إسلام ويب

تفسير سورة الحجرات [6 - أ]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    الجهاد في كتاب الله

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد:

    قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15]، في أي وضع من الأوضاع وثبتوا على ما هم عليه إلى أن يلقوا الله سبحانه وتعالى على ما آمنوا به.

    (وَجَاهَدُوا) الجهاد -كما يقولون-: من بذل الجهد، وبذل أقصى الطاقة عند الإنسان، ولهذا يقولون: اجتهد فلان في حمل الصخرة، ولا يقولون: اجتهد في حمل الدفتر في يده؛ لأن الدفتر لا يحتاج إلى بذل الجهد، والطفل الصغير يحمله، ولهذا كان الجهاد جهاداً؛ لأن الإنسان يبذل أقصى جهده أمام عدوه.

    (وَجَاهَدُوا) في سبيل الله، لا في سبيل حمية ولا وطنية ولا جنسية ولا عرقية ولا أي مبدأ دنيوي، إنما جاهدوا في سبيل الله.

    ولماذا يأتي بهذا القيد؟

    لأن العدو يجاهد والمسلم يجاهد وكلٌّ له مبدأ، فهؤلاء يجاهدون في سبيل مبادئهم لنصرتها وحمايتها، الماركسي يجاهد لحماية مبدأ لينين وماركس والمسلم يجاهد لإعلاء كلمة الله، وجاء الحديث: (الرجل يقاتل حمية، يقاتل لغنيمة، يقاتل ليرى مكانه...، من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا)، هذا هو الذي في سبيل الله.

    بم يجاهدون؟ (بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ).

    أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15] أي: صدَّق فعلُهم قولَهم.

    وهنا وقفة طويلة تحتاج إلى توسعة شاملة، وهي في قوله سبحانه: وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الحجرات:15]، أي: أنهم لم تكن عندهم غاية في دنياهم إلا سبيل الله وإعلاء كلمة الله، أيَّاً كان موطن جهادهم، وأيَّاً كانت راية قائدهم، ومهما كان الأمر، فليس لهم مطمع، ولا غاية ولا حاجة، لا في استعباد البلاد، ولا في استعمارها، ولا في منصب ولا جاه، وقد بين ذلك أتم بيان القائد المسلم المظفر خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه حينما سئل: يا خالد ! لقد خضت المعارك وفزت بالانتصارات العظيمة، فما هي أمنيتك؟ يعني: كأنهم يقولون: أنت لك أمنية وهي النصر في الجهاد، وهذه والله فعلاً عظيمة، ومن جهة المال أو الدنيا فلا يسألون عنها، والله سبحانه وتعالى قد أغناه، كما قالوا: (منع خالد زكاة ماله. قال: إنكم تظلمون خالداً ، لقد احتبس أدرعه وسلاحه في سبيل الله) يعني: ليس عنده شيء.

    خالد يُسأل ما هي أمنيتك بعد هذا النصر؟

    قال: أمنيتي هي: أن أقوم في ليلة شديدة البرد عاصفة الرياح مطيرة ... تصوروا هذا! ليلة مطيرة شديدة البرد عاصفة الرياح، الناس في مثل هذه الليلة يستكنُّون وينزلون في الخنادق استتاراً من شدة البرد والريح العاصف والمطر.

    ولكن خالداً يقول في هذه الليلة التي يستكنُّ فيها كل إنسان: أتمنى أن أكون حارساً للجند، تالياً لكتاب الله.

    هذه الليلة ليست ليلة عادية مقمرة وربيع وهواء، لا. بل شديدة البرد والريح والمطر، يقوم في تلك الليلة حارساً للجند في تلك الحالة أيضاً وتلك الشدة.

    والرجلان اللذان أسند إليهما النبي صلى الله عليه وسلم حراسة الشِّعب عندما قَفَل صلى الله عليه وسلم من غزوة بالليل، فقال: (من يكلأ لنا هذا الشِّعب؟) وقام رجل ثقفي وآخر أنصاري فقال أحدهما للآخر: اكفني أول الليل أو آخره وتقاسما الليل، وقام الأنصاري يصلي وهو يحرس فم الشعب.

    هذا هو ترفيههم، وليس كالترفيه البريء الذي نعطيه للجنود في أثناء المعارك، ونلهيهم بما يسمى بريئاً، ووالله ما هو ببريء، على كلٍّ قام يصلي -لكي لا ينام- وهو يحرس الشعب، فجاء رجل كان المسلمون أصابوا زوجته بالنهار وهو غائب، فأقسم ليتبعنَّ المسلمين وليُصيبنَّ منهم ثأراً لزوجه، فلما جاء على فم الشعب سمع هذا يقرأ، فعرف أنه من المسلمين، فأخذ سهماً، فصوَّبه فأصاب؛ لكنه لم يقطع القراءة، ونزع السهم واستمر، فظن الرامي أنه لم يُصِب، فعدَّد الثاني والثالث، وكلها تصيبه، حتى تقاطر الدم على وجه صاحبه وهو نائم فانتبه، فلما انتهى قال: ما هذا الدم يا أخي؟ قال: كذا وكذا، قال: هلَّا أنبهتني أول ما رمى، قال: كنت أقرأ سورة كرهت أن أقطعها.

    هذا حاله وهو يجاهد في سبيل الله. وهكذا -أيها الإخوة- أمثلة عديدة.

    فهؤلاء هم الذي جاهدوا في سبيل الله حقاً.

    أما قوله سبحانه: بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ [الحجرات:15]، فللعلماء مبحث في تقديم الأموال على الأنفس، والعادة أن التقديم له أهمية، فهل يكون الجهاد بالمال أهم من الجهاد بالنفس؟ سيأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى.

    1.   

    نماذج من الإيمان الصادق

    قال الله عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15].

    تقدم -أيها الإخوة- الكلام على الريب والشك، وأنه إذا طرأ على الإنسان فإنه يفسد عليه دنياه وآخرته، وذكرنا نماذج من الإيمان الصادق الذي لم يطرأ عليه ريبة ولا شك.

    ونظراً لخطورة هذا الأمر أحببنا أن نزيد بعض الأمثلة لقضية الريب واليقين، وهي قضية النفاق والإيمان.

    غزوة الأحزاب وعناصر الإيمان الراسخة

    جاء في كتاب الله فيما يتعلق بغزوة الأحزاب أن الله سبحانه وتعالى بين أن الناس كانوا على قسمين حينما جاءوهم من فوقهم ومن أسفل منهم وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً [الأحزاب:10-11] في هذه الشدة العصيبة برزت عدة عناصر:

    * العنصر الأول: عنصر الريب: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [الأحزاب:12]، المرض هو: الشك والريب وعدم اليقين، مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب:12]، وآخرون يقولون: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا [الأحزاب:13]، يثبطون الناس عن القتال.

    * العنصر الثاني: عنصر الإيمان: بعد مشوار طويل مع هذا القسم في أحوالهم وبيان حقيقة أمرهم، وبعد التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم، وكما قال الله: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ [التوبة:128] إلى آخره، يأتي القسم الثاني: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب:22].

    ففي حدث واحد ومشهد واحد وشدةٍ عمت الجميع ينقسم الحضور إلى قسمين:

    * قسم يعتريه الريب يقولون: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً * يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا [الأحزاب:12-13].

    وقسم يقول: (هَذَا) حقاً هَذا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [الأحزاب:22] وأنه حق، وما زادتهم تلك الشدة وما زادهم ذاك الموقف لما وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ [الأحزاب:10]، ما زادهم ذلك إِلَّا إِيمَاناً [الأحزاب:22] بالله وبوعد الله وبخبر الله وَتَسْلِيماً [الأحزاب:22] لأمر الله.

    وجاء وبعدها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [الأحزاب:23]، بخلاف المنافقين والذين في قلوبهم مرض بدَّلوا، كانوا يقولون: أسلمنا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، والآن بدلوا ويقولون: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب:12]، ولكن المؤمنين حقاً ما بدَّلوا.

    مقدار صدق بني إسرائيل مع أنبيائهم

    طالوت لما فصل بالجنود هناك، لما رءوا العدو انقسموا ففريق قالوا:قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ [البقرة:249]، والآخرون قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:250-251].

    بنو إسرائيل لما قال لهم نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام: ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة:21] وعد من الله، قالوا: لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا [المائدة:24]، إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ [المائدة:22]، فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا [المائدة:24]، فهذا من الريب ومن ضعف اليقين بالله.

    والمسلمون لما أتوا إلى بدر كانوا إنما خرجوا للعير، والرسول قال لهم في أول الأمر: (من كان ظهره حاضراً فليركب)، وفي أثناء الطريق إذا بالمسألة تنقلب، ذهبت العير وجاء النفير، فماذا تقولون؟ أشيروا عليَّ أيها القوم، فيقعد المهاجرون جميعاً يتكلمون ويحسنون: لعلك خرجت إلى أمر وأراد الله أمراً، فامضِ إلى ما أراده الله، حتى قام قائم الأنصار يقول: والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24]؛ ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك.

    أعتقد أن هناك فرق كبير بين الفريقين في وبين الأمتين في بني إسرائيل وهذه الأمة المباركة.

    فداء الصحابة لرسول الله بأنفسهم

    نأتي إلى بعض النماذج أيضاً في الإسلام، ونجد ذلك في بعض المواقف في عصر النبي صلى الله عليه وسلم: النفر الذين أخذوا من قبل قريش، والشخص الذي أُخِذ منهم وخرجوا به إلى التنعيم ليصلبوه، واجتمع القوم، وجيء به عند الخشبة، فجاءه أبو سفيان وقال: أتود أن محمداً مكانك تُضرب عنقُه، وأنت آمن في أهلك؟ عند أحرج المواقف، وعند ضربة السيف والقضاء عليه يُعرض عليه هذا العرض، فماذا كان جوابه؟ قال: لا والله، ما أود ولا أرضى أن يكون محمدٌ صلى الله عليه وسلم يُشاك بشوكة في رجله وهو في مكانه. لا أريد أن أستبدل حياتي بشوكة يُشاكها في قدمه وهو في بلده.. يفدي شوكة في رجل رسول الله بحياته. وأعتقد أن هذا شيء فوق الخيال.

    وفي غزوة أحد مواقف عديدة منها: الذين ترَّسوا على رسول الله، قيس بن النعمان انكسر قوسه، يقول: لم يبقَ معي ما أرمي به، فقوَّست على رسول الله.

    وقتادة بن النعمان أيضاً يقول: وما يأتي سهم إلا والتقيته وأملت وجهي ألتقي السهم عن وجه رسول الله، وكان آخرها سهماً اندلقت منه عيني على خدي. وهو الذي رد له رسول الله صلى الله عليه وسلم عينه، كان يقول: (وانفض الجمع فجئت بها في كفي -وكما قال عمر بن عبد العزيز : كنا نُحَدَّث بأنها علقت بعرق وتدلت- فأخذها في كفه وجاء إلى رسول الله وقال: يا رسول الله، إن لي زوجة جميلة أحبها وتحبني وأخشى إن هي رأت عيني تقذرها، فأخذها صلى الله عليه وسلم بيده ووضعها مكانها وغمزها بكفه فكانت أجمل وأحب عينيه).

    وطلحة يعدون فيه فوق الثمانين حرجاً ما بين إصابة سهم وطعنة رمح ضربة بسيف، وأم عمارة امرأة أيضاً وأصابها شيء من هذا.

    فكل هؤلاء يفدُّون رسول الله بأنفسهم: هل كان في ذلك ريب أم أنه عين اليقين؟!

    اليقين والإيمان يتمثل في عبد الله بن حذافة رضي الله عنه

    نأتي إلى صورة يعجز إنسان أن يُقْدِرها قَدَرها إلا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في زمنه عبد الله بن حذافة كان في مواجهة جيش الروم، فأخذ أسيراً ومعه ثمانون رجلاً، فذكروا لملك الروم عن عبد الله ما لم يذكروا عن بقية الأسارى، فاستدعاه، فقال: هل لك أن تتنصَّر وتترك دينك وأشاطرك ملكي؟ قال: والله لو ضممتَ إلى ملكك ملك العرب لن أترك ديني لحظةً واحدة، قال: وأزوجك ابنتي، قال: وإن كان، قال: أقتلك، قال: لا باس بذلك فهو حق لك، وبيدك أن تعفو أو تقتل، ثم كان من شأنه أن أتى بقدر زيت وأوقد عليه النار، ودعا أسيراً من الأسارى أمامه، وعرض عليه أن يتنصر فامتنع فألقاه في ذلك القدر فذابت عظامه، قال: أتتنصر وتأخذ نصف الملك وتتزوج ابنتي أو ألقيك في هذا الزيت؟ قال: لا أرجع عن ديني ولا لحظةً واحدة، قال: اذهبوا به وألقوه في القدر، فلما وصل هناك بكى، فرجعوا به وقالوا: لقد أسِف ورجع وبكى، قال: أقبلت؟ قال: لا والله، قال: وما بالك تبكي؟ قال: أبكي؛ لأن لي نفساً واحدةً، وددتُ لو أن لي أنفساً أو نفوساً بعدد شعر جلدي كل نفس تلقى مثل هذا المصير في سبيل الله، فعجب الملك من أمره، قال: ردوه واحبسوه وامنعوا عنه الطعام والشراب، ثم قدموا إليه لحم الخنزير والخمر، ليأكل عند الاضطرار والجوع، فما أكل ولا شرب أربعة أيام، فقالوا للملك: إنه لم يأكل ولم يشرب، ومالت عنقه ويكاد أن يموت، فاستخرجوه، قال له: لماذا لم تأكل؟ قال: والله لقد علم الملك أن هذا الذي قدمتموه لي محرم في الإسلام، وأنه قد أبيح لي عند الضرورة وكان من الممكن أن آكل وأشرب بالرخصة ولكني كرهت أن تشمت في الإسلام بأن مسلماً أكل الخنزير وشرب الخمر وهما حرام عليه، فآثرتُ الموت على ذلك.

    قال: أتقبِّل رأسي وأفرج عنك؟ قال: وعن جميع الأسارى معي؟ قال: وعن جميع الأسارى معك.

    يقول عبد الله : فقلت في نفسي: كافر أقبل رأسه وأعتق نفسي وثمانين مسلماً من تحت يده فلا مانع، وقبَّلت رأسه، فأعتقه وأعتق الثمانين معه، وأجزل له العطية والهدايا.

    نقف هنا لحظة: ملك كافر عجز عن رجل مسلم بجميع أنواع صنوف الإغراء والتهديد. أي إغراء بعد نصف الملك والزواج بابنة الملك؟ وأي تهديد وقد سبق أيضاً أن قال: أصلبك، وعلقه على خشبة الصلب وقال للرماة: ارموا بجواره ولا تصيبوه، فكانت السهام تقع قريباً منه ولم تصبه، قال: أنزلوه. وما رهب ذلك كله.

    ويرى الأسير تذوب عظامه في الزيت ولا يرجع، ويظل على يقينه بالله، ولا يرجع عن دينه لحظة.

    نقول: إن الملك فعلاً قدَّر العظمة في هذا الرجل بصرف النظر عن كونه مسلماً أو غير مسلم، إنسان يعتز بدينه ويتمسك بمبادئه؛ لا تغريه المناظر ولا المادة ولا تلينه التهديدات.

    إذاً: فهو شخصية فذة أكبرها الملك في نفسه واكتفى منه أن يقبل رأسه، وتقبيل رأس الملك ليس بالأمر الهين، لو أن شخصاً عادياً طلب من الحرس أن يصل إلى الملك ليقبل رأسه ما سمح له الملك بذلك؛ لأنه شخص عادي، وتقبيل رأسه من عاديٍّ أمر عادي؛ لكن هذا شخص من نوع خاص، فكونه مع مكانته وقوة نفسه وعظمة شخصيته يتنازل ويقبل رأس الملك اعتبر الملك أن هذا انتصاراً عليه.

    فلما قدم المدينة ومعه الأسارى سأله عمر : ماذا فعلت؟ فأخبره، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: حق على كل مسلم أن يقبل رأس ابن حذافة، وقام عمر وقبل رأسه أمام الناس.

    تلك هي روح عظيمة ونفس كريمة ويقين ثابت، كل هذه المغريات ما غيَّرت في مبادئه، وكل هذه التهديدات ما أثرت في نفسه شيء، وآثر كل تلك الشدائد على البقاء على دينه.

    إذاً: الريب واليقين هما الحد الفاصل بين الإيمان والكفر، والإيمان حقيقةً: ما وقر في القلب وصدَّقه العمل.

    ومعنا في خبر هرقل خير شاهد، إذ لما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم وجاء أبو سفيان بتجارة إلى الشام وقال: أيكم أقرب نسباً لهذا الرجل الذي ظهر فيكم يدَّعي النبوة؟ قالوا له: أبو سفيان ، ثم أجلسهم وراءه وقال: إني سائلك، إن صدق فصدِّقوه وإن كذب فكذبوه، ثم سأله عدة أسئلة، من ضمنها؟

    أيرجع عن دينه من دخل فيه؟

    قال: لا.

    فقال: هذا فعلاً إذا خالط الإيمان بشاشة القلوب، فإنه لا يرجع عن ذلك قط، يذوق حلاوة الإيمان، وإذا خالطت بشاشة الإيمان قلب العبد فلا يمكن أن يرتد عن هذا الدين ولا يتخلى عن تلك الحلاوة والبشاشة.

    إذاً: المنافق لم تخالط بشاشة الإيمان قلبه، كما قال تعالى في الأعراب: وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14]؛ لأنكم ما وصلتم بعد إلى هذا الحد.

    1.   

    الجهاد بالنفس والمال

    قال الله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [الحجرات:15] حقيقة المؤمنين من آمن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15]، ونبهنا على ما تفيده (ثُمَّ) بأن الإيمان وقع منهم حقيقةً من أول لحظة، ومع التأخير والتراخي لم يطرأ عليهم ما يغير هذا اليقين، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15].

    ثم جاء إثبات هذا اليقين الذي وقر في القلوب: (وَجَاهَدُوا)، الجهاد هو علامة أو نتيجة ذاك اليقين الذي وقر في قلوبهم، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا [الأحزاب:23].

    فهنا علامة اليقين في قلوبهم أنهم جاهدوا.

    وهل جاهدوا في أمر دنيا، أو منصب، أو مال؟

    لا.. (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).

    فهنا قال سبحانه: لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا [الحجرات:15]، فكان الجهاد دليلاً على عدم الريب وعلى قوة اليقين، ثم جعل الجهاد قسمين:

    الأول: (بِأَمْوَالِهِمْ).

    الثاني: (وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ).

    يبحث العلماء في التقديم والتأخير، والأصل في التقديم: العناية بالمقدَّم في المتساويين، كما جاء في دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة في حجة الوداع، فطاف وقالوا: من أين نبدأ في السعي؟ هناك صفا ومروة متساويتان، من الأولى إلى الثانية شوط، ومن الثانية إلى الأولى شوط، فقال صلى الله عليه وسلم: (أبدأ بما بدأ الله به).

    إذاً: البداية لها تأثير، وهنا المال والنفس هل هما متساويان، حتى يقال: قدم أحد المتساويين فله أثر؟

    هما يشتركان في الغاية؛ لأن المال صنو النفس، وفي الحديث: (من مات دون ماله فهو شهيداً).

    إذاً: هناك من يقول: قُدِّم المال من باب التدرُّج؛ لأن الذي يجود بماله وبسخاء ولوجه الله يتدرج بعد ذلك ويجود بنفسه ويجاهد بنفسه ويعرِّضها إلى القتل شهادة في سبيل الله.

    والبعض يقول: قدَّم المال؛ لأنه أعم من تقديم النفس، والله سبحانه وتعالى رفع الحرج عن النفس في بعض الحالات: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [النور:61]، ونعرف أن النسوة لسن داخلات في ذلك، كما قيل:

    كُتِب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيولِ

    القتل والقتال مكتوب على الرجال، والمرأة لا تقاتل بنفسها، والمريض والأعمى والأعرج لا يقاتل بنفسه؛ لأنه ليس أهلاً للقتال؛ ولكن هؤلاء الأصناف الأربعة: الأعمى والأعرج والمريض والمرأة: هل يمكن أن يقاتلوا بأموالهم أم لا؟

    يمكن، يتبرع بجزءٍ من ماله، ويكون قد جاهد بماله.

    إذاً: الجهاد بالمال أعم وأشمل؛ لأنه يعم من عُذر في الجهاد بالنفس.

    ثم هؤلاء المجاهدون إذا لم يوجد مال يزودهم ماذا يفعلون؟

    ونحن نعلم قضية البكائين الذين جاءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال لهم: لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ [التوبة:92].

    إذاً: المال هو عصب الجهاد، ونحن في الوقت الحاضر هل الجهاد سيف ورمح، أم الجهاد آليات وكيماويات وإلى آخره، تلك الآليات بم تأتِ؟ كيف نحصل عليها؟ بالمال. بعض الطائرات الحربية تكلف عدة ملايين، والصواريخ الموجهة تكلف عدة ملايين أيضاً.

    إذاً: المال هو عنصر الجهاد الأساسي.

    وعثمان رضي الله تعالى عنه لما جهَّز جيش العسرة قال له صلى الله عليه وسلم: (لا عليك ألَّا تعمل بعد اليوم)، يكفيك من فعل الخير ما فعلتَه في هذا الجيش وجهَّزته.

    ثم ننظر أيضاً فيما بينه سبحانه وتعالى في صلاة الخوف: وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً [النساء:102]، ثم بين (وَأَمْتِعَتِكُمْ)، بيَّن بأن أمتعة الغزاة أو أن أمتعة الجيش تعادل السلاح سواءً بسواء.

    ومن هنا: حراسة المرافق: الكباري والطرق والمستودعات وخطوط المياه ومولدات الكهرباء ومستودعات الذخيرة أو الطعام كل ذلك قرين السلاح سواءً بسواء؛ لأن الجيش إذا لم تؤمَّن له مطالبه ضاع، وفي عادة الجيوش أنها تسبق مجيء الجنود، حتى تمدَّد مواسير المياه، وخطوط الاتصالات، وكل ما يحتاجون إليه، وتبني لهم المخابئ والمستودعات وتؤمَّن الذخيرة، كل ذلك بالمال.

    إذاً: تقديم المال هنا لأهميته في الجهاد، ويمكن أن يساهم فيه من لا يستطيع أن يجاهد بالنفس، ولأن المال -كما يقال- عصب الجهاد.

    وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ [الحجرات:15]: كما قيل:

    يجود بالنفس إن ضن الجبان بها والجود بالنفس أقصى غاية الجودِ

    ولهذا يقولون: كل شجاع كريم، وكل بخيل جبان؛ لأن الشجاع يلقي بنفسه ويضحي بها، والذي يضحي بنفسه لا يضن بالمال، وكذلك البخيل الذي يشح بالدرهم والطعام لا يعرِّض نفسه للهلاك.