إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. شرح الأربعين النووية - الحديث الثامن [4]

شرح الأربعين النووية - الحديث الثامن [4]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    تابع شرح حديث: (أمرت أن أقاتل الناس...)

    بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فلا زلنا في مسألة هل الجهاد شرع للطلب أم للدفع، وقد ذكرت لكم قاعدة ذكرها العلماء، مفادها: أن كل آية فيها موادعة للمشركين، أو مسالمة للأعداء، فقد جاءت آية السيف ونسختها: وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [التوبة:5] ، هل هذا يكون من باب الدفاع عن النفس؟! لا والله.

    الرد على المستدلين بقوله تعالى: (لا إكراه في الدين) على منع جهاد الطلب

    تأتي الشبهة الكبرى التي قال بها أصحاب هذه الدعوى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256] ، فإذا كان لا إكراه في الدين، فكيف تقاتلونهم وترغمونهم على الإسلام؟

    وبرجوعنا إلى كتب التفسير عند السلف، نجد أن القرطبي يقول: فيها ستة أوجه للعلماء:

    الوجه الأول: أن الآية كانت في بادئ الأمر من باب المسالمة، ثم نسختها آية السيف على القاعدة العامة عند المفسرين.

    الوجه الثاني: كان الأوس والخزرج قبل الهجرة وقبل الإسلام في عهود مع اليهود، فكانت المرأة المقلاة، -أي: التي لا يعيش لها ولد- تنذر إن عاش لها ولد أن تجعله يهودياً؛ لأنهم كانوا يرون أن دين اليهود خير مما هم عليه من الوثنية.

    والوجه الثالث: أن المرأة من الأوس والخزرج ربما أرضعت ولدها من يهودية، أي: وجد ترابط بين الأوس والخزرج واليهود، فلما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود من المدينة، أراد اليهود أن يأخذوا أولئك معهم، وأراد آباؤهم الأصليون أن يمسكوهم عندهم، فجاءت الآية بالتخيير وليس بالإكراه.

    وجاءت أوجه عديدة غير ذلك، ولكن خير ما يقال: القاعدة الأولى: (كل آية موادعة نسختها آية السيف) ولو أننا عملنا بآية: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256] اليوم لفسد العالم، بمعنى: أن الدين جنسية وانتماء، فالإنسان إذا انتمى إلى الإسلام أصبح له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، وبالنسبة لغير المسلمين فهو متميز عنهم ولا ينتمي إليهم، يشبه ما فيه العالم اليوم من التمايز إلى دول وتابعيات، فلو أن شخصاً الآن جاء من موسكو إلى واشنطن وأخذ جنسية أمريكية، وأصبح له ما للأمريكان في بلادهم، ثم انقلب إلى روسيا وجاء أمريكي إلى روسيا، ثم انتقل إلى غيرها، وأخذ من كل بلد ما يريد وينتقل فيها حيثما شاء، لضاعت جنسيات الأمم، وضاعت مصالحها فيما بينها، ولو أنه أجرم هنا، ثم انتقل هناك، وأجرم هناك، ثم انتقل إلى هنا، وكان تبعاً لدولة من الدول، بعيداً عن أن ينال عقاب على جريمته، وهنا في الإسلام وغير الإسلام أحكام شرعية وحقوق دينية، فلو أن غير مسلم أسلم، أو جاء وقال: إنه مسلم، فتزوج امرأة مسلمة، وورث من أقارب مسلمين، ثم انتقل إلى النصرانية، أين تذهب الزوجة المسلمة؟

    ولو ذهب إلى النصارى وصار نصرانياً وتزاوج منهم، وورث منهم، ثم انتقل إلى اليهودية، لو حدث مثل هذا الأمر، مع عشرة أشخاص من كل جيل في كل شهر لماعت الحقوق وضاعت.

    إذاً: كون الإنسان حر في اعتقاده هذا ليس صحيحاً، والدين لله ولا يترك للأفراد أن يتلاعبوا به، إذا شهد أن لا إله إلا الله وشهد أن محمداً رسول الله، أصبح ملتزماً بهذا العهد المنصوص في هاتين الشهادتين، فإن نكث قُتل.

    أدلة القائلين بأن الجهاد شرع إعلاءً لكلمة الله

    إذاً: ليست هناك حرية في الأديان كما يقولون، وإذا جئنا إلى هذه القضية في هذا النص عملياً، نأتي ونقول: الرسول صلى الله عليه وسلم لما جاء إلى المدينة شُرع القتال، وخرج إلى بدر، فهل كان خروج النبي صلى الله عليه وسلم دفاعاً عن النفس، أم إلى عير وتجارة لقريش؟ وهل كان خروجه اختياراً أم اضطراراً؟ لقد كان خروجه اختياراً وابتداءً: قال لهم: (هذه عير لقريش اخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها) فخرجوا إليها، وفي الطريق علم صلى الله عليه وسلم أن العير قد نجت، وأن النفير قد أقبل، -قبل أن يصل إلى بدر- فكان بوسعه أن يرجع، ولكن يعلن ويقول: (إن الله قد وعدني إحدى الطائفتين: إما العير، وإما النفير) ثم ما وقع في تلك الغزوة من أمور فوق طاقة البشر تخطيط من المولى سبحانه إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ [الأنفال:42] في الجبهة، الناحية نفسية كما يقولون: التعبئة.. يقلل هؤلاء في أعين أولئك، ويقلل أولئك في أعين هؤلاء، وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ [الأنفال:43] لأنهم ذليلون ما لهم شيء، لو رأوهم على حقيقتهم ربما خافوا، فالمولى سبحانه يخطط لالتقاء الفريقين على غير موعد، ثم هو سبحانه يري هؤلاء أعداءهم أقل منهم، وبالعكس مع أننا عرفنا حقيقة الموازنة بأن هؤلاء: ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً، وأولئك: ما بين التسعمائة والألف، كل ذلك لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا [الأنفال:42]، وقد بين سبحانه سير المعركة فقال: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17] جاءت الملائكة.

    إذاً: هذا أول شيء يجابه به أولئك الذين يقولون: القتال دفاع عن النفس.

    لو تجاوزنا ذلك كله، وجئنا إلى غزوة تبوك، وهي على تخوم الشام، هل جاء الروم يقاتلون المسلمين؟ ما جاءوا، يقول: سمع بتجمعهم وتواعد معهم، ألم يكن من الممكن أن ينتظرهم عند خيبر، فلماذا ذهب إلى حدود الشام، وأوغل فيها وهو أصلاً لم ينته مما حوله بعد؟

    وبعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي موقف أبي بكر مع أهل الردة، وعمر رضي الله تعالى عنه حينما يسير الجيوش إلى الشام، وإلى مصر، وتذهب إلى أفريقيا هل كان هناك عدو يقاتل المسلمين فيدفعونه عن أنفسهم؟ هل سمعنا بأن مصر قاتلت المسلمين في جزيرة العرب؟ بينما الجيش يذهب إليهم ويغزوهم ويفتح تلك البلاد، هل أفريقيا جهزت جيوشها لتقاتل المسلمين فيذهبون يدفعون عن أنفسهم؟

    وتذكرون كلمة القائد المظفر الذي وصل إلى المحيط الأطلسي وخاض بفرسه البحر وقال: (والله لو كنت أعلم أن وراءك من المشركين من يقاتل لخضت هذا البحر إليه)، الذين وراء البحر هل اعتدوا حتى يدفعهم عن نفسه؟ لا والله.

    نرجع مرة أخرى ونقول: إن من يقول: إن الجهاد في الإسلام دفاع عن النفس، قتلوا روح الجهاد في سبيل الله، وصرفوا الناس عن التعبئة للجهاد في سبيل الله، وأصبحت كل دولة في موطنها تحافظ على حدودها، وتكون سعيدة إذا سلمت من غيرها، ودخلت السياسة في أمور الناس، وأصبح الوضع على ما هو عليه، بصرف النظر رفعت راية الجهاد أو لم ترفع، فإن القتال في سبيل الله مشروع وكتاب الله ينادي بذلك، وهذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا.).

    بقي من الذي سيقاتِل؟ ونقاتل من؟ إن وضع الأمة الحاضر بنظمها السياسية، وارتباط العالم بعضه ببعض على هذا الوضع، لا يمكن لأمة وحدها، أو: لدولة وحدها أن ترفع راية الجهاد لتقاتل جميع المشركين، ليس في وسعها ذلك، ولا نريد أن نتعرض إلى قرارات هيئة الأمم، وميثاق وحقوق الإنسان، والتزامات الدول و.. و.. إلى آخره, ولكن يهمنا من حيث البحث العلمي أن نعلن ونؤكد ونقول: إن باب الجهاد مفتوح، لإعلاء كلمة الله، وليشهد الناس أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عُصموا، وفي آية براءة فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5]، والأخرى فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11] فإذا أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم، وإذا لم يفعلوا ذلك فالمعنى: أننا نقاتلهم، ولذا يجب أن تتوحد الأمة الإسلامية تحت راية واحدة راية: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وعندها يجب ويتعين تسيير الجيوش إلى المشركين.

    ولذا بعض العلماء يقول: من واجب إمام المسلمين أن يغزو سنة ويحج سنة، يقول: إعلان الجهاد كأداء مناسك الحج، كما كان هارون الرشيد رضي الله تعالى عنه يفعل ذلك، كان يحج سنة ويغزو سنة.

    هل الجهاد فرض عين أم فرض كفاية؟

    إذا كان الأمر كذلك: فما حكم الجهاد على الأمة أو على الفرد؟ اتفق السلف -أما الخلف لا كلام لهم في هذا؛ لأنهم أسقطوه بالكلية- على أن الأصل في الجهاد أنه فرض كفائي، والفرض الكفائي المراد منه: وقوع المطلوب، ولا ينظر إلى من يقوم به، كما في أمور الجنائز، من تغسيل الميت، وتكفينه ودفنه، قصد الشارع إيواء جثة المسلم بتغسيلها وتكفينها ودفنها، من الذي يقوم بذلك؟ الأمة كلها مخاطبة بهذا، فإذا قام واحد من الأمة أسقط الواجب عن الجميع.

    فكذلك قتال المشركين فرض كفائي، إذا قامت به جماعة من المسلمين سقط عن الباقين.

    وأما من هو المطالب بهذا الأمر؟ فنحن نعلم جميعاً أنه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ، كان المسلمون كلهم مجندون، كانوا في الجاهلية أهل حرب وقتال، كل ينشأ على الفروسية، ولا يحتاجون إلى ميادين تدريب، ولا إلى كليات يتعلمون فيها، صحراؤهم هي ميادينهم، فيأتي الأعرابي بفرسه ودرعه ورمحه وسيفه جندي مقاتل، وكل كان يجهز نفسه، وعندما رجعوا من تبوك ومروا بمدائن صالح، وعجنوا خبزهم من مياه مدائن صالح، أمر الرسول أن يعلفوا العجين للدواب، فقد كان المجاهد بنفسه يجهز ويمون نفسه ويأخذ طعامه معه، فهو يصنع طعامه ويحمل زاده، ويأتي بسلاحه.

    أما بعد ذلك، حينما أصبح للمسلمين مردود، جاء عمر رضي الله تعالى عنه ودون الدواوين، أي: كتب الجنود في دواوين، وأصبح بعض الناس متخصصاً للقتال وله ديوان سنوي أو شهري، وأعطى المهاجرين والأنصار ورتب لهم، فكان هناك أشخاص مسجلون للقتال في أي وقت، يشبه في الوقت الحاضر الذي يسمونه: الجيش الاحتياطي: هم جماعة دربوا سواءً دربوا من الخارج للجيش، أو أحيلوا على التقاعد من الجيش، أو سُرحوا من الجيش، عند الضرورة يجمعون، فكان هؤلاء مدونون في الدواوين وعند أية غزوة إذا جاء النفير اجتمعوا.

    ففي ذاك الوقت كان أشخاص يقومون بهذا الواجب، بعد ذلك دُولت الدول، وخصصت الطوائف، وأصبحت الجيوش رسمية، وأوجد جيش في كل دولة، إذاً: الفرض الكفائي يقوم به: الجيش النظامي، وهو القائم بالفرض الكفائي عن الأمة المسلمة الآن، ولذا المواطنون، أو القاعدة الشعبية لا تتدخل إلا عند استنفار الإمام لها، وعلى هذا: إذا دخلت الدولة في حرب مع العدو، من الذي يقوم بفرضها الكفائي؟ الجيش؛ لأن الجيش معد لذلك، وخاصة في تلك الآونة؛ لأن الحرب لم تعد سيفاً ورمحاً، بل أصبحت حرب آليات، تستخدم فيها التكنلوجيا العلمية، والأسلحة الكيميائية، والذرية.

    إذاً: أصبحت الحرب الآن تقوم على علم وصارت إنتاجاً عسكرياً خاصاً، ولا يتعامل مع تلك الآليات إلا الدارس لها، إذاً: الفرض الكفائي اليوم يقوم به من؟ الجيش النظامي، كل في ميدانه، وأصبح هناك سلاح جوي، ومدرعات، وسفن، وغواصات، وكل ذلك مقابل سلاح يماثله لدى العدو.

    إذاً: لا يتدخل في الفرض الكفائي شخص أعزل، لا أقول أعزل من السلاح، بل أعزل من العلم العسكري، أعزل من التدريب والتمرين العسكري، أعزل من معرفة التعامل مع تلك الآليات، وإلا كان تعريضاً لضياع نفسه، وكان فقداناً لنفسه بدون مقابل.

    متى يكون الجهاد فرض عين؟

    إذاً: الفرض الكفائي يقوم به الجيش النظامي اليوم، ولكن قد يرتقي هذا الفرض الكفائي إلى فرض عين، ومعنى فرض عين: يجب على كل فرد، ويكون ذلك في حالتين فقط:

    الحالة الأولى: إذا لم يكن الجيش النظامي يكفي لصد العدو، واستنفر الإمام القوة الشعبية.

    إذاً: يكون الجهاد فرضاً عينياً حينما يستنفر الإمام الأمة، حينما تقل إمكانيات الجيش النظامي، بقلة عدده أو بكثرة عدوه، ويحتاج إلى مساعدة، وليعلم الجميع بأن القتال ليس مجرد سلاح وإراقة دم العدو، بل أسلحة القتال متعددة: قد تكون بالكلمة كما جاء عن حسان رضي الله تعالى عنه حينما تكلم عن المشركين، فقال له صلى الله عليه وسلم: (كيف تهجوهم وأنا منهم؟ قال: أسلك كما تسل الشعرة من العجين، فأخذ يهجو المشركين ويثبط أمرهم، ويعلي من شأن المسلمين، حتى نصب له رسول الله كرسياً في هذا المسجد وقال: اهجهم وروح القدس يؤيدك).

    قد تكون المساهمة في الحرب بكلمة في الإذاعة، وقد تكون بكلمة في صحيفة، وقد تكون بأي نوع من الأنواع..

    ولذا قال العسكريون الجدد: إن كل جندي في الميدان يتبعه سبعة جنود خارج الميدان، فالذي يزرع ويحصد ويقدم الحب لمخابز الجيش ليمون الجنود، جندي أم لا؟ الذي يجز الصوف ويقدم الغزل للمصنع لينسج البطانية للجندي ليتغطى بها، أو البدلة أو الحذاء ليلبسها، جندي أم لا؟ العامل الذي في مصانع الذخيرة، الذي يعد الذخيرة للجندي ليرمي بها، (إن الله يدخل بالسهم الواحد الجنة ثلاثة: الذي يريشه، والذي يناوله، والذي يرمي به) وبعض المدافع تحتاج إلى ثلاثة أشخاص، وبعضها إلى أربعة، فليس المقاتل هو الذي يقذف بالقذيفة فحسب، بل الذي يقدمها إليه، والذي يعبد الطريق للآليات، والذي يمد الأسلاك للاتصالات، والذي يهيئ الماء ليشربوا، كل أولئك جنود يعملون في المعارك، ولكنهم جنود خلف الصفوف، ولذا قال العلماء: الزراعة والصناعة والتعليم فرض كفائي؛ لأن الأمة لا تستغني عنها، ويقول النووي رحمه الله تعالى في المقدمة: (إن تعلم الصناعات فرض على الأمة) فرض كفائي حتى الإبرة، ارجعوا إلى مقدمة المجموع للنووي.

    ويقول: إذا قصرت الأمة الإسلامية في صناعة الإبرة فهي محتاجة إلى عدوها يتحكم فيها بقدر حاجة الإبرة.

    ولو لم يكن عندنا إبر لصرنا عراة، لا نستطيع أن نخيط ثوباً.

    إذاً: جعل العلماء الزراعة والصناعة من باب الجهاد أيضاً.

    الحالة الثانية: إذا -لا قدر الله- دوهمت البلدة أو القرية التي أنت فيها من العدو، وجب على الصغير والكبير، ولا يُستأذن في ذلك أحد، حتى الولد لا يستأذن أبويه، ويخرج الرجال والنساء يدافعون عن قريتهم وعن أعراضهم وأموالهم، أما ما عدا ذلك وفي المرحلة الأولى: الفرض الكفائي، لو أراد إنسان أن يتطوع، هل أحد يمنع المتطوعين؟ لا، ولكن حينما يريد شخص الجهاد في سبيل الله في حال كونه فرض كفاية يكون بين أمرين:

    بين فرض كفاية وهو الجهاد، وبين فرض عين وهو طاعة وبر الوالدين، فيقدم فرض العين هنا على فرض الكفاية، وجهاده في بر الوالدين.

    إذاً: حينما يكون القتال في المرحلة الأولى وهو: الفرض الكفائي، وأراد إنسان أن يتطوع، ويذهب للجهاد في سبيل الله، فلينظر: هل هذا التطوع يضيع واجباً عليه كفائياً أو عينياً، أم لا؟ إنسان عنده زوجة وأولاد، حقوق الزوجة والأولاد فرض كفائي، أو فرض عيني؟ فرض عيني، هل يترك زوجته، وأولاده في ضياع، ويقول: أذهب أقاتل في سبيل الله! لا والله، ولا ننسى الرجل الذي جاء من اليمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وقال: (جئت لأقاتل معك في سبيل الله) قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألك أبوان؟ قال: نعم، قال: اذهب ففيهما فجاهد) لماذا؟ لأن قتاله مع رسول الله تطوع، والجهاد في بر أبويه واجب، فلا نهدم واجباً من أجل تطوع، والعاقل لا يهدم مصراً ليقيم قصراً.

    والرواية الأخرى: (نعم، تركتهما يبكيان على خروجي، قال: ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما).

    وأعرف أنا قد نكون أطلنا في هذا الموقف، ولكن لضرورة الحال؛ لأننا سمعنا من سنوات عديدة من شباب ناشئ متحمس قد يغرر عليه، ويذهب ليقاتل في سبيل الله تاركاً أبويه.. تاركاً دراسته.. تاركاً أهله، كل ذلك بدافع الحماس، يغرر عليه عندما يقرأ لأشخاص مجهولين يقولون: القتال فرض عين على كل مسلم، وهذا لم يقله عالم مسلم قط، بل إن أهل أفغانستان يقولون: نحن في حاجة إلى المال والسلاح أكثر من الرجال، والواقع يصدق ذلك؛ لأنه كما قلنا: يذهب الواحد إلى بلد لا يعرف تضاريسه، ولا يقوى على تحمل طبيعته، فيحتاج إلى مران عسكري يجابه به تلك الحالة، فيكون عندها عالة عليهم حتى يتدرب.

    أقول لأمثال أولئك: إنك إذا أردت مساعدة المجاهدين، فإنه لابد أن يكون وراء الجندي في الميدان سبعة جنود، فاعمل واكتسب وتبرع وأرسل إليهم قيمة السلاح، أو قيمة اللباس، أو قيمة الدواء، أو قيمة الطعام، ويكون ذلك جهاداً، ولذا فقد قسم صلى الله عليه وسلم أجر الجهاد بين اثنين: (من خلف غازياً في أهله بخير كُتب له نصف أجره، ومن جهز غازياً في سبيل الله، كان له مثل أجره) لأي شيء له مثل أجره؟ بتجهيزه؛ لأن التجهيز نوع من الجهاد.

    الحكم فيما إذا أقر بالشهادتين بغير الصيغة المعروفة

    نواصل الكلام عن الحديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ...) إذاً: الغاية من قتال رسول الله للناس ما هي؟ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، لا أن يفكوا عن المسلمين قتالهم، لا وكلا.

    بقي الحديث عن ( يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ) يبحث العلماء في منطوق الشهادتين من باب البحث العلمي: لو أن إنساناً جاء وقال: أشهد أن لا إله إلا الرحمن الرحيم، أشهد أن لا إله إلا السميع العليم، ولم يقل إلا الله، فهل يجزئه ذلك أم لا؟ أو قال: أشهد أن أحمد رسول الله، ولم يقل: محمداً رسول الله، هل يجزئه ذلك أم لا؟

    الجمهور يقولون: لا، وبعض من أهل المذاهب يقول: نعم تجزئ؛ لأن المطلوب الإقرار، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لعمه: (قل كلمة أحاج لك بها عند الله) إذاً هي كلمة مقصودة وهي: لا إله إلا الله، ثم لفظ الجلالة: الله، علم على الذات، ولا يشاركه سبحانه في هذا العلم أحد، بخلاف (الرحمن) فإن هناك رحمان اليمامة، فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم كاتبه في صلح الحديبية أن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، قالوا: لا نعلم رحماناً إلا رحمن اليمامة، اكتب: باسمك اللهم).

    وكذلك (الرحيم) بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] سمي بها صلى الله عليه وسلم، كل صفات الله قد يشاركه فيها المخلوق لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] وكل حيوان يأكل ويشرب سميع بصير، ما عدا لفظ الجلالة: الله، كلمة: (إله) يمكن أن تطلق على معبود بغير حق، لكن: (الله) لا تطلق إلا على رب العزة سبحانه، إذاً: لا يغني ولا يجزئ عنها غيرها.

    كذلك: محمد رسول الله، عيسى عليه السلام قال: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف:6] إن قال: أشهد أن أحمد كما سماه القرآن يجزئ، وما عداه من الأسماء كالماحي والعاقب والحاشر.. إلى آخره لا يجزئ.

    بصرف النظر عن هذا نقول: إذا كان يريد أن يقر بالإسلام لا يضيره أن يلتزم بما قاله صلى الله عليه وسلم ويقول: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله).

    (ويقيموا الصلاة) إقام الصلاة جزء من الشرط على كف اليد عنهم أو على عصمة المال للمشركين، أن يشهدوا وأن يقميوا، فإذا لم يقيموا الصلاة، نكف عنهم، أو نقاتلهم عليها؟

    يقول الجمهور: بأنهم إذا نطقوا بالشهادتين ولم يصلوا قاتلناهم عليها، وليس قتلناهم.