إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. شرح الأربعين النووية - الحديث الثالث والعشرون [2]

شرح الأربعين النووية - الحديث الثالث والعشرون [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    الصدقة برهان

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فنواصل شرح حديث أبي مالك الحارث بن عاصم الأشجعي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأان أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها)

    وقد تحدثنا عن بعض ألفاظه وفقراته، ووصلنا إلى قوله عليه الصلاة والسلام: (والصدقة برهان)، ذكر الصدقة بعد الصلاة، كما قال الصديق رضي الله تعالى عنه: (الزكاة قرينة الصلاة، الصلاة حق البدن، والزكاة حق المال، والله! لأقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة). وجمهور العلماء على أن المراد بالصدقة فريضة الزكاة في المال، سواء في بهيمة الأنعام، أو في الحبوب والثمار، أو في النقدين أو غيرهما؛ لأن الله سماها صدقة في قوله سبحانه: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103]، والذي يأخذه صلى الله عليه وسلم جبراً عليهم إنما هي الفريضة، كما قال صلى الله عليه وسلم: (من أداها طيبة بها نفسه فبها ونعمت، ومن لم يؤدها أخذناها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا، ليس لمحمد ولا لآل محمد منها شيء).

    يقوم بتحصيلها ولا يأخذ شيئاً منها، لماذا؟ لأمرين:

    الأمر الأول: أنها أوساخ الناس تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103].

    الأمر الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي يجمعها ويقاتل عليها، ويعاقب من منعها بأن يأخذ نصف ماله عقوبة له، فلو أخذ منها درهماً واحداً، لوجد المنافقون مطعناً يطعنون به، وقالوا: قام في شأنها من أجل مصلحته، ولكن الله سبحانه وتعالى أغناه عنها، وطهره منها، وليس لمحمد صلى الله عليه وسلم ولا آل محمد منها شيء.

    والصدقة بعمومها -كما في هذا الحديث- تشمل الفريضة والنافلة، وكلمة صدقة وبرهان مرتبطان، والبرهان: هو الشعاع الذي يقابل ضوء الشمس، فهو مرتبط بالنور في الصلاة، ومرتبط بالضياء في الصبر، وسمي هذا الشعاع برهاناً، وكذلك الحجة القاطعة تسمى برهاناً؛ لأنها دليل يبين الحق ويثبته.

    فما علاقة الصدقة بالبرهان؟ وما هو ارتباط الصدقة بإقامة الحجة؟

    نرجع إلى الصدقة وإلى الصدق، الصدق ضد الكذب، والصدقة تتفق في المادة الأساسية مع الصدق، فأصل المادة: (صاد ودال وقاف)، والتاء في الصدقة (للتأنيث).

    إذاً: الصدقة والصدق من مادة واحدة، والصدق ضد الكذب، والصدقة دليل على صدق من يقول: أنا مسلم، ودليل على إيمان المتصدق بالله وبوعد الله؛ لأن الله سبحانه قال: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة:261]، وقال سبحانه: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ [البقرة:245].

    فالمتصدق حقيقة يتعامل منه مع الله، ومن هنا تأتي آداب الصدقة، وآداب الزكاة، وكيف تكون الصدقة برهان صدق على إيمانه، وقد أشرنا فيما مضى أن قانون الحياة، وتعامل الإنسان مع الآخرين، مبناه على المعاوضة، أو كما يقال: المقايضة، وكان التعامل قبل النقد بالمقايضة، تدفع براً لإنسان وتأخذ منه تمراً، تستأجر أجيراً ليعمل وتعطيه خبزاً أو شعيراً، كان لا يوجد نقد، تعطي عشرين شاة وتأخذ ناقة، مقايضة السلعة بالسلعة؛ لأن قانون الحياة معاوضة في المعاملة، فالأجير يأخذ أجراً بقدر عمله وإنتاجه، والأجراء يتفاوتون، هناك عامل وفني، و... إلخ.

    وكذلك البيع والشراء، والأخذ والعطاء، والآن تدفع نقداً وتأخذ سلعة، فتدفع النقد وأنت ممنون، وتأخذ السلعة وأنت ربحان، وكذلك البائع المقابل يأخذ الثمن وهو فرحان، ويدفع السلعة إليك وهو ربحان، وكل يقايض الآخر ويتعاوض معه، وينتظم دولاب الحياة، بل إن قانون المقايضة والمعاوضة -كما يذكر علماء الاجتماع- سائر حتى مع الحيوان، فالحيوانات تتعامل أيضاً بالمقابلة، لو أن عندك شاة حلوباً، فإن أكثرت لها العلف زادت في الحليب، وإن أنقصت من العلف نقص الحليب، وكذا لو عندك راحلة تريد السفر عليها، فإن علفتها واصلت بك السير، وإن أجعتها انقطعت بك في الطريق، وهكذا...

    وكما جاء في قصة بعير الرجل، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ندّ علي بعيري؟ أي: هاج البعير، والرسول صلى الله عليه وسلم بعث رحمة للعالمين، والحيوانات عوالم وليست بعالم واحد، وقد حث صلى الله عليه وسلم على الرفق بالهرة، وبالكلب، إلى آخره، وقال: (في كل كبد رطبة أجر)، فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (قوموا بنا إلى بعيره)، وحينما وصلوا البستان، إذا بالبعير هائج في وسط البستان، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم الحائط، فقال الصديق رضي الله تعالى عنه، (يا رسول الله! على رسلك البعير هائج! قال: على رسلك أنت يا أبا بكر)، وتقدم صلى الله عليه وسلم ودخل الحائط واستقبل البعير الهائج وحده، فلما رآه البعير أقبل إليه، وجاء ووضع رأسه على كتف رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أذنه، وأخذ صلى الله عليه وسلم يصغي إليه، وبعد الحديث الذي لا ندري عنه شيئاً ترجمه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا صاحب البعير! بعيرك يشتكي منك كثرة الكلف، وقلة العلف) فالكلف كثير، والعلف قليل، فهل من حقه أنه يتمرد على صاحبه أم لا؟ يجب أن تكون هناك مساواة ومعادلة، وقبل أن تأخذ لابد أن تعطي، فيجب على العبد أن يعطي بقدر ما يأخذ، وقانون الحياة في المعاوضة بقدر الخدمة، ويقول علماء الحيوان أيضاً: يوجد تعاون ومقايضة ومبادلة بين التمساح وبين بعض الطيور، التمساح من طبيعة خلقته يأكل اللحوم ويأكل النبات، فأسنانه لها شعاب، وليست ملساء كبقية الحيوانات، فإذا أكل اللحوم لا يستطيع أن ينظف أسنانه من بقايا لحم الفريسة التي يفترسها؛ لأن أسنانه لها شعب، فإذا افترس حيواناً برياً أو بحرياً فبعدما ينتهي من أكله يخرج إلى الشاطئ، ثم يفغر فاه الكبير، فيأتي ذاك الطائر الجائع فيأكل داخل فم التمساح آمناً مطمئناً؛ لأن التمساح له حاجة عنده، فيأخذ الطائر ينقر ما بين أسنان التمساح وينظفها تماماً، وفي الوقت نفسه يكون قد شبع، فالتمساح استفاد نظافة أسنانه، والطائر استفاد شبعه، ثم يذهب الطائر في حاله، ويرجع التمساح إلى البحر، وهذه معاوضة، وكان يقدر التمساح أن يطبق فمه عليه ويأكله، لكنه يفوت على نفسه المصلحة، وهي نظافة أسنانه.

    الحث على الصدقة

    قانون الحياة على المعاوضة، وأنت لو رأيت إنساناً يخرج ريالاً واحداً ويمزقه، فماذا تقول عليه؟

    سنقول: إنه مجنون، لكن لو رأيته يدفع مليون ريالاً لبيت يسكنه، فستقول: إنه رجل عاقل، ومدبر، ويعرف مصلحة نفسه، ويعرف أين يضع المال.

    إذاً: تقديم ريال واحد بدون عوض جنون، وليهنأ المدخنون بهذا الجنون! فكل إنسان ينفق مالاً في غير ما عوض فهو من هذا الباب.

    وإذا كان قانون الحياة المعاوضة، ولا تدفع درهماً إلا لمقابل، فإذا دفعت الصدقة لمسكين فأين المقابل؟

    العوض عند الله، فالمتصدق يتعامل مع الله، ويقرض الله قرضاً حسناً: (إن أحدكم ليتصدق بالصدقة، فتقع أول ما تقع في كف الرحمان، فينميها له كما ينمي أحدكم فلوه حتى تصير كجبل أحد)، والفلو: ولد الفرس الصغير؛ وذكره لأن محبب حتى عند غير صاحبه، فكما يعتني صاحب الفلو بفلوه وينميه حتى يصير فرساً، كذلك المولى سبحانه ينمي الصدقة حتى تصير كجبل أحد، والمؤمن حقاً هو الذي يتصدق، بل إن من كمال الإيمان أن يخفي صدقته حتى على المتصدق عليه؛ لأنه ليس له غرض من المتصدق عليه، ولا ينتظر منه شيئاً، فلا يريد منه أن يرد عليه إحسانه؛ لأنه يتصدق ويعتقد أن المولى سبحانه هو الذي يتقبلها منه، إذاً: ليس له حاجة في العوض من الخلق، ومن هنا كان من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظله إلا ظله: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)، وأشرنا بأن الحديث ليس فيه قلب؛ لأن الذي يريد أن يخفي الصدقة حقاً يخرجها بشماله؛ لأن الناس ينظرون إلى يمنيه، لأنها أداة الحركة والأخذ والعطاء، والشمال ملغاة في هذا الباب، فبما أن الناس ينظرون إلى اليمين، ويتوقعون منها الحركة والعطاء، فهو يفرغها ويشغل الأخرى، إمعاناً في إخفاء الصدقة، لماذا؟ لأنه يؤمن بأنها عند الله.

    إذاً: المتصدق أخرج شيئاً من ماله، والنفس شحيحة على المال: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9]، وفي الحديث: (لا يتصدق عبد بدرهم واحد حتى يفك لحى سبعين بعيراً)، انظر التشبيه! كأن الدرهم يعض عليه سبعون بعيراً، ويفك لحاها واحداً بعد واحد، يعني: يجاهد نفسه، المرة تلو الأخرى، كلما هم أن يتصدق، النفس تقول: لا، أنت في حاجة، أولادك في حاجة، لا تدري ما المستقبل، وهكذا تأتيه عوامل ونوازع لترد الدرهم، وهو يريد أن يدفعه، عوامل وعقبات شديدة حتى يجتازها فيخرج الدرهم من يده، ومن هنا كانت قيمة الصدقة معنوية بحسب العامل النفسي لا بميزان الكثرة والقلة؛ لأن الكثرة والقلة عند الله سواء، خزائنه ملأى؛ ولذا يقول صلى الله عليه وسلم: (درهم سبق مائة ألف درهم) كيف هذا؟! عجيب والله! هل يعني ذلك: أن هذا الدرهم من الذهب، وتلك الدراهم من الخشب، لا، الدراهم واحدة، قالوا: (وكيف -يا رسول الله- واحد يسبق مائة ألف؟) لأن النوع يتساوى، رجل ورجل يتساوى، أفريقي، أمريكي، آسيوي، المهم أنه رجل جاء من آدم وحواء، فلا تفاوت في الواحد بالنوع، فالدرهم هو الدرهم، والرجل هو الرجل، لكن رجل عنده درهمان، ورجل عنده مال كثير، فتصدق صاحب الدرهمين بدرهم، وصاحب المال الكثير جاء إلى عرض ماله فأخذ قطعة منه مائة ألف وتصدق بها، فكم بقي لهذا الشخص صاحب المال الكثير؟ إذا كان أخذ من الطرف مائة ألف، فهذا يعني أنه: بقي في ماله ملايين، فالجزء الذي تصدق به لعله بالنسبة المئوية واحد من عشرة في المائة، أي: واحد من ألف، لكن إذا جئنا إلى صاحب الدرهمين، فالنسبة (50%)، أي: نصف المال، والذي بقي لصاحب مائة الألف آلاف مؤلفة، ولكن صاحب الدرهمين لم يبق له إلا درهماً واحداً، فأيهما أشد إيماناً ويقيناً بالله؟ وأيهما تكون صدقته أعظم عند الله؟

    صاحب الدرهم الواحد، ولهذا يقول العلماء في قوله تعالى: وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة:261] يعني: بعد السبعمائة، لمن كان ينفق ويتصدق مع الحاجة، قال تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا [الإنسان:8]، ونجد بعض المفسرين يرجع الضمير في (حبه) إلى لله، ولكن جمهور المفسرين أنه راجع للطعام؛ لأن علاقة المتصدق بالله جاءت صريحة: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ [الإنسان:9] إذاً: (على حبه) يكون عائداً على الطعام، وإذا أرجعنا الضمير في على (حبه) إلى الله، فتبقى (نطعمكم لوجه الله) ليس لها محل.

    إذاً: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ [الإنسان:8] أي: على حب الطعام، وحاجتهم إليه، وهذا هو الوصف الذي سجله الله للأنصار والمهاجرين رضي الله تعالى عنهم، وتأملوا هذا التقسيم وهذا الوصف في ذاك المجتمع: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ [الحشر:8] ما خرجوا فراراً، ولا خرجوا من قلة، إنما خرجوا من ديارهم وأموالهم، كما قال الله: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر:8]، سماهم (الصادقون)؛ لأنهم تركوا المال، والعيال، والديار، كما في قصة صهيب الرومي رضي الله عنه، ومعلوم أن صهيباً جاء من الروم إلى مكة ولا مال له، فصنع واتجر وأصبح ذا مال، فخرج مهاجراً، فأدركه أهل مكة، فقالوا: يا صهيب ! جئتنا لا مال لك، وأصبحت ذا مال، أتريد أن تخرج بنفسك وبمالك عنا؟ لا يكون ذلك أبداً، قال: عجيب! همكم المال، يا معشر قريش! والله! إنكم تعلمون أني لأرمي ولا يخطئ لي سهم أبداً، وإن كنانتي ملأى، فهل إذا دللتكم على مالي ذهبتم وأخذتموه وتركتموني في حال سبيلي؟ قالوا: نعم، قال: قد دفنته في المكان الفلاني، فاذهبوا فخذوه، قالوا: إنك عندنا لصادق، فلما وصل المدينة بشره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ربح البيع أبا يحيى!) لأنه اشترى نفسه من قريش بماله، وهاجر في سبيل الله، ما خرج عن فقر ولا عن حاجة، بل ترك المال، وفادى نفسه، وجاء مهاجراً.

    وهؤلاء لأي شيء هاجروا؟ هاجروا يبتغون فضلاً من الله ورضواناً.

    ما هو المقابل؟ قال الله: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9].

    أثر الصدقة في بناء المجتمع

    إذا نظرنا -أيها الإخوة- إلى هذا المجتمع: فريق يأتي وقد باع دنياه وأقبل على آخرته، وفريق يؤثر غيره على نفسه؛ فكيف يكون هذا المجتمع؟! لو وقفنا وقفة تأمل عند هذه العوامل النفسية، ورجعنا إلى الهجرة النبوية الكريمة، لوجدنا عجباً! فالمدينة موارد اقتصادها زراعة، وتجارة، وبعض الصناعات وأكثرها بيد اليهود، والزراعة موزعة بين اليهود وبين الأوس والخزرج -أي: أن عملية الإنتاج والنمو محدودة- ومع ذلك تستقبل آلاف المهاجرين إليها، كيف كان ذلك؟ بسعة صدر أهلها، وفي الوقت الحاضر أرسلوا أناساً من مخلفات الحرب، فردوهم إلى بلادهم، وتجد السفينة تطوف بالفتناميين على الموانئ فلا يقبلهم أحد، وبريطانيا تأبى أن تنزل إلا ألفي رجل فقط، لماذا؟ لأنها ستؤدي ضائقة اقتصادية.

    لكن المدينة النبوية بحدودها الضيقة واقتصادياتها البسيطة تستقبل آلاف المهاجرين إليها، لا بوفرة اقتصاد، ولا بكثرة نماء، ولكن بسعة صدور أهلها: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9] .

    ولذا كان أول عمل لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة: المؤاخاة بين المسلمين المهاجرين أنفسهم، والمهاجرين والأنصار، وكان الأنصاري يشاطر أخاه ماله، حتى أن بعضهم يقول: عندي زوجتان، فانظر أيهما تطيب لكم لأنزل لك عنها، وتعتد وتتزوجها، فيقول له: بارك الله لك في مالك وفي زوجاتك! دلني على السوق.

    وهذا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يؤاجر نفسه لامرأة في نضح الماء من البئر، وكل دلو بتمرة، نفوس عالية، والمال صنو النفس.

    والمال والولد قرينان في الخير والشر، قال تعالى: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التغابن:15] سبحان الله العظيم! ويقول في باب العطاء: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف:32] فالمال قسمة رزق، وليس بجدك وبكدك ولا منصبك، لا والله!

    ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا هلكن إذاً من جهلهن البهائم

    وكذلك الولد، ليس بقوتك، ولا بإنجاب زوجتك، ولكن هبة من الله: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا [الشورى:49-50]، من يدعي غير هذه المشيئة؟! فإذا كان الولد هبة من الله، والمال قسمة من الله، فالمال صنو النفس، والمال صنو الولد، فكونك تخرج من مالك شيئاً، فكأنك أخرجت جزءاً من ولدك، فمن الذين يعاوض على الصدقة؟!

    الله، إذاً: (الصدقة برهان)، ومن أي شيء تكون الصدقة؟ المولى سبحانه يبين فيقول: أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ [البقرة:267]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً).

    ولذا: تجد الكافر لا يتصدق، وقد تسمع بأنه تبرع لمستشفى أو لمدرسة، لكن لا يبغي بها وجه الله، إنما يريدها سياسة في الناس، وتقرباً إليهم، أما المنافق الذي يظهر الإسلام فإذا سئل الصدقة يتوارى، ويحتال، كما بين سبحانه فقال: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ [البقرة:267]، نفسك لا تطيب أن تأكله، فالمنافق يبحث عن الشيء الرديء، ويقدمه -فقط- ليستر عورة، ولكن المؤمن لا يفعل ذلك، فهو يتعامل مع المولى سبحانه.

    ولو نظرنا الآن في نظام العالم المادي الذي يفرض الضرائب على الأفراد، وقارنا بينه وبين نظام الإسلام الذي يجعل الزكاة طهراً ونماءً، نجد في العالم صاحب المحل يتحايل مع مفتش الضرائب، فيجعل دفتراً للمفتش، ودفتراً للدكان حقيقة، وكل ذلك لكي لا يدفع للدولة شيئاً، فهو يراها خسارة، مع أن الدولة تنفقها في المصالح العامة: في الطرق والمستشفيات والجيش وغيرها، ولكنه لا يريد أن يدفع، أما الزكاة أو الصدقة فيخرجها دون أن يطلبها منه أحد، وهذا حال المؤمن، وهذا مثل يضربه لنا أعرابي في الصحراء، أتاه عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخذ الزكاة، فيعد أبله، فيقول: أخرج من إبلك بنت مخاض، وبنت المخاض من لها سنة ودخلت في الثانية، يعني: أمها ماخض في أختها، فيقول الرجل: بنت مخاض؟! وفي سبيل الله؟! كيف هذا؟ لا هي ضرع فيحلب، ولا ظهر فيركب، ولكن هذه ناقة كوماء فخذها في سبيل الله، فيقول العامل: ما بهذا أمرت، فنصاب الإبل خمس وفيها شاة، إلى عشرين وفيها أربع شياة، إلى خمس وعشرين وفيها بنت مخاض، ولا أستطيع أن أتعدى ذلك، فإن أخذت أكثر من ذلك ظلمتك، وتعديت حدودي، فالعامل يقول: لا أتعدى ما عندي، وصاحب المال يقول: لا أدفع بنت مخاض، ولكن أدفع ناقة كوماء!

    هل رأيتم خصومة مثل هذه؟ هذا شيء بعيد عن الحسبان.

    فالعامل يقول لصاحب المال: لا تجهد نفسك معي، هذا حدي، وإن كنت تريد ذلك فدونك رسول الله بالمدينة فاذهب بها إليه، وكان في الحنكية وهي منطقة تبعد حوالى مائة كيلو عن المدينة، فيأتي الرجل بالناقة الكوماء بدلاً عن بنت المخاض إلى رسول الله، فيعرض العامل على رسول الله قضيته، فيقول له صلى الله عليه وسلم: (أطيبة بها نفسك؟ قال: نعم والله يا رسول الله! فيقول للعامل: خذها، ويقول لصاحبها: بارك الله لك في إبلك)، فيعيش صاحب الإبل إلى خلافة معاوية، وكان يدفع عشرات الرءوس من الإبل في زكاة ماله؛ لأن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالبركة لم يذهب هباءً.

    وهذا ما يفعله الإيمان، والإيمان بالغيب أول قضية في القرآن: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7] بسم الله الرحمن الرحيم الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:1-3] ومن الغيب: يوم القيامة، والجزاء والحساب، فإذا آمن حق الإيمان تيقن أن الدنيا كلها لا تساوي شيئاً، فأخرج من ماله، وكم من مسلم أخرج من ماله عدة مرات، وليس الأنصار وحدهم الذين يؤثرون على أنفسهم، بل أيضاً من المهاجرين؛ لأن الإيمان في قلب الجميع سواء، فهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها صامت ذات يوم، وبعد العصر جاء مسكين يقول: مسكين يا آل بيت محمد! فتقول عائشة لـبريرة : أعطي المسكين، فتقول: والله! ليس عندي ما أعطيه، فقالت: ولا شيء؟ قالت: عندنا قرص شعير ستفطرين عليه في المغرب، يعني: ما عندنا إلا طعامك وأنت صائمة، فقالت عائشة : أعطي المسكين قرص الشعير! وعند الإفطار يرزق الله!

    يا سبحان الله! بالله عليكم هل واحد منا يعمل هذا؟! فتمشي بريرة وتقول: أعطي المسكين قرص الشعير، وعند الإفطار يزرق الله، وترددها مستعجبة! فلما جاء المغرب قامت عائشة رضي الله تعالى عنها لتصلي، وفي أثناء الصلاة طرق الباب، فلما فرغت عائشة من صلاتها، التفتت فإذا بشاة مشوية بقرامها! والقرام في اللغة: إما جميع الشاة، يعني مشوية كلها، وما أخرج منها شيء، مع الكبدة، والكرشة، والمقادم، والرأس، وكل شيء، وبعضهم يقول: كان من عادة العرب إذا أرادوا أن يأكلوا اللحم مشوياً، فبعدما يسلخوها يأتون بالدقيق، ويصنعون العجين اللين، ثم يغمسون الشاة في العجين، ويطلونها من خارجها، ثم يضعونها على الجمر، وتنضج الشاة من داخل، وقد عرفوا الوقت المحدد لهذا، فيكشفوا عنها الجمر، وأخرجوها بلباسها، وإذا أرادوا أكلها نزعوا عنها هذا اللباس من العجين، فكأنها موزة وتقشرها، فهذه الشاة جاءت لـعائشة بقرامها، فقالت عائشة لـبريرة : ما هذا يا بريرة ؟ قالت: يا أم المؤمنين! لقد جاء بها رجل، والله! ما قد أهدى إلينا قط! فضحكت وقالت: كلي، هذا خير من قرص شعيرك، والله! لا يؤمن العبد ويكمل إيمانه بالله، حتى يكون يقينه بما عند الله أقوى مما في يده.

    تقول: الإنسان لا يكمل إيمانه أبداً حتى يكون يقينه فيما عند الله أقوى من يقينه مما في كفه، فقد يأتي أحد الناس ويأخذها غصباً عنك، لكن المكتوب لك عند الله -مضمون، فهذه أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها آثرت غيرها على نفسها وفي شدة الخصاصة بقرص الشعير.

    إذاً: (الصدقة برهان) أي: على صدق الإيمان.

    وهناك آداب للصدقة مثل: قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ [البقرة:264]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث القدسي: (من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، ويقول: (الرياء هو الشرك الأصغر).

    والإسلام يأمر بهذه الآداب مع المساكين لحفظ شعورهم، والمحافظة على ماء وجههم: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى [البقرة:263]، لا تقل له على رءوس الأشهاد: خذ اذهب اشترِ كيس بر، خذ اذهب اشترِ رزاً لبيتك، فهذا لا يصح، فأين إخفاء الصدقة؟

    يقولون: كان في المدينة خمسون بيتاً تأتيها أرزاقها عند مطلع كل شهر: دقيق، وسمن، وغيرها، ولا يعلمون ممن تأتيهم، في ظلام الليل يطرق الباب، ولا يدرون من الطارق فيفتحون الباب فيجدون السمن والدقيق ولا يعلمون من أتى به، فلما توفي علي بن الحسين رضي الله عنه انقطعت هذه الأشياء، فعلموا أنها كانت منه.

    الفرق بين الزكاة وصدقة التطوع

    نأتي إلى النص الكريم في الفرق بين زكاة الفرض وصدقة التطوع: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ [البقرة:271]، تبدوها أي: تظهروها، وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:271] .

    قال العلماء: (تبدون) الفريضة ليتأسى بكم الآخرون؛ لأنها شعار وحق لله، كما ينادى للصلاة على المآذن، ويسعى الناس إلى المساجد، فكذلك الزكاة المفروضة، لكن صلاة قيام الليل في جنح الظلام والناس نيام نافلة، فكذلك الزكاة الفريضة تؤدى علانية، وأما صدقة التطوع فمثل قيام الليل في الصلاة، وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ [البقرة:271].

    إذاً: علمنا القرآن الكريم كيفية إعطاء الزكاة والصدقة التي نتصدق بها، ومن هنا فعلى المسلم أن يتحرى الطيب، وبقدر محبته لما يتصدق به يكون أجره، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (خير صدقة المرء أن يتصدق قوياً شحيحاً يخشى الفقر، ويرجو الغنى)، لكن إذا كان في آخر حياته، وأحس ببرودة الموت، وقال: أعطوا فلاناً، وفلاناً، فنقول له: لماذا لم تتصدق من قبل؟! الآن وقد بخلت من قبل؟! وما أعظم النماذج في الإسلام، فهذا أبو طلحة رضي الله تعالى عنه لما نزل قوله تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92]، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله، إن بيرحاء أحب أموالي إليّ، فضعها حيث شئت في سبيل الله...).

    وكان صحابي يصلي في بستانه، فرأى طائراً قد أهاجه شخص، فأراد أن يخرج من بين الأغصان فلم يجد فرجة، فأتبعه بنظره، وأعجب ببستانه، ثم انتبه فإذا به شغل بماله عن ذكر ربه، فجاء إلى رسول الله حالاً وقال: (يا رسول الله! شغلت وفتنت في مالي بكذا وكذا، ولا أرى إلا أن أتصدق به في سبيل الله...)، بستان من أحب الأشياء إليه، متشابك الأغصان، والطائر لم يجد فرجة ليخرج، وهو يأتي إلى رسول الله ليتصدق به! فهم كما وصفهم الله سبحانه: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ [النور:36-37].

    وهذا نبي الله سليمان لما استعرض الخيل، قال الله عنه: فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ [ص:32-33] أي: تصدق بها في سبيل الله، لا كما يقول الآخرون: يمسحها بالمنديل ويلطفها، بل تصدق بها في سبيل الله؛ لأنها شغلته عن الصلاة حتى توارت بالحجاب.

    إذاً: أجر الصدقة بقدر ما تحبها، وكيفية التصدق بمثل ما تحب أن يعاملوك به، فهل ترضى أن يأتي إنسان ويمتن عليك أمام الناس؟ لا والله! والحر يجوع ويربط على بطنه الحجر، ولا يتحمل منةً لمخلوق.

    والقصد بالصدقة وجه الله، فالناس لا يعوضون أحداً، وإن أثنوا ومدحوا فكله ذاهب، ولكن إن قصدت وجه الله فهذا هو الباقي: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ [البينة:5].

    ولو أننا تأملنا هذه الفقرة من هذا الحديث (والصدقة برهان)، ونظرنا إلى المجتمع الإسلامي في الصدر الأول، لرأينا الدرس والمنهج، فالأغنياء يجودون بمالهم، ويؤثرون على أنفسهم، والفقراء يتعففون. فكيف كان ذاك المجتمع؟! كان مجتمعاً مثالياً؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في هذا الباب: (اليد العليا خير من اليد السفلى)، ويأتي الرجل يطلب الصدقة، فيقول: (أراك قوياً وهي لا تحل لقوي ذي مرة، فيقول: يا رسول الله! ليس عندي شيء، وأنا وعجوز في البيت، فقال: ولا شيء؟ قال: حلس نفترش نصفه، ونلتحف بنصفه، وقعب نأكل ونشرب فيه)، -هذا هو أثاث البيت، ما هي غرفة نوم، وغرفة مطبخ، وأواني، ولوازم، و.. و.. لا،- قال: (علي بهما، من يشتري؟! فقال شخص: بدرهم، فقال: من يزيد؟! فقال آخر: بدرهمين، فقال: خذ الدرهمين، واذهب واشتر بدرهم طعاماً لأهلك، وبدرهم فأساً وأتني به، فأخذ صلى الله عليه وسلم عوداً ووضعه فيه، وقال: اذهب فاحتطب وبع واكتسب، ولا أرينك خمسة عشر يوماً)، وعفا عنه في حضور الجماعة؛ لأن هذا تشغيل لليد العاطلة، والقضاء على البطالة في كلمة، فيذهب الرجل، ويأتي وينمي التنمية الاقتصادية، فالحطب الضائع في الخلا يصبح طاقة تعمل في البلد، عجوز تطبخ به، ورجل يحتطب، وأتى الرجل بعد المدة لابساً ثياباً جديدة، وجيبه مليء بالدراهم والدنانير يسمع صوتها، ويتبسم صلى الله عليه وسلم ويقول: (نعم هكذا، لأن يأخذ أحدكم فأساً وحبلاً فيحتطب فيبيع فيكتسب فيستغني، خير من أن يتكفف الناس أعطوه أو منعوه، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر).

    وهكذا الإسلام يعمل على رفع معنوية الإنسان، ويدفع العاطل ليعمل، ويجعل المجتمع بقسميه الغني والفقير يتساويان في المعنوية وحفظ النفس.