إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. شرح الأربعين النووية - الحديث الثاني [9]

شرح الأربعين النووية - الحديث الثاني [9]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    السؤال عن الساعة في حديث جبريل

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فقد بقي في حديث جبريل عليه الصلاة والسلام سؤاله الأخير: (أخبرني عن الساعة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها؟ ..) .

    وسؤال جبريل عليه السلام عن الساعة إنما هو لتعليم الحاضرين، ولأنهم قالوا: جاء رجل أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل أسئلة ما كان ينبغي إيرادها، منها أنه قال: إني تزوجت وامرأتي حبلى، فأخبرني ماذا حملت؟! إني خلقت ووجدت فأخبرني متى أموت؟! إنا في الدنيا فأخبرنا متى تقوم الساعة؟!

    معنى الساعة

    الساعة لغةً: جزءٌ من الزمن أو لحظة، وفي اصطلاح العامة: جزءٌ من أربع وعشرين جزءاً من اليوم والليلة، وشرعاً: هو اليوم الآخر.

    وسميت القيامة أو اليوم الآخر ساعة مع أنه فوق خمسمائة ألف سنة؛ إما لتسمية الكل ببعضه، أو لأن العبرة في ذلك بأوله، أي: أول مجيء هذا اليوم، أو بما يكون فيها من مباغتة الناس لحظة، أي: أول مجيئها.

    والمهم أن السؤال عن الساعة إنما هو عن يوم القيامة، وقد سماها الله سبحانه كذلك، قال تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ [الروم:55]، تقوم الساعة، أي: القيامة، يقسم المجرمون على أنهم ما لبثوا في الدنيا غير ساعة، أي: ساعةً زمانية وجزءاً من اليوم.

    حكم السائل والمسئول عن الساعة

    لما قال جبريل عليه السلام: (أخبرني عن الساعة؟) ، أجابه صلى الله عليه وسلم بتلك القاعدة العامة، ولكن بأسلوب أعم وأشمل، وإلا فقد كان مقتضى السياق أن يقول له: لست أعلم بها منك، ولكن لتعليم الحاضرين ألا يعودوا إلى السؤال عنها مرة أخرى، فقال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل).

    وهل ذلك خاص بتلك الصورة المسئول عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسائل جبريل أو مدى الدهر؟

    الجواب: كلما سأل سائل عن الساعة ووجه السؤال لمسئول يكون الجواب: ما المسئول عنها -أياً كان هو ومتى كان السؤال- بأعلم من السائل؛ أياً كان هذا السائل وفي أي زمان ومكان، وهذا هو الذي يفهم من السياق.

    ويقول بعض العلماء: إن هذا السؤال قد وقع قبل ذلك بين جبريل وعيسى عليه وعلى نبينا عليه الصلاة والسلام، ولكن السائل في ذلك الوقت كان عيسى عليه السلام، فلما سأل جبريل عليه السلام انتفض انتفاضةً وقال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل؟

    إذاً: قوله صلى الله عليه وسلم وجوابه بهذه الصيغة يظل قاعدة عامة مطردة كلما سأل سائل ووجه السؤال إلى مسئول ويكون الجواب هو: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل).

    وجبريل كان يعلم ذلك، وليس السؤال عن الساعة من حيث هي، فالساعة من حيث هي مسلمٌ بها من كل مؤمن بالبعث، ولكن السؤال عن زمنها، ومتى تكون؟

    يوم قيام الساعة

    أخفى الله سبحانه وتعالى علمها على الخليقة كلهم، فلم يَطَّلِع عليها ملك ولا نبي ولا إنسان، ولكن جاء عنه صلى الله عليه وسلم تحديد اليوم الذي تكون فيه وهو يوم الجمعة، كما جاء في رواية الموطأ عند مالك : (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة: فيه خلق آدم، وفيه سجدت الملائكة إليه، وفيه أسكن الجنة، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه تيب عليه، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مؤمن قائم يصلي يسأل الله حاجته إلا أعطاه، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة في الأرض إلا وتصيخ بسمعها يوم الجمعة من بعد صلاة الفجر حتى مطلع الشمس إشفاقاً من الساعة)، أي: إذا كان يوم الجمعة بعد صلاة الفجر فأنها تصيخ الدواب بسمعها وتنتظر سماع نفخة الصور لقيام الساعة.

    وهذا من آيات الله: أن البهائم العجماوات تؤمن بقيام الساعة، وتعين يوم الجمعة من الخميس قبله أو السبت بعده، وتعلم أن يوم الجمعة هو يوم موعد قيام الساعة، ولكن متى؟ لا يعلم ذلك إلا الله.

    وفي سورة يس: مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [يس:49-50].

    وروى البخاري رحمه الله: (تقوم الساعة بغتة، ويكون الثوب بين رجلين فلا يطويانه ولا يتبايعانه)، أي: يأتي الشخص للتاجر كي يشتري ثوباً، فبينما هو ينظر ويساوم تقوم الساعة قبل أن يطوي الثوب البائع، وقبل أن يشتريه المشتري.

    (ويحلب صاحب اللقحة حليبها فلا يشرب ما حلب، ويرفع صاحب الطعام الطعمة إلى فِيه فلا يأكلها) وهكذا النصوص الصحيحة في مجيء الساعة بغتة لا يعلم وقتها ولا يجليها لوقتها إلا هو.. يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا [النازعات:42-46].

    وجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله متى الساعة؟ فأجابه جواباً لطيفاً: (ماذا أعددت لها؟)، أي: ليس المهم أن تسأل عن مجيئها، ولكن المهم أن تعد لها العدة فقال: (ماذا أعددت لها؟ قال: حب الله ورسوله، قال: المرء مع من أحب).

    1.   

    نصائح لطلاب العلم

    وجوب إرجاع العالم علم ما لا يعلمه إلى الله

    هنا يقف العلماء للتنبيه والتأكيد على كل طالب علمٍ: أنه إذا سئل عن شيء لا يعلمه أن يقول: لا أعلم؛ فهذا سيد الخلق صلى الله عليه وسلم يأتيه الوحي في الصغيرة والكبيرة، جاءه جبريل على أذىً في نعله وهو يصلي، يأتيه جبريل في كل ما يريد الله إبلاغه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك، بدل أن يقول: لا أعلم، قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، يعني: لا تطمع في جواب من عندي.

    ولذا كان علي رضي الله تعالى عنه يقول: (ما أشد بردها على قلبي، أن أسأل عما لا أعلم فأقول: لا أعلم).

    ويذكر العلماء عن مالك رحمه الله: أنه سئل عن أربعين مسألة جاء بها الآتي مسافراً يشد الرحل إليه، فيجيبه عن أربعة فقط، ويقول في الباقي: لا أعلم، فيقول له: ومن يعلم إذا لم تعلم؟ وكيف لا تعلم؟! فقال له: ارجع وأخبر كل من وراءك أن مالكاً لا يعلم.

    وهكذا ابن مسعود يقول: (قد أحسن من انتهى إلى ما قد سمع)، ولهذا من أسلم ما يكون لطالب العلم عند عدم المعرفة بالمسئول عنه أن يبرأ إلى الله ولا يحمل ذمته أن يقول بما لا يعلم.

    وهذه السنة النبوية، وهذا موقف الخلفاء الراشدين وأئمة المذاهب رحمهم الله وسائر العلماء، والعاقل لا يتخطى ذلك، لا تقل اليوم بشيء لا تعلمه، وربما تأخذ السؤال على أنه علم، ثم ينكشف الغيب فيما بعد بأنك قد أخطأت فيما قلت وأنك قلت بما لا تعلم، فكيف يكون الموقف؟

    وفرقٌ بين من يتعمد القول فيما لا يعلم بأنه يعلم، وبين من يجتهد فيما إذا كان الموقف موقف اجتهاد ولديه أداة المجتهد؛ فيبذل الوسع ثم يقول بما وصل إليه علمه.

    الاجتهاد المأذون به شرعاً

    جاء في بعض المواقف عن السلف في موقف الاجتهاد ما يصادف الحق؛ فيكون شدة الفرح عنده خير من الدنيا وما فيها؛ فقد جاء عن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه: أنه خرج إلى الشام في عام عمواس، فلما وصل إلى تلك القرية جاءه أمراء الأجناد في الشام قبل أن يدخل الشام بمراحل وأخبروه أن الطاعون قد فشا هناك.

    فقال لـابن عباس : اجمع لي مشيخة المهاجرين، فجاءوا. فسألهم: ماذا ترون؛ أنمضي بالجيش أم نرجع من الطاعون؟ فاختلفوا عليه، فمنهم من قال: أردت الخروج في سبيل الله فلا ترجع، ومنهم من قال: معك شيوخ الصحابة ووجوه القوم فلا تقدم بهم على هذا الطاعون ليهلكهم، ونرى أن ترجع، قال: قوموا عني.

    ثم قال: أدخل عليّ شيوخ الأنصار، فاختلفوا عليه كما اختلف شيوخ المهاجرين، ثم قال: ادع لي من هنا من مشيخة قريش، فجاءوا فما اختلف عليه واحد منهم، وقالوا: نرى أن ترجع ولا تقدم على هذا الوباء ومعك خيار أصحاب رسول الله وبقيتهم.

    فأعلن: إني مصبح على ظهر -أي: راجع- ولما أصبح جاءه عبد الرحمن بن عوف ولم يكن حاضراً، فقال: يا أمير المؤمنين! عندي في ذلك علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وما ذاك؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا كان الطاعون بأرضٍ فلا تدخلوا عليه، وإذا نزل بكم في أرضٍ فلا تخرجوا منها فراراً منه)، فكبر عمر ، فقال: الحمد لله الذي وفقني لما أراد رسول الله.

    وكذلك عبد الله بن مسعود لما جاءه السؤال في المرأة التي عقد عليها زوجها، ولم يسم لها صداقاً، ومات قبل الدخول بها، فدفع السائل عنه، فذهب إلى غيره ومكث الرجل أربعين يوماً في الكوفة يطلب من يفتيه فلم يجد، ثم رجع إليه مرة أخرى، قال: لم أجد ولن أرجع حتى أسمع الفتوى، فقال: أقول فيها برأيي؛ فإن أصبت فمن الله وبتوفيقه، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، أرى أن لها صداق مثيلاتها -بنت عمها وبنت خالتها وأختها-، ولها الميراث، وعليها عدة الوفاة؛ لأنها مأخوذ عليها.

    فلما سمعه رجل من الصحابة جالس قام وقال: أشهد بالله لقد حكمت فيها بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق ، ففرح بذلك فرحاً شديداً لموافقته الحق بما اجتهد فيه.

    والاجتهاد في الأحكام من خصائص الإسلام؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بكتاب الله، ونصوص الكتاب آيات معدودة، وجاءت نصوص السنة النبوية وهي مهما كان مبلغها فأعدادها محصورة.

    وكما يقول الأصوليون: النصوص محدودة، والأحداث -أي: طول الزمان- ليست محدودة، فلا يمكن أن تقف غير المحدودة عند المحدودة، فما يستجد من الأحداث التي لا تتناهى لا نتركها هملاً، ولا نفرغها عن حكم شرعي بل نرجع إلى القواعد العامة التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فنطبق عليها القواعد العامة، وتندرج تحت هذا العموم، ويكون باجتهاد المجتهدين.

    وأجمع العلماء على أن الاجتهاد من خصائص الإسلام، ومن ادعى قفل باب الاجتهاد فهو مخطئ.

    أهلية الصحابة للاجتهاد

    أرشد النبي صلى الله عليه وسلم بأن علماء هذه الأمة، بل صدر الأمة جميعاً، تأهلوا ليكونوا قادة للعالم كله، وذلك في غزوة تبوك، فإنه لما خرج صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وفي أيام من أيام سفره ذهب يتوضأ لصلاة الفجر، وكان من عادته صلى الله عليه وسلم أن يبعد إذا أراد الخلاء، فأبعد طويلاً وكان معه المغيرة بن شعبة، فتأخر عنهم وطال انتظارهم، فخافوا خروج الوقت بطلوع الشمس، فتشاوروا فيما بينهم: ماذا نفعل؟ ننتظر رسول الله فيخرج الوقت! أم نصلي الفرض الواجب علينا؟

    فاتفقوا على أن يصلوا وقدموا رجلاً منهم، فلما صلى بهم إمامهم ركعة وقام للركعة الثانية كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حضر، فهم المغيرة أن ينبه إمامهم ليرجع ليقوم النبي مقامه؛ وهذا حق الإمام الراتب، لو تأخر وجاء وقد أقاموا رجلاً منهم، فهو بالخيار؛ إن شاء أخره وقام مقامه، وإن شاء صف مع الناس.

    فـالمغيرة رضي الله تعالى عنه أراد أن ينبه إمامهم ليرجع إلى الصف ويتقدم النبي صلى الله عليه وسلم؛ فنهاه رسول الله، وصف هو والمغيرة في صفوف المسلمين، ولما سلم الإمام قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتم الركعة التي فاتته، ولما سلم عظم على المسلمين أنهم يصلون أمام رسول الله، فهون عليهم وقال: (ما قبض الله روح نبي حتى يصلي خلف رجل من أمته).

    هذا الإشعار ليس حدثاً تاريخياً فقط: (ما قبض الله روح نبي إلا بعد أن يصلي خلف رجل من أمته)، فلقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأمة وهم في جاهلية جهلاء وضلالة عمياء، لا يعرفون حقاً ولا ينكرون منكراً، فأخرجهم من الظلمات إلى النور، وجعلهم سادة وقادة؛ إذ مهمة الرسول في الأمة: أن ينبه ويرشد ويعلم، ولكأنه بهذا قد ربى جيلاً، وربى قادة، وأوجد مجتمعاً الواحد منهم أصبح صالحاً لقيادة أمة، وأن يأتم به رسوله معه؛ بأي شيء؟

    باجتهادهم بعملهم وبتحصيلهم، والباب واسع كما في حديث لـمعاذ لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضياً إلى اليمن، ثم قال: (بم تقضي يا معاذ ؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلوا، فقال صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسول الله لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وإن كان بعض الناس يطعن في هذا الحديث لسنده، فالجمهور جميعاً على ما في هذا الحديث من هذا المبدأ.

    وأدلة الاجتهاد لا تحتاج إلى إيراد، إنما يهمنا أن العالم إذا سئل عما لا يعلم فليقل: لا أعلم، وليتوقف وليسأل من هو أعلم منه.

    وقد جاء في الموطأ: أن ابن عباس اختلف معه رجل، هل يغسل المحرم رأسه أم لا؟ فقال: يا فلان ! اذهب إلى أبي أيوب الأنصاري ، وقل له: إن ابن عباس يسأل كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم؟ فذهب الرجل، قال: فوجدت أبا أيوب يغتسل بين قرنين -القرنان هما البنايتان- ودونه ثوب يستره، وعنده غلام يصب له الماء، فسلمت عليه وأخبرته بما أرسلني به ابن عباس، فأخذ الثوب وطأطأه حتى ظهر رأسه، وقال للغلام عنده: صب يا غلام، فأقبل بيده وأدبر، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم، فرجع إلى ابن عباس وصاحبه وأخبرهما بما كان.

    ولما اختلف عثمان رضي الله تعالى عنه ورجلاً آخر في الرجل يجامع أهله ولم ينزل؛ هل يسقط عنه الغسل لحديث: (إنما الماء من الماء)، أو يغتسل لحديث: (إذا جلس بين شعبها ثم جهدها فقد وجب الغسل).

    وجاء عمر رضي الله تعالى عنه وهم مختلفون في ذلك، فقال عمر لـعلي رضي الله تعالى عنه: ما تقول يا علي في هذه المسألة؟

    وهنا يرد علي الجميع إلى منبع العلم فقال: ولم تسألني ولم تسأل غيري وبجوارك أمهات المؤمنين، أرسل إليهن فاسألهن عن ذلك، فإنهن أعلم بهذه القضية؛ فأرسل إليهن وذهب الرسول إلى أم سلمة أولاً فقالت: سلوا عائشة ، فذهبوا وسألوا عائشة رضي الله تعالى عنها، فقالت: كنت أفعله أنا ورسول الله ونغتسل، وقالت لهم: قال صلى الله عليه وسلم: (إذا جاوز الختان الختانَ فقد وجب الغسل)، وقالت لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل؛ أنزل أو لم ينزل)، فجاء الرسول إلى عمر وهو جالس، فقال: من فعل هذا وجب عليه الغسل وإلا أوجعته ضرباً وجعلته مثلة لغيره، فانتهى الخلاف.

    إذاً: إذا سئل الإنسان عما لا يعلم فإنه يقف، ويكل العلم إلى الله، ثم عليه أن يجتهد، فإن أداه اجتهاده فيما لا نص فيه، أو لم يبلغه النص، ووقف على علم للسلف في ذلك فليقل بما علم، وقد أحسن من انتهى إلى ما قد سمع.

    وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه.