إسلام ويب

تفسير سورة الحجرات [5 - ب]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا...)

    باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    وبعد:

    فقد تقدم مناقشة الأعراب في قولهم: (آمنا): قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14]، وتقدم التنبيه على هذه النكتة اللطيفة في قوله سبحانه: وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14]، بدلاً من أن يقول: (ولكن أسلمتم)؛ لأن فيه هذا شهادة لهم من الله بإسلامهم، ولكن من حسبان القول: (قالت) لا، (قولوا)، وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14] .

    وقدمنا بأن قوله سبحانه: قَالَتْ الأَعْرَابُ [الحجرات:14]، قول عام مخصوص ببعض الأعراب، وهم جماعة من بني أسد أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: (آمنا).

    والله سبحانه وتعالى قسم الأعراب إلى قسمين: منهم من آمن بالله وينفق في سبيل الله، ويتخذ ما ينفقه مغنماً وقربة عند الله، ومنهم من لم يؤمن، أو استسلم، أو نافق واتخذ ما ينفقه مغرماً وغرامة وقعت عليه. أي: لا يؤمن بجزائها ولا بالثواب عليها؛ لأنه لا يؤمن بالبعث الذي هو يوم الجزاء.

    وهذا القسم رجح والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في الأضواء بأنهم كانوا منافقين، أظهروا الإسلام أو قول الإيمان بألسنتهم ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم، وقال: إنهم أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم معلنين ذلك رغبة ورهبة، رغبة أن يشاركوا في الغنائم مع المسلمين، ورهبة في أن يقاتلوا وتسفك دماؤهم وتسلب أموالهم.

    وبيّن سبحانه وتعالى في آخر السياق: وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً [الحجرات:14]، أي: مع قولكم (أسلمنا) ونفي الإيمان عنكم أن تطيعوا الله وتطيعوا الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن الله لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ [الحجرات:14]، أي: لا ينقصكم من أجورها.

    والله سبحانه وتعالى ليس بظلام للعبيد، حتى إن الكافر المعلن كفره إذا عمل من أعمال الخير فإن الله يجازيه عليها ولكن في الدنيا، أما في الآخرة، فكما قال في الآية الكريمة: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23].

    وعلى هذا فالقرآن يبين لهؤلاء الناس الذين قالوا بألسنتهم، وصحح مقالتهم من الإيمان إلى الإسلام، ومع عدم وجود الإيمان المطابق لأقوالهم فإنهم إن أطاعوا الله وأطاعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أعمالهم محسوبة لهم ومحفوظة عليهم، ولا ينقص من أجورهم شيئاً؛ لذا سبق هذه الآية بقوله: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:13]، عليم بصدق ما قلتم، خبير بضمائركم وما تخفيه صدوركم، ليبين لهم حقيقة الموقف وما ينبغي أن يقولونه وهو مقالة الإسلام لا مقالة الإيمان.

    وهناك من يقول: (لما) أخت (لم) في النفي، ولكن لما تشعر بأن النفي مؤقت وليس قطعياً أبدياً، وينتظر أو يرجى حصول هذا المنفي تدريجياً، ويمثلون لذلك بقول القائل: أثمر الشجر ولما يينع الثمر. أي: أصل الثمرة موجودة ولكنها لا زالت ثبجة لا تصلح للأكل ولما تنضج، فهي في طريق النضج تدريجياً، وهكذا الثمار تبدأ ثبجة أولاً، ثم تتدرج في النضج إلى أن تستوي في نهايته وتكون ثمراً جنياً.

    وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الحجرات:14]، هذا على العموم والإطلاق؛ لأن طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة مطلقة، ولكن يأتي هناك استثناءات فيما إذا عجز الإنسان، أو حال دون ذلك حائل فإنه يغفر له ويسامحه في ذلك لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة:286]، ويقول صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم)، فالفعل على الاستطاعة، والترك على القطع.. (وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)، ليس هناك تبعيض في الاجتناب؛ لأن الترك سلبي، بخلاف الصلاة، فإنه عمل تكليف، والتكليف قد يشق على المكلف، وعند المشقة يأتي التيسير.

    1.   

    صفات المؤمنين وأعمالهم

    ثم بين سبحانه وتعالى الحقيقة: لما رد على الأعراب مقالتهم: (آمنا) ولم يستقر الإيمان في قلوبهم، ولم يصدقوا مقالتهم بألسنتهم وبأفعالهم بين لهم سبحانه، فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [الحجرات:15]، أي: حقيقة المؤمنين.

    اللطائف البلاغية في قوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة)

    ويقولون في علم العربية (إنما) أقوى أدوات الحصر، وكذلك النفي والإثبات، تقول: لا شاعر إلا زيد، (لا) نفي، و(إلا) استثناء، وكذلك تقديم ما حقه التأخير: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة:5]، أصلها: نعبدك ونستعينك، فكاف الخطاب محلها التأخير، فلما فصلت وقدمت جاءتها (إيا) من أجل النطق بها؛ لأنه لا ينطق بكاف الخطاب مجردة، فقدمت كاف الخطاب عن محلها فكان دليلاً على القصر، قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة:5] لا نعبد غيرك، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] لا نستعين بسواك.

    فهذه كما يقولون: أدوات القصر، وكذلك تعريف الطرفين لو قلت: زيد كاتب، قد يكون كاتب من الكتاب، ولكن إذا قلت: الكاتب زيد، فهذا قصر، ويقولون: القصر نسبي وحقيقي، والقصر النسبي ما كان بالنسبة إلى أشخاص آخرين يدَّعون الكتابة، تقول: الكاتب.. أي: حقيقة هو فلان، وهكذا (إنما).. النفي والإثبات.. تقديم ما حقه التأخير.. تعريف الطرفين. هذه هي أدوات القصر في علم البلاغة، وأقواها (إنما).

    إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [الحجرات:15]، أي: حقيقة المؤمنين ما هي؟ من هم المؤمنون حقاً لا ما يدعي أولئك الأعراب الذين لم تصدق قلوبهم منطق لسانهم، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ [الحجرات:15] (الَّذِينَ) اسم موصول.

    آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15]، هنا لطائف بلاغية كما يقول علماء التفسير:

    إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:15]، كان ممكن، أن يقال: (ولم يرتابوا)، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15]، و(ثم) هنا كما يقولون: للتعقيب والتراخي.

    أولاً: الريب إنما هو الشك، والشك التردد، والتردد والشك هما نتيجة وسوسة الشيطان للعبد، يوسوس إليه فيوجد عنده شكاً في الحقائق فيتردد ويرتاب، فإذا ارتاب كان مذبذباً بين هذا وذاك، ولم يستقر حاله على أمر، وقد قدمنا بأن الشك هو تعادل الكفتين في العلم، والظن ترجيح إحدى الكفتين، والوهم هو الكفة الراجحة، والعلم هو ما لا يوجد مقابله وهم، فالشك تردد، والمتردد لم يجزم ولم يستقر على ما يريده.

    وأخطر ما يكون في هذه الحياة من أمور الدنيا والدين إنما هو التردد والريب، ولهذا يجد المتأمل في كتاب الله أن المصحف الشريف بدأ بنفي الريب باليقين، وانتهى بنفي الشك والريب والوسوسة، ويهمنا هنا: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ .

    ثم بين سبحانه: (ثُمَّ لَمْ) ومجيء (ثم) هنا يبين به سبحانه بأن المؤمنين حقاً الذين آمنوا إيمان يقين ولم يقم مع إيمانهم شك ولا تردد، ثم هم يثبتون على الإيمان القاطع من أول إيمانهم إلى آخر أمرهم في الحياة حتى يخرجون من الدنيا.

    (ثُمَّ لَمْ)، أي: لم يطرأ على إيمانهم فيما بعد ريب، فهم مؤمنون على يقين من أول لحظة، ويستمرون على اليقين في إيمانهم، ولم تزعزعهم القضايا التي تعرض عليهم، ولم تزعزعهم الشدائد التي تضر بهم، بل يثبتون على يقينهم، ثم مهما طال الزمن، ومهما واجهوا من أحداث لن يأتي الريب إلى قلوبهم، ولن يجد الشك إلى يقينهم مدخلاً ولا طريقاً.

    يقين المؤمنين في الأمم السابقة

    يقول العلماء: وقريباً من ذلك قوله: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30]، أي: استمروا على مقالتهم واعتقادهم هذا إلى النهاية، كما جاء عن الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال: (قالوا ربنا الله ثم استقاموا على هذا القول قولاً وفعلاً إلى أن ماتوا، ولم تتغير مقالتهم، ولم تتغير استقامتهم في منهجهم الذي سلكوه).

    وإذا نظرنا إلى عنصر اليقين مع المؤمن: نجد من أول الدنيا وفي الأديان جميعاً أن اليقين هو عنصر النجاح والثبات، ونجد الشدائد التي وقعت بالأمم مهما كانت يكون علاجها باليقين، كما وقع مثلاً في قضية أصحاب الأخدود؛ حينما أوقد ملكهم النار، وعرض عليهم الرجوع عن الإيمان، فامتنعوا، فقال: من امتنع سألقيه في تلك الأخاديد الموقدة، فما ارتابوا، ولا ترددوا، وقضية الطفل الرضيع، لما عُرِضت أمه على النار أو أن ترجع عن دينها فأبت، ولكنها رأت طفلها فأشفقت عليه أن تلقي بنفسها وهو معها في النار، لم تفكر في نفسها ولكن طفلها ما ذنبه؛ لأنه لم يبلغ مبلغ الإيمان، ولكن الله أنطق هذا الطفل وهو ثالث ثلاثة نطقوا في المهد، قال: قعي في النار يا أماه ولا تتقاعسي فإنك على الحق، فهذه الأم على هذا الوضع ألقت بنفسها في النار وهي على يقين من أنها على الحق، فما ترددت ولا رجعت.

    ومن قبل ذلك أيضاً سحرة فرعون: جاءوا مناصرين للباطل ويعرضون على فرعون: أَئِنَّ لَنَا لأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ [الشعراء:41-42]، فجاءوا أعواناً للباطل، مشمرين ليدحضوا رسول الله وبما جاءهم به من الآيات، ولكنهم لما عاينوا الحق وهم أعرف بفن السحر، وعلموا أن ما جاء به موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس من باب سحرهم، وإنما هو فوق ما يظنه العقل أو يتداركه، حين ذلك آمنوا بالله سبحانه وتعالى.

    ولما هددهم فرعون قال: لأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه:71]، سبحان الله! النخل أشد ما يكون خشونة، تلمسه بيدك تتألم، وهو يريد أن يصلبهم على جذوع النخل، قالوا: فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [طه:72]، استهانوا بتعذيب فرعون بعد أن كانوا نصراء له وانقلبوا عليه ووقفوا ضده يقيناً بالله؛ لما وجدوا الآية الكبرى مع موسى عليه السلام.

    ولهذا يقولون في قصتهم: كان كبير السحرة في ذلك الوقت قد هرم ولم يستطع أن يحضر ذلك النادي، فلما قيل له ذلك؛ وذكروا له إيمان السحرة وعابوهم، قال: أخبروني عن تلك الحية التي ابتلعت الحبال والعصي، أبقيت على حجمها الأول قبل أن تلتقمها، أم أنها انتفخت وكبرت بعد أن التقمتها؟ قالوا له: لم يتغير حجمها وكانت على ما هي عليه، قال: إذن هذه آية وليست سحراً.

    ولهذا يقول والدنا الشيخ الأمين : هذا علم قد يكون حراماً، ولكنه نفع السحرة بأن عرفوا بأن حقيقة ما جاء به نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام ليس من نوع سحرهم، فآمنوا؛ لعلمهم بحقيقة السحر.

    وهكذا هؤلاء يهددهم فرعون الطاغية بأنه سوف يصلبهم وسيقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وكل أنواع التهديد عرضه عليهم، ومع ذلك قالوا: آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:121].. قالوا: فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [طه:72]، بخلاف الآخرة.. لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا [فاطر:36]، لا يخرجون من النار ولا يموتون فيها. يعني: عذاب دائم مستمر.

    إذاً: هؤلاء دخل اليقين إلى قلوبهم، حتى مع مجيء الشدائد عليهم لم يرتابوا فيما آمنوا به.

    يقين المؤمنين في عهد النبوة

    لما اشتد الأمر على المسلمين في مكة، وجلس صلى الله عليه وسلم بالحجر، ومعه بعض أصحابه، قالوا: يا رسول الله! ادع الله لنا أن ينصرنا على المشركين، فضحك صلى الله عليه وسلم وقال: (والله ليتمن الله هذا الأمر حتى تسير الضعينة من صنعاء إلى حضرموت لا تخشى إلا الله والذئب على الغنم)، كيف يحصل ذلك وهم يعذبون ومضطهدون؟ إنه اليقين بالله.

    ونأتي إلى حدث كان قبل ذلك، حينما جاءوا إلى عمه ليكلمه في أن يترك ذلك، وقالوا: إن كان يريد مالاً جمعنا له، وإن كان يريد ملكاً نصبناه علينا، وإن كان يريد زواجاً زوجناه أجمل من في العرب، وإن كان.. وإن كان.. إلى آخره، فقال: (فرغت يا عم؟ قال: بلى، قال: والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى تذهب هذه عن هذه)، سبحان الله! قال ذلك وهو أحوج ما يكون إلى عمه، ومع ذلك يتحدى ولو جاءوا بالشمس والقمر، لا بأموالهم ولا بنسائهم ولا بجاههم وملكهم، لن ينظر لذلك قط حتى يتم الله هذا الأمر، وعلى هذا فعلاً كان على يقين من ربه سبحانه.

    وليلة الهجرة حينما يأتي عشرة شبان بسيوفهم على بابه، ويأتيه جبريل ويخبره، فيخرج يقيناً بالله مستخفاً بهؤلاء، ولم يكتف بالخروج من تحت أيديهم، بل أخذ التراب من تحت أقدامهم ووضعه على رءوسهم، ويقرأ قوله سبحانه: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9]، سبحان الله العظيم!! يحجب الله رسوله عن أبصارهم، عشرون عيناً تنظر فلم تره!

    ثم يذهب ويصل إلى الغار، ويأتي الطلب وراء ذلك، ويقول الصديق : يا رسول الله! والله لو نظر أحدهم أسفل نعليه لأبصرنا، فماذا كان رده صلى الله عليه وسلم؟ كان منطق اليقين يتجسم في كلامه حتى يملأ الغار أمناً وطمأنينة: (ما بالك باثنين الله ثالثهما)، ومن كان الله ثالثهما هل يخافا؟! لا والله، آمناً مطمئناً، وكتب السيرة تذكر أحداثاً عجيبة في هذا الغار المبارك.

    صدقة عائشة رضي الله عنها دلالة على إيمانها

    خرج صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وانتشر الإسلام، ثم يكون هناك من بعض الأفراد اليقين الجازم كما قدمنا مراراً عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في قصتها مع بريرة وقرص الشعير، وكانت صائمة، وجاء مسكين، فقال: صدقة يا آل بيت رسول الله، قالت عائشة : يا بريرة أعطي السائل، قالت: ما عندي ما أعطيه، إلا قرص شعير تفطرين عليه في المغرب، فماذا قالت أم المؤمنين؟ هل قالت: احفظيه لنا؟! لا، بل قالت: أعطي السائل القرص وعند المغرب يرزق الله، فذهبت بريرة وهي تتغنى بقول عائشة : عند المغرب يرزق الله، لم ترتفع بريرة إلى مستوى أم المؤمنين في اليقين بالله سبحانه، ثم جاء المغرب ما رزق الله، قامت تصلي أمامها، وبريرة جلست تريد أن ترى رزق الله، فما خرجت أم المؤمنين من صلاة المغرب والتفتت إلا وشاة كاملة أمامها بقرامها، قالوا: القرام هو أطرافها وما معها، أو أن القرام هو أنهم إذا أرادوا شوي الشاة بعد سلخها جاءوا بالعجين وطلوها به من جميع الجوانب، ووضعوا عليها الجمر، فإذا جف هذا العجين نضجت الشاة من داخله، وبقي العجين يتلقى الأتربة وغير ذلك، فيقشرون هذا العجين عنها كما تقشر البيضة أو حبة الموز، والآن يستبدلونه بالقصدير، فيدخلون اللحم في الفرن بالقصدير، ويبقى على ما هو عليه.

    فقالت أم المؤمنين لـبريرة : ما هذا يا بريرة ؟ قالت: والله أهداه إلينا رجل، والله ما أهدى إلينا قبل ذلك قط. يعني: شيء عجيب، لو أنه معتاد أنه يأتي له حسب العادة، لما فوجئ أهل البيت، لكنه على العكس ما أتى لنا بشيء أبداً من قبل.

    إذاً: شيء ساقه الله بخصوصه، ماذا قالت أم المؤمنين؟ قالت: (يا بريرة ! كلي فهذا خير من قرصك)، أنت كنت حريصة على أن يبقى قرص الشعير؛ لأنك صائمة، فأعطيت قرص الشعير وجاءت الشاة. ثم قالت -وهو محل الشاهد-: (والله لا يكمل إيمان العبد حتى يكون يقينه فيما عند الله أقوى من يقينه فيما في قبضة يده )، الخبز بيدها، ولكنها تصدقت به، ويقينها وإيمانها عند الله أقوى في قلبها من هذا الذي في قبضة يدها، وهذا هو حقيقة الإيمان.

    اليقين هو مبدأ السعادة

    وهكذا لو تأملنا أن تمرة تقبض عليها بيديك الاثنتين، ثم جئت لتتناولها فضرب إنسان على كفك فطارت فالتقطها وأخذها.. وصلت إلى باب فيك ولكن لم تمضغها ولم تأكلها، ولكن هو ما عند الله، والله لو اجتمع الإنس والجن على أن يحولوا بينك وبينه والله ما استطاعوا.. قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا [التوبة:51].

    وعلى هذا اليقين هو مبدأ السعادة والنجاة في كل شيء، ونجد هذا من أول الحياة الدنيا مع الرسل وأتباعهم، وفي هذه الأمة، ومع النبي صلى الله عليه وسلم، ومع بعض الأفراد، نجد اليقين هو منطلق الإيمان، وهو مبدأ السعادة في حياة الإنسان.

    ثم نجد ما أشرنا إليه من ارتباط اليقين في كتاب الله، نجد مبدئياً بعد فاتحة الكتاب قوله سبحانه: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة:1-4]، اليقين موجود عند هؤلاء بالآخرة، واليقين بالآخرة هو منطلق فعل كل خير.. علامَ يتحمل الناس الالتزام بالصلوات الخمس؟ علام يلتزم الناس صوم رمضان جوعاً وعطشاً؟ علام يلتزم الإنسان إخراج جزء من المال بكفه وعرق جبينه ويعطيه إلى غيره؟ علام يتحمل الإنسان السفر الطويل من كل فج عميق، ويأتي في حل وارتحال للحج؟ علام يتحمل الناس مسئولية الجهاد وسفك الدماء؟ كل ذلك لأي شيء؟!! لدافع لذلك الإيمان بالغيب واليقين بما فيه من عند الله سبحانه، ولولا ذلك اليقين ما حصل شيء من ذلك، ولهذا المنافق لعدم يقينه يعمل ما كان ظاهراً أمام الناس، وإذا خلا بينه وبين أصحابه جحد ما كان يظهره بلسانه.

    وهكذا جاء الحديث خاصة في المال على ما سيأتي بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ [الحجرات:15]، وأن الصدقة برهان. أي: دليل قاطع على صدق من يقول: آمنت بالله، وسيأتي إيضاحه إن شاء الله.

    إذاً: هنا إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ [الحجرات:15]، (ثم) هنا إنما جاءت للتراخي بعد نقطة مبدأ الإيمان، فقد صدر إيمانهم بيقين في وقتها، ثم ثبتوا على هذا اليقين، ومع استمرارهم ومضي الزمن وطوله.

    وننظر في الأمر الجماعي في غزوة الأحزاب، في حفر الخندق لما اعترضت صخرة جماعة سلمان الفارسي أو أبي هريرة، وتكسرت عليها معاولهم، والغريب أن صخرة اعترضتهم طريقهم مع أن مكان الخندق في أرض سهلة، وهو ما بين طرف الحرة الغربية عند المعهد الوطني، عند كلية أمين مدني ومعرض العامر، ويمتد إلى مقابله إلى الحرة الشرقية -وهي كلها أرض سهلة- لكن اعترضت صخرة في طريقهم في الحفر، لتكون آية من عند الله، وتكسرت عليها معاولهم، واشتكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أنا آتي، فلما رآها طلب ماءً وتوضأ، ونثر الماء على الصخرة، ثم أخذ المعول وضرب ثلاث ضربات، فأول ضربة أبرقت وتكسرت، والثانية تفتت، والثالثة صارت كثيباً من الرمل، وفي كل ضربة تبرق برقة ويكبر رسول الله معها.

    قالوا: ما هذه البرقة وما هذا التكبير يا رسول الله؟ قال: (أرأيتم؟ قالوا: بلى، قال: إن الله قد أراني صنعاء والشام وبصرى العراق)، أي: إن الله سيفتح للمسلمين هذه الأمصار الثلاثة، في هذه الحالة مع شدة الخوف والجوع والبرد، ظهر النفاق والارتياب، فقال المنافقون: يعدنا قصور بصرى والشام وصنعاء وإن أحدنا ليخاف على نفسه أن يذهب فيقضي حاجته. هذه مقالة المنافقين.

    أما أهل الإيمان فقالوا: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً [الأحزاب:22]، وما زادتهم تلك الشدة وهذا الواقع إلا إيماناً وتسليماً لله، فهذا هو الإيمان الحقيقي، تلك الشدة ما زعزعت إيمانهم، ولا أضعفت يقينهم، بل زادتهم إيماناً، وكما يقولون: الشدة تورث اليقين، أو تدعم التضامن والتجمع.

    لما تكون أقلية إسلامية في بلد، ويحسون بالشدة والضغينة من الأكثرية ينضم بعضهم إلى بعض، ويقوى ارتباطهم ببعض للدفاع عن النفس، وهؤلاء المؤمنون جاءتهم وواجهتهم تلك الشدائد، ولكنهم لم يرتابوا.

    1.   

    اليقين في كتاب الله

    نجد اليقين كما أسلفنا من أول كتاب الله إلى آخرة وما بين الطرفين عمل بمقتضى ذلك اليقين، أشرنا إلى الطرف الأول.. وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة:4]، وافتح المصحف وقلب أوراقه إلى أن تأتي إلى الصفحة الأخيرة، ماذا تجد في المصحف الكريم؟ المعوذتين، تجد الأولى: بسم الله الرحمن الرحيم: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1]، صفة عامة، ولكن (فلق) هنا تأتي على جميع الخلق، فلق الرحم عن الجنين، فلق الحبة عن النبات، فلق الليل عن الفجر، فلق وفلق.. إلى كل ما تتصور في مخيلتك.

    مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق:2-5]، فجيء بصفة واحدة أمام أربعة مضار ومفاسد يتعوذ منها.

    الأولى: العامة: مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق:2]، حتى قال ابن عباس : المعاصي مما خلق، كأنك تستعيذ بالله أن تقع في معصية، (وغاسق إذا وقب) قال: القمر إذا غاب؛ لأنه وقت اتخاذ السحرة السحر لظلام الليل، (نفاثات) أي: سحرة، (حاسد إذا حسد) وكل ذلك من أضرار البدن المادية.

    تجد السورة الأخيرة التي ختم بها المصحف الشريف: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ [الناس:1-3] هناك: (رب الفلق * من شر)، وذكر أربع شرور يستعاذ منها، وهنا ثلاث صفات (رب.. ملك.. إله) ويقول العلماء: هذه صفات العظمة لله سبحانه؛ لأنها جامعة، الرب رب العالمين، والربوبية قاعدة توحيد الألوهية؛ لأنه يُستدل بفعل الرب لعباده على استحقاقه لإفراده بالعبادة، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:3-4]، اعبدوه مقابل ما أطعمكم وآمنكم، وهكذا كثير من نصوص القرآن الكريم تسير على ذلك النمط.

    فنجد هنا (رب الناس)، والرب هو الخالق المربي، أي: خلق الخلق ورباهم على نعمه ورزقهم.

    (ملك الناس)، والملك هنا كامل؛ لأنه ملك قدرة وسلطان، لا ملك سياسة وإدارة كملوك الأرض وملوك الدنيا؛ لأن هنا الملك بالفعل والقدرة والسلطان، لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ [الشورى:49]. هذه حقيقة الملك، ولا تكون إلا لله، يهب أو يجعل. أي: إرادة فعالة بقدرة قادرة.

    مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ [الناس:2-3] أي: معبودهم ومألوههم، وهذه الثلاث كلها صفات العظمة لرب العالمين.

    تأتي تلك الصفات الثلاث أمام شر واحد، والمستعاذ منه شيء واحد، بينما سورة الفلق المستعاذ به صفة واحدة والمستعاذ منه أربع صفات، أربع مفاسد تستعيذ منها بصفة واحدة لله، وهنا ثلاث صفات العظمة لله تستعيذ بها جميعها من خصلة واحدة وهي أخطر ما تكون على الإنسان في دنياه وآخرته.

    مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ [الناس:4]؛ لأنه بالوسوسة في الصدر يكون الشك، وبالشك يكون الريب، وإذا شك الإنسان وارتاب في شيء لم يتم مشروعاً في حياته قط، تريد أن تبني بيتاً لكن ترددت: فيما بعد.. أبني هنا.. لا.. أعمل كذا، وهكذا ما دمت بين كفتي الشك والتردد ولم تستقر كفة اليقين عندك، وهكذا في أمور الدنيا والدين.

    مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ [الناس:4-5] أي: بما يبعدهم عن الله سبحانه، أو يضعف يقينهم فيما عند الله.

    ولهذا دليل لما جاء في أحداث التبشير، ومنذ حوالي أربعين سنة كتب الدكتور عمر فروخ ممن يعالج هذه القضية -التبشير والإسلام- وعقد مؤتمر المبشرين في بلد من البلاد العربية، واجتمع المستشرقون جميعاً في المنطقة، ثم عابوا على رئيس المؤتمر بأن جهودنا ضائعة، قال: لماذا؟ قالوا: لأننا زهاء أربعين سنة -هم يقولون ذلك من أربعين سنة، يعني: من ثمانين سنة من الآن- لم ننصر مسلماً، ماذا قال رئيس المؤتمر ورئيس المبشرين؟!!

    قال: لا، لا تتعجلوا، نحن لا نريد أن ننصر مسلماً، ولكن إذا استطعتم في هذه المدة أن تشككوا المسلمين في دينهم فقد نجحتم.

    وهكذا إن العالم المستعمر وأعداء الإسلام ما استطاعوا للمسلمين بقوة السلاح والحديد والنار، فأثاروا الشكوك والقضايا الشائكة التي تتردد بين العقل والمنطق والدين، فتثير الشكوك في نفوس الناشئة، أو في نفوس ضعاف العقول، أو من لم يتمكن في دينه وعقله ويقينه، فإذا ما وقع الشاب أو المسلم في الشك والحيرة بين ما يورده عليه هؤلاء وبين ما يأتي به الإسلام ماذا يكون الحال؟

    ومن أمثلة ما يثيرون: يقولون: سلوا محمداً، الشاة التي ماتت من الذي أماتها؟ سيقول لكم: الله، الشاة التي نذبحها من الذي أماتها، تقولون: نحن، فقولوا له: ما أماته الله خير أم ما أمتناه نحن؟

    إذاً: الذي نميته نحن نأكله والذي يميته ربه الذي خلقه محرم لا نأكله؟

    انظروا إلى هذه الشبهة! فجاءوا وسألوا رسول الله: الشاة الميتة من الذي أماتها؟ قال: الله، قالوا: الشاة التي نذبحها من الذي أماتها؟ قال: أنتم ذبحتموها، قالوا: ما ذبحناه نحن خير مما أماته الله؟ قضية تشكيك.

    ثم يأتون الآن وفي الوقت الحاضر عن طريق المرأة، ويقولون: نصف المجتمع معطل، وهكذا ينادون بضرورة عمل المرأة، ونسوا أن عملها الحقيقي في بيتها، ولو أنها خرجت إلى عملها، عطللت وظيفتها الأساسية، لما وجد هذا وما وجد ذاك، وإذا ما انقطعت لتربية النشء وأرسلته للمجتمع مكتمل القوة بدنياً وعقلياً وتحت رعاية الأم وحنانها لكان خيراً من إنتاج المجتمعات الأخرى.

    إذاً: جاءوا بالشبهة، قالوا: هذه إنسان، وهذا إنسان، لماذا يكون ميراثها نصف ميراث الرجل، هذه زوجة وهذا زوج، لماذا يكون الطلاق بيد الرجل ولا يكون بيد المرأة؟ هذه زوجة وهذا زوج لماذا يكون للرجل أربع نسوة والمرأة ليس لها إلا الزوج؟ لماذا يستبيح الرجل الإماء بملك اليمين إلى ما شاء من عدد، والمرأة لا تستبيح عبيدها الذين ملكتهم بيمينها؟ ويشككون هؤلاء أنصاف العقلاء؛ ولكن لو رجعوا إلى منطق العقل وكما رجع البعض منهم الآن.

    ويعلم البعض أن هناك بعثة جاءت من الفاتيكان إلى هذه المملكة في زمن الشيخ محمد الحركان -رحمة الله تعالى علينا وعليه، حينما كان وزيراً للعدل، وسافر أيضاً رداً للزيارة- لكي يبحثوا في يبحثون نظام الإسلام في الطلاق والنكاح وعلاقة الرجل بالمرأة؛ لأنهم ضجروا وعجزوا عن معالجة قضايا المرأة في بلادهم، ورأوا أن منهج الإسلام في البلاد الإسلامية هو المنهج الأمثل، فجاءوا يدرسون هذا فقهياً أو قانونياً على ما يرونه.

    وقد حضرنا مؤتمراً مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحضره من العالم قرابة أربعين دولة، منها: إنجلترا وأمريكا وإيطاليا من الفاتيكان، ومندوبٌ بلا تسمية، فلما سمع مندوبو بعض تلك الدول مناقشة إقامة الحدود وحفظ الإسلام للجواهر الست:

    · الأديان.

    · والأبدان.

    · والعقول.

    · والأعراض.

    · والأنساب.

    · والأموال.

    بشروطها والتحفظ فيها ونتائج ذلك، قام وأعلن: ما كان الغرب ليعلم أن الإسلام فيه هذا النظام الدقيق الشامل، وعهد عليَّ وأمانة لحضوري: أن أنقل هذا بعيد مرجعي إلى هناك، وأن أوصي بالأخذ به.

    فهذا -أيها الإخوة- حقيقة العقل حينما يباشر الإنسان تعاليم الإسلام عملياً.

    ولو أردنا التنبيه على فساد مقالاتهم:

    يقولون في الطلاق: لماذا لا تطلِّق المرأة؟

    وهي ماذا تخسر؟ الرجل هو الذي دفع المال، وقام على حمايتها وإيوائها، والإنفاق عليها وعلى عيالها، والرجل أشد تحملاً وأضبط لنفسه عند الغضب، أما المرأة فلأتفه الأسباب تثور حماقتها، ولأتفه الأسباب تنسى الماضي؛ فلو كان الطلاق بيدها لطلقت الزوج عشرين مرة في اليوم الواحد.

    إذاً: يبقى الأمر بما فضل الله بعضهم على بعض، الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء:34]، وبين سبحانه سبب القوامة، فقال: بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا [النساء:34].

    ونأتي إلى الميراث: تريدون أن المرأة مثل الرجل في الميراث؟

    فلو أن الرجل اقتسم مع المرأة المال بنظرهم وأخذ الولد ألفاً والبنت ألفاً، بعد لحظات البنت ستتزوج، ونفقتها ستكون على زوجها، والألف يذهب إلى الصندوق، أما الولد فسيتزوج والألف ستكون لمن؟ كانت لواحد ثم أصبحت لاثنين، الاثنان بعد سنة صاروا ثلاثة وبعد سنة صاروا أربعة، وهكذا الأولاد في زيادة، فالولد يتحمل مسئولية زوجة ستأتي أو هي موجودة بالفعل، وأولاد سيأتون، ويصبح رب أسرة.

    إذاً: لو كان له تسعة أعشار الميراث لم يكن ذلك كثيراً، وهذا فضل الله كما قسم سبحانه وتعالى.

    إذاً: كيف ترون أو تدعون أن المرأة هضمت في الإسلام، بل هي أُعطيت فوق حاجتها أو فوق حقها.

    والجواب على بقية الشبه التي ينادون بها بالعمل وغير ذلك أن يقال:

    لقد أصبحوا الآن ينادون بلزوم المرأة بيتها، وقد قرأت منذ ما لا يقل عن ثلاثين سنة مقالاً نشرته مجلة: (آخر ساعة) بأن مدير مكتب العمل دخل عليه صحفي فلم يجد في مكتبه فتاةً واحدة من ضمن عماله، فسأله: أنت تورد للدوائر الحكومية موظفين وموظفات، ولم أرَ في مكتبك أية فتاة! فلماذا؟

    قال: إن الفتاة مهما كانت تأتي إلى العمل بقوة وحماس بشعور النقص فيها لتغطي نقصها وتثبت جدارتها، فإذا ما أثبتت جدارتها نوعاً ما بدأ رد الفعل وحينها تتراجع في التناقص عن الإنتاج، فضلاً عما يعتريها مما خلقت له من دورة شهرية تُثير أعصابها وتقلل تحملاتها، وتغير في أخلاقها، وإذا ما كان الحمل فنصف عمرها يضيع في مؤثرات الحمل، من مبدأ الوحم إلى الولادة إلى الرضاع، فأين إنتاجها إذاً؟

    ولذا يقول: أنا لا أقبل في مكتبي أية فتاة، أما الشاب فإن بدأ في الإنتاج ضعيفاً وأقل من الفتاة فهو يتدرج من النقص إلى الزيادة، بخلاف الفتاة؛ فإنها تنزل من الزيادة إلى النقص.

    وهناك مقالة في كتيب نشره صاحب جريدة المنار الشيخ رشيد رضا بعنوان: نداء إلى الجنس اللطيف، مقال كتبته كاتبة إنجليزية، وفيه تقول: ليت فتياتنا خادمات في بيوت المسلمين ولا يزاحمن الشباب في المصانع وعلى الآليات في الحقول.

    فهذه عدالة الإسلام وحقيقة الواقع ومنطق العقل: بأن الإسلام هو الذي أعطى المرأة حقها فعلاً ولكن في مجالها وفيما يناسبها، وأبعد عنها ثقل التكليف بما لا تطيق، وهم يريدونها أن تخرج من كرامتها وراحتها إلى وكر العناء والشقاء.

    نسأل الله سبحانه وتعالى السلامة والعافية، والله أعلم، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.