إسلام ويب

دروس الحرم [19]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    غزوة بدر وقضية الأسرى

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    تقدم الحديث عما تيسر فيما يتعلق بغزوة بدر الكبرى، إلى أن وصلنا إلى نهاية المعركة، وتوجه النبي صلى الله عليه وسلم بالأسرى إلى المدينة، وهناك أتاه جبريل عليه السلام، وقال: (يا محمد! إن الله أرسلني إليك، وأمرني أن أكون معك حتى ترضى، فهل رضيت يا محمد؟ قال: نعم رضيت).

    قتال الملائكة مع النبي صلى الله عليه وسلم

    وخبر الملائكة في غزوة بدر خبر طويل، ولم نعرّج عليه، وقد نوّه القرآن الكريم بأمره، وجاء الواقع المشاهد يصف حالهم، فبيّن الله سبحانه وتعالى بقوله: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال:12]، وكان يقول والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى عليه: علمهم الله تعاليم ميدانية، ما كانوا يعرفون القتال من قبل؛ ولأن الملائكة لم تقاتل في معركة قبل معركة بدر.

    وقوله تعالى: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [الأنفال:12]قال: الضرب فوق الأعناق للقتل، والضرب فوق البنان -وهي الأصابع- لتعطيل الحركة.

    وهذا نص قرآني كريم بأن الله بعث الملائكة تثبت الذين آمنوا وتشارك بالقتال معهم، وجاءت الآية الأخرى في معرض التأييد: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [فصلت:30-31] ، ومن تلك الموالاة في الحياة الدنيا أن يأتوا عوناً ومدداً ونصرةً للمسلمين في غزوهم.

    وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه لما قام في العريش، واجتهد يدعو ربه ضارعاً يستنصره، أخذته إغفاءة فانتبه متبسماً، وقال: (أبشر يا أبا بكر ! هذا جبريل في ألف من الملائكة قد أقبل) .

    وأخبار أخرى، يقول رجل من الأنصار وكان قد ذهب بصره -نسيت اسمه- : لو كنت في بدر ورد عليّ بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة.

    ويقول آخر: خرجت أنا وابن عم لي يوم بدر -وهم آنذاك على شركهم- فجلسنا على كثيب، ننظر لمن تكون الدائرة فننهب من الغنائم، وبينما نحن على تلك الحال، إذ جاءت غمامة، وسمعنا فيها من يقول: أقدم حيزوم، أما صاحبي فقد تصدع صدره فمات، أما أنا فقد غشي عليّ، فلما أفقت وجدت المعركة قد انتهت والغنائم في أيدي أصحابها.

    هذا ومن آثار الملائكة في المعركة أن الرجل كان يسعى وراء المشرك ليضرب عنقه، فإذا به يرى الرأس قد انفصل عن سائر الجسد، والرسول صلى الله عليه وسلم قال لهم: (علامة قتلى الملائكة وقتلاكم أنكم تجدون في أثر الضربة كأنه وسم بنار)، وهكذا ميّز النبي صلى الله عليه وسلم ما كان من إصابة المسلمين وما كان من إصابة الملائكة، وأنهم فعلاً قاتلوا وضربوا وقتلوا.

    وجاء رجل فوجد أسيراً موثقاً فوقف وقال: (أسير من هذا؟! من الذي أسر هذا؟! فلم يجبه أحد، ففك وثاقه وذهب به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: وجدته موثقاً وناديت فلم يعرفه أحد، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من أسرك؟ قال: رجل طوال بثياب بيض على فرس أبلق، قال: صدقت، هذا من ملائكة السماء الثالثة)، إلى غير ذلك من الأخبار التي وردت تدل بواقعها على أن الله سبحانه وتعالى أرسل الملائكة نصرة للمسلمين.

    وهنا نقول: إن المولى سبحانه هو الذي أخرج رسوله من بيته بالحق، وهو الذي تولى أمره، وهو الذي أيده بنصره، وسخر العوامل من أرض وسماء، ومن جنود المسلمين والملائكة، لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم..

    دور إبليس اللعين في معركة بدر

    لقد ساهم في هذه المعركة حتى إبليس، وكانت مساهمة إبليس من الطرف الآخر، لما أرادت قريش أن تخرج تذكروا أنه كان بينهم وبين بني كنانة ثأر، فخافوا إن هم خرجوا أن يخلفوهم في ديارهم، فجاء إبليس وتصور في صورة سراقة بن مالك، وقال لهم: لا تخافوا منهم، أنا جار لكم لن يأتيكم منهم شر، وخرج معهم..

    ويقول ابن كثير: خرج إبليس برايته، وبجند معه بالرايات ومشوا حتى قاربوا أرض بدر، وكان مع عمرو بن مالك النضري، فلما رأى نزول الملائكة إذا به يسُلّ يده منه، ويقول: إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله رب العالمين، فجعل عمرو بن مالك يناديه: يا سراقة ! يا سراقة ! ألم تعاهدنا أنك تكون معنا؟! ألم تعاهدنا على النصرة؟! فلم يجبه ومر في طريقه حتى نزل البحر، فلما سمع بذلك أبو جهل قال: لا يضرنكم انسحاب سراقة، لقد كان على موعد مع محمد.

    هكذا ساهم في إخراجهم، وتكثير عددهم ليكون ذلك أنكى على قريش وأكثر لغنائم المسلمين، وها هي الملائكة تنزل، وها هي السماء تمطر، وها هي الأرض تتلبد، وها هو النعاس يأتي.. عوامل نصر متعددة من جميع الجوانب..

    حال المشركين قبل المعركة ووقعة نخلة

    وصدق قولنا: إن غزوة نخلة كانت هي سابقة لغزوة بدر.

    فقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى عتبة، وكان من سادات القوم، وما جاء مع القوم إلا كمشجع وما كان يريد أن يصل إلى بدر.. ولما رأوا تلك الرؤيا أن رجلاً نحر بعيراً فسال دم البعير وانتشر في خيام المشركين، ولم تبقَ خيمة إلا ودخلها من دم ذلك الجزور، فخافوا من هذه الرؤيا.

    وكذلك رؤيا عاتكة من قبل، فجاء حكيم بن حزام، إلى عتبة، وقال: يا عتبة! أنت سيد الوادي هل لك أن تذكر بخير مدى الدهر، قال: وما ذلك؟! قال: أن ترجع بالناس.

    لأنهم قبل ذلك أيضاً كانوا أرسلوا شخصاً ينظر كم عدد المسلمين، فذهب ونظر من بعيد ورجع، وقال: القوم نحو الثلاثمائة يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، ولكن أمهلوني حتى أنظر هل هناك مدد وكمين لهم؟ قال: فذهب فأبعد في الوادي ثم رجع، فقال: يا معشر قريش! والله ليس لهم مدد ولا كمين، والله! إني رأيت المطايا تحمل المنايا، والله إنهم يتلمظون كما تتلمظ الأفاعي بأنيابها، والله يا معشر قريش لن يقتل واحد منهم حتى يقتل واحداً منا، ولئن قتل منا بعددهم؛ فما قيمة الحياة بعد ذلك؟!

    هناك حكيم بن حزام جمع هذا كله، وجاء عتبة فقال: هل لك أن تحمد ويثنى عليك وتشكر الدهر كله، قال: وما ذاك؟ قال: ترجع بالناس، وهذا ابن الحضرمي الذي قتل في غزوة نخلة حليفك تحمل ديته، قال: هي لك عندي فاذهب بها، ولكني أخشى ابن فلانة -وسمى أم أبي جهل- على الناس، اذهب إليه.

    فذهب إليه، وقال: إن عتبة يقول كذا وكذا، قال: ما وجد رسولاً إلا أنت، قال: نعم، ولا أكون رسولاً لغيره، فقال: انتفخ سَحَره، لقد خشي المسلمين على ولده، وكان ولده سبق إلى الإسلام، فرجع إلى عتبة، وأخبره الخبر، ثم جاء أبو جهل وأتبعه، ووقف على عتبة، وقال: خشيت على نفسك؟! والله! لا نرجعنّ حتى نقتل ونفعل ونفعل، وقال لأصحابه: لا تقتلوا أصحاب محمد وخذوهم بالأيدي لنعلمهم كيف يخرجون على آلهتنا، ثم أخذ سيفه، وضرب فرسه على متنه فقطعه، فقال الحاضرون: بئس الفأل والله.

    ثم كان من شأنه أن قال: ونادى ابن الحضرمي أخاه قال: إن حليفك يريد أن يضيع عليك ثأرك، فقم في الناس واسأل الثأر، فقام وفسخ ثيابه، ونادى: وابن حضرماه، وقام واشتعل القتال.

    وهذا مما يدل على أن غزوة نخلة قبيل غزوة بدر.

    بينما النبي صلى الله عليه وسلم قال -قبل أن يقوم حكيم لـعتبة -: يا علي ! سل حمزة -وكان حمزة أقرب المسلمين إلى المشركين-: من ذاك الرجل الذي على جمل أحمر، فسأله علي، فجاء حمزة وقال: ذاك عتبة ، فقال: إن يطيعوا هذا الرجل يرشدوا، إنه يدعوهم إلى خير، فقام عتبة فعلاً، يدعوهم إلى الرجوع، ولكن كان أبو جهل على خلاف ذلك، ولم تنجح خطة حكيم بن حزام ، فشبت المعركة، وجاءت الملائكة وانتهت المعركة على ما تقدم لنا.

    من قتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأسرى

    وفي أثناء الطريق مع الأسارى إلى المدينة النبوية هناك في عرق الظبية، نزل صلى الله عليه وسلم وأمر بقتل أشخاص من الأسارى صبراً، منهم رجل اسمه عقبة بن أبي معيط ، قال: أتقتلني دون قريش يا محمد! قال: نعم. ثم التفت إلى أصحابه وقال: أتدرون ماذا فعل هذا؟! لقد أتاني وأنا ساجد خلف المقام، فوضع قدمه على عنقي، وغمزها، حتى ظننت أن عيني ستبرزان، وجاء مرة أخرى بسلا شاة فألقاه على رأسي، فجاءت فاطمة فأزالته.

    فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يصل إلى المدينة مع الأسارى، وقتل واحداً معه.

    الاختلاف في شأن الأسرى

    ولما وصلوا إلى المدينة، وكان بعض أهل المدينة غير مصدق بما سمعوا من قتل صناديد قريش، وبما سمعوا من العدد الكبير الذي لقي المسلمين، فلما جاء الأسارى وشاهدوا بأعينهم اطمأنوا، ووزع النبي صلى الله عليه وسلم الأسارى على أهل المدينة.

    لنرجع إلى أهل مكة عقب الغزوة حينما أتاهم الخبر، فإنهم أقاموا المحازن وأكثروا البكاء، وجمعوا مال تلك العير، وقالوا: ولا تبكوا قتلاكم؛ حتى لا يتشفى فيكم محمد والمسلمون، ومنعوا الناس من البكاء والصياح، ولكن عواطف الناس لا يملكها أحد، ومنعوا قسمة المال، وقالوا: أرصدوه لقتال محمد، ولأخذ الثأر، وكانت غزوة أحد بعدها في السنة الثالثة مباشرة، هذا شأن أهل مكة هناك.

    أما الأسارى في المدينة فقد جمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزعهم، وبعد ذلك جمع أصحابه، وسألهم: ماذا تقولون في شأن الأسارى؛ فسأل أبا بكر رضي الله تعالى عنه، فقال: يا رسول الله! هؤلاء القوم والعشير، فاقبل منهم الفداء، ونحن بحاجة إلى المال نستفيد به، ولعل الله أن ينعم عليهم بالإسلام، فيكونوا لنا عضداً، قال: ما تقول يا ابن الخطاب؟ قال: أرى ما لا يرى أبو بكر ، أرى أن تعطي عمر فلاناً -لقريب له- أضرب عنقه، وتعطي عقيلاً لـعلي يضرب عنقه، وتعطي فلاناً لـحمزة ، وتعطي كل قريب لقريبه يضرب عنقه، حتى يعلم المشركون أن لا هوادة بيننا وبينهم.

    وقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله! انظر وادياً كثير الحطب، وأدخلهم فيه، وأجج عليهم الوادي ناراً، ثم تركهم صلى الله عليه وسلم ودخل؛ فقال قوم: يأخذ بقول أبي بكر، وقال قوم بقول عمر، وآخرون: بقول عبد الله بن رواحة، ثم خرج عليهم، فقال: (إن الله يليّن قلوب أقوام فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوباً حتى تكون أشد من الحجارة، مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم؛ قال: مَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم:36] وإن مثلك يا أبا بكر مثل عيسى؛ قال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ [المائدة:118] الآية، ومثلك يا عمر كمثل نوح، قال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [نوح:26] ومثلك مثل موسى قال: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس:88]) ثم أخبرهم بأنه يرى الفداء.

    وبالله تعالى التوفيق، والله تعالى أعلم.