إسلام ويب

دروس الحرم [6]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    الجـزية

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    قال ابن حجر رحمه الله في بلوغ المرام: باب الجزية والهدنة: [ عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها -يعني الجزية- من مجوس هجر) رواه البخاري ، وله طريق في الموطأ فيها انقطاع.

    وعن عاصم بن عمر عن أنس وعثمان بن أبي سليمان رضي الله عنهم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة فأخذوه، فأتوا به فحقن له دمه وصالحه على الجزية) رواه أبو داود .

    قال: وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: (بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من كل حالم ديناراً أو عدله معافرياً) أخرجه الثلاثة، وصححه ابن حبان والحاكم .

    وعن عائذ بن عمرو المزني رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإسلام يعلو ولا يعلى) أخرجه الدارقطني .

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه) رواه مسلم .

    وعن المسور بن مخرمة ومروان رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عام الحديبية، فذكر الحديث بطوله، وفيه: (هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض) أخرجه أبو داود وأصله في البخاري .

    وأخرج مسلم بعضه من حديث أنس ، وفيه: (أن من جاءنا منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا، فقالوا: أتكتب هذا يا رسول الله؟! قال: نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجاً ومخرجاً) .

    وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً) ].

    أشرنا إلى تداخل هذا الباب مع أبواب عديدة فيما يتعلق بالأموال التي يحصل عليها المسلمون من غيرهم، سواء كانوا مشركين أو أهل كتاب أو ممن ألحق بأهل الكتاب.

    ومجموع هذه الأموال قد ذكرنا الفرق بينها.

    ممن تؤخذ الجزية

    الجزية: فعلة من الاجتزاء، قال بعض العلماء: إنها تجزئ صاحبها عن الدخول في الإسلام، وعن تسليم جميع ماله، وتعصم دمه.

    وهي تؤخذ ممن أبى الدخول في الإسلام، قيل: من عموم غير المسلمين، وقيل: تؤخذ من أهل الكتاب فقط، فلا تؤخذ جزية من وثني مشرك، وإنما تؤخذ من أهل الكتاب ومن ألحق بهم، وهم المجوس، لأنه جاء عنه صلى الله عليه وسلم: (أنه أخذها من مجوس هجر) ، وقال صلوات الله وسلامه عليه: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب)، وهذه السنة فيما يتعلق بقبول الجزية منهم، وعصمة أموالهم ودمائهم، بخلاف ذبائحهم، وحل نسائهم، فإن فيهم وجهاً من الشرك وفيهم وجهاً من أهل الكتاب، فمن وجه أهل الكتاب قبلت الجزية، ومن وجه الشرك لا تحل نساؤهم، فلا تحل حرائرهم بعقد كما تحل اليهودية والنصرانية، ولا تحل إمائهم بملك يمين كما تحل النصرانية واليهودية.

    وفي مسألتي الذبائح والنساء خلاف، أما الحرائر فبإجماع المسلمين أنه لا يجوز لمسلم أن يعقد عقد نكاح على مجوسية.

    وهل يجوز له أن يستمتع بإمائهم بملك اليمين كالكتابيات؟

    قال الجمهور: لا، وشذ بعض العلماء من غير الأئمة الأربعة وقال: يجوز.

    الجزية مقابلة لفرض الزكاة، فالمسلم يدفع زكاة ماله، وغير المسلم يدفع الجزية، إلا أن الزكاة على الأموال، والجزية على الرقاب، أي: على الأشخاص.

    ولو قارنا بين الزكاة وبين الجزية لوجدناهما وفق الحكمة والرحمة، فأهل الجزية يخفف عنهم، كما جاء في حديث معاذ أنه أخذ على الحالم ديناراً، وكانت الجزية تقدر على الأثرياء: ثمانية وأربعون درهماً، وعلى الوسطاء: أربعة وعشرون درهماً، وعلى العمال الذين لا مال لهم وإنما يتكسبون بأبدانهم كالأجراء أو الفلاحين أو الصناع اثنا عشر درهماً.

    والزكاة في الإسلام ربع العشر، وتكثر الزكاة مع وفرة المال وتنزل مع قلته، فقد يدفع المسلم من زكاة ماله ما يعادل جزية عشرين أو ثلاثين أو خمسين واحداً من أهل الذمة.

    لكن الجزية على من تؤخذ؟

    العلماء يتفقون على أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب، أما الوثنيون فلا تقبل منهم إما الإسلام وإما القتل، وبعضهم يلحقهم بأهل الكتاب، ولكن الجمهور على عدم أخذها منهم.

    شروط من تؤخذ منه الجزية

    تؤخذ الجزية من كل حالم بالغ صحيح معافى ذكر حر، فلا تؤخذ من النساء، ولا من الصبيان، ولا من الشيوخ الكبار، فكل هؤلاء تسقط عنهم الجزية في الإسلام.

    وكانت الجزية يفرضها الفرس على من كان بالعراق قبلهم عندما غلبوهم، وفرضوها على الصغير والكبير والغني والفقير والذكر والأنثى على السواء، وأجحفوا عليهم في ذلك، فلما وجدوا هذا التخفيف في الإسلام بادروا إليها، وكانوا يجمعونها ويقدمونها للمسلمين.

    ومن دفع الجزية في شبابه وغناه وكسبه وقوته، ثم تقدمت به السن وعجز عن العمل ولم يستطع أن يدفع الجزية سقطت عنه، وجاء ذلك عن كل من عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وخالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه.

    فعن عمر أنه رأى رجلاً شيخاً كبيراً يتكفف ويسأل الناس، فقال: (ما شأنك يا رجل؟! قال: أنا رجل من أهل الجزية عجزت عنها، فأنا أتكفف الناس لأجمعها، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: والله ما أنصفناك إن أكلنا شبابك وأفنيناك، ثم أضعنا كبرك وشيخوختك)، وأسقط عنه الجزية، وفرض له رزقاً من بيت مال المسلمين.

    وذكر أبو يوسف في كتاب الخراج أن خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه رأى رجلاً كبيراً ومعه أولاده، وهو يتكفف الناس ويسألهم، فقال: (ما بالك يا رجل؟! قال: أنا من أهل الجزية وعجزت عنها، فأنا أسأل الناس لأقدمها، فقال كلمة عمر : والله! ما أنصفناك )، وأسقط عنه الجزية، وفرض له من بيت مال المسلمين ما يكفيه ويكفي أولاده، لأنه كان معه عياله، ففرض له ولعياله من بيت مال المسلمين ما يكفيهم.

    فالذين تفرض عليهم الجزية من أهل الكتاب هم: الأحرار الذكور البالغون أصحاب الثراء.

    مقدار الجزية

    وهل تكون الجزية ديناراً على كل حال أو ينظر إلى حال اليسار؟

    جاء أن أهل الشام كان يؤخذ منهم الجزية أربعة دنانير، وأهل اليمن دينار واحد، فقيل لـمعاذ : ما بال أهل الشام يدفعون أربعة دنانير وأنت تأخذ من أهل اليمن ديناراً واحداً؟ قال: إنما الجزية حسب اليسار، وكان أهل الشام أهل يسار، وهو أوسع وأكثر من أهل اليمن، ومنهم من يقول: يرجع في هذا إلى اجتهاد الإمام بشرط ألا يكلفهم فوق ما يطيقون.

    عمر رضي الله تعالى عنه لما أتى الجابية مر بأشخاص وقوف في الشمس، فقال: ما هؤلاء؟! قيل: قوم لم يدفعوا الجزية، فقال لهم: لِم لم تدفعوها؟ قالوا: ليس عندنا ما ندفع، فقال: لا توقفوهم في الشمس، ولا تضربوهم عليها، ولا تضيقوا عليهم، من عجز عنها فاتركوه.

    ما هو المال الذي يدفعه من عليه الجزية؟

    أهل الكتاب يستبيحون أشياء هي محرمة في الإسلام، وقد يستبيحون الميتة ويتداولونها بيعاً وشراء، ويتناولون الخمر والخنزير، ولهم ذلك في بيوتهم، وقد تقدم قوم بالعراق إلى عامل الجزية، وقدموا له خمراً بقيمة ما عندهم من الجزية، فكتب عامله إلى عمر، فقال عمر : (لا، لا تأخذوا منهم خمراً ولا خنزيراً ولا ميتة، ولكن ولوهم بيعها، ثم خذوا منهم الجزية).

    هنا نقطة: ربما يظن إنسان أن هذا العمل من الحيلة، هم قدموا خمراً فردها العامل فباعوها وجاءوا بثمنها ودفعوه إليه، فدفعوا ثمن الخمر، وهل يجوز للمسلم أن يأكل ثمن الخمر؟

    أول ما حرمت الخمر؛ وكان الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، فجاء رجل كان من عادته كل سنة أن يهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم زقاق خمر والرسول ما كان يشرب المسكر، ولا كان يشرب النبيذ إذا عليه أيام، فكانت الخمر آنذاك مباحة، وكان قد نزل تحريمها قبل أن يأتي هذا الرجل، فلما قدمها قال: (يا أخا العرب! إن الله قد حرم الخمر) فقام رجل فأسر إلى صاحب الخمر وقال: اذهب فبعها، فقال له رسول الله: ماذا قلت له؟! قال: قلت له: اذهب فبعها، فقال صلى الله عليه وسلم : (إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه) ، ففتح الرجل وكاء الزقاق، وترك الخمر يسيح في الأرض.

    وأيضاً في الحديث: (لعن الله اليهود حرم الله عليهم الشحوم فجملوها -أي فأذابوها- فأكلوا ثمنها)؛ هو محرم فاحتالوا وباعوه فاستحقوا اللعن!.

    إذاً: كيف يقول عمر: ولوهم بيعها؟ لو باعها أمام العامل وأخذ الثمن وأعطاه للعامل، فالعامل قبض نقداً، ولكن من أين هذا النقد؟ هو ثمن للخمر، لكن يقول العلماء: ننظر إلى جهة أخذنا وتملكنا لهذا المال، فهو وجه صحيح، هو حق الجزية من الكتابي، فمادام أخذ المال من الكتابي بوجه مشروع فلسنا مسئولين من أين أتى هذا المال؟

    نحن نعلم أنهم يتاجرون بالخمر والخنزير، ويربون الخنازير كما تربون الأغنام، ويبيعونها فيدخرون الأموال، ويدفعون لكم الجزية منها، وهم حينما يبيعون ويشترون ذلك يظنونه حلالاً بحسابهم، فليس عندهم في بيع الخمر وأخذ ثمنها حساب؛ لأنها مباحة عندهم، ونحن حينما نأخذ منهم الجزية أخذناها بوجه حلال مسموح لنا به، فلا حرج علينا في ذلك.

    هذا ما يتعلق بالمال، ومن تؤخذ منهم الجزية.

    كيف كانوا يعاملون من دفع الجزية؟

    كانوا في سابق الأمر إذا جمعوا أهل الكتاب في مدينة أو في قرية ودفع الواحد منهم ما عليه من الجزية، ختموا في عنقه علامة على أنه دفعها حتى لا تؤخذ منه مرة ثانية، حتى إذا تم جمع الجزية من هذه القرية أو المدينة وعلم أنه لم يبق أحد؛ كسرت تلك الأختام التي في أعناقهم.

    وكان هناك علامات لأهل الذمة يتميزون بها عن المسلمين، منها منعهم من ركوب الخيل، ومنعهم من بعض الأعمال، ومنعهم من حمل السلاح، هذه أمور اصطلاحية في الدولة، والذي يهمنا أنه يدفع الجزية بوجه مشروع.

    وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.