إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. شرح الأربعين النووية - الحديث الرابع عشر [2]

شرح الأربعين النووية - الحديث الرابع عشر [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    رجم الزاني المحصن

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    يقول علماء أصول التفسير: لماذا نسخ نص الحكم بالرجم؟

    قالوا: تكريماً لهذه الأمة، فكأن الله سبحانه لم يرد أن يسجل عليها في كتابها زناً يقع من شيخ وشيخه، والمولى سبحانه ينهى الناس أن يشيعوا الفاحشة في المؤمنين، فكيف يسجله على الأمة في القرآن الذي يتلى في المساجد؟!

    فلما وقع الحكم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وفعلوا ذلك، وعلم الجميع به؛ لم يعد هناك حاجة إلى بقاء النص بهذه الصفة في كتاب الله.

    وهذا الحكم هل يكون معه جلد ثم رجم كما روي عن علي رضي الله تعالى عنه أو يكفي الرجم دون الجلد كما هو مذهب الجمهور؟

    استدل الجمهور بأن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجلان، زنى ابن أحدهما بزوجة الآخر، فقال زوج المرأة: يا رسول الله! اقض بيننا بكتاب الله، وكان الآخر أفقه، فقال: يا رسول الله! إن ابني كان عسيفاً عند هذا فزنى بامرأته، فافتديت ابني بمائة من الغنم وبأمة، وسألت العلماء فقالوا: إنما على ابنك الجلد، وعلى المرأة الرجم، فقال رسول الله: نعم، سأقضي بينكما بكتاب الله، أما غنمك والوليدة فرد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد -يا أُنيس - إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، ولم يذكر جلداً قبل الرجم.

    يهمنا هنا أن الإسلام يعصم دم الإنسان إلا بتلك الأمور الثلاثة، ولكن مسألة: لماذا يرجم؟ ومسألة: الفرق بين الرجم والجلد؟ تلك مسائل يجتهد فيها العلماء، وقد يصيبوا وقد يخطئوا.

    1.   

    قتل النفس بالنفس

    والخصلة الثانية: (النفس بالنفس) ، وهذا دليل على المساواة بين المسلمين، فأكبر إنسان في أكبر مجتمع إذا قتله أدنى إنسان في أدنى مجتمع، وكلاهما يشهد أن لا إله إلا الله؛ فليس في دم هذا العظيم أكثر من دم هذا الوضيع، وكذلك العكس: لو أن أعظم إنسان في أعظم مجتمع قتل أضعف إنسان في أضعف مجتمع، فدم هذا العظيم مقابل دم هذا الحقير، ولذا قال الصديق رضي الله تعالى عنه في خطابه العام للأمة أول خلافته: أيها الناس! وليت عليكم ولست بأفضلكم، ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له الحق، وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه. وليس كما يقولون: حكم النقض يسري على كل أحد، كالأمم التي تتحكم في العالم، فإذا كان قرار في غير مصلحتها تستعمل حق الفيتو وتنقض الحكم، لا وإنما هي المساواة بين الأنفس جميعاً، فالنفس بالنفس. واختلف العلماء في الرجل إذا قتل امرأة، فالجمهور على أنه يقتل بها، أي: في العمد، وقال بعض العلماء -وهي رواية عن علي رضي الله تعالى عنه-: إن أولياء المرأة إذا أرادوا قتل الرجل فعليهم أن يدفعوا نصف الدية لأولياء الرجل؛ لأن دية المرأة على نصف دية الرجل، والجمهور يقولون: قال الله: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45]، والمرأة نفس، والرجل نفس، فهما سواء. واتفقوا على أنه إذا اجتمع جماعة على قتل شخص، واشتركوا جميعاً في قتله، فإنهم يقتلون جميعاً بهذا الواحد، كما قال عمر : والله! لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعاً، وذلك لحفظ الأمن؛ لأنه إذا لم تقتل الجماعة بالواحد؛ لاتفق القاتل مع آخرين، وقتلوا من أراد صاحبهم أن يقتله، لعلمهم أنهم لا يقتلون، فتسفك الدماء، ويقع الهرج في الناس، أما إذا تحقق أنهم اتفقوا وتواطئوا على قتله، فإنهم يقتلون به، ولا يوقف القتل إلا القتل كما قال الله: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة:179]، فإذا علم من أراد القتل أنه إن قتل يقتل، كف عن قتل خصمه، وسلم هو عن القتل، فيكون القصاص قد أحيا الشخصين معاً.

    وهل يقتل الحر بالعبد؟

    التحقيق -وهو قول الجمهور- أن الحر لا يقتل بعبد.

    وهل يقتل المسلم بكافر؟

    إن كان الكافر حربياً فلا يقتل به إجماعاً، وإن كان ذمياً أو مستأمناً أو له عهد وأمان من الإمام، فـأبو حنيفة رحمه الله قال: يقتل به المسلم؛ لأن من قتل المعاهد الذي له من الإمام عهد بالأمان فقد افتات على الإمام بنقض عهده مع هذا الذمي، والجمهور يقولون: لا يقتل به، وإنما لأوليائه الدية، فإن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.

    فهذا الحكم: النفس بالنفس؛ لو عمل به الناس، لحفظت الدماء، وكانت لهم الحياة، كما قال سبحانه: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة:179].

    1.   

    الردة

    الخصلة الثالثة: (التارك لدينه، المفارق للجماعة) ، التارك لدينه، أي: للإسلام؛ لأن أول الحديث: (لا يحل دم امرئ مسلمٍ)، فالضمير راجع إلى الإسلام. يقول العلماء: كل من ارتد عن دينه قتل سواءً كان رجلاً أو امرأة، إلا الإمام أبا حنيفة رحمه الله فيقول: المرأة إذا ارتدت لا تقتل، واستدل بأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل نساء المشركين، ونهى عن قتل الرهبان من أهل الكتاب، ونهى عن قتل الصبيان، وقال: (إنهم لم يقاتلوا، فلا تقتلوا إلا المقاتلة) ، فقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: فإذا ارتدت امرأة مسلمة، فهي لو كانت كافرة لا تقتل، فكيف تقتل إذا ارتدت؟ فترجع إلى ما كانت عليه قبل أن تسلم، وهو الحكم الأصلي، ولكن الجمهور يقولون: جاء في الحديث: (من بدل دينه فاقتلوه)، و(مَنْ) من صيغ العموم، فيشمل كل مرتد، وقال الجمهور: إن المشركة التي على شركها جاهلة لا تعلم شيئاً، ولكن بعد أن أسلمت والتزمت بالإسلام فجرمها في ارتدادها عن الإسلام كبير وخطير؛ لأنها لو تركت على ردتها بعد إسلامها، كأننا نقرها على ذلك، والمرتد لا يرتد إلا وهو ساخط عن الدين، وغير راض به، فلو ترك فكأننا نقر الطعن في الدين، أو نقر الأعداء بأن الدين لا يصلح لهم، ولذا فمن ارتد بعد إسلامه فهو أعظم جرماً ممن لم يسلم بعد.

    بم تكون الردة؟

    الردة تكون بأن يرجع إلى الشرك، أو يرجع إلى اليهودية، أو يرجع إلى النصرانية، وهناك أمور أخرى تلحق الفرد بالكفار: مثل سب الله أو سب رسوله، حتى قال بعض العلماء: من فعل هذا لا تقبل توبته؛ لأنها زندقة، والزندقة خفية، فلا يُعلم حقيقة توبته، وكذلك من سب المصحف، أو أهانه، أو ألقاه في مكان نجس غير لائق به، وهكذا من أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، كأن ينكر شيئاً من أركان الإسلام، فهو مرتد حتى لو نطق بالشهادتين، وهكذا لو قال: الصلاة غير واجبة، أو الصوم غير واجب، أو الحج لا حاجة إليه، أو الزكاة غير مفروضة، أو أنكر أي شيء معلوماً من الدين بالضرورة، أو قال: لا عدة على المرأة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها، فكل ذلك ردة عن الإسلام؛ لأنه يرد شرع الله الثابت بالضرورة عند المسلمين.

    ومن الأسف أن بعض الناس قد يستخف ببعض السنن، وقد قال الحنابلة: من استخف بسنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها سنة، فقد ارتد عن الإسلام عياذاً بالله! كمن رأى إنساناً قد وفر لحيته، وأكرمها، فهزأ به وقال: هذا رجعي، هذا متأخر، فإنها ردة عن الإسلام عياذاً بالله! فليحذر الإنسان أن يفعل شيئاً يوقعه في خطر لا يعلم مداه، أو يتكلم كلمة لا يلقي لها بالاً فيدخل بها جهنم، كما جاء في الحديث: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أربعين خريفاً) .

    وقد كان الصحابة في غزوة، وكان منهم بعض ضعاف الإيمان، فأخذوا يتكلمون ويسخرون من أصحاب رسول الله، وقالوا: ما رأينا أكبر بطوناً، وأجبن عند اللقاء، من أصحاب محمد!! فجاء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم كفروا، فقال تعالى: لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:66]، فقالوا: كنا نتحدث حديث الركب، وما كنا جادين، فلم تقبل معذرتهم، فقد كفروا بالله عندما سخروا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

    وهكذا كل من فعل فعلاً يضر بالإسلام أو ينقض الإسلام فهو ردة والعياذ بالله!

    حكم تارك الصلاة

    ترك الصلاة يدخل في قوله: (التارك لدينه)، وقد أجمع أكثر الأئمة على أن من ترك الصلاة فإنه يقتل، ويختلفون في التفاصيل، فالأئمة الثلاثة يقولون: يعطى مهلة ثلاثة أيام، ويأمره ولي الأمر بالصلاة، فإن صلى وتاب ورجع فالحمد لله، وإلا ضربت عنقه، وأحمد رحمه الله يقول: لا يقتل حتى يخرج وقت الصلاة الموجودة، فإن صلاها وإلا قتل، وقال: أبو حنيفة رحمه الله: يضيق عليه ويحبس ولا يطعم حتى يموت جوعاً، فاتفقوا على أنه يموت إذا أصر على تركها.

    ومذهب الأئمة الثلاثة مالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة رحمهم الله أن قتل تارك الصلاة حد من حدود الله، وأما الإمام أحمد رحمه الله فيقول: يقتل تارك الصلاة ردة وكفراً عياذاً بالله!

    والنتيجة المترتبة على هذا الخلاف: أن الأئمة الثلاثة يعاملونه في تركته وفي زوجه معاملة المسلمين، أي: أنه يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، ويرثه ذووه؛ لأنه مسلم عاصٍ قتل في حد من حدود الله، كما لو قتل نفساً فقتل بها، وأحمد رحمه الله يقول: لا يشرع له تغسيل ولا تكفين، بل يدفن ويوارى، ولا يرثه أهله، وتركته وماله فيء لبيت مال المسلمين، ولا يصلى عليه؛ لأنه قتل ردة وكفراً والعياذ بالله!

    ومنهم من يقول: يدخل في عموم التارك لدينه، المفارق للجماعة الذي يخرج على جماعة المسلمين، ويقطع عليهم الطريق، ويسلب الأموال، ويعتدي على الأعراض، وقد يسفك الدماء، فهذا يقتل ويصلب، أو تقطع يده ورجله من خلاف، أو يغرب، وكل ذلك جاء في حد قاطع الطريق.

    وإذا بايع الناس إماماً، ثم جاء رجل يطلب البيعة لنفسه، فإنه يقتل؛ لأنه جاء ليشق عصا المسلمين.

    1.   

    الحكمة من قتل هؤلاء المفسدين وحل دمائهم

    هذا الحديث النبوي الشريف يحفظ على المسلم دمه، ويبين حماية الإسلام للمسلم بقوله: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ولا يحل دم هذا المسلم إلا بإحدى ثلاث، فواحدة من هذه الثلاث تبيح دمه؛ لأنه بواحدة من هذه الثلاث يوقع الفساد في المجتمع، فالزاني مفسد للأنساب، لاسيما المحصن، فإن البكر ولو تكرر منه الزنا عشر فحده الجلد، رجلاً كان أو امرأة، أما الثيب فإنه لأول مرة يقتل ويرجم، ولو قال إنسان: هذا زناً ووطء محرم، وهذا زناً ووطء محرم، فكيف يكون حد البكر الجلد بلا إزهاق النفس، وحد الثيب القتل والرجم؟

    لو فكر الإنسان في وصف البكر الذي لم يتزوج رجلاً كان أو امرأة لعلم الحكمة، فالمرأة البكر التي لم تتزوج، لو زلت قدمها ووقعت في الزنا، فزناها أهون من المحصنة وقد جاء في الحديث: (إن الله كتب الزنا على كل شخص، فهو يصيب ذلك لا محالة، فالعين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني وزناها اللمس، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) ، وفي رواية: (والقلب يزني وزناه التشهي والهوى) ، فكل ذلك من الزنا، والفرج يصدق أو يكذب، فلو قدر أن فتاة بكراً زلت بها قدمها فزنت، فلو حملت من هذا الزنا هل يمكن أن تلصق هذا الولد بزوج سابق؟ لا، ويعلم الجميع أنه لا أب له، أما الثيب المرأة المتزوجة، فلو أنها زنت وحملت من الزنا، فولدها سيكون تحت مظلة الزوج، وتلحق بالزوج من ليس له، فتفسد الأنساب، ويكون هناك مفاسد كبرى، فولدها من الرجل الأجنبي يعيش مع بنات هذا الزوج كأخ لهن، وهو أجنبي عنهن، ويعيش مع هذه المرأة على أنها أمه، ويرثها، وإذا مات الزوج ورثه على أنه ابنه، وهو ليس ابناً له، ولا يحل له الميراث.

    إذاً: زنا الثيب يلحق أضراراً كثيرة بالمجتمع، ويوجد في الأسرة ولداً تحت مظلة الزوج، ولو كانت مطلقة، أو توفي زوجها، ثم بعد سنة ارتكبت الزنا وجاءت بولد، فممكن أن تقول: هو من الميت أو من الزوج المطلق، فتتعلق بوسيلة ما، أما البكر فليس لها طريق عذر، وإن قدر شيء فهو محدود ومحصور وقائم بذاته، وولدها لا يلحق ولا يناط بأحد.

    وكذلك حد قتل النفس فيه حكم عظيمة، فلو ترك الناس يقتل بعضهم بعضاً لانتشر الفساد في الأرض، ولما أمن أحد.

    وهكذا قتل التارك لدينه، فلو ترك لكل إنسان أن يلعب بالدين كيفما شاء، لعظم الفساد والشر، وقد يقول قائل: وماذا تقول في قوله تعالى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256]، فيرتد أو لا يرتد فهو حر؟!! نقول: لا، آية: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ سبب نزولها معروف، ولو ترك الباب مفتوحاً لكل من أراد التلاعب بالدين، لصار اليوم مسلماً، وغداً يهودياً، وبعدها نصرانياً، وعاش مع المسلمين، وورث من أموالهم، وتزوج من نسائهم، ثم ينتقل إلى النصارى بأموال وميراث المسلمين، وبعد أن علم بأحوالهم وانتقل إلى الآخرين، وهكذا ينتقل إلى الدين الثالث، ثم يرجع، ويصبح كاللولب يلعب بالأديان كلها، فهذا فساد عظيم، وإشارة إلى عدم صلاحية دين من هذه الأديان، فآية: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ لا تتعارض مع هذا الحديث، ولا مع هذه القضية، فنزولها كان في أول الأمر، فكان لا يكره أحد، بل يترك له الاختيار إلى أن يقتنع ويرى وينظر، ثم بعد ذلك نسخت بهذا الحديث، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا...)، ولم يقل: حتى يتخيروا، وأتركهم على اختيارهم، وكان إذا بعث جيشاً أو سرية قال لقائدها: (فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فكف عنهم، وإن هم أبوا فأعلمهم أن عليهم الجزية، فإن دفعوها فكف عنهم، وإلا فاستعن بالله وقاتلهم)، فما ترك الناس على اختيارهم بل يلزمهم أن يختاروا الإسلام أو الجزية أو السيف، فهذا الحديث عظيم بين حرمة المسلم في الإسلام، وبالله تعالى التوفيق.