إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. شرح الأربعين النووية - الحديث الثامن والعشرون [1]

شرح الأربعين النووية - الحديث الثامن والعشرون [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    شرح حديث: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين.

    وبعد:

    عن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله عز وجل، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل بدعة ضلالة رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

    إن لهذا الحديث شأن عظيم، وهو حديث جامع، ويعطي صورة مشرقة لذلك الموقف من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والوقت الذي قيل فيه كان بعد عودته صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع، وجاء في بعض آثار وطرق هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم صلى على شهداء أحد، وخطب الناس، قال أنس وغيره: كأنه يودع الأموات والأحياء.

    من صفات المؤمنين لين قلوبهم لذكر الله

    جاء في بعض الآثار: أنه صلى الله عليه وسلم بعد أن صلى الصبح صعد المنبر وخطب الناس بهذه الموعظة البليغة، وأثر ذلك فيهم الحسن: بلاغة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، ولحسن استماع أصحابه رضي الله تعالى عنهم، وكانت النتيجة كما قال العرباض : (وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون) .

    هذا الوصف -أيها الإخوة- يقف الناس منه اليوم على طرفي نقيض، ومن صفات المؤمنين ما ذكره العرباض: وجل القلوب عند ذكر الله، وذرف الدموع مخافة من الله، وقد قال في بيان صفة المؤمنين: الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال:2] .

    وجاء في بيان قسوة القلب، وضرب ذلك المثل بالحجارة، فقال الله سبحانه وتعالى مبيناً حال قلوب القساة : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [البقرة:74]، وجاء في وصف كتاب الله: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ [الحشر:21]، وقال سبحانه: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:23]، حقاً: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].

    وجاء عنه صلى الله عليه وسلم في بيان السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)، وجاء عن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يَعِسُّ بالمدينة ليلاً، فسمع قارئاً يقرأ داخل البيت، فتأثر عمر حتى حمل إلى بيته، وصار الناس يزورونه في بيته وما به مرض!

    ومن قبله رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما طلب من بعض أصحابه أن يقرأ عليه القرآن، فقرأ حتى جاء إلى الآية الكريمة: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41]، فقال: (حسبك، قال: فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم تذرف دموعه) .

    وهكذا -أيها الإخوة- يكون حال المؤمن إذا ذُكر الله عنده، وإذا ذَكر الله في نفسه، وإذا سمع القرآن الكريم، المؤمن حقاً يكون صافي القلب، ويقشعر جلده ويلين لذكر الله.

    أما من ران قلبه بالمعاصي، وحجب عن نور الإيمان فإنه لا يتأثر، ولا يكون لآيات الله ولا لذكر الله عنده تأثير، وكما أشرت فالناس في هذا الباب على طرفي نقيض: رجل قاسي القلب، وآخر يتصنع الخشوع والبكاء، والأمر يبقى على حقيقته عندما يكون العبد ملتزماً بكتاب الله وسنة رسوله حقاً، فإنه بلا شك يتأثر إذا سمع كتاب الله، وإذا كان مدعياً ذلك بغير حق فإنه كما يقال: لابس ثوب عارية، وثوب العارية شفاف لا يقي ولا يستر.

    وطريق الخشوع ما بينه العلماء أن الإنسان إذا قرأ كتاب الله، وتلا آياته، أمعن فيها، وبذلك يصل إلى قلبه، ويعي ما يقول، وبهذا يتأثر بما يقرأ، وكان بعض السلف يقوم الليل يقرأ، فتوقفه آية يظل يرددها حتى يطلع الفجر!

    وهكذا هنا قال الراوي: (موعظة بليغة)، ومن أبلغ من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ موعظة يسمعها أصحاب رسول الله، ومن خير من أصحاب رسول الله؟ أولئك الذين أشربت قلوبهم الإيمان بالله وبرسوله، وأولئك الذي زادت شفافية قلوبهم وأرواحهم، وتأثروا فعلاً بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    يأتي حنظلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: (نافق حنظلة يا رسول الله! قال: وما ذاك؟! قال: نكون عندك فتذكرنا وتعظنا، فتذرف الدموع، وتخشع القلوب، فإذا انقلبنا إلى بيوتنا وعافسنا الأهل، نسينا ذلك كله، فقال صلى الله عليه وسلم: ساعة وساعة يا حنظلة ! والله! لو دمتم على ما تكونون عليه عندي لصافحتكم الملائكة في الطرق، ولزارتكم في البيوت)، نعم ساعة فساعة! وأي ساعة أجلّ وأعظم وأعلى من ساعة يقضونها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!!

    يقول ابن مسعود : (والله! لقد أنكرنا قلوبنا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ولما ندفنه بعد).

    هكذا يبيّن لنا العرباض رضي الله تعالى عنه أثر الموعظة البليغة من النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه، والواجب على المسلم حقاً أن يجعل لنفسه ساعة يخلو فيها بربه، ويخلو مع نفسه، كما جاء عن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال لبعض أصحابه: (اجلس بنا نؤمن ساعة)، أليسوا مؤمنين؟! بلى، ولكن ليزدادوا من الإيمان، ويجددوا اليقين بما يتذاكرون من آيات الله، فحبذا لو يجعل الفرد لنفسه ساعة من الليل حينما تنام العيون، ويغفل الناس، فيتآنس مع ربه في ذكره لآياته، وشكره لآلائه، فوالله! ثم والله! إنها لأسعد لحظات في حياة الإنسان، وحينما يجد اللذة والحلاوة في تلك المناجاة الكريمة ينسى الدنيا بما فيها، ويكفي بياناً لذلك أن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه! إنها حلاوة المناجاة بينه وبين الله، ولذة القيام في تلك اللحظات؛ ولذا يقول: (أفلا أكون عبداً شكوراً؟!!) شكراً لله على نعمائه يقوم بذلك، وقد قال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة).

    أهمية الوصية في الإسلام

    نرجع إلى الماضي البعيد.. وإلى التاريخ التليد.. إلى تلك الحالة التي كان عليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد تنبهت قلوبهم، وعلموا بحقيقة الموقف، وأدركوا ما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: كأنها موعظة مودع -يا رسول الله- فأوصنا!

    هذا هو المطلب الحقيقي، وهذا هو الفقه والإيمان الحقيقي، أدركوا حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم المغايرة للحالات السابقة معهم، فأجابهم فقال: (أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة)، وقد أشرنا إلى أهمية الوصية ومنزلتها في الإسلام ,وأنها لا تنطلق إلا عن شفقة ورأفة من الموصي إلى الموصى إليه، والصلة القوية بين (وصى) و(وصى له)، كلاهما فيه صلة معنوية أو حسية، والإسلام بكامله يأتي بالوصايا، بل أفرد الله تعالى سورة في بيان أهمية الوصية فقال: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3]، حتى إن الشافعي رحمه الله يقول: لو لم ينزل على الناس إلا سورة العصر -أي: في التوجيه والإرشاد والنصح- لكفتهم هذه السورة.

    والمولى سبحانه يوصي عباده، كقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء:11] ، وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ [العنكبوت:8]، وكذلك جبريل عليه السلام يوصي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال بعض الأنصار : (جئت مع قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدناه قائماً ومعه رجل يحادثه، فأطال القيام معه حتى أشفقت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من طول قيامه، فلما انصرف عنه الرجل قلت: يا رسول الله! من هذا الرجل الذي أطال القيام معك؟! لقد أشفقت عليك من طول القيام! قال: هل رأيته؟! قلت: نعم، قال: هذا جبريل، ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)، فجبريل يوصي رسول الله في حق الجار.

    وكذلك يقول صلى الله عليه وسلم: (أوصاني جبريل بالسواك)، وقال: (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب)، وكذلك حديث: (إن ربي أوصاني بخمس) ثم ذكر صلة الرحم، وأشياء عديدة، ولقد ألممنا بكثير من الوصايا فيما جمعناه في كتاب (من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم)، مثل وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة بقوله : (أوصاني خليلي بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام) وجاء عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال له: (إنك رجل ضعيف فلا تطلب الإمارة)، فأوصاه أيضاً بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، والنوم على وتر، وقال له: (إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك)، والأحاديث كثيرة في باب الوصية، ومن تتبعها وجد حقاً أن الإسلام قد جاءت فيه الوصايا من جميع النواحي.

    1.   

    تفسير سورة العصر

    سورة العصر يوصي الله فيها عباده المؤمنين، فيقول: وَالْعَصْرِ [العصر:1]، وهل هو وقت صلاة العصر؟ لا، بل المراد به الزمن كله، وهذا أعم وأشمل؛ لأن العصر بمعنى الزمن الذي تقع فيه الأحداث، وفيه الدورة الكونية المتجددة التي ما انتهت إلا وبدأت دورة أخرى، وفيها تعاقب الليل والنهار، وتكرار الجديدين، وأمم تمضي.. وأمم تأتي.. ونبات ينبت.. وثمرة تثمر.. وإنسان يولد.. وآخر يموت.. وعالم البحار والأشجار والأنهار والعالم كله مدروج في ظرف الزمان والمكان، فقوله: وَالْعَصْرِ يبين ما في الزمن من آيات تبين قدرة الله سبحانه وتعالى.

    قال: إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:2]، وقد أشرنا -أيها الإخوة- أن مبحث القسم في كتاب الله معجزة، وليت من يتصدى لها ويتتبعها، فما من قسم في كتاب الله ومقسم عليه إلا وبينهما ارتباط ومناسبة قوية جداً، وهنا: العصر من حيث هو زمن، سواء كان زمناً كلياً مطلقاً أو زمناً جزئياً محدوداً، فيقسم سبحانه بهذا الزمن الذي هو محل العمل والكسب، والشخص إذا عمل لا يخلو عمله من أحد أمرين:

    إما أن يكسب في عمله وإما أن يخسر، وإن أعظم خسران للعبد هو في عمره، فهو رأس ماله في حياته، إن اكتسب فيه خيراً فهو رابح، وإن اكتسب فيه شراً فهو خاسر، وتقدم الحديث الذي فيه: (كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها).

    إذاً: أعظم خسران على الإنسان أن يضيع جزءاً من عمره، ولا يسلم من هذا الخسران أحد قط ولو كان تاجراً رابحاً: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3]، فالتاجر إن ربح مال الدنيا فلن يصل إلى غنى قارون، وإن ملك وتسلط فلن يصل إلى ملك فرعون، ولا إلى ملك النمرود الذي كان في عهد إبراهيم عليه السلام، وكما يقال: (ما ملك الدنيا إلا رجلان: أحدهما مسلم، وهو النبي سليمان، والآخر كافر، وهو النمرود)، وهذا ذو القرنين مكن الله له في الأرض، وأعطاه من كل شيء سبباً، وكل ذلك مضى وانتهى، ولكن الكسب الحقيقي هو ما بين سبحانه: (الإيمان وعمل الصَّالِحَاتِ)؛ لأن الكسب المادي مدته مدة حياته، فإذا انقضت الحياة انتهى ذلك الكسب والملك، والحياة الحقيقية هي الآخرة: وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:64].

    إذاً: الكسب الحقيقي والسلامة من الخسران حقاً هو بالإيمان والعمل الصالح: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) ومن الصالحات ما أفرد وخص في هذه السورة الكريمة: (وَتَوَاصَوْا) أي: يوصي بعضهم بعضاً، وفي هذا أهمية إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن كلاً من المؤمنين يوصي الآخر، وبأي شيء يتواصون؟

    (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ)، وفيه كل الخير في الدنيا والآخرة، وفيه كتاب الله وسنة رسوله، وما بعد الحق إلا الضلال، فإذا تواصوا بالحق وتناهوا عن المنكر: (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)، وفيها إشارة إلى أن كل من تمسك بالحق، وقام يدعو إليه، ويوصي الناس به، فلابد أن يصيبه ما يحتاج إلى الصبر معه، ويقول الله سبحانه في الآية الكريمة: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [فصلت:33-34]، فالحسنة تكون من جهة الداعي إلى الله، ومن أين تكون السيئات التي تأتي إلى الداعي إلى الله؟ تأتي ممن يدعوهم إلى الخير ولا يهتدي في بادئ الأمر.

    ثم يقول الله في آخر السياق: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا [فصلت:34-35]، وهنا يقول: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3].

    إن هذا الحديث بما فيه من ذكر الوصية بالذات، يجمع كل خير في الدنيا، وكل تشريع إسلامي يدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهنا بلاغة البلغاء، وكما يقول الراوي: (كأنها موعظة مودع)، والمودع يختصر القول؛ لأنه مقبل على سفر؛ فلذا جمع صلى الله عليه وسلم ما يريد أن يلقيه إلى الأمة في تلك اللحظات الحرجة، وبين ما طلبوه في هذه الكلمة (أوصيكم) أي: استجابة لطلبكم أوصيكم، وحينئذ تنفع الوصية، وتقع وتستقر في القلوب؛ لأنهم هم الذين طلبوها منه.

    الوصية بتقوى الله والسمع والطاعة

    ينبغي للداعية ولطالب العلم أن يتحين المواعظ عند مناسبتها، حتى يجد آذاناً صاغية، وقلوباً واعية، فلما طلبوا الوصية بادرهم بها، وجمع لهم كل الخير: (أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة)، فجمع بين الأمرين: التقوى في كل حقوق الله سبحانه وتعالى، وإقامة حدوده، والسمع والطاعة في علاقة الأفراد بعضهم ببعض، ولقد علم أصحاب رسول الله بحقيقة السمع والطاعة، وقد كان من شرط الإسلام والإيمان أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، حتى لو حكم رسول الله في ذوات أنفسهم: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [النور:51]، فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

    هكذا مبدأ الإسلام في حفظ نظام الأمة، وحقن دمائها، وصيانة أموالها، والحفاظ على أعراضها؛ لأن الخلاف وعدم السمع والطاعة سيؤدي إلى شقاق ونزاع ثم إلى قتال يفسد العالم؛ ولذا كان يأمر صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة لكل أمير يرسله، ينصحه هو بتقوى الله، ويوصي أصحابه بالسمع والطاعة، وهكذا كان المسلمون على هذا المبدأ.

    ثم بين صلى الله عليه وسلم تحقيقاً لهذا المبدأ: (ولو تأمر عليكم عبد)، يا ترى هل للعبد إمارة؟ وهل يكون العبد ولي أمر للمسلمين؟

    أجمع المسلمون بأن الخلافة على المسلمين لا تكون إلا للأحرار، ويأتي نص آخر: (الأئمة من قريش)، ولكن قد يتغلب العبد فيأخذ الولاية، كما حصل في دولة المماليك، والأصل أن الولاية لا تكون إلا في قريش: (الخلفاء من قريش) كما جاء في أثر علي رضي الله تعالى عنه، ولكن قد تصير الخلافة في غير قريش، ففي الحياة تطور، وفي الحياة تغير، فإن تأمر عليكم عبد، وأخذ الإمارة، فالزموا الطاعة! وهذا يكون على سبيل المبالغة، كما جاء في الحديث (من بنى لله بيتاً ولو كمفحص قطاة، بنى الله له بيتاً في الجنة)، وهل مكان القطاة التي تبيت فيه يصلح أن يكون بيتاً لله؟!

    لا، لكن قالوا: هذا على سبيل المبالغة، ومهما يكن من شيء فإن السمع والطاعة من سيم المسلمين مع أمرائهم، وقد أشرنا أن الله سبحانه وضع المبدأ الذي يتعلق بين الحكام والمحكومين في الآية الكريمة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء:58]، وهذا واجب الأمراء والحكام.

    والجانب الثاني: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59]، فهذا مبدأ ارتباط الوالي بالرعية، والرعية بالوالي.

    الالتزام بسنة الرسول وخلفائه عند الاختلاف

    ثم يحذر صلى الله عليه وسلم من الاختلاف فيقول: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً)، فهنا محط الرحل، وموضع الإعجاز، حيث أخبر صلى الله عليه وسلم أن من يعيش ويطول عمره فسيرى الاختلاف بين الناس.

    اتخاذ عثمان للأذان الأول يوم الجمعة

    ثم قال: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)، وسنة الخلفاء مثل ما فعله عثمان عندما اتسع العمران في المدينة، فسن عثمان الأذان الأول يوم الجمعة قبل الوقت، وجعل هذا الأذان على الزوراء، وكانت تبعد عن المسجد نحواً من مائتين متراً تقريباً؛ وذلك لأجل أن يرجع الناس من أسواقهم إلى البيوت، ليتهيئوا لأداء الجمعة؛ ولذا يمكن لقائل أن يقول: لعل عثمان رضي الله عنه أخذ ذلك من المصلحة التي تقتضيها.

    ويمكن أن يستند لهذا الفعل بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9]، وقد أجمع الفقهاء أن من كان بعيد الدار، ولو مكث في مكانه حتى يسمع النداء لم يدرك الخطبة أو يفوته شيء من الصلاة، فإنه يتعين في حق هذا بالذات أن يسعى إلى ذكر الله قبل النداء إليها، كما في القاعدة: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، فرأى عثمان رضي الله تعالى عنه أن أهل السوق لو بقوا في أسواقهم حتى ينادى للجمعة عند دخول الوقت، فإنه لا يسعهم أن يأتوا إلى صلاة الجمعة من دكاكينهم وأسواقهم، ويحتاجون إلى الرجوع إلى البيوت للاغتسال أو الوضوء، فلم يبق عندهم وقت، فرأى أن يجعل أذاناً قبل الوقت لهذه المصلحة.

    ومن هنا أخذ الفقهاء أنه إذا اتسعت البلدة فيشرع أن يجعل أكثر من مؤذن، كما قال مالك : إذا اتسع المعسكر فإن على القائد أن يجعل عدة مؤذنين لتنبيه الناس، إلا أذان صلاة المغرب لضيق الوقت.

    ولذلك شرع الأذان الأول لصلاة الصبح، وهذا من أصل السنة، ويمكن أن يقال: إن عثمان قاس أذان الجمعة على أذان الصبح؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سن أذانين للفجر سوى الإقامة، وقال صلى الله عليه وسلم : (إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، ) فكان بلال ينادي قبل الفجر، ويجوز بعد ندائه الأكل والشرب للصائم، حتى إذا نادى ابن أم مكتوم أمسك من يريد الصوم عن الأكل والشرب، وقال: (الفجر فجران: فجر يحل فيه الطعام، وتحرم فيه الصلاة، وفجر تحل فيه الصلاة، ويحرم فيه الطعام)، وهكذا كان الخلفاء الراشدون لهم من السنن ما يستند إليه العلماء فيما بعد.

    حكم صلاة ركعتين بين الأذان الأول والثاني يوم الجمعة

    وبهذه المناسبة ننبه على كثيراً ما يتساءل الناس عنها ويخلطون فيها وهي: حينما يؤذن المؤذن على المنارة، وقبل أن يصعد الإمام على المنبر، في تلك البرهة لم يعد هناك زمن بين الأذانين، مع أنه في السابق كان هناك زمن يسع لفعل ما، ,نجد الناس جلوساً في المسجد فإذا سمعوا الأذان الأول قاموا فصلوا ركعتين؛ لأن أذان عثمان الذي شرعه في الأسواق نقله بنو أمية إلى باب المسجد، ثم نقله من بعدهم إلى عند المنبر، وأصبح الأذان الأول الذي كان للتنبيه قبل دخول الوقت على باب المسجد بدلاً من السوق، ثم انتقل من باب المسجد إلى عند المنبر، فأصبح أذان الوقت مع الأذان الأول ليس بينهما إلا برهة وجيزة، ومعلوم أنه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يوجد هذا الأذان، وإنما أذان الوقت والإقامة فقط، ولم يكن هناك متسع لصلاة ركعتين، أما الآن فإذا أذن المؤذن على المنارة قام الناس يركعون ركعتين، فإذا انتهوا من هاتين الركعتين صعد الإمام على المنبر ثم سلم، وقام المؤذن يؤذن أذان الوقت الذي تصح بعده الصلاة، فيتساءل الناس عن هاتين الركعتين اللتين هما بين الأذان على المنارة وبين الأذان الذي بين يدي الخطيب: أهما سنة جمعة؟

    نجد ابن القيم يقول عبارة شديدة: من ظن أنها سنة فهو أجهل من حمار أهله! ولكن نجد شيخه الإمام ابن تيمية رحمه الله يقول: إن هاتين الركعتين ليعلم كل إنسان أنها لم تكن زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يكن إلا أذان واحد، يؤذن المؤذن على سطح المسجد، ويبدأ صلى الله عليه وسلم في الخطبة، فليس هناك مجال للصلاة، والناس يستمعون إلى الخطبة، ولا يقوم أحد للصلاة، ولكن حيث أن عثمان قد أنشأه فهو سنة خليفة راشد، فطالب العلم في حد ذاته لا يفعلها؛ لأنه يعلم يقيناً أنها ليست سنة، أما بقية عوام الناس فهل ينكر عليهم أو يتركهم على ذلك؟

    ينظر: إن كان أولئك العوام يرونه موضع ثقة، ويقبلون منه، فإنه يبين لهم، وإن كان لو نهاهم عنها ظنوا أنه ينكر السنة، وسينفرون عنه، ولا يستطيع أن يبين لهم ما هو أهم من ذلك؛ فليتركهم وليلتمس لهم عذراً من عموم قوله صلى الله عليه وسلم (بين كل أذانين صلاة)، وإن كان الحديث يعني الأذان والإقامة، إلا أن هذا فعل عثمان، وهو فعل خليفة راشد، فنعتبره ونلتمس العذر لعوام الناس.

    انظر إلى حكمة الدعوة عند ابن تيمية ! وانظر إلى شدة القول عند تلميذه!

    وعلى هذا اعتبر ابن تيمية رحمه الله ما فعله عثمان سنة خليفة راشد، وبهذا تلتمس الأعذار لعوام الناس.

    ومن سنة الخلفاء الراشدين المهديين أن عمر رضي الله تعالى عنه نهى عن بيع أم الولد، وكان قبله مباحاً، لكنه سمع جلبة وأصوات، فقال: ما هذه الجلبة؟ قالوا: رجل باع أم ولده، وفرق بينها وبين أولادها، فبكى الأولاد لأمهم، فمنع عمر من بيع أم الولد، وجعلها تعتق من رأس ماله، ولو لم يكن عنده سواها، وانعقد إجماع المسلمين أنه لا تباع أم الولد بعد موت مولاها، بل تعتق بعد موت مولاها حالاً، ولو لم يوص بعتقها، ولو لم يكن في تركته سواها.

    وهكذا رأى عمر رضي الله تعالى عنه عام الرمادة رفع قطع اليد في السرقة، والتمس عذراً للناس، إلى غير ذلك من الأحكام التي انفرد بها الخلفاء الراشدون من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    التحذير من البدع والضلالات

    ثم قال عليه الصلاة والسالم : (وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة)، وهذا التحذير من الرسول صلى الله عليه وسلم يقف عنده العلماء طويلاً، ويبحثون فيه بحثاً وافياً واسعاً، وأوسع من كتب في هذا الباب هو الإمام الشاطبي رحمه الله في كتاب الإعتصام، وكذلك القرافي في الفروق بين السنة والبدعة، فعلى طالب العلم ومريد المعرفة حقاً أن يرجع إلى هذين الكتابين ليعرف حقيقة السنة من البدعة.

    ومجمل ما يقال في ذلك: إن البدعة، والإبداع، والابتداع، مأخوذة من البِدْع، والبِدْع والبِدْء في اللغة بينهما تقارب، تقول: هذا بدء الشيء، وفلان ابتدأ العمل الفلاني، وتقول: هذا بدع، وفلان ابتدع الأمر الفلاني، وليس بين البدء والبدع إلا العين والهمز، ويقول علماء فقه اللغة: إذا توافقت المادتان في أكثر الحروف واختلفت في حرف واحد، كان بينهما صلة وقرابة في المعنى والدلالة، وبقدر اقتراب الحرفين المختلفين من مخرجهما كان قرب هاتين الكلمتين في المعنى، وإذا نظرنا إلى بدأ وبدع، وجدنا الهمزة والعين من حروف الحلق، تقول: (أء)، وتقول (أع)، إلا أن العين أقرب، فكل بدع له ابتداء، وتميز البدع ببدء شيء لا نظير له، أي: وجود شيء على غير مثال سابق، ومنه: بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة:117]؛ لأن الله بدأ خلقهما على غير مثال سابق، فخلق السماوات والأرض يجتمع فيه البدء والبدع؛ لأن البدء هو بدء خلقهما، والبدع لأنهما على غير مثال سابق.

    وكذلك قوله سبحانه في حق رسوله صلى الله عليه وسلم: قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:9] أي: قد تقدمه رسل متعددون، ولم يكن هو في بداية مجيئه بدعاً على غير مثال، بل سبقه رسل في أمم.

    وهكذا قالوا: البدعة هي إيجاد شيء ليس له نظير في الشرع، ولم يعرفه الصدر الأول عمن له حق التشريع من كتاب الله، أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو الخلفاء الراشدين.

    تحذير السلف من الابتداع في الدين

    مدح السلف السنة، وذموا البدعة، والسنة هي الطريقة، كما قال القائل:

    من معشر سنت لهم آباؤهم ولكل قوم سنة وإمامها

    أي: طريقة يلتمسونها.

    والبدعة لم تكن سنة سابقة، ولكنها أمر جديد لا عهد له من قبل، ولذا قال مالك رحمه الله: من سن سنة وزعم أنها حسنة -يعني: ابتدع شيئاً لم يكن موجوداً وظن أنه حسنة- فقد اتهم محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه لم يبلغ الرسالة.

    وقد ورد عن ابن المبارك أنه قال: من ابتدع بدعة في الإسلام فقد خون رسول الله في الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]، فبعد الإكمال والإتمام من الذي يدعي النقصان؟! فـمالك رحمه الله يرى أن من ابتدع في الدين شيئاً وقال: هذا حسن اعملوا به، أو خذوه عني، ولم يكن لهذا الأمر سلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن خلفائه، فإنه يكون ابتداعاً جديداً في دين الله، والآتي به يلزمه أنه خون رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاغ؛ لأن الله قال: (أَكْمَلْتُ لَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)، وليس بعد الكمال إكمال، ولا بعد الإتمام إتمام، فالدين قد كمل، فإذا جاء إنسان وقال: خذوا بهذا، فمعنى ذلك: أنه بقي في الدين ثلمة، وهذه تتمتها! فيتعارض مع (أَكْمَلْتُ) و(أَتْمَمْتُ).

    قال الإمام مالك قاعدة مشهورة وهي: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح به أولها.

    وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم التشديد في البدع حيث قال: (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد)، أي: مردود على صاحبه، والعلماء يتكلمون عن المبتدعات في مراتبها وأحكامها، وقد تغلظ البدعة بحسب الزمان أو المكان، فشدد صلى الله عليه وسلم البدعة في خصوص المدينة، ولعن من أحدث فيها بدعة فقال: (لعن الله من أحدث فيها، أو آوى محدثا)، لماذا؟

    لأن المدينة عاصمة الإسلام، وموئل الإيمان، وهو يأرز إليها كما تأرز الحية إلى جحرها، ويأتي إليها المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها، فلابد أن تبقى المدينة على السنة المطهرة، نيرة واضحة لا تخالطها بدعة؛ لأن من رأى البدعة فيها ظن البدعة سنة. وأشد الناس في التحذير من البدع مالك بن أنس إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى، ففي ترجمته أن ابن مهدي -وهو من العلماء المشهورين- جاء وصلى في المسجد النبوي في الصف الأول، وألقى رداءه بين يديه، فلما أنهوا الصلاة، أخذ الناس ينظرون إلى الرداء وينظرون إلى مالك فقال: من هنا من الحراس؟ فجاء اثنان، فقال: خذاه إلى الحبس، فذهبا به إلى الحبس، وفي رواية أخرى: جاءه الحراس فقال: إلى أين؟! قالوا: إلى الحبس، قال: لماذا؟! قالوا: بأمر أبي عبد الله ، قال: اذهبوا بي إلى أبي عبد الله ، فذهب الحراس به إلى أبي عبد الله مالك بن أنس ، فقال: تحدث في مسجد رسول الله ما لم يحدثه أحداً قبلك؟! قال: يا أبا عبد الله ! إن الجو حار كما ترى، وثقل عليّ ردائي فطرحته بين يدي، قال: آلله ما أردت مخالفة من قبلك؟ قال: والله! ما أردت مخالفة من قبلي! قال: لا تعد لذلك، ولا تحدثن في مسجدنا ما ليس فيه! هكذا يعتبر مالك طرح الرداء بين يديه وهو يصلي حدثاً، ويأمر بفاعله إلى الحبس!

    ويقول ابن سرحون: في القرن السابع الهجري كان هناك خدام في المسجد النبوي، فإذا أقيمت الصلاة نظروا: فمن صف وحده خلف الصف، ولم ينضم إلى الصفوف الأولى انتظروا حتى يسلم، فيأخذون به إلى الحبس؛ لأنه أحدث في مسجد رسول الله ما ليس منه، ولماذا لا يقف مع الصفوف الأولى؟

    وكان من يطرح السجاجيد في الصف الأول ثم يذهب، يأخذونها إلى بيت مال المسلمين، لماذا يحجز في المسجد ما ليس له حق فيه؟

    وجاء رجل إلى مالك رحمه الله وقال: أريد أن أحرم من المسجد النبوي، قال: لا تفعل، أحرم من حيث أحرم رسول الله من ذي الحليفة، قال: يا مالك ! وما الذي يمنعني أن أحرم من مسجد رسول الله من عند القبر الشريف؟! قال: أخشى عليك الفتنة، قال: وأي فتنة في أميال أزيدها؟ قال: هذه هي الفتنة التي أخافها عليك، أن تظن بنفسك أنك سبقت إلى عمل لم يسبقك إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: تظن في نفسك أنك في إحرامك زدت أميالاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، انظروا إلى هذه الدقة! ولهذا صدر منه هذا التشديد: (من سن سنة وزعم أنها حسنة، فقد زعم أن محمداً خان الرسالة).

    ولـمالك في هذا مواقف عديدة، وهو من أوسع الأئمة في سد الذرائع.

    فمثلاً: كره أن يتبع الصائم ستاً من شوال برمضان، مع أن الحديث فيه: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر)؛ لذا يقول المالكية: لا تجعل صيام الست من شوال عقب رمضان مباشرة، بل وزعها خلال الشهر بعيداً عن رمضان؛ لأن هذا الأصل موجود في السنة؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم اليوم الذي يشك فيه، أي: مخافة أن يتخذه الناس سنة، ويلازمون عليه فيلحقونه برمضان، فصانت السنة رمضان من أن يزاد في أوله أو يلحق في آخره، فالعيد في آخره يحرم صومه، ويوم الشك في أوله يحرم صومه، ليبقى رمضان على عدته لا يزاد ولا ينقص منه.

    والله سبحانه يقول: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183]، فالذين من قبلنا فرض عليهم صيام رمضان ولكنهم ضيعوه، كما فرضت عليهم الجمعة فضيعوها، وبأي شيء ضيعوا رمضان؟

    جاء في بعض الروايات أنهم كانوا يصومون يوماً قبله احتياطاً، ويوماً بعده احتياطاً، ولما طال الزمن أدخلوا الاحتياط في صلب الفرض، وهكذا عدة مرات حتى زادوا فيه خمس مرات، أي: عشرة أيام، وأصبح رمضان عندهم أربعين يوماً، وإذا جاء رمضان في شدة الحر وعجزوا عن صومه، نقلوا الصوم إلى الربيع! وهذا هو صوم النصارى كما نعلم.

    فرأى مالك رحمه الله مع وجود الحديث كراهية أن يلصق ستاً من شوال برمضان، ويقول الشاطبي : وما خافه مالك قد وقع بالأندلس؛ لأن الأمراء هناك كانوا يلزمون الذين يوقظون الناس للسحور بالبقاء على مراسم الصوم في رمضان ستة أيام من شوال، فإذا انقضت قاموا بشعائر العيد، ولقد أدركنا أشخاصاً يصومون رمضان إلى يوم العيد، ويبدءون الصوم حتى اليوم السابع من شوال، ثم يجعلون اليوم الثامن عيداً! فما خاف منه مالك وقع فيه بعض الناس.

    معنى قول عمر: (نعمت البدعة هذه)

    والسنة الحسنة والسنة السيئة هي مجرد تسمية، فهذا عمر رضي الله تعالى عنه جمع الناس في صلاة التراويح على إمام واحد، ولم يكن صلى الله عليه وسلم يصلي التراويح جماعة في رمضان، وعمر جعلها جماعة على إمام واحد، ثم جاء يوماً والناس يصلون خلف إمام واحد فقال: (نعمت البدعة هذه)، و(نعمت) و(بدعة) كيف يجتمعان، والبدعة ضلالة؟

    ويجيب عن ذلك الإمام ابن تيمية رحمه الله: بأن البدعة من حيث اللغة هي: الإيجاد على غير مثال سابق، وعمر هنا وافق أصلاً شرعيا،ً ومن هنا وضع المقياس والميزان، فكل ما وجد بعد زمن رسول الله والخلفاء الراشدين نقيسه على ميزان الشريعة، فإن وافق أصلاً فيها فهو حسن، وهو إحياء لسنة مماتة، وإن خالف فيها الشرع المعلوم بالكتاب والسنة رددناها على صاحبها.

    أما فعل عمر رضي الله تعالى عنه فقالوا فيه: مجرد الصلاة في ليل رمضان هو قيام الليل، وقيام الليل يشرح طول السنة: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل:1-4] وقيام الليل من حيث هو مشروع، وخصوصاً رمضان، وجاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه، ولم يعزم علينا)، ثم بعد ذلك بين فقال: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، (ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، ولكن كان الناس في المسجد النبوي يصلون فرادى، ويتتبعون حسن الصوت فيقتدون به، فتجد الرجل الذي يحفظ القرآن يصلي وراءه الخمسة والستة، والآخر يصلي وراءه العشرة والعشرون، كل بحسب صوته وقراءته، فرأى عمر هذه التفرقة فقال: لو جمعتهم على إمام واحد لكان أولى، فجمعهم على أبي بن كعب.

    فأصل قيام الليل كان مشروعاً، ثم قيام رمضان كان مسنوناً، وأما جمعهم على إمام واحد فقد جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى العشاء في العشر الأواخر، ثم قام فصلى في المسجد، وكان يوجد بعض الناس فصلوا بصلاة رسول الله، وفي الليلة التي تليها قام ويوجد بعض الناس في المسجد فصلوا بصلاة رسول الله، فلما كان بعد الليلة الآخرة أشيع في المدينة أن أناساً صلوا بصلاة رسول الله في المسجد، فاجتمع الناس، وبعد أن صلوا العشاء مكثوا في أماكنهم ولم يغادروا، فرأى صلى الله عليه وسلم اجتماع الناس فقال: (يا عائشة ! ما شأن الناس مجتمعين؟ أليس قد صلوا العشاء؟! قالت: بلى، ولكن ينتظرون خروجك لتصلي فيصلون معك كما صلى أقوام معك بالأمس وقبله، قال: أو فعلوها؟! فما خرج عليهم بعد، ومكث في بيته، فانتظروه واستبطئوه حتى أخذوا الحصباء فحصبوا الباب، فلم يخرج إليهم إلا في الفجر، فقال: أيها الناس! ما خفي عليَّ صنيعكم البارحة، وما بت بحمد الله غافلاً، ولكني خشيت أن أخرج إليكم وأصلي بكم، فتفرض عليكم فتعجزون عنها).

    نعم بالمؤمنين رءوف رحيم! كما راجع ربه في الصلاة ليلة الإسراء من خمسين صلاة إلى خمس صلوات.

    فلما انتقل صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى جمعهم عمر رضي الله تعالى عنه، وكما يقول الفقهاء: (الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً) فلما أمنت الفرضية سن عمر أن يقوم الناس على إمام واحد.

    إذاً: عمر لم يبتدع شيئاً في الدين، ولكن أوجد شيئاً يطابق السنة الصحيحة من فعله صلى الله عليه وسلم، والفرق بين ما فعله صلى الله عليه وسلم وما فعله عمر أن في الفعل الأول خشيت الفرضية والعجز، وفي الفعل الثاني لم تخش هناك فرضية، وصارت التراويح على السنة، وصلاة الناس بإمام واحد، وفي جماعة واحدة، مقصد من مقاصد الشرع، وهو توحيد الناس وعدم تفريقهم، وهكذا صارت سنة متبعة إلى اليوم ولله الحمد.

    أقسام البدعة

    وقوله: (إياكم ومحدثات الأمور، فكل محدثة بدعة)، يختلف العلماء في حد البدعة والقرافي يقسم البدعة إلى الأقسام الخمسة: واجبة ومحرمة ومكروهة ومندوبة ومباحة، ورد الشاطبي هذا التقسيم كله، وقال: لا توجد بدعة إلا ضلالة، أما قول عمر : نعمت البدعة، فإنه أراد بذلك الصورة والهيئة التي لم تكن موجودة من قبل، ولكنه بذلك التشريع موافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء أن عمر أمر في رمضان أن تسرج المساجد، فجاء علي ووقف وقال: (نور الله عليك قبرك -يا ابن الخطاب- كما نورت مساجدنا)، وهذا من المصالح العامة، ويقول الشاطبي : لا بدعة حسنة أبداً؛ لأن البدعة في الدين شيء غير موجود من سابق، ولكن يندرج كل جديد فيه مصلحة للأمة تحت باب: المصالح المرسلة، فما لم يكن يخدم باباً من أبواب ضروريات الأمة فليس مشروعاً، وقد يقسم العلماء البدعة من حيث الوجود والظهور إلى قسمين:

    قسم في عادات الناس أي: في أمور الدنيا، ولا دخل له في العبادة.

    وقسم في العبادات، والعادات أمور دنيوية، لكن صورتها يجب أن تكون موافقة للشرع مثل كيفية الأكل، لكن أن تأكل خبزاً أو تأكل بسكويتاً، كل ذلك مباح في الدين، ولكن بعض الناس يدخل في البدعة استعمال منخل الدقيق؛ لأنه ترف في الحياة، لكن يقول أحمد رحمه الله: عجبت لمن يترك لين العيش ويذهب إلى خشنه والله يقول: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32]، ولا يوجد أحد حرمها على الناس، فلا شيء في ذلك أبداً، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه عندما قدم المدينة، وجدهم يؤبرون النخل فقال: (لم تؤبرونه؟! قالوا: لأجل أن يثمر، قال: لا عليكم إن كتب الله لأحدكم رزقاً جاءه، وإلا فلا، فتركوا التأبير، فجاء النخل كله شيصاً في تلك السنة، فقال صلى الله عليه وسلم: أنتم أعلم بأمور دنياكم).

    ولهذا لا يقول إنسان: إن ركوب السيارة بدعة؛ لأنها لم تكن موجودة، ولا السفر في الطائرات بدعة؛ لأنه لم يكن موجوداً، هذه أمور دنيوية لا يتوقف عليها ثواب ولا عقاب.

    وكذلك اللباس فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يلبس الجبة أو البردة، ورأى عمر حلة تباع في السوق فجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (اشتر هذه تلبسها للوفود والأعياد والجمع، فنظر إليها رسول الله وقال: إنما هذا لباس من لا خلاق له)؛ لأن قماشها حرير، ولكن الجبة من حيث هي جائز لبسها في المناسبات وغيرها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كانت له بردة يصلي بها العيد، وكان يقابل بها الوفود، وهو القائل صلى الله عليه وسلم: (ماذا على أحدكم لو اتخذ ثوباً لجمعته، سوى ثوب مهنته؟) أي: ماذا على أحدكم إذا كان الله قد وسع عليه أن يتخذ ثوباً خاصاً ليوم الجمعة، إظهاراً لنعمة الله عليه في ذلك.

    إذاً: لا مانع أن يلبس الإنسان ما شاء من أنواع اللباس، ولكن لا يلبس لباساً على هيئة لباس النصارى واليهود، مثل أن يشد زناراً في الوسط، ويشبه بغير المسلمين، وقد نهانا صلى الله عليه وسلم عن مشابهة اليهود، ونهى الرجال عن التشبه بالنساء، والنساء عن التشبه بالرجال، بل نهى عن مخالطة اليهود والنصارى كما في حديث أبي ثعلبة الخشني: (إنا نكون بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ قال: لا)، فبعض العلماء شرح هذا وقال: لأننا إذا جاروناهم وتعاونا معهم، وأخذنا وأعطينا، كانت الألفة والمودة بيننا، ووقع الركون إلى عادتهم، فتسري عاداتهم إلى بيوتنا، وبعضهم يقول: في الحديث تتمة وهي: (أنأكل في آنيتهم وهم يطبخون الخنزير ويشربون الخمر)، يعني: في تلك الأواني فقال: (لا، إلا ألا تجدوا غيرها، واغسلوها ) يعني: اغسلوها غسلاً جيداً ثم كلوا فيها، وفي بعض الروايات: (ولا نجد غيرها) أي: عند الحاجة مع غسلها لا مانع من ذلك.

    إذاً: التشبه بغير المسلمين لا يجوز، لماذا؟

    سداً للذريعة، وهكذا الزيادة في الدين بدعة، هناك نوع من اللباس يضيق فيه الكم يسمى (الكبك)، لا ينبغي لأحد أن يقول: إنها بدعة؛ لأنها لم تكن في زمن رسول الله، فقد جاء عن المغيرة بن شعبة في غزوة تبوك أنه لما ذهب صلى الله عليه وسلم لقضاء حاجته، وأراد أن يتوضأ قال: (أراد أن يخرج يده من كمه فضاق الكم على يده، فأخرجه من تحت إبطه) إذاً: الجبة التي كان يلبسها صلى الله عليه وسلم ضيقة الكم؛ ولهذا يرى بعض العلماء أن توسيع الكم إلى ذراع أو نصف ذراع بدعة؛ لأنه لم يكن على عهد رسول الله، ولكن يقال: اللباس يخضع لعادة الناس وعرفهم، فيترك ذلك للناس على حسب مصالحهم، وبالله التوفيق.