إسلام ويب

شرح الأربعين النووية - الحديث الثامن [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    شرح حديث: (أمرت أن أقاتل الناس...)

    مشروعية الجهاد والدعوة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فيقول المؤلف رحمه الله تعالى ونفعنا بعلومه في الدارين.. آمين:

    [عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى) رواه البخاري ومسلم ] .

    هذا الحديث الذي اختاره الإمام النووي رحمه الله ضمن هذه الأربعين الحديث المختارة، يبين فيه صلى الله عليه وسلم حقيقة القتال في سبيل الله مع بيان حرمة المسلم وبما يعصم الإنسان دمه وماله.

    فعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأنفسهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله) .

    في هذا الحديث يبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه أُمر، ومن الآمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    ليس أحد من الخلق له حق توجيه الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما الآمر لرسول الله هو رب العالمين، وهناك في علم الحديث حينما يقول الصحابي: أُمرنا بكذا، قالوا: إن له حكم الرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يتأتى أن يأمر صحابي صاحبياً آخر لمساواتهم في الصحبة، فيكون الآمر للصحابي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنا إذا قال صلى الله عليه وسلم بنفسه: (أمرت) فلا يكون الآمر لرسول الله إلا رب العالمين.

    فبماذا أمر صلى الله عليه وسلم؟ قال: (أمرت أن أقاتل الناس)، وإذا كان الأمر موجهاً من الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم كان مقتضى ذلك الوجوب، وليس عندنا في هذا المقام صارف يصرفه عن ذلك الحكم. وبأي شيء أقاتل؟

    المقاتلة: مفاعلة، وتكون دائماً بين طرفين، والمقاتلة هنا: أسندها صلى الله عليه وسلم لنفسه (أن أقاتل)، وهل يقاتل وحده صلى الله عليه وسلم، أم أن أصحابه أمروا بقتال من أُمر صلى الله عليه وسلم بقتاله؟

    هذا الأمر للنبي عليه الصلاة والسلام، وأمته داخلون معه فيه.

    وقد بيّن الله سبحانه وتعالى في الجملة موقف أصحابه رضي الله تعالى عنهم:

    فمن جانب المهاجرين يقول الله سبحانه وتعالى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر:8] .

    ثم بيّن موقف الأنصار: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ [الحشر:9-10]، فهذا هو سبيل المؤمنين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أقسام الناس مع الجهاد

    إنما سمي الجهاد جهاداً لبذل الإنسان جهده وهو أقصى طاقته في قتال العدو، والنص الصريح هنا (أمرت أن أقاتل الناس) الناس: عامة، وكما يقولون: ناس ينوس إذا تحرك أو صوّت، وتشمل جميع الطوائف من غير المسلمين، فتشمل اليهود والنصارى وأصحاب الأوثان والصابئين وغير ذلك، ولكن جاءت النصوص الأخرى وخصت هذا العموم فأخرجت منه أهل الكتاب؛ لأنه يكتفى منهم بالجزية، فإما أن يسلموا، أو يؤتوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وإما أن يقاتلوا.

    أما بقية الناس من المشركين ومن لا كتاب لهم فإنهم ليس لهم إلا أحد أمرين: إما الإسلام، وإما القتال.

    ويختلفون في بعض الطوائف كالمجوس وغيرهم، هل يُلحقون بأهل الكتاب لقوله عليه الصلاة والسلام: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب)؟ وهل ذلك يشمل الجزية؟ والذي يهمنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه أُمر بقتال الناس، واستثنى منهم الشيخ والمرأة والطفل، فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا غزى أو جهز جيشاً أو بعث سرية، قال: (لا تقتلوا امرأة ولا طفلاً ولا شيخاً هرماً) أي: ما اجتنبوا القتال، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون رضي الله تعالى عنهم، وقد جاء أيضاً: (ستجدون أقواماً عكفوا في صوامعهم فدعوهم وما اعتكفوا عليه).

    إذاً: (أمرت أن أقاتل الناس) عام وخصص منه أهل الكتاب، ثم الذين يقاتَلون والباقي بعد التخصيص أفراد منهم وطوائف لا تقاتل إلا إذا شاركوا في القتال، فالمرأة لا تقتل إلا إذا شاركت في القتال، والطفل لا يقتل، والشيخ الكبير لا يقتل إلا إذا شارك برأي أو بفكر أو بتخطيط أو مكيدة أو غير ذلك.

    عصمة الدم بالنطق بالشهادتين

    قال صلى الله عليه وسلم: (حتى يشهدوا) يتفق علماء اللسان على أن حتى: حرف غاية، وأن ما بعدها يغاير ما قبلها (أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله) فإذا شهدوا هل يستمر القتال، أم يتوقف؟ يتوقف، إذاً: (أقاتل) حتى يأتي ما بعد حتى، وهو: أن يشهدوا، والشهادة من المشاهدة، كما قال سبحانه وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ [الطلاق:2] والشاهد سمي شاهداً: لأنه يشاهد ويعاين الحادثة التي يشهد عليها، سواءً كان برؤية أو بسماع، ومن هنا قال سبحانه: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185] أي: دخل عليه الشهر وهو حاضر، سواءً كان شهده بعينه، أو شُهد وأُخبر فسمع وعلم بدخول الشهر.

    والشهادة بأن لا إله إلا الله يقر بمعناها، وينطق بمبناها، وتقدم في حديث جبريل عليه السلام حينما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله: (أخبرني عن الإسلام.) وذكر له أول ما ذكر: (أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله).

    ونلاحظ هنا في الحديث: (أن يشهدوا) ولم يقل: أن يقروا، فقد يقر الإنسان بشيء لم يشهده، فالشهادة أخص وآكد من الإقرار، ومن هنا كان قول المسلم: أشهد أن لا إله إلا الله، كأنه يقر بأمر مشهود محسوس عنده بيقين، ولذا أجمع العلماء على أن العقائد لا يكفي فيها غلبة الظن كما هو في أمور العبادات والمعاملات، بل لا بد أن تكون على يقين وقطع جازم.

    وهنا يبحث علماء الكلام: هل يكفي في إثبات العقائد أحاديث الآحاد وهي ظنية الدلالة، أو لا يدخل في باب العقائد إلا قطعي الدلالة من نص آية أو حديث متواتر؟

    تجدون في كتب الأصول الخلاف في هذا، ومما بينه أو سجله والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في مبحث نسخ الكتاب بالسنة هل وقع أو لم يقع؟ وجائز عقلاً ولم يقع شرعاً.. إلى غير ذلك، نص على أنه بناءً على أن الحديث وإن كان آحاداً إذا صح سنده، ثبتت به أمور العقائد، ولهذا كثير من الأسماء والصفات إنما جاءت بأخبار الآحاد، وتلقاها المسلمون بالقبول، والسنة وحي كما قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:3].

    قال: (يشهدوا أن لا إله إلا الله) فالعقيدة لابد فيها من جزم، ولابد فيها من قطع، كما تقر بمشاهد محسوس تراه بعينك أو تسمعه بأذنك أو تلمسه بيدك.

    معنى شهادة أن لا إله إلا الله

    وقد جرى الاتفاق على أن شهادة أن لا إله إلا الله تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: نفي. والقسم الثاني: إثبات، فـ(لا إله) نفي لجميع الآلهة، والإله بمعنى: المألوه، والمألوه: المتعلق به المحبوب، ومنه: الوله، ومنه: الولهان شديد الحب لما يحبه، والعبد متعلق بربه ولهان به، يجأر إليه ويلجأ إليه في كل أموره، ولهذا قالوا: إن القسم الأول نفي لكل مألوه أياً كان نوعه مما تألهه الخلق في جاهلية وغيرها من حجر أو شجر أو ملك أو فلك أو أي شيء، (لا إله) نفي لجميع المألوهين، و(إلا الله) إثبات الألوهية لله سبحانه وتعالى، فلا يؤله ولا يرجى ولا يحب ولا يرغب إلى الله سبحانه وتعالى، ولهذا فإن في قولك: (لا إله إلا الله) إثبات إفراد الله سبحانه وتعالى بالألوهية وهو غاية التوحيد.

    والقسم الثاني من الشهادة: (وأن محمداً رسول الله) هنا في الشهادة كما قلنا: لابد أن ينطق بها قولاً، ويعتقدها قلباً، ويعمل بمقتضاها، فإذا قال: (لا إله إلا الله) بلسانه واعتقدها بقلبه ثم ناقض ذلك بفعله يكون فعله ناقضاً لقوله، فإذا قالها وتأله وعبد غير الله فلا ينفعه ذلك، وقد جاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل حصيناً والد عمران بن الحصين فقال: (كم إلهاً تعبد؟ قال: سبعة، قال: أين هم؟ قال: ستة في الأرض وواحداً في السماء، قال: من الذي تلجأ إليه عند الشدة، وتسأله عند الحاجة؟ قال: الذي في السماء) فهل هذا يكفي ليكون موحداً؟ لا، بل لابد أن ينفي جميع الآلهة.

    الاعتقاد بالشهادتين لا يكفي دون النطق بهما

    وهنا ترد مسألة: هل الاعتقاد بالقلب يكفي عن النطق؟ فمثلاً: لو أن إنساناً يعتقد في قلبه أنه لا إله بحق أو لا معبود بحق إلا الله، فهل يكفي ذلك ليكون مسلماً؟ الاتفاق بأن ذلك لا يكفي.

    ودليل ذلك أن عم النبي صلى الله عليه وسلم كان عنده يقين في قلبه بصدق رسالة محمد عليه الصلاة والسلام لكن هذا اليقين الذي لم يتبعه الشهادة على ذلك باللسان والعمل لم ينفعه عند الله، ونجد هذا في قول عمه أبي طالب :

    والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفيناً

    لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً

    ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية ديناً

    إذاً: الاعتقاد موجود، ولكن بقيت الكلمة -الشهادة- لكنه لم يقلها.

    إذاً: مجرد الاعتقاد لا يكفي، والذين يقولون: الإيمان اعتقاد بالقلب وحسب، ويرد عليهم بهذا الحديث، وبهذه المحادثة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين عمه، ولهذا أجمع علماء أهل السنة على أن: الإيمان قول واعتقاد وعمل، وبعضهم يقول: الإسلام: وهو العمل الظاهر، فالنطق بالشهادتين أقرب إلى مسمى الإسلام؛ لأنه استسلام، ولذا كان المنافقون في عداد المسلمين بقولهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكانوا مع الكفار باعتقادهم الداخلي.

    إذاً: لابد من هذا النطق بـ(لا إله إلا الله).

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (وأن محمداً رسول الله) لماذا لم يقل: (وأني رسول الله) جاء في بعض الروايات عن أبي هريرة: (وأني رسول الله) ، ولكن هنا في هذا الحديث: (وأن محمداً) فهل يتكلم عن شخص آخر، أم عن شخصيته صلى الله عليه وسلم؟ لكأنه يجرد من نفسه نفسه، ومن شخصه شخصه، هو الرسول محمد الذي أرسل، ويبعد حظ نفسه من ذلك؛ لأنه مبلغ عن الله، وهو بنفسه صلى الله عليه وسلم قد أعلن عن إيمانه بأنه في ذاته رسول: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ [البقرة:285].

    إذاً: هو يعلن عن إيمانه برسالته وبوحي الله الذي أنزل عليه، وبهذه المناسبة ومثالها في باب التجريد -كما يقولون-: لما جاءت المرأة المخزومية التي كانت تستعير المتاع وتجحده ثم سرقته، ثم أمر صلى الله عليه وسلم بقطع يدها، فعز على الناس أن امرأة مخزومية من بني مخزوم -من علية القوم- تقطع يدها في إناء سرقته، قالوا: من يكلم فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ قالوا: أسامة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه، فكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ويحك يا أسامة ! أتشفع في حد من حدود الله؟ والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) لم يقل فاطمة بنتي، فيكون الموضوع شخصياً يخصه صلى الله عليه وسلم، بل الأمر والقضية هي أنه مبلغ شرع، قال: (لو أن فاطمة بنت محمد) ومن هو محمد هذا؟ جاء في القرآن: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح:29]، فالقرآن يسجل بأن محمداً هو الذي أرسله الله ليبلغ الرسالة للناس، فمحمد هذا يبلغ وينفذ الأحكام ولو على فاطمة، ولم يقل: فاطمة بنتي، بل قال: لو أن فاطمة بنت محمد، وأنتم تعلمون من محمد.

    وهنا يقول: (وأن يشهدوا أن محمداً رسول الله) صلى الله عليه وسلم.

    ثم قال: (ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة) لم يقل: (ويؤدوا الصلاة) بل قال: (يقيموا) لأن الإقامة من القيام، والقيام فيه عزيمة، وفيه ملازمة ومصابرة وقوة، ومنه قوامة الرجال على النساء، ومنه القوم تطلق على الرجال ولا تطلق على النساء، لوجود القوة والقوامة والإصلاح.