إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. شرح الأربعين النووية - الحديث الثالث والعشرون [3]

شرح الأربعين النووية - الحديث الثالث والعشرون [3]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    فضل الصدقة وأثرها

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد:

    فمن الجوانب المهمة في الحديث عن الصدقة: بيان أثرها على العبد في الدنيا والآخرة:

    أما أثرها في الدنيا فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم الحث على الصدقة، وبيّن أثرها في نفسية العبد، وأنها تقي مصارع السوء، وتقي موت الفجأة، وتحفظ المال، وتزيده كما قال: ما نقص مال من صدقة، والفكرة العامة عند الناس: أن المعروف لا يضيع، كما قال الشاعر:

    من يصنع الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب الخير عند الله والناس

    فإذا صنعت معروفاً لمخلوق لا ينساه لك، فالمولى سبحانه لا ينسى لك ذلك من باب أولى، بل جاء في الحديث القدسي: يا عبدي! جعت فلم تطعمني، فيقول: وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! فيقول: جاع عبدي فلان، فلو أطعمته لوجدتني عنده، يا عبدي! مرضت فلم تعدني، فيقول: يا رب! وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟! فيقول: مرض عبدي فلان، ولو عدته لوجدتني عنده.

    بل الحيوان إذا أشفقت عليه ورحمته أثابك الله عليه، وقد جاء في الحديث: أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ، وجاء في الحديث: دخلت امرأة بغي الجنة بسقيا كلب، كانت تمشي في الطريق، فاشتد بها الظمأ، ثم وجدت بئراً فنزلت وشربت، فلما خرجت إذا بكلب يلحس الثرى من شدة العطش، فقالت: يا ويلتاه! قد بلغ به من الظمأ ما بلغ بي، فرجعت إلى البئر وملأت خفها ماءً وسقته، فشكر الله لها صنيعها، فغفر لها.

    ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لأصحابه قالوا: ألنا في الحيوان أجر؟ قال: في كل ذي كبد رطبة أجر .

    صنائع المعروف تقي مصارع السوء

    صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وهذه حادثتان مما سمعناها مباشرة، تعطي الإنسان العاقل في هذا صورة واضحة، وتقرب المعنى البعيد:

    الأولى: قصة إنسان معروف، أنقذ حياته وجماعته، ورد عليه وعلى رفقائه ماله، يقص الشخص بنفسه قصته علي فيقول: كان جالساً في مقهى، وجاء رجل من البادية وجلس، فبادر صاحب المقهى بالماء البارد، وبإبريق من الشاي، فشرب الرجل، وأراد أن يقوم، فأخذ يفتش في جيبه عن نقود فلم يجد، فأخذ صاحب المقهى يشتمه ويقول: إنك تحتال، وإنك كذا، فسمع هذا الرجل، ونظر إلى وجه الرجل فإذا به ليس من تلك الوجوه، فعز عليه ذلك، فنادى صاحب المقهى وقال: كم حسابك؟ فذكر له قرشين، فدفعها إليه، ونظر إليه الرجل، ومضى في سبيله، وبعد سنوات خرج هذا الرجل حاجاً هو ورفقته، وفي أثناء الطريق داهمهم قطاع الطرق، وجردوهم من جميع ما معهم من متاع ومال، وأوثقوهم في حبل، وبينما هم في تلك الحالة، إذا بكبير العصابة يأتي ويتفرّس الوجوه، فإذا به يقف أمام هذا الشخص، ويتأمل في وجهه -يقول الذي حدثني: لقد وقع في ظني أن له ثأراً أو ويريد اختياري للقتل، فما كنت أنتظر إلا الموت- ثم تفرس الوجوه مرة أخرى ونادى جماعته حالاً: أطلقوا هؤلاء الناس، وردوا عليهم متاعهم، وكل ما أخذتموه منهم، ولا أبرح مكاني حتى تفعلوا، وفكوا وثاقهم، وردوا أموالهم، ثم جاء إليه وأمسك بيده، وقال: هل يكفيك هذا بالقرشين؟ فقال: أي قرشين؟! قال: أنسيت سنة كذا في المقهى؟ سبحان الله!!

    واعذروني -أيها الإخوة- إذا أوردت مثل هذه القصص، لكنها واقعية، وتذكرنا بنعمة الله علينا بالأمن والأمان.

    فهذا المعروف الذي صنعه هذا الرجل ما كان يتوقع أن يلقاه بعد ذلك، وماذا كانت النتيجة؟ رقبته وماله وجماعته معه فدية لهذين القرشين، فلا تتكاثر معروفاً تصنعه، والعوام يقولون: اصنع المعروف وألقه في البحر، فهو لا يضيع، وأما الجزاء من الله سبحانه وتعالى فهو أكبر وأعظم قدراً.

    الثانية: قصة رجل ضل في الطريق، ودخل مغارة، وعجز أن يخرج، فطلبه أهله أربعة عشر يوماً فلم يجدوه، وبحثوا عنه في الآبار والمغارات، وفي كل مكان، وأيسوا من حياته، فدخلوا غاراً فوجدوه، وقد أخذوا معهم الإضاءة واللوازم، فأخذوه إلى البيت وسألوه: كيف كنت تعيش لمدة أربعة عشر يوماً؟! فقال: أولاً: أخبروني ماذا فعلتم في منيحة فلان؟ -بيت من جيرانه- مات والدهم وله أيتام، فمنح أيتام جاره حليب بقرة من بقره، فكان كل يوم يرسلها إليهم، فقالوا: كنا نبعث بها إليهم، وما قطعنها إلا بالأمس، قال: قد علمت ذلك، قالوا: وكيف علمت وأنت في ذاك المكان؟! قال: حينما ضعت عرفت أني هالك إلا أن يتداركني الله بلطفه، فجلست مظنة أن يأتيني أحد فيجدني قريباً، فطال الانتظار وطال الوقت، وأنا لا أعرف ليلاً من نهار، ورفعت يدي إلى الله أسأله مع شدة الجوع والعطش، فإذا أنا أجد بين يدي غدارة -إناء عادي يحمل في اليد-، فلشدة عطشي وجوعي أهويت بها على فمي، فإذا بها حليب بقري، وهكذا كانت تأتيني كل يوم، إلا بالأمس انقطعت عني.

    وهذا مما يبين قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)، كان في وسط المغارة، ولا يدري عنه أحد إلا الله، وهذا من فضل الله.

    وقد سمعت منذ أسبوع مضى: أن امرأة وقعت في دبل العين -والذي أخبرني حي يرزق- فانخسف بها الدبل، وسقطت في الأرض ولم تستطع أن تخرج، ومكثت خمسة عشر يوماً لا يعلم بها أحد، وقد كان لها غنم تعطي عجائز بجوارها من لبنها في طاسة من النحاس، فمر شخص يمشي على ظهر الدبل فسمع صوتاً، فنادى فأجابته فأخرجوها، فسألوها كيف كنت تعيشين؟ قالت: طاسة الحليب التي كنت أعطيها العجائز اللآتي بجواري، كانت تأتيني كل يوم!

    أيها الإخوة: إن وعد الله لا يحتاج إلى حكايات، ونقل أحداث، ولكن المؤمن إذا سمع شيئاً من هذا زاد يقينه، ولقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرهم يرون المعجزات، ويرون خوارق العادات، فيزدادون إيماناً ويقيناً بالله، ولما جاء إعرابي وقال: (يا محمد! أنت نبي؟ قال: نعم. قال: من أرسلك؟ قال: الله. قال: من يشهد لك؟! قال: الطعام الذي تأكل منه، فرفعوا القصعة إليه وأصغى بأذنه فإذا بها تقول: لا إله إلا الله، فقال: والله! إنها لتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال رجل: اسمعنيها يا رسول الله! قال: أسمعه، فسمعها تأتي بالشهادتين، فقال الثالث: أسمعنيها؟ فقال: ضعها في الأرض) أي: يكفي شهادتين.

    فإذا كان الأمر كذلك، ونحن في القرن الخامس عشر نسمع أحداثاً من تلك ونعاينها ونحسها، فلا شك أن ذلك يعطي المؤمن زيادة إيمان ويقين، والخليل عليه السلام سأل ربه كما: قال الله: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260].

    إذاً: الصدقة في الدنيا لا تضيع، ولا يضيع الله على أحد شيئاً، أما البركة في المال، والزيادة، والطهر، والنماء، فهذا أمر مفروغ منه.

    أثر الزكاة والصدقة في المجتمع الإسلامي

    نأتي إلى النظام الإسلامي وأثر الزكاة والصدقة فيه، فنجد أنه ما وقع في العالم الإسلامي فتنة ولا غزته فكرة ولا أوتي من الخارج إلا بسبب ترك الصدقة، فلما عطلت الزكاة هدم انتظام المال في الإسلام، وجاءت الفوارق البعيدة، وتقطعت الصلات بين الأغنياء والفقراء، وشح الغني بماله، وحقد الفقير بقلبه، وجاءت الطبقات، وجاءت الدعوات، ومن قبل كان المال عارية في يد صاحبه، ويرى أن الله امتحنه به ليرى: هل يشكر ويحمد ربه ويؤدي حقه أم لا، والفقير أمسك الله عنه المال امتحاناً له لينظر أيصبر أم يجزع، وقد يكون امتحان الغني أشد: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7]، لأن الفقير سلبي، أما الغني يطيش بيديه إلى كل جهة.

    فحينما كان المال عارية مستعارة بيد الجميع، فكان يعرف حقه فلا يتعداه، فالغني يؤدي حق الله، والفقير لا يتجاوز حقه في المال، وكل يقف عند حدود الله، فيعيش العالم في أمان وطمأنينة، وكان الكل غنياً بالله.

    يقول الإمام علي رضي الله تعالى عنه: (إن الله أودع في أموال الأغنياء ما يسد حاجة الفقراء، وما جهد فقير إلا بتقصير غني، والله محاسبهم على ذلك حساباً شديداً، ومعذبهم عذاباً أليماً).

    أي: الفقير لا يشتكي إلا بتقصير الغني، فالله سبحانه قدر مقادير كل شيء، وأعطى من المال ما يكفي لعباده، لكن الغني يمسك حق الفقير، وإذا كان لك شريك في مال وأمسكت حقه، أجعته، فالفقير له حق معلوم في مالك، فريضة من الله، فإذا أعطى الأغنياء حقوق الفقراء فلا شكوى، وإذا أمسك الأغنياء حقوق الفقراء كانت الشكوى؛ ولذا لما تنظمت الزكاة في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، ما شكا فقير حاجة، وكان يكتب إليه عامله على إفريقيا: إني قد جمعت الزكاة وأعطيت الفقراء والمساكين، وبقي عندي مال فماذا أفعل به؟ فيقول: انظر أي مدين فسدد دينه، فكتب إليه: قد فعلت وبقي عندي مال ماذا أفعل به؟ قال: انظر أي غريب فبلغه بلده، فكتب إليه وقال: قد فعلت وبقي عندي مال ماذا أفعل به؟ قال: انظر أي أعزب فزوجه، وهكذا انتظمت الحياة عند التزام شرع الله في الزكاة.

    وفي القرآن الكريم بيان مصارف الزكاة في قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ... [التوبة:60]، وعدد ثمانية أصناف تستطيع أن تقول: هي أبواب ميزانية دولة كاملة، فالتضامن الاجتماعي بين الغني والفقير والمسكين، ورجال الوظيفة (العاملون عليها)، والساعون بالمعروف والإصلاح بين الناس، مثل هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، و(المؤلفة قلوبهم) وزارة الخارجية وعلاقة الإسلام بغيره، ووزارة الطرق والمواصلات.

    والجيش وفك الأسير والعاني (في سبيل الله)، وكل ذلك مرافق لمصارف الزكاة.

    إذاً: الزكاة مرفق اجتماعي عظيم في الإسلام، ومن أعظم مصارف الزكاة في سبيل الله وفي الرقاب، مثل: تجهيز الغزاة، وفكاك الأسير.

    إذاً: الزكاة في الدنيا شأنها عظيم، وأمرها في الآخرة أعظم : (المرء في ظل صدقته)..، وفي الحديث: (اتقوا النار ولو بشق تمرة).

    العذاب المترتب على منع الزكاة

    مانع فريضة الزكاة متوعد بالعذاب كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها في الدنيا إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فيكوى بها جبينه، وجنبه، وظهره، كلما بردت أحمي عليها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين الخلائق، ثم يرى سبيله إما إلى جنة، وإما إلى نار! وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها في قاع قرقر، وجيء بها أوفر ما تكون، لا تنقص فصيلاً منها، تطؤه بأظلافها، وتعضه بأنيابها، كلما مرت عليه أخراها أعيد عليه أولاها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى جنة وإما إلى نار! وما من صاحب بقر ولا غنم، لا يؤدي زكاتها، إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها في قاع قرقر، وجئ بها أوفر ما تكون، ليس فيها عجفاء، وليس فيها جلحاء، تمر عليه وتنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى جنة وإما إلى نار! قالوا: والخيل يا رسول الله؟ قال: أما الخيل فهي لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر، أما التي هي له أجر: فرجل ارتبطها في سبيل الله، فلا تستن شرفاً، ولا تنزل وادياً، ولا ترعى مرعاً، ولا يوردها ماء يسقيها إلا كان له في ميزانه حسنات، وفي روثها له فيها حسنات، وأما التي له هي ستر فرجل اقتناها تغنياً -أي: نماءً واقتصاداً- يتغنى بها -أي: يستغني بها- وأما التي هي عليه وزر فرجل اقتناها خيلاء وكبراً، قالوا: والحمير يا رسول الله؟! قال: لم ينزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8]).

    وأحاديث الوعيد في ترك الزكاة كثيرة، وما دخل شر على المسلمين إلا بتعطيل الزكاة، فالزكاة تربط بين أفراد المسلمين، فلما عطلت الزكاة تخلخلت هذه الروابط، ووجدت تلك الفجوات، ووجد الفراغ، وجاءت الأفكار المسمومة، هذا ما أردنا التنبيه عليه، والله أسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه.

    الفرق بين الصدقة والهدية

    السؤال: ما هو الفرق بين الصدقة والهدية؟

    الجواب: افرق كبير جداً، ويظهر ذلك مع قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع سلمان الفارسي لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مهاجراً ونزل بقباء، سمع به سلمان الفارسي رضي الله عنه، وقد تنقل من فارس إلى الموصل إلى الشام إلى الحجاز، وكل ذلك بحثاً عن الدين الحق، وأخيراً عرف الطريق، وجاء مع قوم، وباعوه، ثم بيع في المدينة لرجل يهودي، فكان يعمل عنده، وينتظر مقدم نبي آخر الزمان من الحرم، وعلم أنه مهاجر إلى بلدة أرضها سبخة ذات نخيل بين حرتين، وكان يظنها خيبر، ثم اتضح له أنها المدينة، فكان يعمل في بستان رجل يهودي، وسمع بمجئ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت عنده ثلاث علامات، وكان في زمن الصيف، فجاء بقفة من الرطب، وقال: يا محمد! هذه صدقة مني عليك، وعلى أصحابك، فنظر إليه صلى الله عليه وسلم وقال: (إني لا آكل الصدقة وقربها إلى الآخرين)، فقال سلمان : هذه واحدة، ومن الغد جاء بمثلها، وقال: يا محمد! هذه هدية مني إليك ولأصحابك، فأكل منها، فقال سلمان : هذه الثانية، فنظر إليه صلى الله عليه وسلم وكشف له عما بين كتفيه لينظر العلامة الثالثة، فنظر سلمان بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهوى على خاتم النبوة يقبله، وأعلن إسلامه حالاً، وقصة سلمان طويلة، ثم اشترى نفسه من صاحبه بكذا أوقية، وأن يغرس له مائة ودية، إلى آخر قصته.

    ومما يبين الفرق بين الصدقة والهدية ما جاء في قضية بريرة، عندما دخل صلى الله عليه وسلم البيت، فقدموا له إراماً، فقال: (ألم أر البرمة على النار فيها لحم؟! قالوا: إنه لحم تصدق به على بريرة ، وأنت لا تأكل الصدقة، فقال صلى الله عليه وسلم: هو عليها صدقة، ولنا منها هدية).

    ويقول الأصوليون: الأعمال بالمقاصد، وفي الحديث (إنما الأعمال بالنيات)، وهي قطعة لحم واحدة، وهي من يد صاحبها إلى بريرة صدقة، وهي -القطعة بعينها- من يد بريرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية، فأكل منها صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: فرق بين الصدقة والهدية، وقد ذكر صلى الله عليه وسلم أن الصدقة لذوي الأرحام والأقارب خير من الصدقة للأجانب؛ لأنه كما قال صلى الله عليه وسلم: : (صدقة وصلة)، فتصل رحمك وتتصدق، ولكن لا يكون المتصدق عليه من رحمك ممن تلزمك نفقته، لأنه إن كان ممن تلزمك نفقته، فلا يجوز أن تتصدق عليه؛ لأنك تؤدي واجب النفقة من صلة الزكاة، وهذا لا يجوز، والهدية كما قيل: من أكبر ما يكون بين الأفراد في علاج أحنة الصدر، وفي المؤاخاة، وفي غرس المحبة، كما قال صلى الله عليه وسلم: (لن تدخلوا الجنة حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (تهادوا تحابوا)، فإذا أهديت إلى إنسان ولو عود أراك، فإنه يذكرك به، وينزل منزلة في نفسه، فيكون مدعاة إلى زيادة المحبة بينك وبينه.

    إذاً: الهدية عامة، يهدي الإنسان لصديقه، أو لأخيه وجاره، والصدقة يتقرب بها إلى الله، ولها مصارفها الخاصة، مثل الفقراء، المساكين، وغيرها من أبواب البر التي يعلمها الجميع.

    1.   

    العلاقة بين النور والبرهان والضياء في الحديث

    هذا الحديث النبوي الشريف ذكر قاعدة الإسلام -وهي العقيدة- في طهارة القلب، وأول ما يطهر العبد قلبه من درن الشرك والرياء، ومن الحقد والحسد، ثم ذكر عمل اللسان، بالتسبيح والتحميد للمولى سبحانه، وبالذكر عموماً، ثم ذكر ركنين من أركان الإسلام وهما: الصلاة، والزكاة، وبعد هذا قال: (والصدقة برهان، والصبر ضياء)، فما الربط بين قوله: (الصلاة نور، الصدقة برهان، الصبر ضياء) مع أن كلها عوامل إضاءة مع اختلاف الماهية؟

    أما النور فهو الهادئ، ولا حرارة معه، وأما البرهان فهو الشعاع الذي أمام قرص الشمس، وأما الضياء فهو نور الشمس، وعند المناطقة النسبة بين الثلاثة: التشكيك، فإنك إذا نظرت فيها تجد أنها تتفق في الجنس، وتتفاوت في الرتبة، ولو أشعلت عود ثقاب في صحراء لقلت: نَوّر، ولو جئت بماطور كهرباء في لمبة مليون شمعة لقلت: نَوّرت، ولكن تنظر إلى هذا وتقول: نُور وليس بظلام، وتنظر إلى هذا وتقول: نور وليس بظلام، ولكن الفرق بينهما بعيد، فهما جنسان مختلفان في الإضاءة وبينهما عنصر الإضاءة.

    ويقولون: التشكيك بينهما نسبة منطقية، والعلماء يقولون: النور إضاءة بدون إحراق، وبدون شدة، وهكذا تكون الصلاة، كما قال صلى الله عليه وسلم: (وجعلت قرة عيني في الصلاة)، والصلاة صلة بين العبد وربه، أما الصدقة فهي برهان، والبرهان هو الحجة؛ لأنك تحتاج إلى إقامة الدليل على الإيمان باليوم الآخر، والمتصدق يؤمن أنه سيجد ثواب صدقته فيما بعد، ولذا يقدم الصدقة بدون عوض عاجل.

    أما الصبر الذي هو الضياء فهو النور مع الحرارة، فما من عمل يدخله الصبر إلا وله حرارة في قلب المسلم، وقالوا: الصبر ثلاثة أقسام: صبر على البلايا، وصبر عن المعاصي، وصبر على الطاعة، فالصبر على البلاء يقولون: له ثلاثون درجة، والصبر على الطاعة له ثلاثون درجة، والصبر عن المعاصي له تسعون درجة، فالصبر على البلاء صبر ممدوح، وأشدها الصبر عن المعصية، فالصبر على البلاء فيه شدة، ولا شك أن فيه شدة، والصبر على الطاعة فيه، تتحمل مشاقها، فتمشي إلى المسجد في الرمضاء، وتمس الماء في البرد، وتتحمل مشاق السفر للحج، وتجاهد في سبيل الله بروحك ومالك، وهكذا... فجميع حالات العبادة لا يؤديها إنسان إلا بالصبر، وقد جاء في الحديث: (الصوم نصف الصبر)، والنصف الثاني مقسم على البقية، وفي الحديث: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه، وشرابه، وشهوته من أجلي). ، فالصبر على أداء العبادات والطاعات شديد، لكن أشد منه الصبر عن المعاصي والشهوات.

    لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر

    إذاً: الصبر ضياء؛ لأنه أعم العمومات في التكاليف كلها، فلا تستطيع أن تقيم ركناً من أركان الإسلام إلا بالصبر، ولا تستطيع أن تتجنب معصية إلا بالصبر، فصبر نفسك عن نوازعك وهواك، وقاوم كل المؤثرات بالصبر، وهكذا في مكارم الأخلاق، فلن يبلغ الإنسان مداه، ولا يصل في مكارم الأخلاق إلى درجات عالية إلا بالصبر، يصبر على خصمه، ولا يقابل الإساءة بإساءة، كما في الآية الكريمة : وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35].

    والنصوص الكريمة كثير في الصبر كقوله تعالى: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل:127]، أي: من أجل الله، وفي سبيل الله، والمتتبع لمواطن الصبر في القرآن يجدها فوق السبعين مرة، ولك أسوة في صبر أيوب عليه السلام فقد صبر صبراً فوق العادة؛ لأنه نبي كريم، وذكروا في سيرته أنه صبر صبراً لا يكاد يصبره شخص عادي. قال صلى الله عليه وسلم: (والصبر ضياء): وإذا نظرنا من خلاله إلى حالات تقتضي الصبر، فانظر مثلاً حين تثير إنساناً حالات تغضبه، فإذا بادر وسارع إلى استجابة دواعي الغضب وقع في متاهة، وارتكب محظوراً، ولكنه إذا كبح جماح نفسه وصبر نجا، (ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب)، ما معنى يملك نفسه؟ أي: يكبح جماح نفسه بالصبر عن أن يندفع للانتقام، وكل إنسان يمر بحالات نفسية، فإذا صبر الإنسان، وتأنى لحظات، وبرهة من الزمن؛ كان هذا الصبر ضياء يكشف له الحقائق، ويبين له طريق الإحسان، ويوضح له المخرج من ذلك المأزق.

    ومعاني الصبر أكثر من أن يستوفيها إنسان في كلمات، والرسول صلى الله عليه وسلم وصف الصبر بالضياء القوي ذي الحرارة؛ لأنه لا يوجد عمل يحتاج إلى الصبر إلا ومعه شدة، وتلك الشدة تقابلها شدة الحرارة في ضوء الصبر.

    1.   

    فضل القرآن

    آخر هذا الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: (والقرآن حجة لك أو عليك)، انظر إلى ترتيب هذا الحديث، لو كان قرآناً لقال كل إنسان: ما علاقة كل جملة بالتي قبلها؟ ولكن انظر إنه الوحي أيضاً، فالقرآن جامع لكل ما تقدم، والقرآن هو إمام كل مؤمن، والقرآن شامل وجامع لكل ما في هذا الحديث وغيره؛ ولهذا ختم به صلى الله عليه وسلم تلك التوجيهات الكريمة في هذا الحديث الشريف، والقرآن هو كتاب الله المقروء، يقول صلى الله عليه وسلم: (حجة)، والحجة: السلطان والبرهان والدليل (لك أو عليك) حجية القرآن قائمة على العباد، وقد أوحى الله به لرسوله صلى الله عليه وسلم، وقد شاهد العالم كله صدق تلك الحجة وقوتها، وإذا أردنا أن نلم بفضله ولو إلمامة خاطفة نجد قوله سبحانه: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9]، ثم نجد في افتتاحيته: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، ونجد بعدها: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2]، حجية القرآن في جميع مجالات الحياة، وتجد القرآن هادياً فيها للتي هي أقوم.

    والأصوليون وعلماء التشريع يقولون: الحياة بكاملها -سواء عند المسلم والكافر- في أحد أمرين، إما درء مفاسد، وإما جلب مصالح، ولا تجد إنساناً يسعى في هذه الحياة، مسلماً كان أو مشركاً، إلا لأحد أمرين يحققهما لنفسه، إما أن يدرأ عن نفسه شراً، وإما أن يجلب لنفسه خيراً، ولذا يقول الشاعر الجاهلي:

    إذا أنت لم تنفع فضر فإنما يرجى الفتى كيما يضر وينفع

    يضر عدوه، وينفع صديقه، وقالوا: لقد جاء الإسلام لتحقيق هذين الغرضين، وزاد ثالثة لم تأت بها قوانين العالم، ولا مطامع العالم، ألا وهي الحث على مكارم الأخلاق؛ ولذا لا تجد قانوناً شرقياً أو غربياً، أو وضعياً اجتماعياً أو جنائياً، لتنص مادة فيه على مكارم الأخلاق، فهي قوانين إما مدنية، وإما جنائية، والمدنية في الحقوق والأموال بين الناس، والجنائية في ردع المجرمين والظالمين، وما سوى ذلك لا دخل للقوانين الوضعية فيها، أما القرآن الكريم فبدأ بمكارم الأخلاق، ونعت صلى الله عليه وسلم بها في أعلى مراتب الكمال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، ويقول صلى الله عليه وسلم (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، ويقول: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، فالأخلاق موجودة من قبل، وجاء صلى الله عليه وسلم ليتممها، والقرآن يحث على البر بالوالدين: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [النساء:36] مع قوله: وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36]، وقال: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، وحث على الاهتمام بالأولاد والإحسان إليهم: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ [الأنعام:151]، وقال: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ [الإسراء:31]، أولادك، ذوو رحمك، أقاربك، كلهم يحث القرآن عليهم أيما حث، وحث على حسن الجوار، والأمانة، والصدق، والوفاء، ومكارم الأخلاق واسعة، ومن هنا قال الأصوليون: يتفق جميع العلماء أن درء المفاسد في الشرائع السماوية إنما تعني الكليات الخمس: درء المفاسد عن: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، وقالوا: هذه يجب أن تصان في كل مجتمع، فإذا لم تكن مصانة فلا مجتمع ولا ترابط ولا أمن، أما حفظ الدين: فجاء الإسلام ووحد الدين: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85]، وقال: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]، وجاء حفظه بقتل المرتد، والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [البقرة:193].

    وأما حفظ النفس: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ [الأنعام:151]، وحرم القتل وجعل فيه القصاص: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة:179]، وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [المائدة:45].

    وأما العقل: فحرم على الإنسان كلما يشوش على هذا العقل، أو يخمره ويغطيه، وجعل في ذلك حداً.

    وأما العرض والنسب: فحرم الله سبحانه فاحشة الزنا، وجعل لكل مفسدة حمى لا يقتحمه الإنسان، فحمى الدين بتحريم البدع والزندقة صيانة للدين من أن يشوش.

    ومن حفظ النفس: تحريم الاعتداء ولو على سن أو ظفر.

    وأما النسب: فحرم الزنا، وجعل حماه: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، وأمر بغض البصر: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30].. وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ [النور:31].

    وأما حفظ المال -وهو عصب الحياة-: فحرم أكل أموال الناس بالباطل، وجعل في السرقة حداً، وهو قطع اليد، وهكذا جعل له حمى، فحرم الغش، وحرم التدليس، وتوعد بالويل لمن طفف بالكيل ولو حفنة قليلة.

    وهكذا -أيها الأخوة- نجد أن القرآن جاء بحماية الضروريات، ودرء المفاسد، ثم جاء بالحاجيات والمتممات التي تقتضيها الحياة من العقود في المعاوضة: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275]، وكذلك الإجارة، والرهن، والكفالة، والوكالة، والضمان، والمساقاة، والمزارعة، وكل ما يحتاجه العالم من أمور الدنيا.

    والقرآن حفظ للأمة ضرورياتها، ورسم لها نهجها، ورسم لها طريق مكارم الأخلاق، فالقرآن حجة قائمة، وعليك أن تعرض نفسك على أوامره ونواهيه، وتسأل: أين أنت منها؟ كما أثر عن السلف: (من جعل القرآن أمامه وإمامه، واقتدى به قاده إلى الجنة، ومن جعل القرآن وراء ظهره أخذ بقفاه ودفعه حتى رمى به في النار).

    ويأتي القرآن يوم القيامة يجادل عن صاحبه ويقول: يا رب! حملته إياي، فنعم الحامل الأمين، قام بحقي، فيقول المولى سبحانه: شأنك به، فيأخذ بيده ولا يدعه حتى يدخله الجنة، ويأتي إلى غيره، ويقول: يا رب! حملته إياي فلم يحملني، وضيعني، فيقول: شأنك به، فيأخذ بقفاه فيدفعه إلى النار.

    القرآن حجة لك أو عليك

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (والقرآن حجة لك أو عليك) حجة لك في حياتك ومعاملاتك: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275]، وفي حقوق الزوجة: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228]، هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة:187]، ماذا فعلت في لباسك؟ هل صنته وأكرمته أم لا؟ هل وفيتم حقوقهن أم لا؟ وهكذا ما يكون بين الراعي والرعية، قال الله سبحانه: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59]، فهذا حق الراعي على الرعية: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]، ولم يقل: (وأطيعوا أولي)؛ لأن طاعة ولي الأمر من طاعة الله ورسوله؛ ولذا كان الخلفاء الراشدون وغيرهم من ولاة الأمر يكتبون إلى الرعية في الأقطار: إني قد وليت عليكم فلاناً -لكل قطر- فمن تحمل ظلامة فإني بريء منها، وإني قد وليتهم ليقيموا كتاب الله، وسنة رسول الله، فمن أخطأ ذلك فلا طاعة له عليكم.

    وها هو الصديق رضي الله عنه يعلنها ويقول: (وليت عليكم ولست بخيركم، فإن وجدتموني على حق فأعينوني، وإن كان غير ذلك فلا طاعة لي عليكم، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم)، هذا هو المنهج الإسلامي، وها هو القرآن حجة لك أو عليك: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]، وما الحكم إذا حصل نزاع بين ولاة الأمر وبين الرعية؟ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:59].

    وهكذا في كل مرافق الحياة، في عموم الأمة وخصوص الفرد.

    وحق الله عليه أن تعبده فقد أوجب عليك صلاة، وصياماً، وزكاةً، وحجاً، بكل وضوح وبيان، فلا تحتاج أن تسأل عالماً، ولا أن تقرأ كتاباً، وكما قال ابن عباس: التفسير على أربعة أقسام: قسم لا يعذر أحد بجهله، وهو ما كلف الله الأمة به، فهل تحتاج إلى كتاب تفسير في قوله:وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43]؟ أو قوله: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]؟ هل تحتاج إلى تفسير: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183]؟ هل تحتاج إلى تفسير: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32]، وقوله:وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ [الأنعام:151]؟ هل هذه النواهي تحتاج منك إلى عالم، أو إلى كتاب تقرأه؟ لا، والله! بل هي من ضروريات التشريع، وهي واضحة بينة، وحجة قائمة لك أو عليك، والحديث عن القرآن متنوع، فالقرآن يتحدث عن نفسه، قال والدنا الشيخ الأمين عند تفسير قوله تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9]: لو أراد إنسان أن يؤتيها حقها لتناول القرآن كله، وما خطة سمعت بها أو قرأت عنها إلا والقرآن أقوم منها .

    ولما جاء عمر رضي الله تعالى عنه بصحيفة من التوراة يستحسنها، وعرضها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، غضب وقال: (يا ابن الخطاب ! والله! لو كان موسى بن عمران حياً ما وسعه إلا اتباعي). وقال الله في إثبات حقه ووحدانيته: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4]، (أحد) (لم يلد) نفي وإثبات.

    وفي توحيد العبادة: لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ [الكافرون:1-3] وقال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، وفي توحيد الأسماء والصفات: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180] كل ما تحتاجه فيما يتعلق بحق الله والأمور الغيبية تجدها واضحة في كتاب الله، وكل ما تحتاجه بينك وبين أخيك، وبينك وبين ولدك، وبينك وبين والديك، وبينك وبين زوجك، وبينك وبين الناس عموماً، وبينك وبين ولاة أمرك تجده واضحاً في القرآن.

    إذاً: أين يذهب الناس عن كتاب الله؟! لا مصير للأمة ولا سلامة لها ولا أمن ولا طمأنينة لها إلا بالعودة إلى كتاب الله، والأخذ بتعاليمه وتوجيهاته، ففيه نبأ من قبلنا، وخبر من بعدنا، وفيه حكم ما بيننا، فمن حكم به عدل، ومن تمسك به نجا، ومن قال به صدق.

    والحمد لله رب العالمين.