إسلام ويب

دروس الحرم [12]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    باب الولاية

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد الخلق أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. وبعد:

    أدلة منع المرأة من الولاية

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) رواه البخاري .

    وعن أبي مريم الأسدي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين فاحتجب عن حاجتهم وفقيرهم؛ احتجب الله دون حاجته) أخرجه أبو داود والترمذي .

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي في الحكم) رواه أحمد ، وحسنه الترمذي ، وصححه ابن حبان ، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو عند الأربعة إلا النسائي .

    عن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) رواه البخاري .

    الذين قالوا بعدم صحة تولية المرأة القضاء، قالوا: لأن القضاء مبناه على العقل والفهم، والفهم هو مقياس نجاح القاضي، والرسول صلى الله عليه وسلم نفى عنهن تمام العقل والفهم، ونفى عنهن تمام الدين، وقال: (إنكن ناقصات عقل ودين)، ولما ذكر الله الشهادة قال: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [البقرة:282] ، وكأن المرأتين معاً صيغا وسبكا فجعل منهما رجل.

    وعلى هذا يكون نقص العقل في المرأة لا بد أن يكون نقصاً في التفكير ونقصاً في الفهم.

    ثم إذا نظرنا إلى وصف المرأة في معاتبة المشركين في ادعائهم بأن لله البنات ولهم الذكور فقال: أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف:18]، أي: عاش على النعيم والترف، لم يذق شظف العيش، ولم يقف مواقف اضطرارية في حياته فيصبر عليها، ويفكك المشاكل، بل ينشأ في الحلية، وقد أشرنا إلى قضية اليهودي مع الجارية أنه وجدها ووجد على رأسها أوضاحاً من ذهب، فأخذ الأوضاح ورض رأسها، وكنا كتبنا عن ذلك مطولاً، وقلنا: إن أولياء هذه الطفلة وكل طفلة يكثرون عليها من الحلي فاعتدي على الطفلة لحليها، فإن أهلها شركاء في قلتها مع القاتل المعتدي؛ لأنهم علقوا عليها أسباب القتل والاعتداء، فإذا رآها مجرم ورأى الذهب سال لعابه أمام بريق الذهب، فارتكب جريمة القتل وأخذ ذهبها.

    فقوله: (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ) دليل على ضعف القوى في مواجهة الخطوب والصعوبات، (وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) أي: ضعيف البيان، وكما قالوا: المرأة إذا حزبها أمر فزعت إلى البكاء، وإذا ضاقت حيلتها وعجزت قوتها عمدت إلى الضعف وبكت، فإذا كانت القضية حازمة، وكانت دلالاتها خفية، وحزبها الأمر، أتجلس تبكي أمام الخصوم، أم ماذا تفعل؟ لأنها بتركيبها التكويني جبلت على هذا الأمر، ومن يطلب من الماء ذهباً فقد كلف الماء ما لا يطيق، وعلى هذا لم يكن تكوينها الذاتي يعطيها الصلاحية للولاية.

    ندرة صلاح المرأة للتدبير

    ومن أعجب ما قرأت أن الزبّاء وكانت ملكة بعد أن آل إليها حكم زوجها، وكان جذيمة ينافس زوجها فخافت منه، فأرادت أن تحتال عليه لتقتله لتأمن غيلته، فكتبت إليه، ومما قالت:

    إن تنصيب المرأة ملكة ثقيل في الأسماع -تتظاهر بعدم رضاها عن توليتها الملك- وضعف في السلطان، يطمع فيها الخصوم، فأت إلي لنتفق معاً ويتم الزواج وأكون بك قوية، فاستشار جذيمة أصحابه، فأشاروا عليه بذلك إلا رجلاً يسمى قصير ، قال: لا أرى ذلك إلا خدعة، فلو كانت صادقة فلتأت هي .. إلى آخر أمرها، وذهب برجاله، فقال له قصير : إذا رأيت الخيل مشت أمامك فاعلم بأنها صادقة، وإذا رأيت الخيل قد أحاطت بك فاحذر.

    وكان لـجذيمة فرس لا تدرك، فقال له قصير : فإن رأيت الغدر فاركب فرسك وانج بنفسك، فلما ساروا معه في الطريق وكان قصير معه، لقيتهم خيل الزبّاء وأحاطت به، فنبهه قصير فأبى، فحالاً بادر قصير وركب فرس الملك ونجا بنفسه، ثم لما دخل جذيمة عليها وجد المكيدة مدبرة وقُتل، وكان له أخ أو ابن أخ يدعى عمرو ، فقال له قصير : قم واثأر لأخيك، قال عمرو : وكيف ذلك؟ قال قصير : اجدع أنفي واكسر ظهري، ففعل، فرجع إليها يبكي، فقالت له: ما بالك؟ قال: إن عمراً اتهمني أنني مالأتك على أخيه فقتلتيه، فلم أجد لي مهرباً إلا عندك، وأخذ يتقرب منها إلى أن وثقت به، إلى أن دبر المكيدة لقتلها ..

    الذي يهمنا: أنها كتبت إليه وقالت: إن تملك المرأة ثقيل في السمع ضعف في السلطان، فإذا كان هذا اعتراف ملكة بوضع المرأة في الولاية، فنحن لسنا في حاجة إلى ذلك، ولكن نقول: إن الذين ناصروا جانب تولية المرأة استشهدوا بهذه وبغيرها، وقالوا: بلقيس كانت ملكة سبأ، كيلو بترا كانت ملكة مصر، وملكة بريطانيا، وملكة إيطاليا، وملكة فرنسا، كلهن نساء، فكيف نوفق بين ذلك وبين هذا الحديث : ( لن يفلح قوم.. ) وهؤلاء نسوة قد تملكن في بلادهن، وسارت بلادهن على ما يرام؟

    والجواب عن ذلك: أننا لو قرأنا تاريخ تلك النسوة في ملكهن، لوجدناهن جميعاً قد قتلن، واضطرب الملك تحت أيديهن، ولم تفلح دولة تحت ولاية امرأة خلفت زوجها أو أباها أو أخاها.

    ولا يهمنا تاريخ تملك النساء، ونتائج ذلك، ومن أراد التوسع في هذا فليرجع إلى كتاب: الدر المنثور في أخبار صاحبات القصور؛ ففيه من الأخبار العجائب.

    ومن المعلوم أنه لم تتول امرأة حكماً في العرب إلا بلقيس ، ثم إذا وجد هناك نسوة حصيفات العقول، حكيمات السياسة، فيكون ذلك من الندرة بمكان، كما فعلت بلقيس حينما بلغها أمر نبي الله سليمان، وقالت: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ [النمل:29-31].

    ثم قالت: ماذا تشيرون علي؟ فكان رأيهم رأياً عسكرياً نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ [النمل:33]، لكن بحصافة عقلها ورجحان فقهها ما رأت أن تبدأ بالقتال لمن تجهل قوته، ولم تعرف حقيقة ملكه، قالت: لا.. أنا سأبدأ باللين أولاً وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ [النمل:35]، وكانت تلك المهاداة، وهذا النظر اللين، كما يقال: الحرب الباردة، فكانت موفقة، ورجع الهدهد سفيراً إليها، وجاء الله بها مسلمة، فأسلمت مع سليمان لله رب العالمين.

    فهذه استعملت عقلها وحصافتها في قضية تأزمت، وقد صدر من بعض نساء المسلمين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، أو فيما بعد ذلك من هذا شيء كثير.

    موقف أم سلمة الحكيم في الحديبية

    ففي الحديبية لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يتحللوا وأن ينحروا هديهم، فلم يقم أحد، فدخل على أم سلمة مغضباً، فقال: (يا أم سلمة: ما شأن الناس؟ قالت: يا رسول الله! قد دخلهم ما قد رأيت، فلا تكلمن منهم إنساناً، واعمد إلى هديك حيث كان فانحره واحلق، فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك)، لأنهم خرجوا لا يظنون إلا أنهم آتون البيت، وما صدر في فكرهم أن يمنعوا منه، فهم متحمسون، وينتظرون فرجاً من الله بأن يهيئ لهم دخول مكة وإتمام عمرتهم.

    وقالت له: اخرج عليهم ولا تكلمن أحداً منهم؛ لأن النفوس مشحونة ليس فيها سعة لتتحمل شيئاً، وأصبح الآن القدوة الفعلية أولى من الكلام والبلاغة والخطابة، واعمد إلى هديك فانحره، وادع الحلاق يحلق لك، والزم خيمتك.

    نحن هناك نجد عمر حينما أعلن النبي صلى الله عليه وسلم بالتحلل وبنحر الهدي وقف وقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فعلام نعطي الدنية في ديننا؟

    فـعمر يريد أن ينهي القضية بالسيف كأصحاب بلقيس : نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ [النمل:33] ، بينما أم سلمة رضي الله تعالى عنها ليست من أهل القوة والسيف، ولكن من أهل الفطنة وبعد النظر والتريث، فحلت القضية بالحكمة؛ فما أن رأى المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر هديه وحلق شعره إلا تبادر الجميع وتسابقوا إلى الحلق والنحر، وانتهت القضية.

    ونجد التطبيق العملي في تاريخ المسلمين منذ أن أعلن النبي صلى الله عليه وسلم رسالته، وبلغ وحي الله، ومدة مكثه في مكة، وعند مجيئه إلى المدينة، وفي زمن الخلفاء الراشدين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، ومن تبعهم، إلى أن جاءت الخلافة العثمانية، لم نجد خلال هذه المدة الطويلة أن امرأة تولت القضاء أبداً.

    إذاً: حينئذ لا ينبغي أن نجعل تولية المرأة القضاء قضية، ونناقش فيها، ونأتي بأدلة من هنا أو هناك، ونجرح من يقول بولايتها.. لا وكلا، ويهمني تصحيح المفهوم عن الأحناف أنهم يجيزون ولايتها بالإطلاق، ولكن التحقيق عندهم أنهم لا يجيزونها إلا عند الضرورة. والله تعالى أعلم.

    التركيب الخلقي في المرأة لا يناسب القضاء

    هناك أيضاً الذين يمنعون تولية المرأة القضاء، يوردون على الموضوع لوازم القضاء، ومن لوازم القضاء: أن القاضي يستقبل الخصوم، ويجلسهم بين يديه ويناقشهم، فهل المرأة تتحمل هذا في كل الظروف؟

    قد يتقوى عليها الخصوم، وقد يسمعانها ما لا تطيق، وقد تعجز في مجاراتهما، فحينئذ يضيق صدرها ويعتريها الغضب، فتأتي إلى المحظور: (لا يقضين أحد بين اثنين وهو غضبان).

    ثم سيأتيها مواطن تضطر فيها إلى المشاهدة والمعاينة لواقع هذه القضية أو تلك، أو إنابة من ينوب عنه ليرى وينقل إليها الواقع، فإذا تولت المرأة ذلك كان شاقاً عليها، كما قالوا الآن في تولي المرأة النيابة في البلاد النيابية، وتقف وتذهب وتناقش وتعمل محاضر معاينة، ويكون في ذلك مشقة عليها، وهي امرأة ضعيفة.

    بل إن المرأة تعتريها لخلقتها ما يعتري النساء، وهذا قد يسيء إليها نفسياً، وقد تعجز معه أن تسع الخصومة بحلم وعفو وعقل، بل هي من نفسها تتضايق؛ فكيف تتحمل غيرها.

    وعلى هذا ذكروا أشياء عديدة في أن المرأة لا تصلح خلقياً أن تكون قاضية.

    والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.