إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. شرح الأربعين النووية - الحديث الثامن [2]

شرح الأربعين النووية - الحديث الثامن [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    تابع شرح حديث: (أمرت أن أقاتل الناس...)

    عصمة الدم بإقامة الصلاة

    بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    إقامة الصلاة: هو أداؤها والحفاظ عليها بجميع شروطها في أوقاتها بصفة جماعية، تقول: قامت السوق على ساقها، إذا كانت السوق نشيطة، والحركة فيها دائمة وقوية، وهكذا: (يقيموا الصلاة) أي: يؤدونها ويحافظون عليها بكل لوازمها.

    (ويؤتوا الزكاة) الصلاة كما قالوا: حق البدن، وهي محض عبادة لله، وأمرها تعبدي توقيفي، وليس لأحد في باب الصلاة اجتهاد، ولا يدخل في أمر الصلاة قياس ولا اجتهاد، فقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه الصلاة كما تلقاها عن جبريل عليها السلام؛ لأنه ثبت في ليلة الإسراء والمعراج أنه لما جاء صلى الله عليه وسلم إلى مكة في ظهر يومها، جاء جبريل عليه السلام وصلى بالنبي صلى الله عليه وسلم الظهر في أول وقتها، ثم نزل فصلى العصر في أول وقتها.. وهكذا الأوقات كلها، فعلمه كيف يركع، وكيف يسجد، وكيف يفعل بقية أفعال الصلاة حتى تلقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وفي اليوم الثاني نزل جبريل عليه السلام في آخر وقت كل صلاة إلا المغرب حيث نزل من الغد في الوقت الذي نزل فيه بالأمس، ثم قال: (يا محمد! ما بين هذين الوقتين وقت)، وهكذا ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة إذا جاءه أعرابي ونادى: (يا رسول الله كيف الصلاة؟ قال: صل معنا، فصلى الأعرابي معهم أول يوم، فصلاها صلى الله عليه وسلم في أوائل أوقاتها، وصلى بهم في اليوم الثاني في آخر وقت كل صلاة إلا المغرب صلاها في اليومين في الوقت الأول، ثم قال: أين السائل عن أوقات الصلاة؟ قال: هأنذا يا رسول الله! قال: ما بين هذين وقت) .

    اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بتعليم الصلاة

    أما الكيفية في ذاتها وأدائها: (فقد صعد صلى الله عليه وسلم منبر مسجده في المدينة واستقبل القبلة وكبّر وقرأ وركع، ثم رفع من الركوع، ثم نزل القهقرى من المنبر -وكان ثلاث درجات- وسجد عند آخر درجة من درجات المنبر التي هي الأولى ورفع من السجود وجلس بين السجدتين، ثم سجد الثانية، ثم قام للركعة الثانية وصعد المنبر مستقبلاً القبلة وركع ثم رفع من الركوع، ثم نزل القهقرى ولم يستدبر القبلة محافظاً على استقبال القبلة حتى نزل إلى الأرض وسجد السجدتين، ثم تشهد وسلم، وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي) .

    والسنة مليئة بأحاديث تعليم الصلاة من أول النداء إليها إلى السلام منها وتوابعها: من تسبيح وتحميد وتعليم للفرائض والنوافل، كل ذلك مبين موضح في كتب الحديث وفي كتب السنة.

    (وإقام الصلاة) المقصود هنا الفريضة.

    وقد جاء في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً جاء من قبل نجد وقال: (يا رسول الله! ما افترض الله علي من الصلوات؟ قال: خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع، قال: ما افترض الله علي من الصيام؟ قال: شهر رمضان، قال: هل علي غيره، -إلى آخره- ثم قال: والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص، فلما أدبر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح وأبيه إن صدق) .

    وجاء الحديث الآخر يبين معنى إقامة الصلاة عندما قال عليه الصلاة والسلام: (خمس صلوات كتبهن الله في اليوم والليلة، من حفظها وحافظ عليها كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يحفظها ولم يحافظ عليها لم يكن له عند الله عهد ..) إلى آخر الحديث.

    إذاً (إقام الصلاة) أداؤها بالحفاظ على كل شروطها ومستلزماتها وأداؤها في الجماعات، ولهذا عبّر صلى الله عليه وسلم بإقام الصلاة بدلاً من أداء الصلاة، أما حكم القتال عليها فسيأتي بعد إن شاء الله.

    عصمة الدم بإيتاء الزكاة

    (ويؤتوا الزكاة)، الزكاة هي فريضة المال، والأموال الزكوية في الجملة تحت عنوان واحد: الأموال النامية.

    إذاً: الأموال الجامدة الصامتة التي لا نماء لها فلا زكاة فيها، وهذا في الجملة.

    ما هي الأموال النامية؟

    جرى الاتفاق على أن بهيمة الأنعام، وما يحصد من الزروع والثمرة، والذهب والفضة أنها أموال نامية ففيها الزكاة.

    وبقي أنواع من الزروع اختلفوا فيها، كما اختلفوا في بعض الحيوانات فمن الأنواع النامية الموجودة: ما كان نماؤها مؤقت، مثل: الخضروات، فالأصل أنها نامية، ولكن ليست دائمة، ولهذا يتفقون على أن الزكاة في الحبوب الموسقة -من الوسق- والمقتاتة التي تقتنى، والخضروات لا تقتنى، فلو مضى عليها أربع وعشرون ساعة لذبلت وتلفت، والزكاة في قيمتها.

    فاتفق على أصول الأموال الزكوية النامية من بهيمة الأنعام ومن الحرث والثمار المقتاتة والنقدين وما يتصرف منهما، وللزكاة فروع ولها تفصيلات أخرى فيما يتعلق بالركاز والمعادن وما شابه ذلك، وكذلك في العسل وفيما يؤخذ من البحر إلى غير ذلك، وهذه كلها فرعية في هذا الباب.

    لمن تؤدى الزكاة؟

    قال: (ويؤتوا الزكاة) يؤتونها لمن؟ أيؤتونها للإمام، أم يؤتونها للمستحقين؟ جاء في قصة أبي بكر مع عمر رضي الله تعالى عنهم أجمعين حينما امتنع قوم عن أداء الزكاة، وقالوا: لا نؤديها لـأبي بكر فقد كنا نؤديها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يدعو لنا ويصلي علينا، والله تعالى قال لرسوله ولم يقل لـأبي بكر : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103] والرسول انتقل إلى الرفيق الأعلى، وجاء غيره وهو ليس مثله فلا نعطيها لأحد بعده، فمنهم من جحدها بالكلية، ومنهم من امتنع عن أدائها، ومنهم من كان يؤديها بنفسه ولا يسلمها إلى الخليفة، وسيأتي تفصيل ذلك.

    على أي شيء يعود اسم الإشارة في قوله: (فإن فعلوا ذلك)

    قال: (فإذا فعلوا ذلك) هنا ناحية لغوية ينبه عليها علماء الحديث في أن: السياق يأتي في مقتضى صورة الشرط وجزائه (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا.. فإن فعلوا ذلك)، ولكن جيء بـ(إذا) وهي لما يستقبل فقالوا: (إن) من باب التفاؤل، والحرص، والشفقة على الناس، قال: (فإذا فعلوا ذلك) أي: قبل القتال أو بعد القتال أو عند القتال، و(ذلك): اسم إشارة للبعيد، يقول أهل اللغة: ذلك وذا وهذا كلها أسماء إشارة، ذا: للقريب جداً، هذا: للمتوسط، ذلك: للبعيد جداً، فقالوا: (إذا فعلوا ذلك) قد يكون المشار إليه حسياً في البعد والقرب والتوسط، وقد يكون المشار إليه معنوياً، وتستعمل (ذلك) للإشارة للبعيد لعلو مكانته وبعد منزلته، كما جاء في قوله سبحانه: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة:1-2] مع أن (الم) جزء من الكتاب، فهو قريب جداً تنطق به، ولكن جاء لفظ الإشارة للبعيد لبعد المنزلة وعظم قدر القرآن الكريم.

    فقوله: (فإذا فعلوا ذلك) اسم الإشارة (ذلك) راجعة على ماذا؟ على كل ما تقدم (حتى يشهدوا، وحتى يقيموا، وحتى يؤتوا) فمجموع ذلك إذا فعلوه (عصموا مني) وعصموا بمعنى: حفظوا، والعصمة الحفظ، والعصمة من الخطأ، والعصمة من القتل.

    فإذاً: (عصموا) أي: حفظوا وصانوا وامتنع علي منهم دماؤهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، (عصموا مني): منه وحده، أو من جميع المسلمين، أو من المقاتلين؟ لأن الأمر يرجع إليه هو صلى الله عليه وسلم، فمن قُتل قتل بأمره، ومن عُصم عصم بأمره صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يوجه السرايا ويتوجه بنفسه بالجيوش، أو يكفها ويوقفها ويمنعها، بصفته المسئول عن الأمة والمتكلم باسمها صلى الله عليه وسلم وهو المأمور بذلك.

    الأصناف التي تستثنى من العصمة بالإسلام

    قال: (عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام)، وما هو حق الإسلام الذي يفك العصمة ويرفعها عن الدماء والأنفس؟ قالوا: ترفع العصمة عن ثلاثة: قاتل النفس غير معصوم الدم؛ لأن فيه القصاص، والمرتد عن دينه عياذاً بالله غير معصوم النفس، والثيب الزاني لأنه يرجم، عصمت الدماء جميعاً إلا بواحدة من تلك الثلاث: الثيب الزاني؛ لأنه يرجم، وقاتل النفس؛ لأنه يقتل قصاصاً، والمرتد عن دينه المفارق للجماعة، وحق الإسلام في هذه الثلاث.

    قال: (وحسابهم على الله) أقبل وأكف وأعصم الدماء والأموال بتلك الأمور الظاهرة، والتي هي نطق يسمع، وصلاة تشاهد، وزكاة تدفع، فهذه كلها أمور ظاهرية ظاهرة واضحة والكل يشهدها.

    (حسابهم على الله) في أي شيء؟ في نطقهم بالشهادتين، أكانت عن يقين واعتقاد واستسلام، أم عن نفاق، فهذا حسابه على الله، ولذلك فإن أسامة بن زيد حينما قتل رجلاً بعد أن قال لا إله إلا الله وقال: (إنما قالها خشية السيف أو تحت السيف، فغضب صلى الله عليه وسلم وقال: أشققت عن قلبه).

    إذاً: أنت لست مسئولاً عما يكنه في داخله يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ [البقرة:9] .. يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142] هذا أمر معاملة بينهم وبين الله لا تقوى أنت على تصفيتها، كالذي يأتي المسجد ليصلي، هل كانت صلاته حقيقة خالصة لله، أو جاء لشيء؟

    صلى وصام لشيء كان يطلبه فلما انقضى الأمر لا صلى ولا صام

    إذاً: (من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).

    عندما يدفع المزكي زكاته هل يدفعها على أنها مغرم ويسلمها ليسلم، أو يدفعها معتقداً بأن الله سيخلفها عليه، وأنه يقرض الله قرضاً حسناً؟ مرد كل ذلك إلى الله.

    وهنا يقف كثير من العلماء -وهو محل وقوف حقاً- فيقولون: إن ولي أمر المسلمين له ظواهر أحوالهم، ولا يحق لأحد أن ينقب ليكشف عما يبطنون أو يخفون، وليكل أمرهم إلى الله، ولذا كان معاوية رضي الله تعالى عنه يقول: من تتبع أحوال الأمة أفسدها.

    ولذا نقول لأولئك الإخوة الذين يتتبعون عثرات الناس، وهفواتهم ليكشفوها: احذروا أن يكشف الله الستر عنكم، وقد جاء عن الإمام أحمد رحمه الله أنه سئل عن رجل يفعل منكراً: ماذا يصنع معه؟ قال: عظه ومره بالمعروف، وانهه عن المنكر، فإذا لم يمتثل لا ترفع أمره للسلطان لتستعديه عليه.

    علة عدم ذكر الصوم والحج في الحديث مع أنهما من أركان الدين

    وهنا مسألة يجب أن نتوقف عندها: ذكر صلى الله عليه وسلم أنهم إن شهدوا الشهادتين وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، عصموا.. الحديث، لماذا لم يذكر بقية أركان الإسلام والتي هي الصوم والحج؟

    إن جميع شراح الحديث وخاصة أصحاب الأربعين يقولون: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يذكر الصوم ولم يذكر الحج لاحتمال أن يكون هذا الحديث قبل مشروعية الصوم، وقبل مشروعية الحج، والآخرون يقولون: هو إنما ذكر الأصلين لقسمي التكليف؛ لأن العبادات إما بدنية محضة وهي الصلاة والصوم، وإما مالية محضة وهي الزكاة، وإما تجمع بينهما كما في الحج والجهاد، فاكتفى صلى الله عليه وسلم بذكر الصلاة ويتبعها الصيام؛ لأنه عبادة بدنية، وذكر الزكاة ويتبعها الحج؛ لأن فيه عنصر المال، وهذه خلاصة أقوال شراح الحديث.

    وهنا قول ثالث: إن الحديث جاء بأن أمر أن يقاتل الناس جميعاً حتى يعلنوا ما يمكن إعلانه، أما ما خفي فحسابهم على الله، والذي يمكن أن يظهر ويعلن ويشهد عليه: هو ما نص عليه في الحديث بأن يشهدوا فنسمع، ويصلوا فنشاهد، ويؤتوا فنقبض، أما الصوم فأمر خفي وأما الحج فعلى من استطاع إليه سبيلاً، والاستطاعة أمر خفي، فلذا نقول -والله تعالى أعلم-: لم يذكر صلى الله عليه وسلم الصوم؛ لأنه أمر خفي، وجاء في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي) لا من أجلكم أنتم، فلا يستطيع أحد أن يقول: نقاتل فلاناً؛ لأنه لم يصم، إلا إذا رأيناه يأكل بأعيننا، هذا شيء آخر، لكن بدون أن نراه يأكل أنستطيع أن نقاتله بدعوى أنه صائم، أو غير صائم؟ كما لا نستطيع، لا نستطيع أن نقاتل إنساناً لأنه لم يحج؛ لأن الحج مبناه على الاستطاعة، وقال صلى الله عليه وسلم في الاستطاعة (الزاد والراحلة) ونحن لا ندري حاله فيهما.

    والخلاصة أن الأقرب في عدم التنصيص على الصوم وعلى الحج؛ لأن الصوم والحج عملان خفيان لا يطلع عليهما إلا الله عز وجل وليسا بظاهرين.

    ويقول بعض العلماء المتأخرين: نحن نكتفي من الناس بقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فنحكم بالإسلام، فإذا التزموا بلا إله إلا الله محمد رسول الله حكمنا بإسلامهم، ومن ثم نطالبهم بالصلاة، ونطالبهم بالزكاة، ونكلفهم بالصوم، وبكل أركان الإسلام؛ لأنه إذا نطق بالشهادتين فمعنى ذلك أنه نفى كل الآلهة إلا الله واعترف بالله وحده، فإذا عبد غير الله ناقض شهادته، وناقض التزامه، وإذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله، وعبد الله بغير ما جاء به محمد الرسول، فيكون بذلك قد رفض شيئاً مما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى ذلك أنه رد شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، والله يقول: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة:85] قالوا: إذا نطق بالشهادتين حكمنا بإسلامه، ثم بعد ذلك نطالبه ببقية أركان الإسلام، فإن امتثل وأطاع وإلا اعتبرناه مرتداً وقتلناه، وليس قاتلناه، فإن لم قد تعلم بعد، نعلمه حتى يتعلم أركان الإسلام، ولهذا قالوا: أركان الإسلام وتعاليم الإسلام إذا قصر فيها حديث عهد بالإسلام سواء كان في الجاهلية أو اليوم نعذره ونمهله حتى يتعلمها وحتى نبينها له، فإذا التزم بها فبها ونعمت، وإلا كان مصيره آخر.

    إذاً: عدم ذكر الصوم، وعدم ذكر الحج لا لأنهما غير مشروعين بل لما قد علمتم، وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه يروي هذا الحديث وإنما أسلم في العام السابع من الهجرة، وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خيبر، ومشروعية القتال والجهاد كانت موجودة قبل ذلك.

    والصوم شرع في السنة الثانية من الهجرة في شعبان، إذاً: كان الصوم مشروعاً من قبل، وكذلك الزكاة في السنة الثالثة، إذاً: الصيام والزكاة كانا مشروعين فلا يقول إنسان: كان الحديث قبل مشروعية الصيام، ولكن الأولى أن يقال: إنه إذا التزم بالصلاة والتزم بالزكاة فحينئذ يكون الأمر على هذا، ويُلحق به البقية كما يقول البعض، ويستشهدون بحديث معاذ رضي الله تعالى عنه لما أرسله النبي إلى اليمن وقال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) ولم يذكر صوماً ولا حجاً، ومعاذ إنما ذهب إلى اليمن في أخريات حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: ترك ذكر الصيام الحج إما لأنه أمر خفي، وإما لأن الأمر يأتي بالتدرج، فإذا التزم بالصلاة وهي عبادة بدنية أُلحق بها الصيام وهو كذلك عبادة بدنية.

    والكلام عن الحديث بصفة عامة يرجع إلى حقيقة القتال، وعلى ما يكون القتال؟ فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول هنا: (أمرت) فما دلالة الأمر هنا؟ وهل الحكم في ذلك يشمل من يأتي بعده؟ ثم يمكن أخذ موقف الصديق رضي الله تعالى عنه شاهداً على ذلك، مع بيان من الذين قاتلهم الصديق؟ وعلى أي شيء؟ ثم حكم الجهاد على الأمة أهو فرض عين، أم فرض كفائي؟ ومتى يسقط الجهاد عن الأفراد؟ ومتى يتعين؟ وعلى أي شيء يكون؟ وأحكام الحهاد وآدابه، وثمرة الجهاد وثوابه، وكل هذا يأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.