إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع عشر [1]

شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع عشر [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    مكانة ابن عباس عند رسول الله وعند الصحابة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

    [عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء؛ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

    وفي رواية غير الترمذي : احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع اليسر يسراً ].

    إن هذا الحديث العظيم، يبين مكانة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقد اختص بخصائص من بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويطيل علماء الرجال والتراجم في ترجمة ابن عباس رضي الله عنهما، فقد حظي بدعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم: اللهم! فقه في الدين، وعلمه التأويل ، وها هو في هذا الحديث غلام دون البلوغ، ويلقي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث العظيم، وقالوا: إن سبب دعوة رسول الله له، أنه كان ذات ليلة عند خالته ميمونة ، ونام النبي صلى الله عليه وسلم على طرف الوسادة، وجاء ابن عباس وهو غلام ونام على طرفها الآخر، فلما استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من الليل، قام ودخل الخلاء، ثم خرج صلى الله عليه وسلم فوجد أداوة من ماء عند باب الخلاء فقال: من وضع هذا؟ قالت له ميمونة: وضعها ابن عباس أي: أن ابن عباس فطن أن خروجه صلى الله عليه وسلم يقتضي ماء لوضوئه، وهذا من الفهم والفطنة والفقه، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم! فقهه في الدين، وعلمه التأويل، والتأويل هو: التفسير.

    روى البخاري رحمه الله أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يدنيه، وكان يدخله في مجلسه، وفيه شيوخ المهاجرين والأنصار، فرأى في وجوههم استنكار ذلك، وقالوا لـعمر : كيف تدخل هذا الغلام، ولنا غلمان مثله لم نحضرهم؟ فجمعهم ذات يوم وسألهم، عن تفسير سورة النصر: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:1-3]، فخاضوا في معانيها من ظواهر لفظها، فسأل عمر ابن عباس ، فقال: إنها نعت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرنا، فوافقه عمر على ذلك، وظهر للناس فهمه لكتاب الله، وصاروا يرجعون إليه في ذلك.

    طلبه للعلم في صغره

    نشأ ابن عباس رضي الله تعالى عنه نموذجاً حياً لطالب العلم في كل زمان ومكان، ولزاماً على كل شخص يسلك طريق طلب العلم أن يدرس ترجمة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقد ذكرنا في برنامج إذاعي أن تراجم الرجال مدارس الأجيال، وفي ترجمة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لما شب وصار يافعاً بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذهب إلى أحد أصدقائه فقال له: هلم نجمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أوترى -يا ابن عباس - أن الناس يحتاجون إلى ما تجمعه مع وجود كبار أصحاب رسول الله؟! فمضى ابن عباس في طريقه، قال ابن عباس : كنت أتبع الرجل الذي عنده حديث رسول الله من المسجد إلى بيته، وأستحي أن أوقفه في الطريق، فأتبعه وأقول: لعله يلتفت فيراني فأسأله، قال: مرة اتبعت فلاناً فلم يلتفت، ودخل بيته ولم يلتفت، ورد الباب دوني، وذلك بعد صلاة الظهر، قال: فجلست على باب بيته أنتظر خروجه، ووضعت ردائي على وجهي، والريح تسفي عليّ، فأخذني النوم، حتى خرج الرجل لصلاة العصر، فقال : ابن عباس على باب بيتي! قلت: نعم، جئت أسألك عن حديث كذا، قال: لو آذنتني فآتيك إلى بيتك ! قال: إن العلم يؤتى إليه.

    وكان ابن عباس ، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأخذ بركاب زيد بن ثابت وهو راكب، وابن عباس يمشي، فيقول له: إما أن تركب، وإما أن أنزل، فيقول: لستَ بنازل، ولستُ براكب، هكذا أمرنا أن نعظم علماءنا.

    هذا حال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في طلب العلم، ثم دارت الأيام، وصار صاحبه الذي قعد عن مرافقته في طلب العلم، يرجع إليه ويسأله عن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكان يفتي الناس بمكة، ثم إنه خرج من مكة وقال: لا أستطيع أن أسكن بلدة تتضاعف فيها السيئات كما تتضاعف فيها الحسنات، ولكني أتخذ من الطائف مسكناً، ثم أنزل إلى الناس يوم الحج، وبقي ساكناً في الطائف، وينزل مكة في وقت الحج.

    ولقد ذكروا من مناقبه رضي الله تعالى عنه أنه رأى جبريل عليه السلام مرتين، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أخبر بذلك فأخبر أنه سيفقد بصره، وقد ابتلي في آخر حياته بفقد البصر، قالوا: لأنه رأى جبريل مرتين، إحداهما لما جاء العباس يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهراً ، فاستأذنه ثلاث مرات، فلم يأذن له، فرجع مغاضباً، وكان في بني هاشم بعض الحدة، فقال ابن عباس لأبيه العباس : يا أبت! لا تغضب فهو مشغول عنك بالرجل الذي كان يجلس إليه يحدثه، فقال: أوعنده رجل؟! قال: نعم، قال: ما رأيته! وأخذ بيد ابنه ورجع مرة أخرى إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما وصل استأذن فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول مرة، ولم يكن هناك رجل، فقال العباس : (يا ابن أخي! ما بالك استأذنتك ثلاث مرات فلم تأذن لي؟ قال: ما علمت، قال: إن هذا الغلام يقول: إنك كنت مشغولاً برجل عندك، وما رأيت عندك أحداً، فالتفت صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله وقال: أرأيت الرجل يا غلام؟! قال: نعم، قال: ذاك جبريل عليه السلام).

    سرعة حفظه

    ومناقب ابن عباس وافرة، ويهمنا منهجه في العلم والتعليم، ولقد كانت له بمكة مدرسة نشأت عنه، وكذلك في البصرة، وانتشر علم ابن عباس بتلاميذه رضي الله تعالى عنهم، وجزاهم الله عنا أحسن الجزاء.

    ها هو ابن عباس ينظر إليه رسول الله صلى الله وهو غلام، فيرى فيه الفراسة، ويرى فيه الأهلية، لكي يلقي عليه هذا الحديث، وكان ابن عباس يحفظ من أول مرة، فلقد ذكر علماء الأدب، مثل الرافعي في تاريخ الأدب أن ابن عباس كان جالساً عند الكعبة، وعنده بعض الخوارج من أهل الشدة والشوكة، فإذا بـعمر بن أبي ربيعة يمر عليه، فقال عبد الله : هيه هيه يا عمير ! هل من جديد؟ فقال: نعم، وأنشده قصيدة من تسعين بيتاً، فلما انتهى قال الخارجي: يا ابن عباس ! أما تخشى الله فينا؟ جئناك عند بيت الله نسألك عن الحلال والحرام، فتتركنا وتسمع لهذا الشاعر الماجن! أوأعجبك شعره؟! قال: نعم، وحفظته، قال: أحفظت ما قال؟! قال: نعم، وإن شئت أعدته عليك منكسّاً فعلت، قال: نعم -والله- شئت، فأعاد عليه القصيدة، وبدأ من آخر بيت فيها حتى جاء إلى أولها، وهذا يدل على عظم ذاكرة ابن عباس ، فالرسول صلى الله عليه وسلم خصه بهذا الحديث عندما رأى فيه أهلية التعليم، فألقى عليه هذا العلم.

    ويذكر علماء الحديث مسألة: الغلام الذي دون البلوغ هل يعتمد على روايته؟

    يقولون: إن العبرة في رواية الحديث بوقت الأداء؟ فلو أن غلاماً سمع ووعى، ثم أدى ما سمعه بعد البلوغ، كانت روايته حجة، ولو أن كافراً مشركاً سمع وقت الكفر والشرك ثم أدى بعد الإسلام كانت روايته معتمدة؛ لأنه عند الأداء مؤتمن على ما يؤديه، وهكذا ابن عباس رضي الله تعالى عنه حفظ هذا الحديث العظيم.

    تحمله لهذا الحديث وهو غلام

    وقوله: (يا غلام)، ما سن الغلام؟ يقولون: من أول ولادته إلى قبل الاحتلام، هذا لغة واصطلاحاً، وقد يطلق الغلام على اليافع الأشد إذا بلغ الأربعين سنة، كما قالت الخنساء :

    غلام إذا هز القناة سقاها ...

    ولا يستطيع أن يسقي القناة بدماء الأعداء إلا القوي الأشد.

    إذاً: غلام هنا على بابها اللغوي الأصلي، وهو: ما كان دون البلوغ؛ لأن ابن عباس ولد قبل الهجرة بعدة سنوات، وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع سنة عشر من الهجرة، وكان ممن قدّمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الضعفة، ويقول عن نفسه: (وكنت معهم حينئذٍ، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا فضرب على أفخاذنا، وقال: يا أغيلمة بني هاشم! لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس)، فكان غلاماً أو أغيلماً حينما نزل مع الضعفة من الحجاج حين حج النبي صلى الله عليه وسلم، فكان في سنة عشر من الهجرة غلاماً مع الضعفة والنسوة، ووعى هذا الوعي وهو غلام، وأخذ عنه العلماء هذا الحديث، ورواه الترمذي وغيره بروايات مختلفة، فحديثه موضع قبول عند العامة والخاصة.

    يقول رضي الله تعالى عنه: (كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم)، وهل كان راكباً أو ماشياً؟

    جاء في بعض الروايات: (كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم) أي: راكباً خلف النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: كان راكباً على حمار، وقيل: على بغلة أهداها إليه المقوقس ، وأخذ من ذلك يستنتج العلماء جواز الإرداف على الراحلة إذا كانت تحتمل ذلك، وقد جاء في حديث معاذ قال: (كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم) بهذا التصريح، فقال: (أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟) إلى آخره.

    1.   

    معنى قوله: (أعلمك كلمات)

    قال: يا غلام! ، فيه جواز نداء الغلام بوصفه، وإن كان يُعلم اسمه وعلمه، إني أعلمك كلمات أي: كلمات معدودات، موجزة، والتحفيظ والتعليم سواء، ثم بدأ صلى الله عليه وسلم يفصّل المجمل من الكلمات، والكلمات: جمع كلمة، والكلمة: تطلق على اللفظ، كما قال الناظم:

    كلامنا لفظ مفيد كاستقم واسم وفعل ثم حرف الكلم

    واحده كَلِمة والقول عم وكلمة بها كلام قد يؤم

    فالكلمة تطلق على أحد أقسام الكلام، فإذا قلت: (قد) فهي كلمة، وإن كانت حرفاً، وإن قلت: (جاء) فهي كلمة، وإن كانت فعلاً، وإن قلت: (زيد) فهي كلمة وإن كان إسماً، فكل واحد من هذه يقال لها: كلمة، والموضوع الطويل الذي تخطب به في أمة يقال له أيضاً: كلمة، فيقال: ألقى فلان كلمة، ونشر فلان كلمة، فكلمة تطلق على اللفظ المفرد، وتطلق على مجموع الكلام، فكلمة الإخلاص هي: لا إله إلا الله، وهي عدة ألفاظ وسميت: كلمة، وهنا قال: أعلمك كلمات جمع: كلمة، فهي جُمل، وكل جملة من تلك الجمل، يقال لها: كلمة.

    1.   

    معنى قوله: (احفظ الله يحفظك)

    (احفظ الله يحفظك)، يحفظك جواب فعل الأمر، أي: احفظ الله فإن تحفظه يحفظك، (احفظ الله تجده تجاهك)، الفعل واحد، وأسند مرتين: مرة إلى العبد، ومرة إلى المولى سبحانه، فما هو الحفظ بالنسبة إلى العبد؟ وما هو الحفظ بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى؟

    قالوا: المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله)، ما يدل عليه الحال، وقرائن الحال، أي: احفظ الله في أوامره ونواهيه وحقوقه عليك؛ لأن الله غني عن حفظك سبحانه وتعالى، وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا [البقرة:255]، فهو الحافظ الحفيظ للعالم كله.

    حفظ الله في أسمائه وصفاته

    فأنت أيها العبد مطالب أن تحفظ الله في كل شيء، فيما توجه إليك من أوامره، وفيما توجه إليك من نواهيه، ومما يجب له عليك أن تحفظه من أن تنسب إليه ما لا يليق بجلاله، فحفظ العبد لربه في ذات الله بأن يصف الله بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، فإذا عطل شيئاً مما وصف الله به نفسه، أو عطل شيئاً مما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، فما حفظ الله في ذاته، ولا في صفاته، فأول شيء تحفظ الله في ذاته، وفي أسمائه وصفاته، فتصف الله بكل ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال الشافعي رحمه الله: نؤمن بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، ونؤمن برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما قال ابن تيمية رحمه الله: نحن مأمورون بإيمان إثبات، لا بإيمان تكييف قال الله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    فأول واجب على العبد في حفظه لله، أن يحفظه سبحانه فيما وصف به نفسه فيصفه به، وفيما نزه عنه نفسه فينزهه عنه، فإذا عطل صفة من صفاته، أو أسند إليه ما لا يليق بجلاله، فإنه لم يحفظ الله، فأول باب في هذا الحديث، وأول واجب في هذا الموضوع، أن يحفظ العبد ربه فيما وصف به نفسه، وفيما نزه عنه نفسه جل جلاله سبحانه وتعالى.

    حفظ الله في العبادات

    بعد هذا يحفظ الله فيما توجه إليه من ربه سبحانه من العبادات والمعاملات، وكل ذلك تشريع من الله، فمثلاً فرض الله على العباد الصلوات كما قال: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43]، فالواجب على العبد في الصلاة أن يحفظها كما قال الله: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238]، وقال صلى الله عليه وسلم: (خمس صلوات كتبهن الله في اليوم والليلة، فمن حفظهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن ضيعهن لم يكن له عند الله عهد، فإن شاء عذبه، وإن شاء غفر له) ، فالصلاة من العبادات، وقس عليها غيرها، وقال الله كما في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به) وجاء في الحديث: (الصوم جُنة ما لم يخرقها) والجُنة: ما يقي الإنسان، ويجنه من الأعداء، وتكون وقاية بينه وبين الآخرين، فإذا خرّق هذه الجُنة؛ توجهت إليه السهام من تلك الخروق، ( قيل: بم يخرقها يا رسول الله؟! قال: يسب هذا، ويغتاب هذا، ويظلم هذا) ، فالجنة كانت من الخير وفعل الخير، وهو مزقها بأفعال الشر.

    وفي الزكاة قال سبحانه وتعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى [البقرة:264]، وقال: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى [البقرة:263]، فالذي أتبع الصدقة بالمن، وأساء في إعطاء الزكاة، هل حفظها أم ضيعها؟ ضيعها وأبطلها بما أتبعها من المن على المسكين الذي دفعها إليه، ولماذا تمن عليه؟ هل ولدت ومعك هذا المال؟ هل هو حق لك من أجدادك وآبائك؟ المال مال الله، وجعله الله وديعة في يدك، وهو قادر أن يأخذه منك ويسوقه إلى غيرك، ويأخذ من غيرك ويسوقه إليك، وإنما هو ابتلاء وامتحان.

    والحج كذلك يحفظ في نيته وقصده، وفي أعماله، فيقيم المناسك، ويعظم شعائر الله وغير ذلك.

    فكل العبادات حفظها أداؤها كما أوجب الله سبحانه وتعالى، فمن حج من مال حلال، وزاد حلال، فإذا وضع رجله في الغرز، وقال: لبيك اللهم لبيك! قيل له: لبيك وسعديك، حجك مبرور، وذنبك مغفور. وإن حج بمال حرام وزاد حرام، فوضع رجله في الغرز، وقال: لبيك، قيل له: لا لبيك ولا سعديك، ارجع مأزوراً لا مأجوراً، ما الفرق بين هذا وهذا؟ هذا ماله حلال كما أوجب الله، وهذا ماله حرام مما نهى الله، فكيف يأتي بيت الله بما حرم الله؟ فكأنه يجاهر بالمعصية، ويتحدى الله في بيته بماله من الحرام.

    حفظ الله باجتناب المعاصي

    وهكذا من حفظ الله ترك المحرمات والمعاصي، فلا يقدم عليها عمداً، بخلاف من زلت به قدمه، والإنسان غير معصوم، وبعدما تزل به القدم في المعصية، يحس بأوساخه فيقوم فينفض الغبار عنه، ويغسل درنه بتوبة واستغفار، فهذا عبد الله حقاً.

    أما إذا كان لا يبالي بما وقع فيه، ولا يخشى الله، ولا يخاف مما وقع فيه من الذنب، ولا يستحيي من الله، وقد جاء في بعض الأحاديث: (استحي من الله كما تستحيي من رجلين من ذوي المروءة في قومك)، وجاء في الحديث القدسي: (لا أكون أهون من تستحيي منهم!) ، أي: تستحيي من الناس ولا تستحيي من الله!! فجعلت الله في نظرك أهون من الناس! نسأل الله السلامة والعافية، وليس هناك إنسان معصوم، ولكن يجب على العبد إذا سقط، أن يتوب، مثل إنسان ماشٍ في الطريق تعرقلت رجله في عود فسقط على الأرض، فهل يظل على سقطته أو ينهض ويزيل السبب الذي أسقطه حتى يمضي في طريقه سالماً؟ فيجب على العبد إذا زلّت به القدم، ووقع فيما حرم الله عليه، أن يسارع في الرجوع إلى الله، ويستغفر من ذنبه، ويغسل الخطيئة بهذه الحسنة، كما تقدم في الحديث الماضي: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) .

    فقوله: (احفظ الله) هذا هو حفظ العبد لله سبحانه وتعالى، والجزاء من جنس العمل، فمقابله (يحفظك)، كما قال الله: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11]، يحفظونه من كل سوء يخشى منه، ولولا هؤلاء الحفظة المعقبات لتخطفتهم الجن، ولاجتالتهم الشياطين عن الأرض، فقوله: (يحفظك) أي: حفظ أمن، وهناك حفظ أعظم منه، فإذا حفظت الله في حقه، وفي أسمائه وصفاته، وفي أوامره ونواهيه؛ حفظك أن تهدم ذلك، وحفظك من أن تقع في السوء، وحفظك من أن تحيد عن الطريق، وحفظك على الجادة السوية، وحفظك على الصراط المستقيم، وحفظك أن تتلاعب بك الشياطين، وحفظك أن تميل بك الأهواء، وحفظك من وساوس النفس، وحفظك من كل سوء لا ترضاه، فيعاملك بالمثل؛ فإذا حفظت الله في ذاته حفظك في بدنك وفي ذاتك، وإذا حفظت الله في أوامره ونواهيه حفظك في سلوكك، وحفظك عن المعاصي، مثل يوسف عليه السلام في ذلك الموقف الرهيب عندما غلقت سيدته الأبواب كلها وقالت: هَيْتَ لَكَ [يوسف:23]، أي موقف أشد حرجاً من ذلك؟! وهو في بيتها محكوم عليه، وهي سيدة الموقف وملكة، فماذا كان الموقف؟! حفظ الله فحفظه، قال الله: لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف:24]، والله هو الذي كشف له هذا البرهان، وكانت رؤيته لبرهان ربه هي سبب الوقاية والحفظ عن أن يقع فيما يراد منه.

    وهكذا لو نظر الإنسان في تاريخ الأمم، وفي الأحداث، وفي حياته، فلابد له من موقف مر به، أو مأزق وقع فيه، ولم يقدر أحد على إنجائه وحفظه إلا الله سبحانه، وشعر بنعمة الله عليه في ذلك.

    1.   

    معنى قوله: (تجده تجاهك)

    ثم قال: (احفظ الله تجده تجاهك) تجاه ويقولون: وجاهه، فأصل التاء من واو، يقال: فلان اتجه إلى كذا، أصلها من الوجه، فاتجه بمعنى اوتجه، والواو إذا جاءت بعدها تاء الاستفعال تبدل تاء وتدغم التاء في التاء، مثل: اتقى، أصلها: اوتقى، فالواو أبدلت تاء، وأدغمت التاء في التاء، فأصلها: (تجد الله توجاهك)، فالاتجاه هو قصد العبد، وأخذ من الوجه أساساً؛ لأن القاعدة في اللغة العربية أن أصول موادها يوضع للمادة المحسوسة، ثم يُنقل إلى الأمور المعنوية، فالوجه مادة محسوسة، والوجهة أمر معنوي، كما قال الله: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [البقرة:148]، وقال: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115] فالوجهة هي: الجهة والمقصد.

    وقوله: (احفظ الله تجده تجاهك) ليس معناه: أمامك وليس وراءك، أو ليس يمينك، أو ليس يسارك، لا، إنما المعنى: تجد الله في كل اتجاه لك تقصده، سواء كان قصداً محسوساً، أو كان قصداً معنوياً، فلو اتجهت إلى طلب العلم تجد الله تجاهك، ولو اتجهت إلى فتح محل للتجارة تجد الله تجاهك، ولو اتجهت إلى حرث أرض لتزرعها تجد الله تجاهك، ولو اتجهت إلى صنعة تحكمها تجد الله تجاهك، وهكذا بصفة عامة؛ ونحن نعلم أن العبد مهما كانت وجهته فهي تحت سلطان الله، لكن المراد بهذا أنك إذا حفظت أوامر الله -على الوجه الذي بينا- كان الله سبحانه وتعالى معك في كل أحوالك.

    معية الله

    وقيل: تجاهك بمعنى: معك، والمعية من الله على قسمين:

    معية عامة لجميع الخلق، قال الله: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا [المجادلة:7] فهذه معية عامة، فلا يخفى على الله من خلقه شيء، ولا يغيب عن علمه وعن نظره شيء فهو مع الجميع.

    ومعية خاصة: وهذه المعية الخاصة لمن أحبهم الله، أما من لم يحبهم فيتركهم، قال الله: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا [النحل:128]، وغير المتقين لا يستحقون هذه المعية، وقال: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، ولما قال قوم موسى: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:61-62].

    إذاً: قوله هنا: (تجده تجاهك) المقصود بها المعية الخاصة، فالله مع المتقين معية خاصة، وكان مع موسى وقومه معية خاصة، وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم والصديق وهما في الغار معية خاصة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لـأبي بكر : (ما بالك باثنين الله ثالثهما؟!)، فجاء العدو لينظر، فإذا به تُعمى بصيرته، ويكذب نظره، ويرجع خائباً، والأثر قد دخل إلى الغار، وأمامهم حمامة باضت، وعنكبوت نسج، ونبات نبت، فقالوا: كيف يدخلان في هذا الغار وهذه الآثار موجودة؟! فردهم الله بنسج العنكبوت البالي المهين الضعيف، مع حقد قلوبهم، وسيوفهم بأيديهم، ويقول الصديق : والله! لو نظر أحدهم أسفل نعليه لأبصرنا، فقال عليه الصلاة والسلام: (ما بالك باثنين الله ثالثهما؟!) ومن كان الله معه فلا يخاف أحداً، ومن يتخلى الله عنه فهل يأمن من الله؟! لا، والله!

    إذاً: المعية الخاصة هي: معية التكريم، ومعية النصر، ومعية الحفظ، ومعية التأييد ، ومعية التوفيق، ومعية السعادة في الدنيا والآخرة، ومن حفظ الله لرسوله عليه الصلاة والسلام ما أخبر به الصديق رضي الله تعالى عنه أنه كان جالساً عند رسول الله في مكة لما نزلت سورة: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1]، فجاءت زوجة أبي لهب ومعها فهر، أي: حجر كبير في يدها، وهي تبحث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا لها: هو مع أبي بكر في ذلك المكان، فلما جاءت رآها أبو بكر من بعيد فقال: (يا رسول الله! فلانة جاءت وبيدها فهر، أخشى عليك منها، فقال: لا تخف إن الله منجيني منها!) ، وقرأ صلى الله عليه وسلم آيات من كتاب الله، فجاءت ووقفت على أبي بكر فقالت: أين محمد ؟ أين صاحبك؟ وهو جنبها!! قال الله: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا [الإسراء:45]، وجاء في بعض كتب البلاغة المتأخرة في قوله: حِجَابًا مَسْتُورًا بمعنى: ساتر، مفعول بمعنى: فاعل، ولو كان مستوراً بمعنى ساتر، فهل رأت الحجاب؟! ما رأته، إذاً: مستور على الحقيقة لا على المجاز، فهو ساتر ومستور، ولو كان حجاباً مستوراً بمعنى ساتر، لكان ظاهراً لها، والمعجزة في كونه مستوراً، ومعنى ساتر يفهم من كلمة حجاب؛ لأن الحجاب للحجب والستر، فجمع القرآن بين المعنيين: فهو ساتر ومستور في وقت واحد، والمعجزة في كونه مستوراً عن عينيها.

    ولما خرج صلى الله عليه وسلم من بيته ليلة الهجرة، كان على باب بيته عشرة رجال، ليس فيهم امرأة، ليس واحداً، ولا اثنين، بل عشرة رجال بسيوفهم قائمين على باب بيته ينتظرون خروجه ليقضوا عليه بضربة رجل واحد، لكن معية الله كانت مع رسوله في ذاك الوقت، فخرج عليهم علانية، وأخذهم النعاس ، وأعمى الله أبصارهم، وقرأ الآية الكريمة : وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9]، وأخذ التراب من تحت أقدامهم، ووضعه على رءوسهم، فمن كان الله معه فلا يخشى أحداً، (احفظ الله تجده تجاهك).

    فينبغي للعاقل أن يفكر، فالفلاسفة أو علماء الاجتماع يقولون: الإنسان مدني بطبعه، بمعنى: لا يعيش وحده، فأنت لا تستطيع أن تعمل كل شيء وحدك؛ من زراعة، ونسيج، وصناعة، فالثياب التي تلبسها لا تستطيع أن تغزلها، فلابد من جماعة من البشر تتعاون على الحياة، لقمة العيش لا تصنعها وحدك، فحرث الأرض، يحتاج إلى محراث، والمحراث يحتاج إلى ورشة تعمل الحديد، وهكذا الآلات والمكائن تحتاج إلى ورشة وعمال، وعند الحصاد تحتاج إلى منجل ليحصد، وهكذا فلا تطحن وتعجن وتخبز إلا وآلاف الأيدي قد عملت معك، فأنت لن تستطيع أن تعيش وحدك، ولابد أن يكون لك مُعين، وأنت بين أحد أمرين: إما أن تتخذ معينك رب العالمين، الذي بيده ملكوت كل شيء، وإما أن تتخذ معيناً يحتاج إلى من يعينه، فالعاقل قبل كل شيء يجعل وجهته إلى الله، فإن كان في عبادة فليخلصها لله، وإن كان في عمل مع خلق الله فليعامل الله، وهذا من قبيل الصدقة، كما قال الله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [البقرة:245] ؛ لأنك بإعطائك المسكين الذي لا يستطيع أن يكافئك، فإنما تعطي الله، وتدخر الأجر عند الله، وهذا رصيد مضمون، الحسنة بعشر، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف لا يعلمها إلا الله، وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة:261].

    1.   

    معنى قوله: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)

    وقوله: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) هو بمعنى: (احفظ الله تجده تجاهك)، وكل إنسان معرض لرخاء وشدة، وكما جاء في كتاب الله: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح:6]، فإذا كنت تتعرف إلى الله في الشدة فقط؛ فأنت أناني، وإذا كنت تتعرف إلى الله في الرخاء؛ فأنت شاكر النعمة، وإذا أنعم عليك تعرفت عليه وشكرته، والشخص الذي يشكر النعمة خير من الأناني الذي لا يعرف المنعم إلا وقت الشدائد.

    هذا الحديث يعطينا أحوال الحياة، فأنت لابد أن تتقلب بين شدة ورخاء، ورب العزة سبحانه هو ملجؤك في الشدة، وهو معينك في الرخاء، فإذا كنت تتعرف إلى الله في الرخاء، فتعرفك شكر للنعمة، وهذا يزيدها، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فهل العبادة التي جاءت بعد هذا الإخبار أعظم أم العبادة التي قبل الإخبار، وهو يرجو رحمة الله؟

    التي قبلها فيها طلب ومعاوضة، لكن التي بعدها محض شكر، ولذا قال لـعائشة حينما كلمته في ذلك: (أفلا أكون عبداً شكوراً؟!) .

    إذا كان لإنسان عليك منّة، ثم دقمت له يداً أو شيئاً، فمهما كان الذي تعطيه فأنت في ظل التي له عليك، لكن إذا لم يكن له عليك يد، وقدمت له شيئاً لغير مقابل من قبيل حفظ العهد؛ فهذا أكمل، فإذا كنت تتعرف إلى الله في الرخاء، فهذه معرفة شكران، لا أقول: صحبة أو صداقة، بل أقول: معرفة شكران لنعم الله، وتعظيم الله دليل على محبتك لله؛ لأن محبتك لله هي التي ربطتك بالله، وإن كنت تشعر أنك لست في حاجة إلى أن تسأل الناس شيئاً، لكن العبد لا يستغني عن الله لحظة، كما أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم عندما طلبت فاطمة منه خادماً؛ لأنها تعبت من العمل على الرحا، واشتكت لـعلي فقال: سمعت أن النبي عليه الصلاة والسلام أتي بجوارٍ وعبيد، فاطلبي منه خادماً، فطلبت منه ذلك، فقال: (ما يمنعك أن تفعلي ما أوصيك به؟ تقولين دبر كل صلاة: يا حي يا قيوم! برحمتك أستغيث، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله)، والله! لو وكل الله العبد لنفسه طرفة عين لخر ميتاً هامداً، فالقلب إذا توقف لحظة يموت الإنسان؟ والدماغ إذا توقف لحظة أصيب بالشلل والموت، فالله سبحانه يرعى هذا العبد وهو غافل، وإيمانه ينقص وهو غافل، والمولى يدبر قلبه ويحركه، ولولا ذلك لخر ميتاً.

    فحينما تكون في الرخاء تفعل الخير لوجه الله شكراً لله على نعمه، ولا تقوى أن تقطع نفسك عن الله، وصارت صلتك بالله كأنها سجية، فإذا جاءتك شدة، فمن كنت متعرفاً إليه سابقاً بالشكر هل يتخلى عنك؟ لا يمكن أن يتخلى عنك؛ لأنك ما تخليت عنه وقت السعة، فلا يتركك أبداً وقت الشدة، والله! لو كان لك صديقك دائماً تغدق عليه بالخير بدون منة له عليك، فإذا رآك في شدة فإنه من باب المروءة يفزع لك، فإذا كان الأمر فوق هذا، فكنت توليه بخيراتك دائماً، فإذا شعر أنه ألمت بك حاجة، فكم يبادر إليك، وهو إنسان، فما بالك بفضل المولى سبحانه؟ فالعبد ينبغي أن يكون عاقلاً، قال بعض علماء السلف: الكيس من كانت له عند الله خبيئة سر، كل واحد منا سيرجع إلى بيته، ويضع رأسه على الوسادة، ويطفئ الأضواء، ويغمض العينين، فليحاسب نفسه، كم له من خبيئة سر عند الله؟ وكم عليه من غدرة مع الله؟ وكم عليه من سيئة؟ وكم له من حسنة لا يعلمها إلا الله؟ فحاسب نفسك ساعة فيما لك وما عليك، وعد السيئة والحسنة حتى تنجو، فالتاجر الحاذق ما يبيت ليلة إلا وقد كتب حسابه الذي له والذي عليه، حتى يعرف مكسبه من خسارته، فالإنسان منا لماذا لا يحاسب نفسه على هذا؟

    يا إخوان! هذا الباب واسع، ويصعب عليّ أن أطيل فيه، ولكن أكتفي بهذا القدر.

    قصة الثلاثة النفر الذين آواهم المبيت إلى غار

    قال صلى الله عليه وسلم: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) فهو لا ينكرك في الشدة بل يعرفك في الشدة، معرفة خير، ومعرفة رحمة، ومعرفة إنقاذ، كما جاء في الحديث الثابت الصحيح: (أن ثلاثة نفر آواهم المبيت إلى غار، فتدحرجت صخرة وسدت عليهم فم الغار)، نتصور ثلاثة رجال داخل الغار، وصخرة كبيرة على فم الغار، وهم لا يستطيعون دفعها، لو كنت أنت واحداً من هؤلاء الثلاثة، ما إحساسك تجاه هذا؟ لو كنت في بيتك وجاء أحد الأولاد وأغلق الباب عليك ظاناً أنك غير موجود، فقمت لتفتح الباب فإذا بالباب مغلق عليك! فضربت الباب لكن لم يفتح لك أحد، فعندها ستقلق وتغضب وأنت في بيتك وعندك فراشك، وبعد قليل سيأتون إليك، وعندك أمل في مجيئهم ولو بعد يوم، ولو علمت أن الغيبة طويلة فيمكن أن تكسر الباب، لكن هذه الصخرة ما يمكن أن تكسر، فتصوروا شعورهم بالموت وهم أحياء، وإحساسهم أنهم قبروا وهم أحياء، وليس هناك هاتف، وليس هناك تلكس، وليس هناك جرس، وليس هناك أي وسيلة للإعلام عنهم، انقطعوا عن العالم كله، ولا يقوى العالم كله أن يعلم بحالهم، فماذا كان موقفهم؟ (قالوا: ليس لنا إلا أن نرجع إلى الله) وبأي شيء يرجعون؟ بسود الصحائف الأولى، أو بخبيئة السر؟ في هذا الموقف هل رجعوا بعدم تعرفهم إليه في الرخاء، وبنسيانهم ذكر الله في تلك الحالات الواسعة، وفي ذلك الفضاء، أو رجعوا إلى الله بما كان لهم عند الله من صالح الأعمال السابقة؟ تساءلوا: هل يعلم بحالهم أحد ممن لهم به صلة؟ ثم أيقنوا أن كل من يعرفهم يجهل حالهم إلا الله سبحانه، فقالوا: فتشوا في دفاتركم، وفتشوا عن خبايا أسراركم مع الله، فقاموا بالتوسل بالعمل الخالص لله لا بعمرو ولا بزيد، ولا بكبير ولا بصغير، فقام أحدهم يقول: (اللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان كبيران، وكنت آتي بالحليب في المساء فأسقيهما، ثم أسقي أولادي، وفي يوم نأى بي المرعى، فجئت متأخراً، فحلبت لهما فإذا بهما قد ناما، فكرهت أن أوقظهما، وأولادي صغار يتضاغون جوعاً عند قدمي، وكرهت أن أقدمهم عليهما، فقمت بالإناء عند رأسيهما أنتظر قيامهما حتى طلع الفجر! اللهم! إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه)، ماذا تقولون في هذا التوسل؟ ماذا تقولون في هذا العمل؟ ما قعد إلى أن يستيقظا وينادياه، وما سقى الأولاد، وما قال لهم: اشربوا بكيفكم فمن نام تركناه! ولم ينقض عليهما نومهما، بل تركهما في راحتهما ما إلى أن استيقظا بنفسيهما فسقاهما، فهذا العمل شديد، وليس بسهل، (فانزاحت الصخرة قليلاً) أي: تحركت، وظهر لهم أثر الدعاء، فهم -إذاً- على طريق صحيح، وفي عمل سليم، فقام الثاني وقال: (اللهم! إنه كان لي أجير، يعمل لي وأعطيه أجره يومياً، فأعطيته أجره يوماً قدحاً من شعير فاستقله، ومضى مغضباً، فنميته له، وبعد سنوات جاء وقال: أعطني ذلك الأجر، فقلت: اذهب إلى بطن الوادي، وخذ ما فيه فإنه أجرك! فقال: أتسخر مني؟ الوادي مليء بإبل وبقر وغنم، قال: والله! هو أجرك، فإني نميته لك، فذهب فأخذ كل ما رأى، ولم يترك شيئاً، اللهم! إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فانزاحت الصخرة قليلاً -جزءاً آخر- وقام الثالث فقال: اللهم! إنك تعلم أنه كانت لي ابنة عم وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجل المرأة، فراودتها عن نفسها؛ فامتنعت حتى أخذتها السنون، -أي الشدة- فجاءت تطلب مني عشرين ديناراً، فقلت: ذاك الذي تعلمين، فامتنعت، ثم أجابتني لشدة الحاجة، فلما جلست منها مجلس الرجل من المرأة، غطت وجهها وقالت: يا هذا! اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها وتركت لها المال، اللهم! إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فانزاحت الصخرة، وخرجوا يمشون في الأرض) .

    هذا خبر رواه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووالله! لولا خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان العقل يتوقف في تصديقه، ولكنه خبر الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، فهذه نتيجة التعرف إلى الله في الرخاء، وجدوها عند الشدة، والعجيب أن هذا الحديث يجمع ثلاث حالات: واحدة اجتماعية في بر الوالدين، وواحدة أخلاقية في العفة عن المرأة، وواحدة اقتصادية فيما يتعلق بالأجير، فكأنه جمع أطراف العلاقة بين العبد وبين ربه، وبين العبد وبين الخلق، وهذا الباب واسع.

    قصة يونس عليه الصلاة والسلام في بطن الحوت

    وهناك نماذج أخرى في ذلك، فنبي الله يونس عليه الصلاة والسلام كما قال الله عنه: فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات:141-144]، فيونس عليه السلام كان كثير التسبيح قبل أن يأتي إلى البحر، فلما ألقي في البحر، والتقمه الحوت، تداركه الله بسبب تسبيحه من قبل، وهذا مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة).

    قصة عجيبة لرجل من المتأخرين

    ونورد قصة لو لم نسمعها من الثقات لما أبحنا ذكرها، وهي في الواقع نموذج من آيات الله التي يسمعها العبد فيزداد يقيناً بالله سبحانه وتعالى، ولقد كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يشاهدون الآيات والمعجزات، فيزداد في يقينهم بالله، وإيمانهم بوعده سبحانه، وهذه القصة من هذا القبيل، تنفع كل مسلم يتعامل مع الله، وهي: أن رجلاً من وادي الدواسر في المملكة خرج في السيل يطلب الماء، فما وجد ماءً في الآبار التي حوله، وكان تحت الجبل مغارة يقال لها: الدحل، وهي معروفة عند أهل تلك الناحية، وإذا جاء المطر وجرى السيل غمرها الماء، فيمكث فيها السنة والسنتين، لكنها في متاهة ومفازة، فهي تحت الجبل، في ظلام دامس، وطرق متعددة، ولا يدخلها إنسان إلا بدليل، وبضوء أو بحبل يربطه على فم الدحل، وهذا الرجل دخل بدون شيء، فلما أبعد قليلاً وجد نفسه قد ضاع، فجلس، وعلم أن أهله سيأتون يبحثون عنه في هذا الدحل، وأخذ أهله يبحثون عنه أربعة عشر يوماً، في الآبار، وفي الغيران، وفي الكهوف، فما وجدوا شيئاً، وأخيراً قالوا: نذهب إلى الدحل، فجاءوا وبطريقتهم العادية، يأخذون ثوباً من القماش، ويشقونه على عرض الكف، ويشبّعونه بالشحم، ويلفه رجل على وسطه، ثم يشعل النار في طرفه كالشمعة، ويأخذ حبلاً، ويدخل إلى الدحل، والناس ينتظرونه في الخارج، فمشى رجل منهم كذلك، فلما دخل قليلاً إذا به يرى شبحاً من بعيد جالساً، فناداه: أنت فلان؟ قال: نعم، أنا فلان، فجاء إليه، وخرج به، وذهبوا به إلى بيته، وسألوه: متى جئت إلى الدحل؟ قال: من يوم خرجت من عندكم! قالوا: أربعة عشر يوماً؟! قال: نعم، قالوا: كيف عشت هذه المدة كلها؟! قال: قبل أن أجيبكم أخبروني ماذا فعلتم في منيحة أيتام فلان؟ والمنيحة عند العرب أن يكون عندك شيء من الإبل، أو البقر، أو الغنم، وفيها الحلوب، فتسرح مع أنعامك، وإذا رجعت في المساء أخذت حليبها، وأرسلته إلى من منحته إياها، فهذا كان له جيران أيتام، وكان قد منحهم حليب بقرة من بقره، فكل يوم يرسلها إليهم، فقال: أخبروني عنها! فقالوا: وما علاقتها بذلك؟ قال: أخبروني أولاً! قالوا: كنا نرسلها كل يوم، وما قطعناها إلا بالأمس، قال: قد عرفت ذلك! قالوا: وكيف عرفت؟! قال: إني حينما دخلت، وتشعبت عليّ الطرق، وعرفت أني قد تهت، ووقعت في الهلاك إن لم يتداركني الله برحمته، جلست في مكاني بغية أن تأتوا إليّ فتأخذوني، فما جاءني أحد، فلما مضى زمن صرت أقوم للصلاة، وأتلو القرآن، ولما اشتد بي الجوع والعطش رفعت كفي إلى الله وسألته أن يغيثني، فإذا بإناء بين يدي، فرفعته إلى فمي فإذا بحليب البقر الذي أعرفه! وهكذا كل يوم لمدة ثلاثة عشر يوماً، وما انقطع عني إلا بالأمس!!

    ماذا نقول في هذا أيها الإخوة؟! هم كانوا يحلبون البقرة، ويرسلون حليبها إلى الأيتام، وهو هناك في الدحل تحت الجبل، ولا يعلم عنه أحد إلا الله، فمن كان يبعث إليه بحليب منيحته؟ مع أن الأيتام شربوا الحليب! وتأتي إليهم منيحتهم كل يوم، ولكن الله سبحانه عرفه في الشدة؛ لأنه كان متعرفاً إلى الله في الرخاء، فكان يمنح الأيتام هذا الرزق، فحينما وقع في الشدة لم يتخل عنه رب العزة، وهذا ليس ببعيد على قدرة الله، فالله سبحانه هو الذي يسوق الحليب في ضروع الأنعام كلها، ولكن أن يأتي هذا الحليب إلى هذا الشخص في تلك الظروف فهذه هي الآية والمعجزة.

    فما عدم مسلم خيراً أودعه عند الله قط، بل جاء في الحديث: (إن العبد إذا تصدق بالصدقة، وقعت أول ما تقع في كف الرحمن، فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون كجبل أحد)، تعطي لقمة صدقة، تضعها في يد المسكين، فيتلقاها المولى سبحانه، وينميها لصاحبها حتى تصبح كجبل أحد، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى، (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة).

    وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.