إسلام ويب

شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع عشر [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    معنى قوله: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)

    الجزء الثاني من الحديث: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، ربط فيه جزئيات الحديث، فالنبي صلى الله عليه وسلم يوجه الأمة كلها بوصيته لابن عمه ابن عباس ؛ لأن قوله لواحد كقوله للأمة كلها، (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) ما هو السبب ألا تسأل غير الله، وألا تستعين بغير الله؟ بيّن ذلك في قوله: (واعلم أن الأمة كلها لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك).

    إذاً: الأمة قيمتها لا شيء، كما سيأتي بيانه، ويهمنا الربط: (إذا سألت فاسأل الله) يقول العلماء: السؤال: طلب المسألة، والاستعانة: طلب العون، وكل منهما ينقسم إلى قسمين: سؤال للمخلوق فيما يقدر عليه، واستعانة بالمخلوق على ما في قدرته، وسؤال بما لا يقدر عليه إلا الله، واستعانة على أمر لا يعين عليه إلا الله، فيقولون: لا مانع أن تسأل العبد بما يقدر عليه، فتقول مثلاً: أعطني قلمك، ففي قدرته أن يمد ويعطي، مع أن تقدير الله سابق على هذا، ويمكن أن يقول لك: لا، ما أعطيك، لكنك سألته بما في قدرته، أو تقول: أعطني ريالاً، أو أقرضني عشرة ريالات، يقولون: يجوز إن كان في مقدور المخلوق الذي تسأله أو تستعين به، ومثاله أيضاً أن تقول: أعني على حمل متاعي، كما جاء في الحديث: (وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو تحمل له عليها متاعه صدقة) ، وقال الله: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2]، فإذا كان سؤال العبد للعبد فيما بيده ويقدر عليه؛ فهذا من المشروع، ولكن سؤال العبد للعبد بما لا يقدر عليه، ولا يملك عطاءه؛ فهذا هو الممنوع، وقد يصل إلى حد الشرك بالله؛ لأنك تعطي المخلوق من القدرة والمكانة ما ليس من حقه، بل هو من حق الله سبحانه وتعالى.

    سؤال العبد لله في كل شيء

    ويجب على العبد أن يسأل الله حتى ما كان في مقدور العبد، فتوجه بقلبك أولاً وقبل كل شيء إلى الله؛ لأنه الذي يملك قلب العبد، فيوفقه لأن يجيبك لما سألت، وهو قادر أن يصرفه عنك، فاسأل الله أولاً وقبل كل شيء، وقد روي في الأثر (أن موسى عليه الصلاة والسلام قال له ربه: يا موسى! سلني كل شيء، صغيره وجليله وعظيمه، قال: والله! يا ربي! إنه لترد علي الحاجة، وأستحي أن أسألك إياها لصغرها، فقال: لا، بل سلني كل شيء، حتى شراك نعلك، وملح عجينك، وعلف دابتك) ونحن نعلم -يا إخوان- أنه إذا لم ييسر الله هذه الجزئيات اليسيرة للعبد، فلن يحصل عليها أبداً.

    ويروى في أثر أن المولى سبحانه عاتب خلقه فقال: (من ذا الذي سألني فلم أعطه؟! من ذا الذي استغفرني فلم أغفر له، وأنا الغفور الرحيم؟!) وفي الحديث الصحيح: (إذا كان الثلث الأخير من الليل، ينزل ربنا إلى سماء الدنيا فينادي فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟) فالمولى يتودد إلى عباده، ويقول: (هل من سائل فأعطيه؟).

    وقد أشرنا إلى إعجاز القرآن وبلاغته في السؤال والجواب، ففي القرآن: يسألونك عن كذا، قل: كذا، يسألونك عن كذا، قل: كذا، ولكن في قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي [البقرة:186] ما قال: قل، بل قال: فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة:186] بدون واسطة أحد، فالمولى أقرب إلى عبده من حبل الوريد، وقالوا: الله سبحانه وتعالى يحب عبده اللحوح في السؤال، والإنسان إذا ألححت عليه تضجر، حتى لو ألححت عليه وقلت: ما اسمك؟ وما اسم أبيك؟ وما اسم جدك؟ فإنه يغضب.

    قال الشاعر:

    الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسئل يغضب

    قال بعض العلماء: إن المولى سبحانه إذا سأله عبده الصالح قد يؤخر عليه الإجابة، فتقول الملائكة: (يا رب! عبدك الصالح يدعوك، فيقول: إني أحب أن أسمع هذا الصوت)، فأخر حاجته، ليسمع صوته، يا سبحان الله! إلى هذا الحد المولى سبحانه الغني الحميد يتودد إلى الخلق ليكثروا السؤال عليه، وهو لا ينقصه شيء، خزائنه ملأى، وجاء في الحديث القدسي: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر) فالمخيط ناعم أملس، ولو كان عود سواك أو عصا فيمكن أن يأخذ شيئاً من الماء، لكن المخيط أملس ناعم ما يعلق فيه الماء، وذكر هذا المثال لكي تأخذ الصورة العملية أنت بنفسك فتقتنع، وتقول: والله! ما نقص شيء، فخزائن الله ملأى لا تغيض، ولهذا عطاؤه كلام، كما قال سبحانه: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، والنبي صلى الله عليه وسلم لما تراءت له الجنة في القبلة، وتقدم خطوة، سألوه: (ما لك تقدمت؟ قال: رأيت الجنة، فتقدمت لآخذ لكم منها قطف عنب، ووالله! لو أخذته لأكلتم منه إلى يوم القيامة!)، فكلما تأخذ حبة من العنب تنبت أخرى محلها، فما دام كل حبة تستخلف بغيرها فإنه لن ينتهي أبداً، ففضل الله كبير، فإذا سألت فاسأل الله؛ لأن الله هو الذي يعطي، وإذا سألت العبد، فمن أين يأتيك بما سألت؟ يعطيك مما عنده، والذي عنده هو من الله، فهي تحويلة، أنت تسأل زيداً، وزيد سيعطيك مما أعطاه الله، فالذي أعطاه قادر أن يعطيك، وهو أقرب، فالسؤال عبادة، فإذا كان المسئول فوق قدرة الإنسان، وسألت إنساناً فهذه هي المصيبة، كيف تتوجه إلى مخلوق حياً كان أو ميتاً، ولو كان من ملائكة الرحمن؟ كيف يسأل إنسان عقيم إنساناً مثله أن يعطيه ولداً؟! هو لا يملك هذا، أو إنسان مريض يسأل إنساناً أن يعطيه العافية!! وهو لا يملك هذا، حتى الطبيب يأتيه بالدواء حسب علمه وتجاربه، وهذا الدواء قد يتفاعل مع هذا المرض بإذن الله، فهل يعطيه الشفاء بنفسه أو هو من عند الله؟

    الشفاء من عند الله، فهو يشفي من شاء بلا شيء، ويمرض من شاء بلا شيء، قال الله: إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس:49] فعلى العبد أن يتوجه إلى ربه في سؤاله.

    مشروعية طلب الدعاء من الرجل الصالح

    إذا جئت تقول لرجل صالح: ادع الله لي أن يرزقني الولد، فمرحباً، أنا وأنت نتوجه إلى الله لتسأله وتدعوه، ذاك الرجل الذي كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: (سلني) أي: سلني أي شيء تريد، فقال: أسألك مرافقتك في الجنة!! سبحان الله العظيم! ما قال: أسألك ولاية كذا، أو غير ذلك، فهو يعلم أن الله إذا أكرمه بمنزلة عالية في الجنة، فالذرية والأزواج يكرمهم الله سبحانه وتعالى معاً في الجنة، فقد قال سبحانه: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُم [الطور:21]، فهو قال: (يا رسول الله! أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أوغير ذلك؟ قال: هو ذاك)، فقال له صلى الله عليه وسلم: (أعني على نفسك بكثرة السجود) أي: الزم طريقاً يكون سبباً لذلك، فأكثر من صلاة النافلة، (أعني على نفسك بكثرة السجود)، ثم تأتي شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم متممة لذلك.

    فإذا رأيت رجلاً تتوسم فيه الخير، وسألته أن يسأل الله لك، وصرت أنت وهو تدعوان الله سبحانه، فهذا مظنة الإجابة، وروي: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما جاءه عمر رضي الله عنه جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال: كنت نذرت اعتكاف ليلة في الجاهلية، ولم أوف بنذري، فقال: أوفِ بنذرك يا عمر! فلما أراد الخروج قال له النبي: لا تنسنا من دعائك يا أخي!) أي: من دعائك هناك عند الكعبة، فلا مانع في ذلك.

    وقوله: (وإذا استعنت فاستعن بالله)، والاستعانة تكون على النفس، وعلى الغير، وعلى العبادة، وعلى امتثال الأوامر، وعلى اجتناب النواهي، وعلى النوائب التي تصيب الإنسان، وعلى كل ما يلم بالعبد، فالعبد ضعيف، فلابد له من إعانة، كما يتعاون الأفراد في الدنيا على أمور حياتهم، قال الشاعر:

    الناس للناس من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم

    ولكن فيما لا يملكه العبد، فلا تستعن إلا بالله!

    ورود الاستعانة في أول سور القرآن دليل على أهميتها

    ولعظم قضية الاستعانة، ولعظم حاجة العبد إليها، صُدرت في القرآن، وتعبدنا الله بسؤالها في كل ركعة من الصلوات في سورة الفاتحة،: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:2-4].

    فبعد البسملة الحمد والثناء على المحمود لكمال ذاته وصفاته، ولا يكون ذلك إلا لله، ثم جاء الوصف العام (رَبِّ) والرب هو: الخالق، المدبر، المربي، الحافظ، الرازق، فالرب هو: الذي يربي، ويصلح المسألة، عشرة معانٍ في اللغة لمعنى الرب، وقوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ)، جمع: عالم، فمنهم: الإنس، والجن، والملائكة، والحيوان، والوحش، والطير، والحوت، والنبات، والجبال، والجماد، والهواء، والماء، فكل ذلك عوالم لله، خاضعة لقدرته وإرادته، وهو المسير لها والمسيطر عليها، وهو ربها، خلقها ويدبرها، لا الماء يطغى على اليابس، ولا اليابس يغرق في الماء، ولا الليل سابق النهار، قال الله لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:40] كل في نظام عجيب، فالله هو رب هذا العالم كله، الشجر لا يزهر ولا يثمر ولا ينبت إلا بإذنه، والأنثى من كل المخلوقات لا تحمل ولا تضع إلا بإذنه، وكل هذه الكائنات تحت تصريف وتدبير الله، فالحمد لله؛ لأنه رب العالم كله، فاستحق الحمد بذاته، وربوبيته للعالمين من رحمته كما قال: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، ولم يقل: رب العالمين، الملك الجبار، مع أنه قادر قاهر جبار، ولكن ذكر الرحمة في معرض التربية، وفي معرض الرعاية، فهو رحمن رحيم، وهذا في أمور الدنيا، وفي الآخرة هو الملك الواحد الأحد، كما قال الله: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:16] .

    إذاً: أيها العبد! إذا كنت فرداً من عوالم هذا الكون، وكلها تحت ربوبية الله، والله رب العالمين بيده نواصي المخلوقين، سماءً وأرضاً، وجبالاً وبحاراً، وفي الآخرة الملك يكون لله، فأنت في الدنيا تحت ربوبية الله، وفي الآخرة تحت سلطان وقهر وملك الله، فأين تفر عن الله؟ فتقول: حقاً ويقيناً إياك وحدك نعبد، وإياك وحدك نستعين، وهل أحد له مكانة في هذا الوجود يستحق بها أن يتوجه إليه غير الله؟!

    لا، ومن هذا الذي ستتوجه إليه؟ وبأي سلطة وبأي استحقاق يعبد من دون الله؟ فالعالم كله مربوب لله، ويوم الآخرة الملك لله، فأين تذهب؟!

    فتقول: إياك وحدك نعبد؛ لأنك المستحق للعبادة يا رب العالمين! ولا نعبد غيرك، لا بسؤال ولا باستعانة، ولا بخوف ولا رجاء، ولا بشيء، ونستعينك على تلك العبادة؛ لأن من لم يعنه الله على الطاعة فلا طاعة له، وحقاً: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولهذا فإن هذه الكلمة جاءت من كنز تحت العرش، ويذكر بعض العلماء عند هذا الحديث قصة، وهي: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (إن ابني أخذ أسيراً، وربط بالقد) والقد جلد البعير اللين، إذا شُد على شيء فيبس كان كالحديد، وهذا يفعلونه مع العتاة الذين لا يقدرون عليهم، وصارت أمه تبكي حينما علمت بذلك، فجاء أبوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: (أرسل إليه من يخبره أن يكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله)، فبلغ الابن ذلك، فأكثر من قولها، فإذا بالقد يتساقط عنه، ثم رأى ناقة قريبة منه فركبها وهرب، فمر بسرح القوم - أي إبلهم - فنادى بها فتبعته، فما فجأ أبويه إلا وهو يطرق الباب، فقالوا: هذا صوت مالك والله! وأمه تقول: مالك في القد هناك يئن، فلما خرج أبوه والخادم وجدوه قد جاء ومعه الإبل، فذهب أبوه إلى رسول الله فسأله. فقال: (هي إبلك فاصنع بها ما شئت)، بصرف النظر عن صحة هذا الحديث أو ضعفه، يهمنا أثر (لا حول ولا قوة إلا بالله)، ومعناها كما يقول العلماء: لا حول عن المعصية، ولا قوة على الطاعة إلا بالله، والعزيمة والإرادة والتوفيق كله من الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    معنى قوله: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء...)

    ثم قال:(واعلم( تقدم أنه قال: (يا غلام ! إني أعلمك كلمات)، ومما علمه (احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، وكل هذا يدخل في قوله: (أعلمك)، ثم قال: (واعلم) فجدد ذكر العلم مرة ثانية، ولم يجدده فيما قبلها عند كل كلمة، وهذا يدل على تجديد الإدراك والعلم لأمر جديد له أهمية، وتعريف العلم أتعب العلماء، وأحسن ما يقال: العلم ضد الجهل، وبعضهم يقول: العلم هو معرفة الشيء حقيقة على ما هو عليه، هذه أشياء لا ندخل فيها، ويقال: إدراك، والإدراك يحتاج إلى تفسير أيضاً، فما كان معلوماً بداهة لا يحتاج إلى تعريف.

    قال:(واعلم بأن الأمة) الأمة في اللغة تأتي بمعنى: الجماعة، وتأتي بمعنى: الرجل الفاضل القدوة كما قال الله: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل:120]، فهو وحده كان أمة، وتأتي بمعنى: المدة من الزمن كما قال الله: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف:45]، والأمة تطلق على جماعة، وتطلق على جميع المعاصرين فتشمل أمة الإجابة، وأمة الدعوة، والمراد بالأمة هنا: جميع الخليقة من بني آدم، قال: (واعلم بأن الأمة لو اجتمعت -أي: وتعاونت- على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك)، والعكس كذلك، ( وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، فالأمة كلها لا تستطيع أن تنفع أو تضر إلا بما قدر الله، فهناك خطة مقدرة لن تخطئها، ما كان لك فسوف يأتيك، (وما أخطأك لم يكن ليصيبك)، فالمقادير موجودة، والتقديرات سابقة، وتقدم معنا أن الله وكل بالجنين ملكاً، يكتب: عمره، ورزقه، وعمله، وشقي أو سعيد، وقال الله: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49]، فأول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، وبعضهم يقول في تفسير قوله تعالى: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [القلم:1]: النون: هي الدواة، والقلم هو قلم القدرة، وبصرف النظر عن هذا التفسير، فقد جاء في الحديث: (أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب) ، أو (أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب)، على رواية الرفع يكون مبتدأ، أي: أول ما خلق الله من المخلوقات كلها القلم، وأولَ -بالفتح- تكون على الظرفية، أي: أول لحظة خلق الله فيها القلم قال له: اكتب، ومتى كان خلقه؟ لم يتعرض له سواء كانت على الابتدائية، أو كانت على الظرفية، فالله سبحانه أمره أن يكتب فقال: (ماذا اكتب؟ قال: كل ما هو كائن، إلى يوم القيامة)، فجلوسك، وغمضة عينك، وحركة لسانك، وابتلاع ريقك، وأخذ نَفَسِك، وإخراج نَفَسِك، وحركة الذر في ظلام الليل، كل ذلك مكتوب قبل أن يوجد هذا العالم، فسبحان الله لا تخفى عليه خافية، فإذا كان كل شيء مكتوباً، فالأمة لا تستطيع أن تغير مما كتب الله شيئاً، ونذكر قصتين لنبيين كريمين، يتبين منهما أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء، لن يستطيعوا أن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك:

    قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وإلقاؤه في النار

    أولاً: قصة خليل الرحمن عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كان يدعو بمفرده أمة إلى الله، وتحداها وحطم أصنامها، وأذلها، وسخر منها، وعندما سألوه عن ذلك قال: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ [الأنبياء:63] فقالوا: ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ [الأنبياء:65] إلى آخر الآيات، ثم أجمعوا كيدهم على أن يحرقوه، وذكروا أن الرجل منهم كان يوصي عند موته بجزء من ماله لحطب النار التي سيلقى فيها إبراهيم، فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ [الصافات:98] ، إبراهيم عليه السلام كان وحده في تلك الأمة، وأجمعوا على ضره، ولكن الله ما قدر عليه الضر، وهم قد جمعوا كل ما في إمكاناتهم، وعند إلقائه تحيروا كيف يلقونه في النار في الوقت الذي لم يكن أحد يقدر أن يقرب منها لشدة حرها، فجاءهم أستاذهم إبليس ورسم لهم خطة المنجنيق، فصنع المنجنيق ووضع إبراهيم فيه، وما بقي إلا أن يرمى، فجاءه جبريل عليه السلام يسأله: يا إبراهيم! ألك حاجة؟ الوقت ضيق، ولا يوجد فرصة للكلام الكثير، فقال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فبلى، هذه أخصر برقية في العالم، (إليك فلا)، (إليه بلى)، (علمه بحالي أغنى عن سؤالي)، وبعض الناس يعترض على هذه الجملة ويقول: إذاً: لا ندعو، ولا نسأل، فهذا غفل عن الظرف، والعرب من بلاغتهم يقولون: لكل مقام مقال، هل كان وقت إبراهيم متسعاً؛ لأن يقول: يا رب! يا رب؟! لا يوجد وقت، فهو رمي بالمنجنيق وصار في الهواء، وليس هناك وقت ليرفع كفه ويدعو ويستجير، ولو كان في الوقت متسع، فعليك أن تلجأ إلى الله، وتسأل الله، وتدعو الله، لعل القضاء والقدر معلق بسؤالك، قال الله: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ [الرعد:39]، لكن من الخطأ أن تكف عن الدعاء، قال الله: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي [غافر:60]، وقال: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186]، فالإعراض عن الدعاء إعراض عن الله، لكن إبراهيم لم يجد وقتاً للدعاء.

    هل ضرت تلك الأمة بجمعها إبراهيم؟! لا، مع أنهم فعلوا كل ما في إمكاناتهم، والعجيب -كما قال بعض العلماء- أن المولى يعلم بأنهم لن يصلوا إليه، ومكنهم من إيقاد النار، وما أرسل سحابة على قدر النار تمطر وتطفئ عليهم النار، ولم يجر سيولاً على النار، وما أنزل عليهم صواعق تهلكهم، وكل هذا في قدرة الله، لكن لم يقدره لتكتمل المعجزة، وتظهر الآية، وتكون لنا عبرة، فتركوا على مهلهم؛ جمعوا الحطب، وأتوا بآلة النفخ، فنفخوا حتى تأججت النار، حتى بلغ من شدتها أن الطير لا تستطيع أن يطير في سمائها، ثم أتوا بالمنجنيق، ففعلوا كل ما عندهم، ووصلوا إلى أقصى غاية في إمكاناتهم، ثم قال الله كلمة: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69] ، هل يوجد عقل للنار؟! هل في النار دماغ أو أذن تسمع به؟! لكن خالقها الذي أذن بتأججها وأعطاها القدرة على الاشتعال، سلبها القدرة على الإحراق بكلمة، فالآية تظهر حينما يأتي السبب، وينتفي المانع، ويقف الأثر، فالسبب موجود وهو النار المحرقة، وانتفى المانع، فلا ماء يطفئها، ولا هو لابس ثياباً ضد الحريق، وما عليه شيء من هذا، فما الذي منع النار أن تحرق إبراهيم بطبيعتها؟ ليس هناك مانع إلا قوله: كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69].

    إذاً: لو أن الأمة اجتمعت على أن يضروك بشيء، لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، وإذا لم يكن قد كتبه عليك فلن لم يستطيعوا أن يغيروا ما كتب الله، وها هو إبراهيم عليه السلام أنجاه الله من النار بعدما فعلوا ما بوسعهم وبعدما خمدت النار، نظروا إلى إبراهيم ليروا كيف حرق، ففوجئوا به حياً!! ولو كانت عقولهم سليمة لآمنوا، فهذه نار كبيرة ماذا كانت ستبقي من إبراهيم لو خلي بينها وبينه لن تبقي منه شيئاً، لكن عقولهم سخيفة فلم يؤمنوا!!

    يقول بعض العلماء في قوله سبحانه: (كُونِي بَرْدًا) حفظ من شدة البرد بقوله: (وَسَلامًا)، ولولا هذا لكانت (كالفريزر) فيتجمد، فرحمه الله من بردها بسلام فقال: ((يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ((.

    قصة محمد صلى الله عليه وسلم وكيد قريش له ليلة الهجرة

    ثانياً: قصة الرسول صلى الله عليه وسلم في ليلة الهجرة، كان وحده في بيته، فاجتمع على باب بيته عشرة رجال أشداء بسيوفهم ليقتلوه، وقد تآمرت قريش -كما علمنا- في دار الندوة، فقيل: نقتله، فقال بعضهم: لا تستطيعون، فقيل: نحبسه، فقال بعضهم: يفكونه، فقيل: نخرجه من مكة، فقال بعضهم: سيأتيكم بقوم فيحاربونكم، فكل الآراء تعارضت، ولكن الشيخ النجدي -وهو الشيطان- دخل عليهم، وقال: القول ما قال فلان، اجمعوا له عشرة رجال من القبائل، وأعطوا كل واحد منهم سيفاً، فيضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فلا يستطيع بنو هاشم أن يحاربوا القبائل كلها، فيقبلون بالدية ويسكتون، فقريش كلها -والعرب تبع لأهل مكة- تآمروا واجتمعوا على أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو وحده، وجاءوا فعلاً بالفتية ومعهم السيوف على باب البيت، فالمولى سبحانه أرسل جبريل فقال: يا محمد! لا تبت في فراشك الليلة، سبحان الله العظيم! محمد وهو في بيته يدبره رب العرش، ويصرفه ويحفظه سبحانه وتعالى، وكان الله قادراً أن يرفعه من سقف البيت كما في ليلة الإسراء والمعراج، عندما كان في بيت أم هانئ مستلقياً على ظهره، فإذا بالسقف ينفرج وينزل منه ملكان، فيأخذانه إلى زمزم، فكان يمكن أن يأتي ملك واحد يأخذه من سقف البيت، ويأتي له بالبراق، كما أتي له به في الإسراء، لكن حتى في الهجرة ما أتي له بالبراق، بل خرج من بيته واختفى في الغار، لتكون آية ومعجزة، وتظهر قدرة الله، ولتكتمل المعجزة، وكان من الممكن أيضاً أن يلاقوا أسداً أو فحل إبل على باب بيته فيشردوا، وكان من الممكن أن تأتيهم الزلازل والقلاقل أو الحيات والعقارب فيشردوا، لكن تركهم الله يأتون ويصطفون بأكمل استعداد، ويخرج صلى الله عليه وسلم من نفس الباب، وهو يقرأ قوله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9]، فأعمى الله أبصارهم وزاد إمعاناً في إذلالهم أن أخذ التراب من تحت أقدامهم ووضعه على رءوسهم، ولو كان خرج من السقف، لقالوا: والله! هذا شيء ما نقدر عليه، والله! هذا من السحر الكامل، لعل الجن أتت معه، لكن لا، هم على ما هم عليه، وأنجاه الله من الطريق المعتاد من بين عشرة فرسان، ولا أحد منهم فتح طرفه ورآه وهو خارج، فهذا من الإعجاز الذي يبين قدرة الله، وما خرج وهو يجري، بل على مهله، وجعل التراب على رءوسهم واحداً واحداً، فبينما الخائف يجري خوفاً أن يلحقه أحد، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج وهو مطمئن القلب ومستقر الفؤاد، موقن بحفظ الله، وبرعاية الله، ويعلم بأن الأمة لو اجتمعت على أن يضروه بشيء لن يضروه إلا بما كتب الله عليه، والله قد وعده بإبلاغ الرسالة.

    فلو أن الإنسان وقف عند هذه المسألة، وعلم علم يقين أن الأمة كلها لو اجتمعت على نفعه أو ضره فلن تقوى عليه لطابت نفسه، ولما توجه مازحاً ولا صادقاً في صغيرة ولا كبيرة لغير الله، وأي غنى، وعز، ورفعة، أعظم من أن تكون مرتبطاً بالله، فيما ترجو أو تخشى؟ وأي ملك واستغناء أن تشعر بأنك غني عن الناس كلهم غنيهم وفقيرهم، كبيرهم وصغيرهم؟ لا، والله! لا يوجد أعظم من هذا.

    الإيمان بالقدر خيره وشره يبعث في نفس المؤمن الطمأنينة

    فالواجب على العبد أن يكون ربانياً، أي: مع ربه في علمه، وفي طاعته، وفي معرفته، وفي تعريف الناس بربهم، وبهذا يكون أسعد الناس، وأغنى الناس، وأقوى الناس، يسعد في دنياه ويرتاح، ما عنده هم، ولا عنده مذلة لأحد، ولا في عنقه منّة لأحد، فيكون دائماً مع الله سبحانه وتعالى، ( وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، وإذا كان الله قد كتب على الإنسان شيئاً، فالمؤمن كل ما يقدره الله عليه هو خير له، كما في الحديث: (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير: إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له)، وهذا للمؤمن فقط؛ لأنه يعلم أن كل شيء بقضاء الله وقدره، ولذا يقولون: إن ظاهرة التخلص من مشاكل الدنيا بالانتحار -عياذاً بالله- أقل ما تكون في المسلمين، وأكثر ما تكون في غير المسلمين؛ لأن الكافر لا يؤمن بقضاء الله ولا بقدره، فإذا أصيب في تجارة، أو أصيب بعاهة، أو أصيب في ولده، أو غير ذلك، فلا يجد أمامه إلا أن يهرب من الدنيا، أما المؤمن فيعلم أن هذا قدر الله عليه، فإن صبر عليه فله الأجر.

    يقول بعض العلماء: لو قيل: إن هذا الحديث نصف الإسلام، أو قال: هو الإسلام -لأنه يجمع للإنسان أطراف كل الفوائد والمعارف- لما كان في ذلك مبالغة.

    1.   

    معنى قوله: (رفعت الأقلام وجفت الصحف)

    ثم قال: (رفعت الأقلام، وجفت الصحف) ما هي الأقلام؟

    الجواب: قال عليه الصلاة والسلام: (أول ما خلق الله القلم)، وهناك أقلام أخرى الله تعالى أعلم بها، وهل هذا هو قلم القدر الفردي أو قلم القدر السنوي أو قلم القدر العام الكوني؟

    كل هذه أقلام جرت للإنسان، أما القلم العام الكوني، فهو القلم الذي أقسم الله تعالى به، وهو القلم الذي أمره الله أن يكتب كل شيء، وكتب كل شيء في اللوح المحفوظ، والعالم كله يجري على مقتضى ما كتب أولاً، يليه بعد ذلك من الأقلام العامة القدر السنوي، وهو ما جاء في قوله سبحانه: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:3-4] وقوله: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:1] ومعنى: ليلة القدر أي: الرفعة والشأن، وقيل: أي: المقدار والتقدير، وقالوا: ينزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا مقادير السنة الجديدة، أو بمعنى أوضح: المنهج المختص للعالم في تلك السنة، فتطلع عليه الملائكة الموكلة به، وتنفذ ما في هذا القدر في هذه السنة إلى أن يأتيها نظام آخر.

    والقلم الثالث: هو الذي يجري على كل فرد فيما يخصه، وكل ذلك مما قدر الله، وقد قيل: (يا رسول الله! علام نعمل، على أمر قدر ومضى، أو على أمر مستأنف جديد؟ فقال: بل على أمر قد قدر ومضى، قالوا: فلماذا نعمل إذاً؟ -أي: ما دام الأمر مقدراً فلماذا نعمل؟- فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، هل جاءك بيان بعملك؟ هل جاءك بيان بمصيرك؟ هل جاءك بيان بما يخصك؟ لا، بل جاءك كتاب من الله فيه أوامر ونواه، فعليك أن تمتثل الأوامر، وتجتنب النواهي، والنتيجة والنهاية إلى الله، ومن هنا أجابهم صلى الله عليه وسلم بقوله: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، والأمر خطير ومخيف، قال عليه الصلاة والسلام: (منكم من يعمل بعمل أهل الجنة، حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، ومنكم من يعمل بعمل أهل النار، حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذارع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، وتعرفون قصة الرجل الذي لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في طريقه إلى الغزو، فأسلم ضحى النهار، ثم غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستشهد في المعركة، ولم يكن قد صلى ركعة واحدة، وكان مآله إلى الجنة!

    إذاً: (رفعت الأقلام) عن الكتابة والتغيير، إلا ما شاء الله، (وجفت الصحف)، وهل هناك صحف حقيقة؟ وهل هناك مداد؟ وهل هناك قلم؟ وهل هناك كتابة؟

    العلم لله، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بالكتابة والصحف فنؤمن بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، وبعض الناس يقول: هذا اللوح الذي يسع مقادير العالم من أولها إلى آخرها، ويسع الطيور في الهواء، والحيتان في الماء، وكذا وكذا، فكيف يمكن ذلك؟!

    فنقول: الآن جاء الكمبيوتر، وفيه رقائق يحمل السنتيمتر المربع منها أكثر من مائة صحيفة من كتاب، واكتشفوا أن عقل الإنسان في حياته كلها لا يملأ خمسة في المائة من مقياس حجم سعته لمعلوماته! فهذه أمور نردها إلى القادر سبحانه، ونؤمن بأن هناك أقلاماً، وأن هناك صحفاً، ونقول: إذا كان المولى -وهو العالم بكل شيء، والقادر على كل شيء- قد قدر، وكتب، وأملى ذلك، وأثبت ذلك في الصحف، فنحن في حياتنا يجب أن نكون منظمين، ولا نأتي بالأمور عفوياً وارتجالاً، فيجب أن يسبق العمل علم وتقدير، والله أسأل أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.