إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع والعشرون [4]

شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع والعشرون [4]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    تيسير الخير لمن وفقه الله

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد:

    فلا زلنا عند حديث معاذ ، ولنا وقفة عند قوله صلى الله عليه وسلم: (لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله)، قوله صلى الله عليه وسلم: (على من يسره الله)، فيها وقفة ضراعة وإنابة، ووقفة عودة العبد إلى ربه، وقفة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

    لنعلم أيها الإخوة أن حقيقة التوفيق بيد الله، فكم من قوي في بدنه يشق عليه أن يركع وينحني لله، وكم من غني في ماله تشح نفسه أن تجود بدرهم في سبيل الله، وصدق الله العظيم: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45]، والخشوع عمل القلب، و(القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبهما كيف شاء) .

    قوله: (وإنه ليسير على من يسره الله): فمن وجد نفسه على طريق مستقيم وتيسرت له عبادة ربه فليحمد الله، ولا تغرنه نفسه، وليعلم أن هذا تيسير من الله له، وقد كان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه يقول: والله إني لا أهتم لإجابة الدعاء فقد وعد الله بها، ولكني أهتم للدعاء نفسه، فإذا وفقت للدعاء فقد استجاب الله لي.

    حتى الدعاء .. فإنك ترفع أكف الضراعة إلى المولى تسأله من خيري الدنيا والآخرة، فتلك نعمة من الله عليك.

    فتح أبواب الخير لمن أراد الزيادة

    ووصلنا في هذا الحديث أيها الإخوة إلى أبواب الخير، وذكرنا منها: (الصوم جنة)، والصوم له باب في الجنة يقال له الريان يدعى منه الصائمون.

    وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم باباً لمن يقوم الليل، وباباً لمن يتصدق في السر، وباباً لمن يجاهد، وكما هو معلوم أن أبواب الجنة ثمانية، يدعى كل جنس وطائفة من باب خاص بهم، قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: (يا رسول الله! ما على من يدعى من تلك الأبواب ضرورة، وقال: هل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم) وإن لم يكن أبو بكر منهم فمن يكون؟

    الصديق الذي يقول صلى الله عليه وسلم في حقه: (لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم)، فلا يستبعد أن يدعى منها كلها.

    قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً لماذا؟ قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:120]، وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [البقرة:124].

    فهو أمة وهو إمام، وذلك لأنه ابتلي فوفى، وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم:37]، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات:104-107].

    فقوله: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ كان هذا البلاء بالتكاليف التي كلِّف بها، وقد ا بتلاه الله ولم يبتلِ أحداً كما ابتلى إبراهيم عليه السلام.

    وقد توقفنا عند قوله عليه الصلاة والسلام: (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل)، والمقصود بالصلاة في جوف الليل: صلاة النافلة، كما كان الكلام على الصوم وعلى الصدقة فكذلك الصلاة، أي أن أبواب الخير هنا هي للنوافل، وما ذكِر في أول الحديث عند قوله: (تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت)، يخص الفرائض، وأما الشهادتان فداخلة في قوله: (تعبد الله لا تشرك به شيئا).

    وأبواب الخير هنا هي التزود من النوافل، وأشرنا إلى أن الفريضة محدودة، وأن النافلة مجالها واسع، ونجد أن الإسلام جعلها من درجات التفاضل بين العباد، فعلى حسب همة العبد ويقينه يكون أخذه منها.

    حكمة الله في تكليف عباده بما يطيقون وجوباً وبما زاد تطوعاً

    وهنا نقطة أود أن تظهر وتنكشف لنا جلياً، وهي أن الإسلام يضع حداً أدنى يستوي فيه الجميع، ثم يترك المجال مفتوحاً، ويجعل سلَّم العروج إلى الملأ الأعلى مفتوحاً، وكل بحسب استطاعته وقدرته، كما جاء في قارئ القرآن أنه إذا جاء يوم القيامة يقال له: (اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها)، فكل آية يقرؤها يصعد درجة، ويقف عند آخر آية يقرؤها، فكذلك أعمال الخير، يكون لها حد أدنى يستوي فيه التكليف للجميع، وأما الحد الأعلى فكل بحسبه، والتسابق والمنافسة في فضائل الأعمال باب مفتوح.

    نأتي أولاً إلى نص القرآن في الصوم، نعلم جميعاً بأن الله افترض الصوم بالتدريج، وكان فيه التخيير، ثم قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ [البقرة:183-184]، كلمة (يطيقونه) ربما يجد طالب العلم في بعض التفاسير زيادة لفظة (لا) فيكون المعنى: (لا يطيقونه)، وقراءة علي رضي الله تعالى عنه تفسر المعنى: (يَطَّوَّقُونَه) بين قولهم: والشخص يَطَّوَّق الفعل، ويُطِيْق الفعل، فرق بعيد، فالذي يطيقه أي أنه في طاقته وحدود قدرته، لكن (يَطَّوَّقه) بوزن يتفعَّلهن، والمعنى: يستطيع أن يأتي به ولكن في أقصى درجات الطاقة، والمقصود من الآية: والذين يجهدهم الصوم مع القدرة عليه فعليهم فدية -هذا كان أولاً- فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184]، فهذا حد أدنى للجميع، فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ [البقرة:184]، أي: أطعم أكثر من مسكين بأن أطعم اثنين أو ثلاثة.. أو أكثر، على قدر جهده وطاقته، فذلك خير له.

    ثم رجع إلى الصوم، وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:184]، فهذا في التطوع، لأن الصوم يرجع على النفس.

    نأتي في المعاملات وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ))[النحل:126]، ثم قال بعدها:

    وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ [النحل:126-127]، فيعطيك حد المساواة الأدنى: من اعتدى عليك فلك الحق أن ترد بمثل ما اعتدي عليك، ولكن إن صبرت ولم ترد، ولم تجاز السيئة بسيئة مثلها فقد دخلت باب التسابق في الخيرات فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40]، ويأتي وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134].

    وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ.. [النحل:126]، أي إن عاقبتم فعاقبوا بالمثلية، ولكن إن صبرتم عن العقوبة لهو خير للصابرين، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ.. [النحل:127]، إذاً: هناك تدرج.

    وإذا جئنا في هذا المجال عند الأدباء أو عند علماء الاجتماع في المعاملة بالمعروف أو بالإحسان أو بالمقاصة في المعاملة، نجد الشاعر يقول:

    إذا كنت في كل الأمور معاتبـاً صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه

    فعش واحداً أو صل أخاك فإنـه مقارف ذنب تارة ومجانــبه

    إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه

    يقول لك: سامح واعف حتى لا تصير منعزلاً وتعيش وحيداً، يعني اشتر صديقك بأن تصفح عنه، ولكن القرآن يقول: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ.. [النحل:126-127]، فيدعوك أن تصبر لوجه الله لا للمكافأة، ومن خير ما قيل في هذا عند الأدباء:

    وكنت إذا الصديق أراد غيظي وأشرقني على حنق بريقي

    غفرت ذنوبه وعفوت عنــه مخافة أن أعيش بلا صديق

    وهنا يقول تعالى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل:126]، أي: هو خير لهم عند الله، فكأن المؤمن يتدرج في الكمال بالعفو والمسامحة لوجه الله لا لعوض يرجوه في المجتمع.

    وإذا جئنا إلى العبادات نجد جميع نوافل العبادات بابها مفتوح، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)، والمرأة التي جعلت لها حبلاً في السقف، حتى إذا غلبها النوم كانت تمسك الحبل، فقال صلى الله عليه وسلم: (مه! ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد)، وقال أيضاً: (خذوا من الأعمال ما تطيقون) .

    1.   

    صلاة النافلة من أبواب الخير

    قوله تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ [السجدة:16] نص في قيام الليل، وهذا باب جديد من أبواب الخير بعنوان الصلاة، الأول كان بعنوان: الصوم، والثاني كان بعنوان: الصدقة، والثالث هنا بعنوان: الصلاة.

    هل المرأة داخلة في قوله: (وصلاة الرجل في جوف بيته)

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (وصلاة الرجل...) هل يؤخذ هنا بمفهوم المخالفة، فلا تدخل المرأة في هذا الحديث، أم أنها داخلة؟

    الجواب: من المعلوم أن الرجال مقدمون على النساء، وإذا ذكر الرجال في القرآن فالنسوة تبع، إلا إذا جاء نص يدل على خروجهن، ويدل على هذا الدخول أيضا ما جاء في الحديث: (رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء).

    فضل قيام الليل

    من المعلوم أن أحاديث صلاة الليل مستفيضة وكثيرة جداً، ويكفي في ذلك سورة المزمل، وهنا الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ قوله تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ، أي: في ظلمة الليل. يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا ثم قال: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [السجدة:16]، أي: أنهم جمعوا بين الصلاة والزكاة.

    فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17]، فلا تعلم أي نفس عملت خيراً ما ستجازى عليه مقابل ذلك الخير، ولا يعلم أي إنسان جزاء أداء فرائض الصلاة والصيام والجهاد في سبيل الله، لكن هنا فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ فلماذا خص قيام الليل بهذا الحكم مع أنه عام لكل عمل؟

    الجواب: لما كانت عبادتهم خفية على الخلق والناس نيام، كان الأجر كذلك.. كأنه يقول: أنت عملت لي في خفاء عن العالم، وأنا أخبئ لك أجرك فلا يعلمه أحد.. والجزاء من جنس العمل.

    وإذا كنت تعلم أن أجر هذا العمل خفي، لم يطلع عليه أحد إلا الله، فستكون نفسك مشتاقة إليه، بخلاف الشيء المكشوف الذي يعرفه الكل، ولذا كلما كان الأجر خفياً كلما كانت النفس تتطلع إليه أكثر.

    صلاة النافلة تجبر نقص الفريضة

    ومما يجدر التنبيه إليه أن لكل ركن من أركان الإسلام نوافل، وهذه النوافل بمثابة الضمان لما عسى أن يكون في الفريضة من نقص، وذلك مثلما تسافر بسيارة فتأخذ العجلة الاحتياطية معك، فأنت لا تمشي على تلك العجلة الزائدة، لكن من باب الاحتياط، حتى إذا حصل على عجلة من عجلاتها أو إطار من إطاراتها خلل، بدلته بالعجلة الاحتياط الجاهزة عندك، وكذلك نوافل العبادات، كما جاء في الحديث عن الصلاة: انظروا هل لعبدي من تطوع، قالوا: بلى، قال: اجبروا نقص فريضته من نافلة صلاته.

    يقول ابن عباس : وهكذا جميع الأعمال.

    أقسام صلاة النافلة

    ونافلة الصلاة تنقسم إلى قسمين: راتبة مع كل فريضة، وقسم مطلق، والمطلق منه ما هو مقيد بزمن، ومنه مطلق لا يقيد بزمن.

    وأهم النوافل رواتب الفريضة، ورواتب الفريضة أيضاً تتفاضل، فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات كان يصليها بالليل والنهار)، وجاء حديث آخر: (من صلى ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة).

    والعلماء يختلفون في عددها تارة ويتفقون تارة، فيجمعون على ركعتين قبل الفجر، وعلى ركعتين قبل الظهر وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، فهذه عشر ركعات، ثم تأتي الزيادات في الظهر فبعضهم يجعلها أربعاً قبلهاً وأربعاً بعدها، ويأتون بأربع قبل العصر لحديث (رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعاً)، وكانوا يصلون قبل المغرب بين الأذان والإقامة ركعتين، وحديث: (بين كل أذانين صلاة) عام لكل الصلوات.

    وهناك من يضيف إلى العشر ركعتين قبل العشاء، ثم يأتون بزيادات على ذلك بين المغرب والعشاء، وهي: ست ركعات، وبعضهم يقول إنها صلاة الأوابين، ثم صلاة الوتر تكون بعد العشاء؛ فتلك هي النوافل الراتبة للصلوات الخمس، ولكن آكد هذه النوافل ركعتا الفجر وصلاة الوتر، فقد كان صلى الله عليه وسلم لا يتركهما حضراً ولا سفراً.

    وجاء في قضية وقعة نخلة أنهم لما رجعوا من الغزوة قال صلى الله عليه وسلم: من يكلؤنا الليلة لا نرقد عن صلاة الفجر؟ فقال بلال : أنا يا رسول الله. فناموا ونام بلال ، وما استيقظوا إلا على حر الشمس، فقام عمر فكبر، وكان جهوري الصوت، ولم يكونوا يجرءون على أن يوقظوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لعله في برحاء وحي، فلما سمع أصواتهم استيقظ، فرأى الشمس، فقال: يا بلال ! ألم تقل إنك ستكلأ لنا الفجر.

    وبعض الروايات تقول: إن أبا بكر كان بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما استيقظ على حر الشمس قال: يا أبا بكر ! كأني بالشيطان قد جاء إلى بلال وهو مستيقظ أو ينتظر الفجر يهدهده كما تهدهد الأم طفلها حتى أخذه النوم. فقال بلال: والله يا رسول الله! لقد أنخت راحلتي وأسندت ظهري إليها، ووجهت وجهي إلى الشرق فإذا بالشيطان يأتي إلي ويهدهدني كما تهدهد الأم طفلها حتى نمت.

    فقال أبو بكر : أشهد إنك لرسول الله.

    هنا قال رسول الله: تحولوا عن هذا الوادي فإن فيه شيطاناً، وخرج من الوادي، وأمر بلالاً أن يؤذن، وصلوا ركعتي الفجر أولاً، ثم أقام بلال وصلوا الفجر.

    والروايات مستفيضة بأنه صلى الله عليه وسلم كان في السفر يوتر على راحلته حيثما توجهت به، يذكر ذلك العلماء في باب استقبال القبلة والتسامح فيها في صلاة السفر، ويذكرونه أيضاً في باب صلاة النوافل.

    فركعتا الفجر والوتر من أهم النوافل، بل إن الأحناف أوجبوا الوتر، لكن الواجب عند الأحناف ليس كالواجب عند الأئمة الثلاثة، فما ثبت بدليل قطعي، أي: بسنة متواترة أو بقرآن فهو فرض، وما ثبت بسنة آحاد فهو واجب.

    والواجب عند الأحناف يساوي السنة المؤكدة عند غيرهم.

    إذاً: ركعتا الفجر والوتر من أهم نوافل الصلوات.

    الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها

    وهنا مسألة: هل يصح أن تؤدى هذه السنن في جميع الأوقات، وإذا فاتت هل نقضيها أم لا؟

    الأَولى قضاؤها ما لم يكن بعد العصر، لأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا عملاً أحب المداومة عليه، والنوافل تؤدى في جميع الأوقات ما عدا الأوقات المنهي عنها، والأوقات المنهي عنها سبعة:

    الأول: ما بين أذان الفجر وصلاة الصبح، فلا يجوز لإنسان أن يتنفل سوى ركعتي الفجر فقط لأنه وقتها، ومن نام عن الوتر فله أن يوتر في ذلك الوقت قبل أن يصلي ركعتي الفجر، فإذا جاء إلى المسجد ووجد الناس يصلون فليدخل حالاً مع الإمام، ثم بعد أن يفرغ من صلاة الفريضة؛ إن شاء صلى ركعتي الفجر، وإن شاء أخرها حتى تطلع الشمس.

    إذاً: الوقت الأول من أوقات النهي ما بين أذان الفجر وصلاة الصبح، فلا تجوز فيه النوافل إلا ركعتي الفجر لمن فاتته قبل الفريضة، وهو بالخيار.

    الثاني: عند بداية بزوغ قرص الشمس بالطلوع حتى ترتفع قدر رمح، أي عن وجه الأرض في نظر الرائي، فأول ما تطلع الشمس كأنها تشق الأرض وتخرج منها، فإذا ارتفع قرص الشمس عن سطح الأرض في نظرك قدر رمح، أي طول قامة الإنسان جاز لك أن تصلي بعد ذلك.

    الوقت الثالث: حينما تكون الشمس في كبد السماء، أي: إذا انتهت من نصف الدورة الشرقي، ولم تبدأ في نصف الدورة الغربي حين تكون في كبد السماء فلا تصح الصلاة.

    الوقت الرابع: بعد صلاة العصر حتى تتهيأ للمغيب.

    الخامس: عند بداية نزول القرص في المغيب حتى يتلاشى.

    السادس: إذا صعد الإمام المنبر يوم الجمعة وبدأ الخطبة، فإنه يمتنع التنفل على الجالس، بخلاف القادم من الخارج فله أن يصلي ركعتين ويتجوز فيهما.

    هذه الأوقات لا ينبغي لإنسان أن يتنفل فيها، وللشافعية كلام في ذوات الأسباب، والأسباب عندهم مقارنة أو سابقة أو لاحقة.

    فالسبب المقارن: كصلاة الكسوف، وذلك لوجود الحدث في وقت الصلاة مقارناً لها.

    والسبب السابق على الصلاة: كمن دخل المسجد، فإنه يؤدي تحية المسجد عند الجمهور ما لم يكن في أوقات الكراهة، وعند الشافعية لا كراهة على ذات سبب سابق.

    والسبب اللاحق: كمن أحرم، فإنه يندب له أن يصلي ركعتين عقب إحرامه، لكن في غير أوقات الكراهة، حتى عند الشافعية.

    كيفية صلاة الوتر

    والوتر كما يقولون أقله ركعة، وأكثره ثلاث عشرة ركعة، وقد عاب بعض العلماء أن تصلى ركعة واحدة منفردة، واستحبوا أن تصلى قبلها ركعتين.

    وإذا صلاها ثلاثاً قال الأحناف: يصليها كصورة صلاة المغرب، والحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام يخالف ذلك، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (لا تشبهوا الوتر بصلاة المغرب)، والجمهور يقولون: إذا أراد أن يوتر بثلاث فإن شاء جاء بالركعات الثلاث دون أن يتشهد التشهد الأوسط، وإن شاء أوتر بثلاث ولكن يسلم من ركعتين، ويأتي بالثالثة مفردة، أو يأتي بخمس وهو في الخمس أيضاً بالخيار، إن شاء تشهد بعد كل ركعتين، ويأتي بالخامسة مفردة، وإن شاء صلى أربعاً متصلة لا يجلس إلا في الرابعة، ثم يأتي بالخامسة مفردة، وإن شاء جعلها خمساً متصلة لا يجلس إلا في الركعة الخامسة ويتشهد.

    وكذلك الوتر بسبع يفعل كما يفعل في الخمس إلى تسع إلى إحدى عشرة إلى ثلاث عشرة، هذه كيفية الوتر.

    وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: (من لم يوتر فليس منا)، (أوتروا يا أهل القرآن)، إلى غير ذلك من النصوص التي جعلت الأحناف تقول إنه واجب.

    وهناك نوافل أخرى لا علاقة لها بفريضة، منها قيام رمضان، فهو مستقل بذاته، وقيام رمضان له بحث طويل، وأقل ما يقال فيه: إنه سنه ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة، وكان عمر أول من جمع الناس على أبي بن كعب في صلاة التراويح ، واستقر الأمر من عمر إلى اليوم عشرين ركعة.

    وبعد صلاة التراويح يأتي أيضاً الضحى يومياً، وهو نافلة مستقلة، وما عدا ذلك لا حد فيه ولا توقيت.

    وبعض العلماء كان يتحرى ما بين الظهر والعصر يجعله إحياءً لوقت قيلولة الناس حينما ينامون.

    ويأتي بعد هذا قيام الليل، قيام الليل ليس فيه حد وليس فيه تقدير، وكما أشرنا أنه كان بعض العلماء والسلف ربما قرأ القرآن كله في ليلة، ثم انتهى به الأمر إلى أنه ربما يقوم الليل كله بسورة الفاتحة.

    ويذكر أحمد رحمه الله في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يقرأ القرآن في ليلة، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بلغني عنك كذا، قال: بلى، قال: (اقرأه في شهر)، قال دعني أستمتع بقوتي فإني أطيق أكثر من ذلك، قال اقرأه في عشرين.. في خمسة عشر.. في عشرة.. مسند أحمد لا يذكر شيء غير هذا، وغير مسند أحمد يقول انتهى به الأمر إلى ثلاث أو إلى عشر.

    إذاً قيام الليل ليس فيه حد.

    حكم صلاة النافلة في السفر

    بقي سؤال، وهو: إذا كان الإنسان مسافراً هل يصلي تلك النوافل أم لا؟ كثر السؤال في هذه المسألة، وبعض الأخوة يأخذ بحديث ابن عمر لو كنت متنفلاً في السفر لأتممت الفريضة، ويقول: ليس هناك نافلة في سفر.

    قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمله صحيحاً مقيماً) ، وقد ذكر الشوكاني ما استدل به المانعون كـابن عمر ومن وافقه، وذكر عن جملة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم كانوا يصلون الرواتب في السفر، وذكر عن علي وعن عمر وعن أنس وعن ابن عباس وعن أبي ذر ونسيت اثنين آخرين، ذكر عن سبعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم منهم عمر وعلي من الخلفاء الراشدين، ومنهم أنس وابن عباس حبر هذه الأمة، وأبي ذر .. كل هؤلاء منقول عنهم بأنهم كانوا يصلون نافلة الرواتب في حالة السفر.

    ويناقش العلماء مقالة ابن عمر ، يقولون: إذا كانت الفريضة قد قصرت، فهذا تخفيف من الله على العبد، والنافلة متروكة لجهد الشخص، وإن كان يستطيع أن يصليها فأهلاً وسهلا، وإن لم يستطع فهذا أمر عائد له، وليس مكلفاً بها ولا يعاتب على تركها، بل إن كان عاجزاً فإن الله يأمر الملائكة أن تكتب له ما كان يفعل في حال قدرته واستطاعته.

    والخلاصة: أن صلاة راتبة الفريضة في السفر أمرها متروك للشخص نفسه، فإن شاء صلاها، وإن شاء تركها، والجمهور مع الأول.

    هذا هو الباب الأخير في أبواب الخير التي ذكرها صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الكلام على قوله عليه الصلاة والسلام: (رأس الأمر الإسلام...)

    ولكن أليس هناك أبواب خير أخرى؟

    يذكرون الجهاد، ويذكرون الإصلاح بين الناس، ويذكرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن الحديث اقتصر على تلك الأبواب لأنها في استطاعة كل إنسان.

    ثم يأتي بعد هذا ويقول صلى الله عليه وسلم: (ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه)، ما هذه التشبيهات؟

    المقصود بالأمر

    رأس كل شيء أعلاه، هذا في المحسوس، مثل: رأس الجبل.. رأس الإنسان.. وفي المعنويات: أقوم شيءٍ فيه وعماده وأساسه، كما قالوا: الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد، فإيمان بلا صبر كجسد بلا رأس.

    رأس الأمر: الأمر مفرد أوامر، ويأتي مفرد أمور، تقول هذا أمر ثقيل أو عصيب، وتقول هذا أمر شائع ويتبين هذا من ذاك بصيغة الجمع.

    فرأس الأمر: أي الأمور، وقوله عليه الصلاة والسلام: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، أي: ليس عليه تعليمي وتوجيهي وسنتي، فهنا قالوا: المراد بالأمر هنا: الشيء الجامع الذي فيه الكلام، والكلام هنا في أي شيء؟

    فيما يدخلنا الجنة ويباعدنا عن النار، أي: في أعمال الإسلام التي ذكرها صلوات الله وسلامه عليه من أركان الإسلام وأبواب الخير، فرأس الأمر كما تقول: رأس المال الذي تتحرك به في السوق هو الإسلام.

    وأما ما تقدم من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت.. فكلها أركان الإسلام التي لا تقبل أصلاً إلا بعد الدخول في الإسلام، كأن المشرك مهما كان عنده من عمل، ومهما قدم من خير، ومهما فعل يكون جوابه: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]، لأنه ليس عنده رأس الأمر.

    إذاً: رأس الأمر في بدايته الإسلام، فإذا أسلم ودخل في جماعة المسلمين، فكل شيء بعد ذلك يتدارك، إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، مادام دخل في حيز الإسلام، هذا هو رأس الأمر.

    فإذا حصل على رأس مال الإسلام، فله تشغيل رأس المال بالربح في نوع من أنواع الخير وأبوابه، هذه تتمة وتكملة.

    ولا ننسى بأن الإسلام أو الإيمان قول وعمل، وليس معنى ذلك أن يدخل في الإسلام ويترك العمل.

    التشبيه النبوي للصلاة بالعمود الذي يقوم عليه البناء

    ثم قال: (وعموده)، كأن الأول رأس الأمر، وهنا يقول: (وعموده)، أي عمود الإسلام، وهو الصلاة، وإذا انتقلنا إلى كلمة عمود، ففيها كما يقول البلاغيون: استعارة مكنية؛ وهي تشبيه شيء بشيء مع حذف المشبه به ويأتي بلازم من لوازمه، كقول الشاعر:

    وإذا المنية أنشبت أظفارها ألقيت كل تميمة لا تنفع

    هل المنية -انقضاء الأجل- لها أظفار؟ أو أن هناك تشبيهاً حُذِف أحد طرفيه، فقد شبه المنية بالأسد، وحذف المشبه به -الأسد- وأتى بلازم من لوازمه -الأظفار-.

    وهنا كأنه يقول: الإسلام كالبيت والبيت له عمُد وطنُب، وأهم ما في البيت ليقوم بناؤه، عموده وهو الصلاة، إذاً: كأنه يقول: الإسلام كالبيت، والعمود الذي يرفع هذا البناء إنما هي الصلاة، وقد جاء صحيحاً (بني الإسلام على خمس).

    إذاً: كأن الإسلام بناء، وذلك لأن كل إنسان في هذه الدنيا يحتاج إلى بيت، حتى الحيوانات تحفر لها جُحراً يقيها الحر والبرد والأعداء وكل شيء، فكذلك الإسلام.

    بل قد جعل الشرك بيتاً ولكن كبيت العنكبوت، وأي قوام لبيت العنكبوت، والمسلم يعيش في بيت يقوم على عمد وركائز وطنُب، إذاً: هنا تشبيه واستعارة مكنية، فالإسلام كالبيت، والبيت له عمُد، وعمود هذا البيت الذي يقوم عليه إنما هو الصلاة.

    إذاً رجعنا للصلاة مرة ثالثة، نجد أنه بدون الصلاة فلا بيت، وإذا كان المرء بلا بيت فإنه يكون في العراء، والصلاة عماد الدين، أي: العمود الذي يقام عليه البيت، ولولا هذا العمود في هذا البناء لما وجدنا أين يوضع السقف، لأنه لا يقيم بيتاً بلا عمُد إلا المولى، رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا [الرعد:2]، والقدرة الإلهية شيء آخر، جعلت السماء بيتاً يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً [البقرة:21-22]، وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات:47]، الأيد: القوة، تلك قدرة المولى سبحانه.

    مقصد النبي عليه الصلاة والسلام من تكرار الصلاة في الحديث ثلاث مرات

    إذاً: عمود هذا البيت الذي أوى إليه المسلم وابتناه وسكن فيه يقيه حر الحيرة، ويقيه برد الشك، وهو بيت الإسلام، ولا يقوم هذا البناء إلا على الصلاة، ولهذا جاء في الحديث: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر).

    إذاً: يؤكد صلى الله عليه وسلم على أمر الصلاة ثلاث مرات، الأولى عند قوله: (تقيم الصلاة)، والثانية عند قوله: (وصلاة الرجل في جوف الليل) أي: من النوافل. والثالثة: )وعموده الصلاة) .

    ولذا جاء في الحديث أنه أول ما يُسأل عنه العبد الصلاة، فإن قبلت قبل معها سائر العمل.

    وليس هنا تعارض بين هذا الحديث وحديث: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء)، فأول ما يسأل عنه العبد من حقوق الله عليه الصلاة، وأول ما يسأل عنه من حقوق الخلق الدماء، وهذا إن لم يقض فيها في الدنيا.

    ولذا يقول عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه: إن هناك قضايا، لن يقضى فيها إلا يوم القيامة، ربما تكون -كما يقولون- قيدت ضد مجهول، أي: أننا ما عرفنا الجاني، أو أنه تكون هناك ملابسات تجرم البريء وتعفي الجاني.

    وقد ذكر ابن قدامة رحمه الله تعالى في باب الجنايات قصة نوردها هنا، قال: كان عند رجل جزار شاتان، وعند الفجر قام ليذبحهما، فذبح واحدة وشردت الأخرى فتبعها، فدخلت خربة، فدخل وراءها فأمسك بها، فإذا برجل يتشحط في دمه في تلك الخربة، ودخل الحرس فوجدوا الجزار والسكين في يده ملطخة بالدم، والرجل القتيل يتشحط في دمه، قالوا: أنت قتلت هذا؟

    قال: نعم.

    فأخذوه وذهبوا به إلى الوالي، كان في زمن علي رضي الله تعالى عنه، قالوا: هذا ذبح هذا، والسكين في يده، قال: قتلته؟ قال: نعم، وحكم عليه بأن يقتل قصاصاً، وحدد اليوم والساعة لتنفيذ القصاص، وعندما حانت الساعة سيق إلى الميدان ليعدم، وجيء به، والناس مجتمعون، فإذا برجل من وسط الجموع يخرج ويقول: لا تقتلوه، أنا القاتل.

    وأُوقف القصاص وذهبوا به إلى الإمام علي ، فقال للجزار:: أنت القاتل؟ قال: لا، والله ما قتلته، القاتل جاءكم بنفسه، قال له: فلماذا قلت في المرة السابقة أنك القاتل؟

    فقال الجزار: وجدت نفسي في موقف لا ينفع فيه الإنكار مهما أنكرت ومهما أقسمت، فهذا قتيل يتشحط في دمه، وهذه سكين في يدي بدمها، لو قلت دم الشاة أو دم غيرها من يصدقني، فأردت أن أختصر الطريق وأهون على نفسي التعذيب.

    قالوا للآخر: وأنت ما الذي جاء بك؟

    قال: والله تذكرت، وقلت: الذي قتلته عدو وخصم لي، وهذا المسكين البريء كيف أتسبب في قتله ولا ذنب له، فعظم علي في نفسي أن أتحمل نفسين في وقت واحد -فكأن بذرة الإيمان لا تزال فيه- فقال علي رضي الله تعالى عنه: لئن كنت قتلت نفساً فقد أحييت نفساً، وطلب من أولياء الدم العفو ودفع الدية من عنده.

    فالحديثان، (أول ما يحاسب به العبد الصلاة)، هذا في حق الله، و(أول ما يقضى فيه بين الناس في الدماء)، هذا في حقوق العباد، وهي الدماء والأعراض والأموال، لكن الدماء قبل كل شيء. وصلى الله وسلم على نبيه وعلى آله وصحبه أجمعين.