إسلام ويب

دروس الحرم [11]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    وجوب العدل والمساواة بين الضعيف والقوي

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وبعد:

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كيف تُقدّس أمة لا يؤخذ من شريفهم لضعيفهم؟!) رواه ابن حبان، وله شاهد من حديث بريدة عند البزار ، وآخر من حديث أبي سعيد عند ابن ماجة .

    وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يدعى بالقاضي العادل يوم القيامة، فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في عمره) رواه ابن حبان ، وأخرجه البيهقي، ولفظه: (في تمرة).

    وعن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) رواه البخاري ].

    هلاك الأمم بسبب ترك العدل

    يأتي المؤلف رحمه الله بهذا الحديث في هذا الموطن ليبين أن العدالة في القضاء بها تقدّس الأمة، فإذا ما ضاعت العدالة في الأمة لم تكن أهلاً لأن تقدس.

    وكيف تقدّس؟ أي: تنزه وتطهر ويكون لها قيمة عند الله وعند الناس.

    فالتقديس هو: التنزيه، والرسول صلى الله عليه وسلم بسؤال التعجب هذا: (كيف تقدس أمة؟!) كأنه يقول: لا يمكن أن تقدس أمة لا يؤخذ من شريفها لوضيعها؛ لأنه إذا لم يؤخذ من الشريف للوضيع حقه فحينئذ تسود الفوضى، ويختل النظام، وتصبح تلك الأمة في عداد الأمم التي لا قيمة لها؛ لأنها لم تنصف بين أفرادها، ولم تحسن أن تقيم العدالة بين الجميع.

    وكما قيل سابقاً: العدل أساس الملك، فالعدالة لا بد أن تكون عامة شاملة، وقد سمعنا في هذا الموضوع من بعض المعاني، وقرأنا كذلك فيما يتعلق بمساواة الشريف بالوضيع في الخصومة، وفي أخذ الحق.

    وقد أحسن الصديق رضي الله تعالى عنه حين أعلنها مدوية في خطابه الذي يسمى اليوم بخطاب العرش، أي: الخطاب الذي يرسم فيه رئيس الدولة خطته في الحكم، ومنهجه في السياسة، فمما قاله الصديق رضي الله تعالى عنه: ( ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه ) فالحق أعطى الضعيف قوة، والحق حط من قوة القوي حتى يتعادلا ويتساويا في الحقوق وفي الحكم.

    ومما سمعنا ولم نقرأه: أن جبلة بن الأيهم كان يطوف بمكة، وكان عمر رضي الله تعالى عنه آنذاك موجوداً في وقت الطواف، فوطئ رجل على إزار جبلة بن الأيهم ، فأساءه، فالتفت إليه فصفعه على وجهه، فاستعدى عليه عمر وقال: القصاص يا أمير المؤمنين! فقال عمر لـجبلة : القصاص يا جبلة !، قال: كيف تقتص مني لأعرابي يبول على فخذيه! -يعني: استخف به واستضعفه واستهان بأمره، ورأى في نفسه أنه لا يقتص من مثله لأعرابي- فقال له عمر : شرع الله القصاص، فلا بد من القصاص، فقال: إن كان ولا بد فأمهلني حتى أنهي عمرتي، فأمهله، فلما أنهى العمرة شرد إلى الشام، فأوى إلى الغساسنة هناك.

    هنا استعظم في نفسه أن يقتص منه لمن هو دونه، فهو من سادة العرب، وهذا الذي وطئ على إزاره فرد من الأفراد وشخص دونه، فتعاظم في نفسه وامتنع أن يعطي من نفسه القصاص لصاحب الحق؛ لأنه أضعف منه.

    بنو إسرائيل ومفاضلتهم بين الشريف والوضيع في الحكم:

    وقد سُجل لنا في بني إسرائيل كما جاء في الحديث: (كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد).

    ولما جاءت قضية الزانية والزاني اليهوديين، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهم، لأنهم قالوا فيما بينهم: امضوا إلى محمد لعلكم تجدون عنده أهون وأسهل مما عندكم، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم سألهم عما في كتابهم، فقالوا: إن عندنا في التوراة أن نسخم وجوههما ونرسلهما على حمار مقلوبين ونطوف بهما ونشهر.

    فقال: هذا حكمها؟ قالوا: بلى، فقال شاب حاذق: لا والله.. أخبروا رسول الله عن الحقيقة، والله إن فيها الرجم، فلما جيء بالتوراة أخذ القارئ يقرأ من موضع آخر ووضع يده على نص الرجم، وقرأ ما قبله وما بعده، فقال عبد الله بن سلام : ارفع يدك؛ فرفع يده فإذا فيها نص الرجم، فقال: سبحان الله! ما الذي حملكم على هذا؟ قالوا: لقد فشا الزنا في بني إسرائيل -النساء جميلات، والرجال متوفرو الشهوة، والاختلاط موجود- وكثر القتل فيهم بسبب ذلك عند الرجم، فقالوا: لو استمر الرجم على ذلك لقتل أشراف بني إسرائيل، فهلم نجتمع على رأي نطبقه على الصغير والكبير، على الشريف والوضيع، فاتفق رأيهم أنهم يسخمون وجوههم، أي: يسودونها بالفحم، ويركبونهم على دابة، ووجوهما إلى قفاها، ويطوفون بهما في الطرقات معلنين أن هؤلاء زناة، ثم حكم صلى الله عليه وسلم بالرجم.

    وهل حكم بالرجم على ما يوجد في التوراة لأهل التوراة، أو حكم بالرجم على ما في كتاب الله؟ قال تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ [المائدة:48].

    كذلك قضية العسيف والرجل اللذين أتيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقضيتهم في الموطأ مطولة فقال الرجل: (إن ابني كان عسيفاً عند هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله)، ثم قضى بينهما أن على ولده -أي: العسيف- جلد مائة لأنه أعزب، ولم يكن أُحصن، فقال: (الوليدة والغنم رَد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها).

    الكلام على إثبات موضوع الرجم هذا محله غير هذا المكان، وهو أمر مفروغ منه، وبإجماع جميع الملل أو النحل السماوية، فإن الزنا محرم وفيه الرجم.

    أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وعدلهم بين الرعية

    فلذلك لا تقدس أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها، وهكذا بنو إسرائيل حينما لم يأخذوا حق الضعيف من القوي آل أمرهم إلى التمزق، وآل أمرهم إلى السقوط والضياع، وقد فطن لذلك الصديق رضي الله تعالى عنه فأعلنها مبدئياً: (ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه) يعني: لا يعتصم أحد مني بقوته، ولا ييأس أحد مني لضعفه، الكل سواء في حكم العدالة.

    وهذا هو ما ينبغي، فإذا ما ضيع هذا الجانب، وروعي الأشراف أو السادة أو الكبار أو ذوو الجاه، فهودنوا فيما يتعلق بحدود الله، وجيء إلى الضعفاء المساكين فنفذ عليهم حق الله، فهذه الأمة لا تستحق التقديس، وهي إلى الضياع أقرب، نسأل الله تعالى العافية والتوفيق.

    وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الناس سواسية كأسنان المشط)، وكما تقدم في كتاب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى رضي الله عنه : (سوِّ بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك)، وأمره أن يسوي بين الخصمين أمامه، وألا يميل إلى واحد منهما بلحظه أو بنظره، لئلا يطمع الشريف في حيفه، ولا ييأس الضعيف من عدله.

    لأن الشريف إذا وجد القاضي يحابيه أو يصانعه أو يميل إليه، أو يلين له الحديث عند المناقشة؛ فإنه يطمع في المجاملة، والضعيف إذا وجد ذلك من القاضي في نبرات صوته، وفي كلماته وعباراته؛ فحينئذ يدخله كسر الخاطر، ويدخله الرعب والخوف من القاضي.

    ولهذا ينبغي على القاضي أن يسوي بين الخصوم في خصومتهم، وبين مفاهمته معهم، حتى قال بعض القضاة: لو أغضب أحد الخصوم القاضي فرفع صوته عليه، وتكلم القاضي على هذا الذي أغضبه أو أثاره؛ فإنه ينبغي أن ينتهز فرصة من الطرف الثاني ولو كانت أقل من خطأ صاحبه، ويصيح عليه كما صاح على الأول، ليشعر بالمساواة.

    وهكذا تبدأ العدالة من مجلس القاضي: (أجلسهم بين يديك، وأصغ إليهما، ولا تقض لأحدهما حتى تسمع من الآخر..) إلى آخر تلك الإرشادات التي جاءت في خطاب أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه.

    كيف تقدس أمة لم يؤخذ الحق من شريفها لضعيفها؟ لا يمكن، فإذا ما تساوى الجميع وأخذ الحق من القوي للضعيف، شعر الضعيف أنه قوي بالحق، وشعر القوي أنه ضعيف بمصادرته ومصادمته للحق، فيكون الحق هو حق النصر، وحق الاعتدال بين الطرفين كما قيل: الفضيلة وسط بين طرفين.

    وبالله تعالى التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.