إسلام ويب

تفسير سورة الحجرات [3 - ب]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    أثر الأخوة الإسلامية في تلاحم وترابط المجتمع المسلم

    بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد:

    فلن تكون للأمة الإسلامية أصالة ومناعة وترابط وتراحم وتلاحم إلا إذا انضووا تحت الأخوة الإسلامية. واستقوا من رحيقها، وعملوا بمضمونها، كما كان صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، وكان والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول: إن تلك الرابطة الإيمانية التي ألغت روابط النسب والجنس والعرق والوطن قد ربطت بين مؤمني هذه الأمة وبين حملة العرش من ملائكة الرحمن، كما قال الله: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر:7]؛ فهذه رابطة الإيمان بين الملائكة ومؤمني هذه الأمة، ثم عطفت قلوب الملائكة على المؤمنين في هذه الدعوات المخلصة: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [غافر:7-8] مجال واسع.. الآباء والذريات والأزواج، ما كان بين الملائكة ومؤمني البشر عنصر يجمعهم؛ فالبشر من مادة الماء والطين، والملائكة عالم نوراني، وكل له خصائصه، ولكن الرابطة العامة قد ربطت بينهما، ويبدو لي أن تلك الرابطة أوسع مدى، فقد ربطت بين المؤمن والحيوان، والمؤمن والجماد، فهذا سفينة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائد من بعض الغزوات، وإذا بالأسد على الطريق يمنع الناس من المرور، فشق الطريق إليه وتقدم عنده، وقال: (أيها الأسد! إني سفينة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم عزمت عليك لتفسحن الطريق للناس يمرون، فإذا بالأسد يتنحى عن الطريق ويمضي قليلا ويقف، فيقول لهم: اجتازوا فقد ابتعد عنكم) من الذي أفهم الأسد نداء سفينة؟ إنه الله!

    وهذا العلاء بن الحضرمي ذهب لغزو البحرين فإذا بالقوم قد علموا به، فانحازوا بسفنهم إلى داخل الجزيرة، فماذا يفعل القائد المسلم وقد قطع المسافة من المدينة إلى هناك قرابة شهرين؟

    ما انتظر ولا رجع، ولكن بإيمانه ويقينه بالعهد الذي بينه وبين الله والمهمة التي توجه إليها؛ توجه إلى المولى سبحانه؛ لأنه بيده ملكوت كل شيء، وهو الذي خلق كل شيء وأعطاه خصائصه، وهو قادر أن ينزعها عنه، فقال: أيها البحر! إنك تجري بأمر الله، ونحن جند في سبيل الله -الرابطة واحدة مجراك بأمر الله ومجيئنا أيضا بأمر الله- جئنا لنغزوا عدو الله؛ عزمت عليك لتجمدن لنعبر إليهم، ثم أمر الجيش بالمضي، فاقتحموا البحر وجمد لهم الماء.

    يقول ابن كثير في هذا الخبر: ما ترجل الفارس، ولا احتفى المتنعل؛ فالذي ركب على فرسه ركب على فرسه، والذي كان لابساً لنعاله بقت نعاله في قدميه، وعبروا البحر يمشون على وجه الماء، حتى وصلوا إلى العدو وقاتلوا وفتح الله عليهم.

    هذه أيها الإخوة نماذج وأحداث لولا أنها ثبتت عن سلف الأمة وعلمائها لكان العقل يتوقف ويتساءل: كيف يكون ذلك ؟ ولكن لا، فالكيف لا يتوجه إلى قدرة القادر سبحانه؛ لأنه مكيف الأشياء.

    1.   

    بين معجزات الرسول وغيره من الرسل

    وهذه نار إبراهيم المحرقة، ما طار طائر من فوقها إلا وهوى من حرارتها، مكثوا مدداً طويلة يجمعون لها الحطب، فلما أجمعوا أمرهم لم يستطيعوا أن يدنوا منها، فنصبوا المنجنيق ؛ ليلقوا بإبراهيم من بعد، وحينما ألقي في النار تقول السير: أتاه جبريل عليه السلام حينما ضجت ملائكة السماء شفقة على إبراهيم، فقال الله لهم: إن طلبكم شيئاً فأعطوه، وإن استعاذكم فأعيذوه، وإن استعان بكم فأعينوه، ولكنه لما نزل إليه جبريل وقال: يا إبراهيم! ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فبلى، سله هو أعلم بحالي من مقالك.

    هناك من يشكك في هذه الرواية، ويقول: إن ذلك يمنع الدعاء عند الشدة، وهذا غير صحيح؛ لأن هذا القائل لو علم الموقف علماً يقينياً لوجد في هذه الألفاظ الصواب كل الصواب، والبلاغة كل البلاغة، ونحن نعرف (إذا) الفجائية، والموقف الآن هو نار مشتعلة، ومنجنيق منصب، ولم يبق إلا شد الحبل وإرخاؤه، فهل هناك مجال لقول: يا رب ارحمني.. يا رب ارحمني.. يا رب احفظني؟ لا مجال، فعلمه سبحانه بحاله يغني عن سؤاله ؛ لأنه مهما سأل ومهما تكلم فلن يزيد عن تصوير حالته فيما يرى الله ويسمع.

    إذاً: لا مجال للكلام، وأنت الآن تطبق ذلك: إذا رأيت إنساناً يعبر الشارع، ورأيت سيارة قادمة مسرعة، فهل تقف وتقول: يا رب! احفظه وسلمه من السيارة وجنبه الآفات -في هذا الوقت تكون السيارة قد أخذت عشرات الأشخاص- أم حالاً تقول: السيارة.. السيارة، يعني: احذر السيارة.

    لما ألقي إبراهيم عليه السلام في النار، كان أمر الله للنار؟ (قُلْنَا) والنون للعظمة والقدرة والجلال، وكلمة: (قُلْنَا) لا يملكها إلا هو سبحانه، (يَا نَارُ):الياء:أداة نداء، والنار منادى، ليس لها آذان.. وليس لها قلب يعي.. ولكن خالقها قادر على إسماعها وإفهامها، قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69].. إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].

    وهذا موسى عليه السلام ومعه بنو إسرائيل أمره الله أن يخرجوا مصبحين.. إلى أين يا رب؟ قال: حيث ترى السحابة فسر في ظلها، فإذا بالسحابة تقوده إلى ساحل البحر، فوقفوا والتفتوا فإذا فرعون وقومه وراءهم، فقال الذين معه: (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) البحر من أمامنا، والعدو من ورائنا. أين المفر ؟إن أمامنا بحر لجاج، وإن تأخرنا أدركنا العدو، فقال موسى عليه السلام: (كَلاَّ)، وكلا هي بذاتها تجلجل، فكيف بمعناها ودلالته؟ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62].

    دائماً ننبه على اختلاف المقامات والمراتب، هذا الموقف الحرج قال فيه موسى لقومه: (كَلاَّ إِنَّ مَعِي) معي أنا، والأمة هذه كلها وكأن العبرة لموسى وهارون عليهم السلام، وبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما كان في الغار ومعه الصديق وجاء الطلب ووقفوا على فم الغار بسيوفهم، ماذا قال أبو بكر : (والله لو نظر أحدهم إلى أسفل نعليه لأبصرنا لرآنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر ! ما ظنك باثنين الله ثالثهماإِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40] هل قال: معي وكفى؟ لا. بل قال: (إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) جمع أبا بكر معه؛ لأن أبا بكر شارك في الهجرة من بيته إلى الغار، وفادى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه عدة مرات، تارة من أمامه، وتارة من ورائه وعن يمينه، وعن شماله، كل ذلك مخافة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما وصلوا الغار ليلاً والغار مظنة الآفات والهوام، قال: على رسلك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار). وأنت يا أبا بكر من يستبرئه لك؟!

    ولهذا لما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بالي أراك تارة أمامي وتارة خلفي...؟ قال: أتذكر الطلب فأكون خلفك... قال: يا أبا بكر ! لو كان هناك شيء أتود أن يكون فيك دوني ؟ قال: نعم، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إن أهلك أهلك وحدي، أما أنت فمعك الرسالة) لست شخصاً وحدك، بل معك رسالة السماء إلى الأمة، ومن هنا كان يستحق أن تفدى بالدنيا بكاملها، ولذا كان التكريم، إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ وقال له: (إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) وهناك موسى قال: (مَعِي)؛ لأنه الوحيد في هذه الأمة، والموقف هناك أبو بكر له فيه مساهمة.

    ماذا كان الحل لإنجاء موسى؟ نجد البحر أمواجاً متلاطمة، فيوحي الله لموسى: فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء:63]، كالجبل الكبير جداً، ثم يصير جماداً متماسكاً، وانفلق إلى اثني عشر طريقاً في البحر، ويمشي بنو إسرائيل في كل طريق، وطريق الماء الفاصل بينهما فيه فتحات حتى يطمئن بعضهم على بعض.

    إذاً: الله سبحانه وتعالى هو القدير، خالق الموجودات ومسبب الأسباب، يمكن أن يسلب السبب من المسبب، أو يسلب الخاصية من العين.

    1.   

    الفرق بين الأخوة الإيمانية والمصالح الشخصية

    لقد ربطت الأخوة الإيمانية بين بني البشر على اختلاف أجناسهم ودمائهم وبلادهم وعاداتهم...؛ بل امتدت إلى السماء وما تحت عرش الرحمن فربطت بين حملة العرش ومؤمني هذه الأمة، بل اتسعت وربطت بين المؤمنين وبين الحيوانات والجماد، فكيف نذهب ونطلب روابط أخرى شركية أو وطنية، حينما ارتفعت النداءات بالعنصرية، وأول من فعل ذلك اليهود، نادوا بالقوميات، وقوضوا الخلافة العثمانية، بالدعوة إلى الجنسية التركية العثمانية، وهكذا وفي كل زمن نسمع دعوات وأمم تنحاز عن الأخرى وتتقطع أوصال الجسم الإسلامي عضواً فعضواً حتى أصبحت أعضاء متناثرة، وفي كل قطر داع لما هو فيه، كما قيل:

    ألقاب ملكة في غير موضعها كالقط يحكي انتفاخاً صولة الأسد

    ولم يرجعوا إلى المبدأ الواحد.. بل للأسف أيضاً أبعد من هذا نجد البلد الواحد يوجد فيه رسمياً الأحزاب المتعددة؛ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [المؤمنون:53] كل حزب يدعي أنه يخدم الأمة، وأنه يعمل لمصلحتها، فإذا انحلت الحكومة وجاءت الانتخاب قام كل حزب يقاتل الآخر، وتسفك الدماء ليصل الحزب الأكثر أو الأقوى إلى سدة الحكم ثم يتحكم في الآخرين، هل هذه وحدة ؟ ليست والله وحدة ؛ لأنها قائمة على أغراض شخصية وذاتية، أما الأخوة الإسلامية فإنها تلغي كل الروابط وكل العناصر إلا أخوة الإسلام.

    فهل علمنا حقيقة الأخوة كيف تكون؟ هل رأينا آثارها في المجتمع الإسلامي كيف كان ؟نسأل الله أن يرد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى دينهم، وأن يعودوا إلى هذا الإخاء في ذات الله.

    1.   

    آداب المسلم في التعامل مع أخيه

    قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ [الحجرات:11].

    تأملوا معي هذا النسق الكريم، وتحققوا وأيقنوا مما أسلفناه بأن هذه السورة الكريمة سورة الآداب أو سورة الحقوق، أو سورة الأخلاق على حسب ما تسمونها.

    لما بين سبحانه وتعالى حق الله ثم حقوق النبي الكريم في حضوره وفي غيبته في بيته كرب أسرة، جاء إلى حق الجماعة فيما بينهم بالصلح بين الطائفتين المقتتلتين،وأداء الواجب وتحمل المسئولية من أجل أخوة الإيمان، فكأنه في ذلك يقول: قد تم بناء الأمة على الإخاء، والتزمت الأمة عدم التقدم بين يدي الله ورسوله، وتبادلت الاحترام لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم هي قامت بإصلاح ذات البين، واستقر الأمر وأصبحت خير أمة أخرجت للناس.

    كيف نحافظ على ذلك كله؟ فإذا بالآية الكريمة بعد ذلك: لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ فلكأن السخرية سبب في كل المفاسد على وجه الأرض، ولكأن السخرية هي الباعث على ما وراءها من كبار المخاطر والأخطار التي تقع في المجتمع، والسخرية كما يقولون: هو أن تتنقص من تسخر منه.

    ولماذا تسخر منه؟ لا يسخر إنسان من إنسان إلا إذا رأى لنفسه الفضل له على غيره، فيسخر منه.

    يقول العلماء: إن أول معصية وقعت هي الحسد، فجرت إلى الكبر، فكانت النتيجة الطرد من رحمة الله، وذلك في قضية إبليس؛ حسد آدم على نعمة الله عليه بأن خلقه بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد الملائكة له، وأسكنه الجنة، فلما أمر بالسجود له تكبر عليه.

    أقول: إن قبل الحسد السخرية؛ لأن الذي يسخر من إنسان يتنقصه فيستكثر نعمة الله عليه، ولذا جاءت الآية هنا، وأعتبرها بمثابة الوقاية للأمة بعد اكتمالها على أكمل ما يكون، وقاية من أسباب الفرقة والقتال والضياع، فبدأت أول ما يكون: (لا يَسْخَرْ) وكان ابن مسعود يقول: (والله إني أخاف إن خشيت من كلب أو خنزير أن يحولني الله كلباً أو خنزيراً).

    وإذا نظرنا إلى قضية الحسد بين إبليس وآدم نقول: إن السخرية سبقت الحسد؛ لأن إبليس سخر من آدم أولاً، وكما في الأخبار: لما كان آدم من صلصال أجوف كان إذا ضربت عليه يصدر منه صوت كالطبل، فكان إبليس يدخل من طرفه ويخرج من طرفه الآخر ويقول للملائكة: سأوريكم شأن هذا، فكان يسخر منه، فلما جاءت نعم الله عليه ونفخ فيه من روحه، وصار إنساناً مكتملاً، توعد بين يدي الله أنه لا يسجد قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ [ص:82-83]..قال: قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء:62].

    قال: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً [الإسراء:61]، وقال: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ص:76].

    لما رأى آدم حسده على تلك النعم ؛ لأنه في حسبانه لا يستحقها، فجر ذلك إلى الكبر، ولهذا أيها الأخوة: أول المعاصي في الأرض وأول الشحناء على وجه الأرض كانت بسبب السخرية، وقد وجدنا هذا المبدأ ضمن مبادئ أساسية للمعاصي، فنجد في القوم الذين سألوا نبيهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً [البقرة:246-247].

    ماذا قالوا؟ قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ [البقرة:247]، هذا اصطفاء من الله، اصطفاه وذكر مقومات الملك والقيادة وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:247]، العلم للتخطيط والإرشاد، ولمصالح العالم، وقوة الجسم للتنفيذ، فهو لم يؤت سعة من المال، لأن المال لا يؤدي إلى الملك، وقد يكون الرجل لديه الخزائن، وقد تكون المرأة لديها الكنوز، ولكن لا تصلح لملك ولا لقيادة.

    إذاً: المال من حيث هو ليس وسيلة للملك ولا وسيلة للقيادة.

    ونجد أيضا في بعثة النبي صلى الله عليه وسلم تقول قريش: لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف:31-32].

    قرص العيش نحن الذين قسمناه، أفتريدون أنتم التحكم برحمة الله.

    وهكذا المشركون عندما جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: أبعد عنا هؤلاء المساكين. لماذا ؟ سخرية من هؤلاء المساكين، والله قد عاتب رسوله في شأن ابن أم مكتوم في عَبَسَ وَتَوَلَّى [عبس:1].

    إذاً: تبدأ الآية الكريمة بالنهي عن أخطر عناصر الأخلاق، وهو: سخرية إنسان من إنسان آخر. فهذا لا ينبغي أبداً.

    (لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ) أي: لا يتنقص، ولا يستهزئ، وهنا المقارنة أو المقابلة بين قوم ونساء، وهنا ينبه علماء التفسير الذين يتتبعون النكت في التفسير قالوا: قال هنا: (قَومٌ مِنْ قَوْمٍ) ثم عطف (نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ)، ألسن النساء يدخلن في معنى القوم.

    قالوا: لغة لا. فكلمة (قَوْمٍ) تختص بالرجال وهو من القوامة والقيام بشئون الأعمال، والنساء لا يقمن بشيء.

    وما أدري إخا لك تدري أقوم آل حصن أم نساء

    ففصل بين القوم وهم الرجال وبين النساء، وهنا القسمة رباعية: قوم من قوم، نساء من نساء، جنس من جنس، لم يأت قوم من نساء، ولا نساء من قوم، قوم من قوم هذا جنس، نساء من نساء هذا جنس ثان، قوم من نساء لم يأت، نساء من رجال لم يأت.

    يقول علماء التفسير: لأن طبيعة الإنسان من حيث هو أن تكون السخرية بين الرجال والرجال ؛ لأن الرجل هو الذي يتعاظم على الرجل فيسخر منه، وكذلك المرأة مع المرأة -أي: الجنس مع جنسه- أما رجل يسخر من امرأة فهذا لا يتأتى ؛ لأن الرجل لا يضع نفسه في مقابل المرأة حتى يسخر أو لا يسخر، فهو جاعلها في حسبان بعيد عنه، وكذلك المرأة بقوامها وبكيانها وبتكوينها لا تعطيها طبيعة خلقتها أن تسخر من رجل، لأنها تعلم بأن الرجولة كمال لا يمكن لها هي أن تسخر منه، ولو كان أقل الرجال منزلة فهو في حسبان الأمة أعلى منزلة من أعلى امرأة من حيث الرجولة والأنوثة، وإن كان بعض النسوة يفقن بعض الرجال في العقل، ولكن المعادلة: لا يسخر قوم من قوم ولا نساء من نساء.

    ثم يبين: (عَسَى) وعسى من الله حقيقة (أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ)، ويبين الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة ذلك.

    يقول ابن مسعود : (جلس النبي صلى الله عليه وسلم مجلساً فمر رجل ليس ذا هيئة، فقال: ما تقولون في هذا ؟ قالوا: إن استأذن لا يؤذن له، وإن تحدث لا يصغى إليه، وإن خطب لا يزوج، فسكت عنهم، ثم جاء شخص آخر ذو هيئة ومنصب فقال: ما تقولون في هذا ؟ قالوا: إن استأذن أذن له، وإن تحدث أصغي إليه، وإن خطب زوج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لذاك خير من ملء الأرض من مثل هذا).

    ذاك استخفوا بهيئته وأنه ضعيف ولكنه عند الله يعادل ملء الأرض من غيره.

    إذاً: لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكون المسخور منه خير منهم عند الله وكذلك النساء: وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ .

    ثم أتى بعد ذلك بتوابع الأخلاق الذميمة التي يترتب عليه أيضاً فساد المجتمع؛ فقال: وَلا تَلْمِزُوا بعضهم يقول: الغمز بالعين، واللمز الإشارة باليد، وهو نوع من أنواع السخرية، يعرض به بدل أن يتكلم صراحة، أو يعتقد في قلبه شيئاً ثم يبرز ذلك بعينه أو بلمزه أو غير ذلك، وكل ذلك تعبير في فلك السخرية.

    بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ (بِئْسَ): ضد نعم، أو كما يقولون: من أخوات نعم، لكن على العكس، بئس فعل ذم، ونعم فعل مدح.

    (بِئْسَ الاِسْمُ)، والاسم من الوسم وهو العلم على الشخص، كل إنسان له اسم يميزه، وسمي الاسم اسماً؛ لأنه كالوسم والعلامة التي عليه تميزه عن الآخرين، وهذا من خصائص الإنسان، وقد يسمي بعض الناس الحيوانات بأسماء تخصها، بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ أن تتسموا بالفسوق بعد أن كنتم مؤمنين.

    إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10]؛ كنتم إخوة وتمت الأخوة بينكم، فإذا ما وقعت السخرية ووقع الغمز واللمز كان هناك اسم آخر بسبب ذلك هو الفسوق؛ لأن من سخر بأخيه وغمزه ولمزه وعامله بهذا الانتقاص كان ذلك فسوقاً؛ لأنه خروج عن الجادة، وإخراج الشخص عن مكانته.

    ثم قال الله: وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ؛ لأن من سخر من إنسان مثله فهو ظالم؛ لأنه وضعه في غير موضعه، ومن غمزه ولمزه فهو ظالم. أي:لأنه تنقص حق أخيه، والظلم هو النقصان ووضع الشيء في غير موضعه، ومن لم يتب من هذه الأعمال وتلك الأخلاق الذميمة؛ فأولئك هم الظالمون.

    وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا وسيدنا محمد وآله.

    1.   

    الأسئلة

    حكم تلقيب الناس بما اشتهروا به

    السؤال: ذهب بعض الناس مضرباً للجبن والبخل، فهل يعد ذلك من السخرية؟

    الجواب: الأخ هذا يقول والعهدة عليه: ذهب بعض الأقوام إلى أنهم اشتهروا بالبخل والشح، فإذا قلنا: الجماعة الفلانية بخلاء، هل هذا داخل في السخرية ؟

    سيأتي ذلك عند قوله: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [الحجرات:12] وأن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل: (أرأيت يا رسول الله إن كان فيه ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته).

    وسيأتي موضوع يجب التنبيه عليه وهو: إذا كان إنسان له لقب ولم يعرف إلا به، فاللقب على قسمين:

    لقب مدح ولقب ذم، فمن ألقاب المدح: الصديق رضي الله تعالى عنه، الفاروق ، ذو النورين ، ذو السبطين ، هذه ألقاب للخلفاء الراشدين جميعاً، وهي ألقاب مدح وثناء، فإذا ما ذكر بها صاحبها كان ذلك مدحاً له.

    لكن هناك ألقاب أخرى ولكن لا أحفظ منها شيئاً، وهي ما يستحي منها صاحبها ويكره أن يذكر بها، فلا ينبغي أن تناديه باللقب الذي يكرهه.

    والألقاب قد تلتصق بالناس دون إرادة، ربما بسبب حادث من الأحداث تلصق به صفة من الصفات، مثل: صاحب أنف الناقة.

    على كل يقول علماء الحديث في المصطلح: إذا كنت في سبيل الجرح التعديل، ويوجد إنسان من الرواة اشتهر بلقبه ولو كان يكرهه فلا بأس، مثل: فلان الأعرج، الأعمى، الخرقي، الزيات، وهذه كلها مهن وصفات.

    فليس ذكره بهذا اللقب الذي يعرفه الرواة من باب السخرية، ولكن من باب التعريف بما هو به مشهور، وليس ذلك من التنابز بالألقاب، وسيأتي زيادة في هذا عند الكلام عن الغيبة إن شاء الله، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد. والحمد لله رب العالمين.