المقنطرة يجب أن تكون: (نعم المال الصالح للرجل الصالح).

    ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران:14]

    فضل الزهد في الدنيا

    هذه الأشياء محبَّبة ومزيَّنة عند الناس وكأنها كل شيء، لكن قال الله: قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ [آل عمران:15]، من شهوة النساء والبنين والقناطير المقنطرة والخيل المسومة والأنعام والحرث، أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا اتقوا محارم الله ومعصيته ونواهيه سبحانه وتعالى، وامتثلوا الأوامر واجتنبوا النواهي.

    لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [آل عمران:15].

    إذاً: هؤلاء عندهم الحرث، والحرث جنات وحدائق وبساتين؛ ولكن ليس مثل هذه الجنات؛ لأن جنات الآخرة تجري من تحتها الأنهار، وجنات الدنيا كما قال الله: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً [الكهف:32-33]، لكن جنات الآخرة: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ، وليس هو نهراً واحداً، بل المتنوعة الأصناف كما قال الله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد:15].

    وقوله تعالى: ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [آل عمران:14]؛ لا تظن أنه متاع الحياة الدنيا من أول آدم إلى يوم القيامة! لا، بل يقصد به مدة حياة الإنسان، والله سبحانه جعل لنوح عليه السلام عمراً طويلاً: أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً [العنكبوت:14]؛ وكما جاء في الأثر: (إذا كان يوم القيامة يؤتى برجل من أهل النار فيُغمس غمسة في النار، ثم يقال له: هل رأيت نعيماً قط؟ فيقول: لا والله! يا رب! ثم يؤتى برجل من أهل الجنة، فيغمس في الجنة غمسة ثم يقال له: هل مر بك بؤس في الدنيا قط؟ فيقول: لا والله! ما رأيت شيئاً)، إذاً: نعيم الدنيا كله للكافر لا يساوي غمسة في النار!

    وفي الحديث: (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يُدخل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع!)، كم يأخذ هذا؟ هذا مثل الدنيا في الآخرة! وفي الحديث (لموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها)، فالنعيم الحقيقي الذي لا يعادله شيء في الوجود، هو الدوام والخلود في الجنة، وأيُّ شخص في الدنيا سواء أكان عاقلاً أو نصف عاقل إذا قيل له: نبني لك مدينة خيالية؛ من أثاث ونعيم ومتاع وجوارٍ مدة حياتك، وبعد ذلك إلى النار -عياذاً بالله-، أو تعيش نصف حياتك في هذا النعيم والنصف الثاني في الصحراء ، أو نبني لك عشةً وعندك من الماء ما تيسر، ومن الخبز ما يكفيك بالكفاف، وعندك الهواء الصافي، والظل، وتستمر فيها على استمرار، فأيهما تختار؟

    سيختار الحياة العادية بصفة دائمة، ولن يختار المدينة الخيالية التي يعيش فيها نصف عمره، ثم النصف الآخر يُرمى به في الصحراء؟ فما الفائدة من النعيم ثم الجحيم؟

    ولذا يقولون: لو أن إنساناً خير بين بيت من خشب دائم، وبيت من ذهب مؤقتٍ؛ لكان العاقل يختار البيت الدائم، فكيف ببيت من ذهب دائم تستبدله ببيت من خشب؟!

    حينما تتذكر الجنة -نسأل الله من فضله- تشعر بأن نعيمها هو النعيم المقيم جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا [آل عمران:15]، فهو عطاء دائم، وأنت مخلد فيه، وأعتقد أنه لو نقص نصف هذا النعيم مع الخلود فيه فلن يضرك شيء.

    إذاً: بقاء الجنة وخلود الإنسان فيها أكبر نعيم، وهو أكبر من نعيم الجنة نفسها، وهذا النعيم الدائم هو السعادة بكاملها، ومع هذا أيضاً: وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ [آل عمران:15].

    زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ [آل عمران:14]، عندما تنظر للمرأة في الدنيا ترى أن ثلاثة أرباع عمرها في حالة الله أعلم بها، وربع العمر ضائع في الدورة الشهرية؛ لكن نساء الجنة مطهرات من هذا كله، فالمرأة في الدنيا إذا ولدت فشهران يذهبان في النفاس، وشهر قبل النفاس في الوحم، وجِبِلَّة الإنسان يأكل ويفرِّغ؛ لكن أزواج الجنة مطهرات من ذلك كله، بل كما في الآية الكريمة: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن:56]، وأيضاً إذا عاد إليها وجدها بكراً.

    إذاً: هناك فرق كبير، بل ليس هناك موضع مقارنة، قال تعالى: أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ [آل عمران:15]، قال الله: وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:35]، قال الله: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ [آل عمران:15]، ونضرب أمثلة لذلك -ولله المثل الأعلى-: إذا جئت ضيفاً على صديق، وشعرت بأن زيارتك لهذا الصديق تفرحه، ألا يكون ذلك إكمالاً لسرورك بوجودك في ضيافته؟! بخلاف إذا جئت ضيفاً عند شخص وشعرت أنه يستثقل وجودك.

    فإذا شعر الإنسان أنه مخلد في جنة نعيمها كما بين سبحانه: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ، وهو مخلد فيها، وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ، ثم بعد هذا كله قال الله: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ .

    وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:15] بصير بأعمالهم، وسيجازيهم على قدر ما عملوا، وبحسب موقفهم فيما زُيِّن لهم من تلك المسميات.

    من صفات الزاهدين في الدنيا

    انظر إلى وصف أولئك الذين وعدهم الله بالجنة التي هي خيرٌ من زينة الدنيا ومتاعها، فمن هؤلاء أصحاب النعيم؟

    قال الله: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:16]، ليس الإنسان معصوماً من الذنب، ولو لم يكن هناك ذنب، وطلبوا المغفرة فإن ذلك علو في درجاتهم، كما هو حال سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ويقول: (توبوا إلى الله، فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة)، ويحث على الاستغفار فيقول: (إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة) وفي رواية: (مائة مرة).

    ولذا قالوا: استغفاره صلى الله عليه وسلم علو في درجاته، وبعضهم يقول: يستغفر للمؤمنين؛ لكن هذا جانب وذاك جانب آخر، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً [النصر:3].

    الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:16]، وهذه هي صفات الزُّهَّاد حقاً، فمَن اتصف بهذه الصفات فهو الزاهد حقاً، وما هي صفاتهم؟

    قال الله: الصَّابِرِينَ [آل عمران:17]: الصابرين على ماذا؟

    على تلك الشهوات التي زُيِّنت لهم، فإذا لم يجدها إنسان من هؤلاء الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا ، فماذا يكون موقفه ؟

    كما قال الله: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:33]، وكما قال عليه الصلاة والسلام: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم)، والصوم هو عين الصبر.

    الصَّابِرِينَ : عن معصية الله، وعلى قضاء الله، وعلى أداء طاعة الله، وكل ما يمكن أن تأتي به من أفعال الخير والقربات والمكرمات والمروءة والإنسانية، فإنه يدخل تحت عنوان: الصَّابِرِينَ وأقوال العلماء في وصف الزاهدين تدخل تحت هذه الصفات الآتية.

    إذاً: أول صفات الزاهدين حقاً أو المؤمنين حقاً الذين لم تغرهم زينة الحياة الدنيا: الإيمان واللجوء إلى الله وطلب المغفرة: وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ، ثم: الصَّابِرِينَ .

    ثانياً: وَالصَّادِقِينَ [آل عمران:17]، الصادقين في كل شيء، وليس في الحديث فقط، فالله يقول: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب:23]، الصدق في التعامل مع الله، الصدق في التعامل مع الناس، الصدق في التعامل مع النفس، الصدق في التعامل مع كتاب الله وسنة رسوله، فالصادقين عنوان عام في كل ما أتوه.

    ثالثاً: وَالْقَانِتِينَ [آل عمران:17]: سبحان الله! (صابرين) و(صادقين)! ولعل مجيء (صابرين) أولاً يوحي بأن الصدق يحتاج إلى صبر، فقد يحدث لإنسان موقف، والصدق قد يؤذيه أو يحمِّله مشقةً؛ لكن لم يضيع مبدأ الصبر، وانطلاقاً من الصبر تصدُق وتقول الحق وتتعامل بالصدق، فإذا كان صابراً صادقاً يأتي القنوت مع الله، والقنوت: الطاعة والخشية والخشوع والخضوع.

    رابعاً: وَالْمُنْفِقِينَ [آل عمران:17]، هؤلاء الصابرون الصادقون القانتون لهم في الدنيا الأموال والقناطير المقنطرة التي زُينت لهم وامتلكوها، فماذا فعلوا بها؟

    أنفقوها، وفي حديث أبي هريرة : (لو كان لي مثل جبل أحد، ولقلت به هكذا وهكذا، ولا يبقى عندي منه شيء)، ثم هو إنفاق إجمالي في كل أوجه الإنفاق، كما سيأتي في نظيرها في سورة الحديد وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [الحديد:18]، فينفقون في كل أوجه الإنفاق وسبل الخير، مساعدة ضعيف، إعطاء فقير، تجهيز غازٍ، علاج مريض، كل أنواع الإنفاق التي جاءت أيضاً في سورة البقرة: سِرّاً وَعَلانِيَةً [البقرة:274]، فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ [آل عمران:134]، في كل أوجه الخير، وعلى جميع الحالات.

    خامساً: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ [آل عمران:17] وسيد الخلق صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل يصلي ويستغفر في السحر.

    وفي الحديث الصحيح: (إذا كان ثلث الليل الآخر، ينزل ربنا إلى سماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟).

    إذاً: هذه هي صفات المؤمنين حقاً، وهي صفات الذين سلموا مما زُيِّن للناس من حب الشهوات، ولم يقفوا عندها.

    ثم قال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:18-19] فهم التزموا به، وأقاموا حدوده وتعاليمه، هذا هو الموطن الأول في هذه السورة.

    1.   

    قسوة القلوب وعلاجها

    ننتقل إلى الموطن الثاني، وهو في سورة الحديد، وهو قوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ [الحديد:16].

    في هذه السورة أمر عجيب! ففيها عرض حالة المؤمنين والمنافقين في القيامة: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ ... [الحديد:12] إلى آخره، ثم جاء محل الشاهد فقال: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْييِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الحديد:16-18]، يقول ابن عباس في هذه الآية الكريمة: (عاتبنا الله بعد بدء الوحي بثلاثة عشر عاماً، ويقول مجاهد : بعد أربع سنوات، لاختلاف إسلام بعضهم البعض.

    قال الله: أَلَمْ يَأْنِ [الحديد:16] آن يئون، الأوان هو: الزمن، أي: ألم يحضر الوقت.

    لِلَّذِينَ آمَنُوا [الحديد:16] أي: من هذه الأمة.

    أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ [الحديد:16]، قالوا في التفسير: إن أصحاب رسول الله ملوا ملةً أو غفلوا غفلة فعاتبهم الله.

    وقوله: لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ أي: من الوحي.

    وخشوع القلب يكون بما ذكر الله في قوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:23]، هذه حقيقة المؤمن حقاً، يتأثر بكتاب الله عند سماعه وتدبره.

    أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ، فأولئك الذين يقولون: نزهد في الدنيا، وننقطع إلى العبادة، إلى أي مدى يصلون؟! تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ .

    ثم يذكِّرهم بقوله: وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ ، أي: من اليهود والنصارى.

    فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ ، ومع طول الأمد جاء النسيان.

    فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ إذاً: النسيان وطول الأمل في الدنيا يقسِّي القلب، ويُنْسِي الإنسان ذكر الله، ولذا لما قيل لـأحمد رحمه الله: ما الزهد؟ قال: عدم طول الأمل.

    فمن لم يطل أمله في الدنيا فهو زاهدٌ فيها، فهي عنده سواء جاءت أو راحت.

    فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ، فما دام النسيان جاء، جاءت قسوة القلب، وكان الفساد كما في الحديث: (إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله ...) إلى آخر الحديث.

    ثم يأتي التنبيه وإيقاظ الفكرة: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْييِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ، ولماذا ذكر الأرض هنا مع قسوة القلب؟

    أي: كما أنه سبحانه القادر المقتدر على إحياء الأرض وهي جماد بعد موتها، فهو قادر على أن يحيي القلوب بعد موتها، فيحييها بالتذكرة بعد الغفلة، وبالإيمان بعد الكفر، وبالذكر بعد النسيان، وكأن هنا تنبيه! لا تيئسوا من رحمة الله، إن مضى عليكم شيء، ووقع على القلوب قسوة، فجدِّدوا ذكر الله، وجدِّدوا العلاقة مع الله؛ فإن الله قادر على أن يعيد لتلك القلوب حياتها، وتحيا بذكر الله، وما نزل من الحق، كما تحيا الأرض بعد موتها وأنتم تشاهدون.

    قال: اعْلَمُوا ، وكأننا جهلنا أو نسينا أو غفلنا فلم نتأمل؛ فيعلِّمنا، ويقول: انظروا وتأملوا واعلموا من واقع الحياة عندكم، فكذلك القلوب القاسية.

    اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْييِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ ، ارجعوا إلى عقولكم، وانظروا إلى ما بين أيديكم، وقايسوا بعقولكم، فاعتبروا يا أولي الأبصار! وكل ذلك من آيات الله الكونية لنرجع إلى أنفسنا.

    ما الذي يرجع القلوب إلى ما هي عليه؟ ما الذي يجدِّد الإيمان بالله؟ ما الذي يُذهب الغفلة؟ ما الذي يليِّن تلك القلوب القاسية؟

    ترى الفقير وتعرض عنه، وتسمع أنين المريض أو المعتل أو المحتاج وتصك أذنك عنه، وترى ذا الحاجة والفاقة وتغمض عينيك عنه، ما هذه القسوة؟! متى تكون ليِّن القلب رحيماً؟

    الجواب: إذا أحسنت إلى الفقراء، قال الله: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ [الحديد:18]، وكأنه سبحانه يقول: قسوة قلوبكم موت لها، والمولى قادر على إحيائها كإحياء الأرض الميتة، فالأرض الميتة ينزل فيها المطر فيحييها، وقلوبكم ينزل لها الوحي فيحييها، واستجيبوا لهذا الوحي عملياً بأن تزهدوا في الدنيا بألَّا تكون غاية لكم، وبألَّا تعضوا عليها بالنواجذ، وبأن تحرصوا على فك العاني والتخفف عن المسكين وإعطاء المحتاجين.

    وكأن سائلاً يسأل فيقول: يا رب! ما الذي يعيد لقلوبنا حياتها؟ وما الذي يذهب عنها قسوتها؟ فيقول: انظروا إلى ذوي الحاجات بعين العطف والرأفة والشفقة، ومدوا إليهم أيديكم بالعطاء، وفي الحديث: أن رجلاً شكا قسوة قلبه لرسول الله فقال: (امسح رأس اليتيم)، وهل المراد مجرد مسح رأسه؟ وهل هذا المسكين حالقٌ شعرَه أو لا؟ وليس المراد مجرد إمرار اليد على رأسه، بل الغرض من هذا: التلطف والرأفة والرفق به، ومؤانسته وإذهاب البؤس عنه، وأن تشعره بأنه منك وأنت له.

    إذاً: المراد بمسح رأس اليتيم هو الإشفاق والرأفة به، وإشعاره بالحفاظ على حسه وشعوره، وتشعره بأنه فرد من أفراد المجتمع، إن فقد أبويه فأنت له أب، وهذا من باب العطف على الناس والرحمة بهم.

    قال تعالى: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ [الحديد:18]، والنساء شقيقات الرجال.

    كيفية استقراض الله من عباده

    قال تعالى: وَأَقْرَضُوا اللَّهَ [الحديد:18]، المسكين مصرفٌ للصدقة فقط؛ ولكن التعامل مع الله، فأنت تقرض الله، فهو أعطاك واستقرضك.

    بعض الآباء يدلل بعض الأبناء فيعطيه ويعطيه ويعطيه ثم قد يقول له: يا فلان! أعطني خمسة ريالات، ثم أعطيك إياها في البيت.

    فالولد يفرح، ويقول: أبي الذي أعطاني الآن يطلبني! تفضل! لأنه يعلم أن الذي طلب منه الخمسة الآن سيعطيه خمسيناً أو أكثر فيما بعد، لكن إذا قلتَ له: ما عندي شيء، وهو قد أعطاك في الصباح كذا وكذا، فسيقول: أعطيه ويبخل عليَّ؟!

    لكن رب العزة سبحانه يعطي ويتفضل، ثم يستقرض من عباده ليرحموا عباده، ويشفقوا عليهم، وليُشعر العبد بأن المال إنما هو من الله، وهو الذي سيجازيك؛ لأن من تتصدق عليه لا يستطيع أن يكافئك، فهو في حاجة إلى مساعدتك، فكيف يرد جميلك؟! لا يستطيع.

    إذاً: حقيقة التصدق إنما هي إقراض لله سبحانه، وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً والذي يقرض الله تكون نتيجته: أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يضاعف له القرض، ومع هذا له أجر كريم، والله سبحانه يضاعف لمن يشاء بعد السبعمائة.

    شهادة الله للأمة بإيمانها بالرسل

    قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [الحديد:19]، وفي سورة آل عمران قال تعالى: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:16]، ولم يقل هنا: ورسوله، بل ورسله؛ لأن مؤمني هذه الأمة يؤمنون بجميع الرسل؛ ولأن من كفر برسول واحد فكأنما كفر بجميع الرسل، وقد شهد الله لهذه الأمة بالإيمان بالرسل جميعاً فقال: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة:285] ؛ لأن الذي أرسل أولهم هو الذي أرسل آخرهم، والناموس واحد.

    أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ [الحديد:19]، يقولون: (الصِّدِّيقون) أعلى درجة بعد النبوة.

    ثم قال تعالى: وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ [الحديد:19]، أي: الذين آمنوا والذين تصدقوا، وبعض القراء يجعل وَالشُّهَدَاءُ ابتداء كلام جديد، وبعضهم يجعل (الشهداء) ثالث الثلاثة الأوصاف المتقدمة، (المصَّدِّقين) و(الصِّدِّقين) و(الشهداء) فالأصناف الثلاثة لَهُمْ أَجْرُهُمْ .

    حقيقة الدنيا

    ثم قال تعالى بعد هذا العرض: اعْلَمُوا [الحديد:20]: مرة أخرى، هناك اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْييِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ [الحديد:17]، لما ندبهم إلى الصدقة وإلى الإقراض والإيمان قال: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [الحديد:20]. هناك: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ [آل عمران:14] إلى قوله تعالى: ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَاِ [آل عمران:14].

    وهنا قال: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ مثل قوله: (زُيِّنَ) وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ [الحديد:20] وليس الكفر هنا بمعنى الكفر الذي هو ضد الإسلام، إنما معناه: الزُّرَّاع، كما في الآية الأخرى: يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29]، وهو المثل الذي ضربه الله لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ [الفتح:29].

    وهنا قال: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ يعني: الزُّرَّاع، والزارع يسمى كافراً؛ لأن الكفر في اللغة: الستر، والكافر سمي كافراً لأنه يستر آيات الوحدانية لله، وسمي ظلام الليل كافراً، ويقال: أدخلت يدها في كافر، أي: في ظلام الليل.

    كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ، انظر مَثَل الدنيا! انظر المراحل والتصوير البليغ! كَمَثَلِ غَيْثٍ ، نزل وتقبلته الأرض فأنبتت الزرع، وأعجب زارعه، ثم يهيج إلى أقصى حدود بهجته، (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ).

    بعد هذا (فتراه)، والفاء هنا للتعقيب القريب، بعدما يصل إلى زهرته وإلى أوج نضرته يرجع فيصفَرُّ، وبعد الاصفرار يبقى فترة قليلة، ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً [الحديد:20]، كيف ينطبق هذا المثال على الدنيا؟

    مثال في بني آدم: أول ما يخرج من الرحم مثل الحشيش والنبات الذي نبت لتوِّه، ثم بعد ذلك يأخذ في النمو إلى أن يكتمل شبابه، ويبلغ أوج قوته، ثم يبدأ فيرجع إلى أن ينحني ظهره، ويتحطم ويصير إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً [الحج:5]، ويصير أقل من الطفل، وهكذا الدنيا: تبدأ تزدهر وتصل إلى كمالها، ثم تبدأ في العودة والرجوع حتى تصير حطاماً.

    ثم قال تعالى في سورة الحديد: وَفِي الآخِرَةِ ... ، وهناك في سورة آل عمران: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران:14]، وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ للكفار الذين تقدم ذكرهم وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ [الحديد:20] للذين آمنوا، والذين أقرضوا الله، والذين أنفقوا، ... إلى آخر صفاتهم.

    وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20]، وفي آل عمران: ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [آل عمران:14]، وقطعاً الحياة الدنيا متاع الغرور، فمن اغتر بها خسر، كما في قوله تعالى: يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [الحديد:14]، إذاً: الدنيا متاع الغرور، فاحذر أن تغرك الدنيا.

    وأيُّ عاقل يغتر بهذه الدنيا؟!

    إن كنت تمتلك مالاً، فهل هو أكثر من مال قارون؟!

    وإن كان لك ملك وسلطان، فهل هو أكثر من ملك سليمان؟!

    أنت ضعيف، وكم من الحيوانات أقوى منك.

    قال فرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، ثم ماذا كان؟

    فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس:92].

    هل جُمِعت لك النساء؟! سليمان كانت له أكثر من مائة امرأة!

    هل جُمِعت لك الخيل؟! ومهما كانت كثرتها، وبأي حالة من الحالات فأنت فقير، فلم تغتر بالدنيا..؟!

    ومن هنا من سلم من غرور الدنيا فهو زاهد، فالزاهد من سلم من آفاتها في ذاتها، كما قال بعض السلف: المدر والحجر سواء، وسيأتي التنبيه عليه.

    المخرج من فتنة الدنيا

    قال الله تعالى: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20]، وأنت بالخيار، إن وقفت عند متاعها غرَّتك وأهلكتك فيها، وهذا نصيبك، وإن أعرضت عنها -كما أعرض غيرك- سلِمت منها كما سلِم غيرك، يقول بعض العبَّاد:

    إن لله عباداً فُطَنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا

    نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحيٍّ وطنا

    جعلوها لجةً واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا

    لله عبادٌ فُطناء، فالفَطِن الحقيقي هو الذي لا يغتر بالدنيا، ويضعها في موضعها، والغبي هو الذي تضحك عليه، فليس الزهد أن تعرض عن الدنيا بكل ما فيها؛ ولكن اجمعها بقدر ما تستطيع، وأنفقها في سبيل الخير بقدر ما تستطيع.

    إذا كانت الدنيا متاع الغرور، وهذا تصويرها ومآلها، فما العمل؟

    قال الله: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الحديد:21]، أعرضوا عن هذه الدنيا، والمسابقة إلى المغفرة تكون في الآخرة أم في الدنيا؟

    في الدنيا، سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الحديد:21]، بأي شيء؟

    بكل أنواع الخير، بدنية أو مالية، سَابِقُوا ولم يقل: (بادروا)، بل سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا ... [الحديد:21] مثل آية آل عمران: رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا [آل عمران:16]، ... لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [الحديد:21]، فالمسابقة إلى الخير ليست بعقلك ولا بجِدِّك؛ ولكنه فضل من الله سبحانه، فالمؤمن إذا وجد نفسه تسعى على طريق الخير فليعلم أنه فضل من الله، ولا يغرنك ذلك، ولا تقولن: هذا بجِدي وفَهمي وعلمي، لا والله! إنه يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة:142] و: يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ [الرعد:27]، واعلم أنها نعمة وفضل من الله لك، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21].

    انظر إلى حقيقة الدنيا! وسبق أن بعضهم قال: الزهد الرضا بالقدر، قال تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ [الحديد:22]، تلك زينة الحياة الدنيا، وذلك العطاء المتفاضل، المنع والعطاء، كل ذلك مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الحديد:22-24].

    يقولون: مصيبة الأرض: الجدب وعدم المطر وغيره، وفي أنفسكم: المرض والعافية والفقر والغنى، وكل هذه الأشياء.

    ما أصاب إنسان من مصيبة كونية أو بدنية أو مالية أيَّاً كانت إلا كانت هذه المصيبة مكتوبة عليه في كتاب من قبل أن يخلق، مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا [الحديد:22]: والبرء هو: الخلق، ومن أسماء الله البارئ المصور.

    وتقدَّم حديث: (واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك) فإذا كنت تؤمن بالقدر حقاً رضيت عن الله سبحانه وتعالى، وإذا أقبلت عليك الدنيا لم تفرح بها، وإن ذهبت لم تحزن عليها، وأيُّ رفعة للعبد في هذا؟ وكما قيل: الحجر والمدر يستويان.

    والعاقل لو تأمل! شيء فاتك أتحزن عليه؟! وما يدريك بنتيجة لو جاء؟

    في غزوة أحد رجع رئيس المنافقين بثلث الجيش، وفات على المسلمين حضورهم القتال، وحزن المسلمون، ولكن لما انكشف الحجاب ماذا كان الأمر؟

    قال سبحانه: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ [التوبة:47].

    إذاً: رجوعهم وعدم حضورهم المعركة كان خيراً، وهكذا أنت قد تتمنى مالاً، أو تتمنى ولداً، أو تتمنى وظيفةً، وتتمنى .. وتتمنى .. ولكن ما تدري ماذا في تلك الأمنية إن حُقِّقت لك؟

    والمجال ليس مجال ذكر القصص في هذا؛ ولكن العاقل لا يحزن على ما فاته بقدر الله.

    ثم لا تكن شديد الفرح بما جاءك، ولذا يقول بعض الناس: (اجعل ما فاتك صبراً، واجعل ما أتاك شكراً)، لا تحزن على شيء فاتك؛ لأنه بقضاء الله، ولا تفرح كل الفرح بما جاءك وتفخر به وتتمادى به.

    وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:23]: جاءت هذه الآية بعد لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا [الحديد:23].

    صحيحٌ أن الإنسان يفرح بأي نعمة كانت، لو امتلك ثوباً جديداً سيفرح به؛ ولكن فرح شكر للنعمة لا فرح بطر، ولذا أعقبها بقوله تعالى: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:23]، المختال الفخور هو الذي يختال بما جاءه.

    إذاً: اجعل ما جاءك من الدنيا شكراً لله، واصرفه في مرضاة الله، ولا تجعله خيلاء وفخراً على عباد الله.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على عبده ونبيه محمد.