إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع والعشرون [1]

شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع والعشرون [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    تربويات متعلقة بحديث معاذ رضي الله عنه

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فيقول المؤلف رحمه الله ونفعنا بعلمه آمين:

    [ عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار؟ قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل ، ثم تلا: (( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ))[السجدة:]، حتى بلغ: (( يَعْمَلُونَ))[السجدة:]، ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا، قلت: يا نبي الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح ].

    نبذة مختصر عن راوي الحديث

    هذا الحديث عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، هذا الصحابي الجليل الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم: (أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل).

    ومعاذ رضي الله تعالى عنه كما يقال في الاصطلاح الحاضر تولى عدة مناصب، قد كان معلِّماً لأهل مكة، وذلك إثر فتح مكة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك بُعث إلى اليمن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وحينما وجهه قال: (بم تقضي يا معاذ ؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: بما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فقال صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحبه الله ورسوله) .

    وهذا الحديث عمدة في باب القضاء، وإن كان بعض المتأخرين يتكلم على سنده، ولكن جميع علماء الحديث تلقوه بالقبول وسطروه ولم يضعفوه.

    وبعد أن توفي النبي عليه الصلاة والسلام، عاد في خلافة عمر إلى المدينة ، فبعثه عمر بن الخطاب إلى الشام لحاجة أهل الشام إلى من يفقههم في الدين.

    وعند مالك في الموطأ من رواية الليثي : 1711 - وحدثني عن مالك عن أبي حازم بن دينار عن أبي إدريس الخولاني أنه قال: (دخلت مسجد دمشق فإذا فتى شاب براق الثنايا، وإذا الناس معه إذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه وصدروا عن قوله، فسألت عنه فقيل: هذا معاذ بن جبل ، فلما كان الغد هجرت فوجدته قد سبقني بالتهجير، ووجدته يصلي قال: فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قبل وجهه فسلمت عليه، ثم قلت: والله إني لأحبك لله، فقال: آلله؟ فقلت: آلله، فقال: آلله؟ فقلت: آلله، فقال: آلله؟ فقلت: آلله، قال: فأخذ بحبوة ردائي فجبذني إليه وقال: أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تبارك وتعالى: وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في) .

    التخصص العلمي أسلوب نبوي

    وأحب أن أشير لكم بأن منهج التخصص العلمي المادي كان موجوداً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا معاذ تخصص في معرفة الحلال والحرام، وهذا زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه يقول فيه صلى الله عليه وسلم: (أفرضكم زيد) ، يعني: أعرفكم بالفرائض.

    وكذلك قال في علي رضي الله تعالى عنه: (أقضى أمتي علي)، وقال في أبي عبيدة : (أمين هذه الأمة أبو عبيدة)، وقال في ابن عباس -حبر هذه الأمة- : (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل، ).

    فكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم إذا اختلفوا في مسألة من تلك المسائل رجعوا إلى صاحبها إذا أشكلت عليهم آية في كتاب الله رجعوا إلى ابن عباس ، وإذا أشكلت عليهم مسألة في الميراث رجعوا إلى زيد بن ثابت ، وإذا أشكل عليهم شيء في الحلال والحرام رجعوا إلى معاذ بن جبل .

    ومن تلك النماذج ما جاء عن ابن عباس في مجلس عمر رضي الله تعالى عنهما، وقد كان يدني ابن عباس وهو شاب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو غلام، قد ناهز الاحتلام، كما جاء في حديثه في مِنى في حجة الوداع قال: جئت على أتانٍ والناس يصلون بمنى فمررت بين الصفوف حتى وجدت فرجة، فتركت الأتان ترتع ونزلت وصليت، وقد ناهزت الاحتلام حينئذٍ.

    وحجة الوداع في أخريات حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان شاباً ناهز -قارب- الاحتلام، ومع ذلك كان عمر يدنيه ويدخله في مجلسه، وفيه شيوخ قريش، فقال بعضهم: علام يدخل عمر علينا هذا الغلام، ولنا أولاد مثله، فعلم بذلك عمر ، فأراد أن يعلمهم قدر ابن عباس ، وأنه لا يدخل ابن عباس معهم لمجرد قربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسب -وإن كانت هذه لها قيمتها، قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى:23]، فله حق القربى- ولكن لشيءٍ آخر اختص به.

    يقول ابن عباس عن نفسه: فدعا عمر ذات يوم الناس ودعاني، فعلمت أنه ما دعاني إلا لأمر، وهذا من الفقه والذكاء، فلما اجتمعوا سأل عمر رضي الله تعالى عنه: ما تقولون في قوله تعالى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1]، فقالوا: بشرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتح وانتشار الإسلام، وابن عباس ساكت، قال له عمر : ما تقول أنت يا ابن عباس ، قال: لقد نَعَت إلينا رسول الله وهو بين أظهرنا.. قال: وكيف فهمت ذلك؟ قال: لأن الله يقول: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا [النصر:1-2]، والله قد أرسل رسوله ليبلغ الرسالة، فإذا كان الأمر كذلك فقد أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، وجاهد في سبيل الله حتى علت كلمة الله، وأصبح الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، فكأنه أتم رسالته وأدى مهمته، ولم يبق إلا أن يتوجه ويلقى ربه لينال جزاءه. فقال عمر : وأنا أرى فيها ذلك.

    وسألهم عن ليلة القدر فتكلموا فيها بنصوص كثيرة حتى سأل ابن عباس فقال: لسبع بقين أو لسبع خلون من العشر الأواخر. يعني إما في ليلة ثلاث وعشرين وذلك من قوله: لسبع بقين من الشهر، أو ليلة سبع وعشرين لقوله: لسبع مضت من العشر الأواخر، قالوا: وكيف هذا؟ فذكر لهم ابن عباس توجيه ذلك.

    أساليب التعليم عند النبي عليه الصلاة والسلام

    يهمنا أن معاذاً رضي الله تعالى عنه راوي هذا الحديث أعرف الأمة بالحلال والحرام، ويظهر فقهه في سؤاله، وقد جاء عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: على طالب العلم أن يتعلم السؤال قبل أن يتعلم الإجابة؛ لأن سؤال الشخص ينبئ عن عقله وعن فهمه.

    وكم وجدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه، إذا سأل طالب سؤالاً علمياً في محله يقول: جزاك الله خيراً إنك طالب علم، وإذا سأل إنسان سؤالاً لا يدري يميناً أو يساراً، يقول: أنت في حاجة أن تذهب إلى الطبيب يعطيك إبرة، لأن تفكيرك يحتاج إلى علاج، وذلك من باب المزح مع الطالب، ومن باب التفريق بين سؤال وسؤال.

    وإذا جئنا إلى منهج السؤال في العلم، نجد الباب واسعاً، ونجد القرآن الكريم قد أورد أسئلة وأجاب عليها، كما قال ابن عباس : أقل الأمم سؤالاً هذه الأمة، سألت عن اثنتي عشرة مسألة، وورد الجواب عنها في القرآن، سألوا عن الأهلة، وسألوا عن المحيض، وسألوا عن الأشهر الحرم، وسألوا عن الصيد، وسألوا، وسألوا، والقرآن يجيبهم عليه.

    وكان صلى الله عليه وسلم أحياناً يورد السؤال، ومعاذ ممن ورد عليه سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: كنت يوماً رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا معاذ ! أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم... الحديث.

    ويستفيد طالب العلم والمعلم أساليب التربية والتعليم من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يسأل معاذاً يعلم أن معاذاً لا يعلم الإجابة، ومع ذلك يورد عليه هذا الأسلوب.. أتدري؟ ولذا قال: الله ورسوله أعلم. إذاً لماذا يقدم السؤال؟

    لأن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن ينبه حسه ويجمع شعوره؛ ليجتهد في طلب معرفة ما لا يعرفه، ونحن لو تمكنا من الكشف عن نفسية معاذ وعن فكره وعقله، لوجدنا كل قواه تركزت لتلقي الجواب عن هذا الموضوع الذي سئل عنه، وهو يجهله، قال: الله ورسوله أعلم، ماذا ينتظر معاذ؟ إنه ينتظر معاذ سماع الجواب من الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله: أن يدخل من لا يشرك به شيئاً الجنة).

    ومعاذ هنا يسأل رسول الله في شيءٍ جال ودار في نفسه، يقول: يا رسول الله! دلني.. أرشدني.. بين لي عملاً، وهو من أوائل المسلمين ومعلم الناس في مكة، ومعلم الناس في اليمن، ولكن لعله انتهز فرصة خلوته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ينتهز الطالب شيخه إذا اختلى به، وله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موقف آخر، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يا معاذ ! والله إني لأحبك، فلا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).

    فلما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيّن رسول الله عليه الصلاة والسلام قيمة هذا السؤال، فقال: (لقد سألت عن عظيم).

    إذاً: طالب العلم حينما يستطيع أن يصيغ السؤال يكون حقاً له استعداد وقدرة على استيعاب الجواب، وهنا كما كانوا يقولون عن الإمام أبي حنيفة، جاء شخص وجلس في المجلس وله هيئة وهيبة، وكان الإمام أبو حنيفة يتكلم عن مسألة فطر الصائم عند غروب الشمس،فقال ذلك الرجل: يا شيخ: إذا تأخر غروب الشمس إلى نصف الليل ماذا نفعل؟

    وقد كان أبو حنيفة يأنف مد رجليه احتراماً لهذا الرجل ذي الهيبة، فلما سمع منه هذا الكلام الذي ينبئ عن شخصية هذا الرجل، قال: آن لـأبي حنيفة أن يمد رجليه.

    والرسول صلى الله عليه وسلم لما سأله معاذ عن هذا السؤال المهم جداً، نبه ونوه صلى الله عليه وسلم، وقال: (لقد سألت عن عظيم). ومثل هذا فيه تشجيع من رسول الله عليه الصلاة والسلام لطالب العلم.

    نظير هذا سؤال أبي هريرة رضي الله تعالى عنه لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: (لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد قبلك).

    1.   

    الجمع بين: (عمل يدخلني الجنة) وبين: (لن يدخل أحد الجنة بعمله)

    وقد ورد في رواية أخرى لهذا الحديث: يقربني من الجنة ويباعدني من النار.

    وهنا مسألة: فرواية (يدخلني الجنة) فيها تعارض مع حديث: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله ! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) فإن قيل: فبماذا يدخل المؤمنون الجنة؟ قلنا: بفضل الله، لأن مدار عمل العامل العابد الزاهد الورع القائم الصائم مهما كان، فهو يعمل بفضل الله عليه، إذاً: عمله فضل من الله عليه، كما قال موسى عليه السلام: يا رب إن قمت صليت فبك قمت، وإن صمت فبك صمت، وإن بلغت الدعوة فبك بلغت، فكيف أشكرك، قال: الآن الآن يا موسى شكرتني.. عرفت أن كل شيءٍ من عندي فشكرتني.

    وكذلك مهما صلى المصلي.. الطاقة التي قام وتحرك بها هي من الله، والتوجه إلى العبادة دون المعصية، والهداية والتوفيق.. بأن يأتي إلى المسجد بدل أن يذهب إلى المقهى، فالذي وجهه ومنحه هذه الهداية والتوفيق هو المولى سبحانه، وكل ذلك فضل من الله عليه، إذاً:" عملك الذي تريد أن تعتد به ليس من عندك، إنما هو من عند الله فضلاً عليك.

    وهنا مسألة: هل يوجد تعارض بين قوله عليه الصلاة والسلام: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله..)، وبين قوله تعالى: أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف:43]؟

    قال العلماء: الآية الكريمة تقول: أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا ولم تقل: التي دخلتموها، لأنه فرق بين دخول الجنة، وبين التوارث في الجنة، فدخول الجنة محض فضل من الله، أما التنعم فيها والدرجات، فهذا كله بسبب العمل، وكمثال: لو أن إنساناً وجه لشخص بطاقة دعوة في وليمة، ولم يكتب له في الدعوة أن لا تأكل إلا كذا، قد يعين له رقم كرسي، ولكن لا حجر عليه فيما يأكل، ففضل الوليمة من صاحبها، وتنوع الأشياء الداخلية أنت وذوقك.

    فقالوا: التوارث في الجنة.. المولى سبحانه جعل لكل إنسان سيأتي من ذرية آدم إلى آخر الدنيا منزلتين، منزلة في النار ومنزلة في الجنة، فإن وفقه الله لاتباع رسله، وكان من أهل الجنة، تعطلت منزلته في النار، وإن خذله الله -عياذاً بالله- وخالف رسل الله، وكان من أهل النار، خلت منزلته في الجنة.

    إذاً: بعد دخول أهل الجنة الجنة ودخول أهل النار النار، يبقى نصف الجنة خالياً أو أكثر أو أقل، فيها منازل خالية، بقدر ما في النار من أشخاص، وتلك المنازل لا تترك خالية، بل يورثها الله من دخل الجنة، ويورثها بأي شيء؟ ليس هناك يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، فالذكر والأنثى في الجنة سواء، ولكن يبقى إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [الأحزاب:35]، تتساوى هناك الدرجات وتتفاضل بحسب الأعمال، زوجة فرعون قالت: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ [التحريم:11]، فاختارت الجار قبل الدار، ابْنِ لِي عِنْدَكَ ثم بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ، يعني إرادتها جوار ربها أكثر من رغبتها في دار في الجنة.

    ويقول العلماء: ذلك التوارث بحسب درجات عمل المؤمن، فمنهم من يعطى منزلة، ومنهم من يعطى منزلتين وثلاثاً أو أكثر أو أقل، بحسب التفاوت في الأعمال.

    إذاً: معاذ حينما يقول: (دلني على عمل يقربني من الجنة)، فإنه لا يتعارض مع (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله)، وحديث: دلني على عمل يدخلني الجنة، معناه: أي يكون سبباً في رضا الله عني وتقبله مني، وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: لو أن إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها، ما أمنت مكر الله.

    قوله: يدخلني أو يقربني.. فيها إيجاز وحصر، لأن دخول الجنة هو كل خير يسعى إليه المسلم، والابتعاد عن النار هو كل شر يفر منه المسلم، وكما قالوا في الدنيا، مطامع العقلاء في هذه الدنيا لأحد أمرين: إما لجلب نفع وإما لدفع ضر.. ولذا يقولون:

    إذا أنت لا تنفع فضر فإنمـا يراد الفتى كيما يضـر وينفع

    أي: يضر العدو وينفع الصديق، وهنا معاذ سأل عما يقربه من أعظم خير يسعى إليه وهو الجنة، وعما يباعده عن أعظم شر يفر منه وهو النار، وكما جاء في حديث الأعرابي، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله! علمني دعاءً ولا تكثر، لعلي أحفظ فإني لا أحفظ دندنتكم هذه، قال: وأنت بماذا تدعو؟ قال: أنا أقول.. اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، فقال صلى الله عليه وسلم: (حولهما ندندن).

    علو همة الصحابة في السؤال

    ولا يخفاكم قصة كعب بن ربيعة خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما قال له عليه الصلاة والسلام: سلني، قال: أمهلني إلى غد، فذهب ومن الغد جاء -يقولون: حاور زوجته، قالت: أو يفعل ما تقول، قال: نعم، قالت: سله مرافقتك إياه في الجنة -كلام ينم عما وراءه من عقله وفطنة-.

    فأين أمثال هذه المرأة في نساء اليوم التي تنظر إلى أعظم الغايات .. الجنة!! ولعلها فقهت معنى قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور:21] ، وفقهت قول حملة العرش في قوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ.. [غافر:7-8]، الملائكة حملة العرش يدعون الله للمؤمنين بدخول الجنة وأن يلحق بهم زوجاتهم حتى يتم سرورهم، فهي إذا ضمنت أن زوجها سيرافق النبي عليه الصلاة والسلام في الجنة، فستكون هي ملحقة به.

    فهنا جاء الرجل للرسول صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله!! وعدتني كذا؟ قال: نعم، قال: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قال: هو ذاك، قال له: (إني فاعل، فأعني على نفسك بكثرة السجود).

    سهولة ويسر أحكام الدين لكل الناس

    فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـمعاذ: (لقد سألت عن عظيم)، وهو كذلك؛ لأنه أعظم ما تتعلق به آمال البشر، (وإنه ليسير على من يسره الله عليه)، سهل لمن سهله الله عليه.

    ويأتي الحديث: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، وتأتي الآية الكريمة: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]، لأن الإسلام طريق الرحمة واليسر، ولا توجد مسألة في الدنيا إلا وأتى لها بأسهل وأوفق الحلول، ولم يسد الطريق على أحد أبداً، ففي الصلاة من لم يستطع الصلاة قائماً صلى جالساً أو مضطجعاً، ومن لم يستطع الصوم لمرض فعدة من أيامٍ أخر، والزكاة لا تجب إلا على غني عنده نصاب وحال عليه الحول، والحج إنما يجب على من استطاع إليه سبيلاً، والجهاد.. ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج، كل ذلك من باب التيسير.

    وتقدم معنا في الأحاديث: (ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضل أموالهم، فيرشدهم صلى الله عليه وسلم إلى ما يعوضهم عن غنى المال، تسبحون.. تحمدون.. تكبرون.. دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتختمون المائة بلا إله إلا اله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير).

    وجاء: (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة).

    1.   

    ما يدخل الجنة من الأعمال

    ثم أخذ يبين صلى الله عليه وسلم هذا الأمر الميسر، فقال: (تعبد الله لا تشرك به شيئاً)، ولكن بأي شيء تعبد الله؟ العنوان العام: تعبد الله. ومعاذ كان يعلم الناس الإسلام، ويعرف بما يعبد الناس الله وكما يقول الإمام ابن تيمية وغيره: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، والعبادة من العبودية، وهي من التعبيد أو التعبد، وهو التذلل والخضوع، تقول: طريق معبد أي: مذلل مسهَّل.

    فكذلك المسلم في عبادته منقاد لله مسهل له.

    ثم قال: (تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، تصوم رمضان...) هل هذا تكرار أو تفصيل للإجمال؟

    الواقع أن هذا ليس تكراراً ولا تفصيلاً، وإنما المراد من قوله: (تعبد الله) أي: في حالة كونك تعبده لا تشرك به شيئاً، أي: أوقع العبادة خالصة لوجه الله تعالى.. أياً كانت: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]... وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5] إذاً: المراد بالفقرة الأولى وضع قاعدة الأساس التي يكون منها المنطلق، أن تعبد الله وفي عبادتك لله لا تشرك بالله شيئاً.

    لماذا يستحق الله أن نعبده وحده لا شريك له؟

    ومن باب التحاكم العقلي، هل يجوز للإنسان أن يشرك مع الله في عبادته شيئاً آخر، كما فعل قوم نوح أو كفار قريش في الجاهلية؟

    إذا نظرنا إلى القرآن الكريم في مواطن متعددة، نجد حق العبادة مربوط بحق الربوبية للمولى سبحانه، فمن الذي خلقك وسواك وعدلك، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار:8]، ثم أخرجك إلى الوجود، ثم أنزل من السماء ماءً، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا* وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [عبس:25-32].

    من الذي أنزل الماء من السماء، وشق الأرض للنبات، فيخرج ضعيفاً ثم يشتد عوده، وتخرج السنبلة وتأتي الثمرة بكل أنواع النبات والفاكهة لك، من يقدر على ذلك، من الذي بيده هذا غير الله عز وجل.

    إذاً: إذا قمت تؤدي العبادة فأدها لصاحب هذا الخلق المبدع، ولذا نجد الله عز وجل يلزم قريشاً بعبادته؛ لأنه هو الذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف، كما في قوله تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:2-4]، والإطعام من جوع والأمن من خوف أعظم نعمتين في الوجود، فكبريات الدول إذا توفرت فيها نعمة العيش وفقدت نعمة الأمن، كانت حياتها في قلق واضطراب، واقرءوا كيف يعيش الغرب عندما فقدوا نعمة الأمن التي نحن لا نحمد كثيراً عليها، حتى إن الواحد منهم إن خرج من بيته يخرج ومعه بعض المال ليعطي من يتعرض له من قطاع الطريق، ليخرج من أذيتهم، وإلا ضربوه وأهانوه، بل قد يقتلوه عياذاً بالله، فكيف تكون عيشة هؤلاء؟! والحديث يقول: يأتي على الناس زمان تسير الضعينة من صنعاء إلى حضرموت لا تخشى إلا الله والذئب على الغنم.

    ونحن والحمد لله في نعمة تستوجب الشكر، وشكر الشكر على هذه النعمة.

    نسأل الله أن يديمها علينا وعلى عامة المسلمين، فإنها ليست نعمة قاصرة على أهل البلاد، ولكن ينعم فيها الوافدون إلى بيت الله الحرام، هذا من باب التنبيه على فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ.. [قريش:3-4].

    كذلك أول نداء في المصحف (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، لم يقل: (يا أيها الذين آمنوا)؛ لأنه نداء عام يلزم جميع الخلق، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21]، ثم جاء بالتعريف للرب سبحانه ونعمه على المربوب الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً [البقرة:21-22]، يعني خيمة كبيرة أرضها مفروشة، وهي مسقوفة، وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وداخل هذا البيت الكبير وأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ [البقرة:22]من تلك الأرض مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ [البقرة:22] خلقكم وآواكم ورزقكم فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22]، لأنه لا ند لله في ذلك، لا في خلقكم ولا في خلق من قبلكم، ولا في جعل الأرض فراشاً، ولا في جعل السماء بناءً، ولا في إنزال الماء، ولا في إنبات الثمرات رزقاً لكم، إذا فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22]، وهذا كما كان يقول والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه: هو مضمون لا إله إلا الله.

    يأتي بعدها مضمون: (محمد رسول الله) وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة:23]، أي: إن كنتم في ريب من القرآن ورسالة رسولنا إليكم، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:23]، أي: ادعوا جميع من تستشهدون وتستظهرون، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:24]، انظر إلى التحدي، فإنه تحد مركب فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا على باب الحكاية، وأيضاً (وَلَنْ تَفْعَلُوا) وفعلاً لم يفعلوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة:24-25].

    إذاً بادئ الأمر أن تعبد الله لا تشرك به شيئاً؛ لأنه ليس من حق أحدٍ أن يُشرك مع الله، لأنه لا يوجد موجود هو ند لله، ولا شريك مع الله في ملكه، ولكن كما قال صلى الله عليه وسلم عن ربه: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم).

    يأتي الحديث القدسي: (إني والجن والإنس في نبإ عظيم: أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري)، وبهذه المناسبة فإن العبادة ليست مجرد صلاة في القبلة، وصيام في رمضان، وزكاة للفقير، وحج إلى بيت الله.. بل كل أوامر الله عبادة، فأنت حينما تأكل الطعام تعرف أنه من عند الله، حينما تأتي إلى الشاة لتذكيها لو أنها ماتت دون أن تذكيها، أو جاء مشرك وقال باسم اللات والعزى، وأراق دمها فإنها تحرُم عليك، وإذا جئت وقلت باسم الله، حلت لك لماذا؟ فالسكين واحدة في يد المسلم أو يد المشرك، قطع العروق واحد، إراقة الدم والتخلص من فاسده سواء، ولكن تلك يد مشرك ذبح لصنمه، وهذه يد مسلم سمى وذبح لربه، والفرق بينهما أن المشرك معتد ظالم، والمسلم عابد ملتزم طائع لله، عرف بأن الذي كونها وخلقها ورعاها في بطن أمها هو الله، والذي أخرجها إلى الوجود هو الله، والذي أنبت لها المرعى هو الله، والذي أنبت لحمها وشحمها هو الله، فالخالق لها هو الله، فحينما تريد أن تأكلها تستأذن الله.. أي: رب أنت أحللتها لي باسمك، باسم الله.. الله أكبر..

    تقول: باسم الله الله أكبر، لا تقل: بسم الله الرحمن الرحيم، تقول باسم الله الله أكبر؛ لأن الذي أقدرك عليها هو أكبر منك، فتتذكر عظمة الله، تأتي للبعير وأنت لا تساوي قدر رجل من رجليه، وتنيخه أو تطعنه وقد عقلت إحدى يديه، فالله سخر لك هذا المخلوق الكبير تنحره وتسلخه وتأكل لحمه، فهو أكبر سبحانه وتعالى.

    (تعبد الله لا تشرك به شيئاً): هذه الفقرة كما يقول العلماء هي التي من أجلها أرسل الله الرسل، وقامت بين الرسل وأممهم تلك المعارك، وهي التي قاتل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة، لما قالوا: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا [ص:5]؛ لأنه يقول: اعبدوا الله وحده ولا تجعلوا معه شركاء، مع أن العرب كانوا يقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك.. فهم معترفون بأن آلهتهم تحت سلطة الله سبحانه، وكانوا يقولون مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، لكن اتخذوهم شركاء مع الله، فقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقولوا: لا إله إلا الله.. لا معبود بحق إلا الله.

    إذاً: الرسول صلى الله عليه وسلم يقول هذا الحديث لـمعاذ ويقصد به الأمة جمعاء، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أمري لواحد منكم كأمري لكم جميعاً).

    وهكذا يضع صلى الله عليه وسلم القاعدة، وهي أن تكون العبادة لله وحده لا شريك له، ولذا الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال أحدهم: (ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله نداً، قل: ما شاء الله وحده)، فلا نبي مرسل ولا ملك مقرب، وكل ما يخطر على بالك فليس له حق شعرة ولا جزء من مليون من شعرة في هذا الكون، يستحق لأجله شيئاً من العبادة مع الله.

    وإذا تقرر هذا المبدأ لدى المسلم وأصبح خالص العبودية لله، فهل يستوي هو ومن يجعل مع الله إلهاً آخر، هل تستوي شخصية ونفسية الذي يعبد الله مع شخصية ونفسية الذي يعبد غير الله؟!

    بل وتجد الشخص الذي يعبد الحجر عنده شيء من الوهم، وعنده شيء من الوهن والضعف، لكن الذي يعبد الله وحده، كأن الدنيا كلها ملك له؛ إذاً: بعد تثبيت هذه القاعدة وإقرارها تأتي التفصيلات.

    إقامة الصلاة

    (تقيم الصلاة).

    أما كان معاذ يقيم الصلاة؟ معاذ الذي تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح مكة يعلم الناس ألم يكن يقيم الصلاة؟ فهذا مما يؤكد أن المقصود بهذا الأمة كلها، ومعاذ فرد منها.

    وهنا أيضاً لفظة (تقيم)، فلم يقل: تؤدي، أو تصلي، فلفظة تقيم مأخوذة من الإقامة، تقول: قامت الحرب على ساقها، بمعنى أنها كانت في أوج قوتها وقدرتها، وكذلك العوام يقولون: السوق نائمة، يعني ليس فيها حركة، وكذلك إقامة الأمر أي: أداؤه على أكمل وجه، فكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يوصي معاذاً لا بمجرد أداء الصلاة بشكلها أو بطقوسها فحسب، بل يوصيه بأن يؤدي الصلاة على أكمل وجه تقام عليه.

    أما الكلام عن إقامة الصلاة فأعتقد أن جميع كتب المسلمين مليئة بالكلام عنها، وقد اهتم الدعاة والوعاظ قديماً وحديثاً بالصلاة، ولكن يهمنا التنبيه على شيء وهو ما سبق الكلام عنه في حديث أبي مالك الأشعري : (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور..)، ليعلم الإنسان أن أداء الصلاة ليس مجرد أداء حق لله لا يعود عليه منه شيء، بل الصلاة أعظم من هذا، فإنها منهج حياة.

    وكل أركان الإسلام كذلك، والكل يكمل بعضه بعضاً حتى يكون المسلم متكامل الشخصية، فالصلاة جاء فيها قوله سبحانه وتعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]، فإذا كانت الصلاة معك فأنت في حصن يقيك من الوقوع في الفحشاء والمنكر، ومعنى ذلك أن المجتمع الذي تؤدى فيه الصلوات مجتمع طاهر نقي مثالي، بعيد عن مواقع الفحشاء والمنكر، وأقل ما يكون أنها لا تظهر فيه.

    وهنا يقول صلى الله عليه وسلم: (والصلاة نور)، بل وهناك ما هو أعظم مردوداً عليك، كما في قوله سبحانه: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:45]، فالصلاة عونٌ للإنسان، وليس عوناً مادياً، بل أعظم من ذلك، فهي عونٌ على النوائب التي تنتاب الإنسان، وعون على ملازمة طاعة الله، وعون على الوصول إلى الله، لأنك تقف بين يدي الله وتناجيه بلا ترجمان، وتحمد الله وتشكره وتثبت له صفات الجلال والكمال إلى آخر ما في سورة الفاتحة التي قال فيها المولى: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين..) وتلك الطمأنينة التي تكتسبها حينما تستقبل القبلة وتكبر.

    والرسول صلى الله عليه وسلم صدّر بذكر الصلاة في هذا الحديث، بعد قاعدة توحيد الله وإفراده سبحانه بالعبادة وحده، ومن المعلوم أن الصلوات خمس، وحينما ينادي المنادي حي على الصلاة حي على الفلاح، يجب على المسلم حينما يسمع ذلك أن يبادر، فمهما كان في يده من عمل هام كبير، فالله أكبر من ذلك، ولا فلاح لمن لم يجب داعي الله، فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الجمعة:10].

    إيتاء الزكاة

    ويعقب ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (وتؤتي الزكاة)، كما يقول الصديق رضي الله تعالى عنه: الزكاة أخت الصلاة أو قرينة الصلاة. والصلاة والزكاة والصيام والحج كلها كانت في شرائع الأمم المتقدمة، ففي شريعة عيسى عليه السلام يقول الله على لسانه: وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا [مريم:31]، وكذلك إبراهيم عليه السلام: أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة:125].

    إذاً: إيتاء الزكاة كما يقول بعض العلماء: لو لم يؤكد عليها الإسلام لكانت واجباً اجتماعياً.

    المولى سبحانه يمتحن الغني بغناه والفقير بفقره، لينظر هل يشكر الغني نعمة الغنى، وهل يصبر الفقير على بلاء الفقر، والكل من عند الله ابتلاءً لخلقه، كما قالوا:

    وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل

    متى يعيل يعني: متى يفتقر.

    وما تدري وإن زمرت ثقبا يكون لك أو لغيرك الفصيل

    أي: لو ولدت ناقتك وأنت جئت وزمرت أي: أنت أخذت منها تلك المادة، ونظفت واعتنيت به، فلا تدري هل يكون لك أو لورثتك، إذاً: الغنى والفقر ابتلاء في الدنيا وليس بكدك ولا بحجاك وعقلك.

    لو كانت الأرزاق تأتي على قدر الحجا لماتت من جهلهن البهائم

    إذاً: سعة الرزق من عند الله سبحانه وتعالى، لكن الله جعل في أموال الأغنياء حقاً للفقراء، وكما يقول علي رضي الله تعالى عنه: لقد جعل الله في أموال الأغنياء ما يكفي الفقراء، فما اشتكى فقير إلا بتقصير غني، فيوجد تكافل اجتماعي إلزامي، لكن بعض الناس قد يشح، وبعض الناس قد يجود، ومن السلف من خرج من ماله عدة مرات لوجه الله.

    إذاً: (تؤتي الزكاة)، هل يقصد الزكاة المفروضة أم أن معها الصدقة النافلة؟ الحديث هنا يتكلم عن الفرائض، وقد تقدم التنبيه على أن النوافل تكمل الفرائض، وأحب ما يتقرب به العبد إلى الله أداء ما افترض عليه، ثم لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يحبه الله سبحانه.

    والكلام على الزكاة أيضاً في نصابها وفي أنواعها وفي مخارجها وفي آدابها، كل ذلك تقدم التنبيه عليه.

    صوم رمضان

    ثم قال: (وتصوم رمضان)، إذاً: الأول: تعبد الله لا تشرك به.. يعني لا إله إلا الله، والثاني: إقام الصلاة، والثالث: إيتاء الزكاة، والرابع: صوم رمضان.

    وكلنا يعلم فريضة الصوم ولكن ليس مجرد الإمساك عن الطعام والشراب، لكن كما قال جابر رضي الله تعالى عنه: لا يكون صوم العبد صوماً حقيقة حتى تصوم جوارحه، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، وقال: (والصوم جنة ما لم يخرقها، قالوا بأي شيء يخرقها يا رسول الله!! قال: بكذب أو بسباب أو بفسوق) أو غير ذلك.

    صوم رمضان يعني الصوم الحقيقي، وكما أشرنا بأن جميع العبادات كانت في الأمم الذين قبلنا، فالصوم قال الله عنه: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] فإذا علم المسلم أنه كتب على من قبلنا فقاموا به ولم يقصروا، فيجب أن نكون أعظم قياماً منهم؛ لأنا خير أمة أخرجت للناس.

    حج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً

    يأتي الركن الخامس: (وتحج البيت)، وحج البيت منهج إسلامي متكامل، إن كان من جهة العبادة وإفرادها لله، فهي في شعارك: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، وإن كان في إقامتك للصلاة فأنت تصلي في سفرك للحج، وتلزم بركعتي سنة الطواف، وإن كان في الصوم فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ.. [البقرة:196]، فيأتي الصيام أيضاً في الحج.

    وكذلك الزكاة؛ لأن الحج يستلزم نفقة في سبيل الله، وهكذا جميع العبادات تأتي ضمن أعمال الحج.

    ومن قال إن الحج مجسم مصغر للإسلام فليس قوله بعيداً، بل أعمال الدين والدنيا ماثلة في الحج؛ من حل وارتحال، وأعمال مالية وبدنية وتعاون الجميع؛ كل ذلك ماثل في الحج.

    ولعل بهذه الأركان على سبيل الإجمال نكون قد مررنا على تعداد ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم. وبالله التوفيق.