إسلام ويب

الهجرة النبوية [5]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    مواجهة الرسول لقريش بخبر الإسراء

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    أما بعد:

    أيها الإخوة! وصل بنا الحديث في قضية الهجرة إلى بيان أسبابها ومقدماتها، ومن تلك المقدمات: الإسراء والمعراج، وقد أُسري برسول الله صلى الله عليه وسلم وعرج به، وعاد من الإسراء وأخبر أم هانئ رضي الله تعالى عنها، فأوصته الكتمان مخافة أن يكذبه قومه، وذلك استبعاداً منها أن يصدقوه، فما استجاب لها، وخرج إلى الكعبة وهي تمسك بردائه، فيذهب ويجلس وينفرد عند الكعبة عن أندية قريش، ويمر به أبو جهل ويسأله من باب الاستغراب: هل من جديد يا محمد؟ فيقول: بلى. فيخبره بحدث الإسراء والمعراج، فإذا به يطير تعجباً ويقول: إذا ناديت القوم أتخبرهم بما أخبرتني؟ قال: بلى.

    وهنا يتساءل الإنسان: لماذا خرج صلى الله عليه وسلم ولم يبادر بإخبارهم؟ ولماذا انفرد في مجلسه وفي بعض الروايات: (فجلس كئيباً يفكر

    ولعل الجواب في ذلك بأنه لم يخبرهم ابتداءً لما علم من شدة وقع الخبر على أم هانئ ، فعلم أنهم سيكونون مثلها، ولاسيما وهم لم يؤمنوا، أما جلوسه منفرداً وعلى تلك الصورة فهذا يعطينا ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من تحمل المسئولية، فهو الآن بين أمرين:

    إن أخبرهم فهو يعلم أنهم سيكذبونه.

    وإن سكت فقد كتم ما أمره الله به، وهو لا يمكن أن يسكت أو يكتم حقاً يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ [المائدة:67] ولهذا كان مقام النبوة تكليفاً عظيماً بجانب أنه تكريم وتشريف.

    ذهب أبو جهل ودعا القوم، وقال: أخبرهم بما أخبرتني به، فأخبرهم، فقاموا ما بين مصفق ومصفر مستبعدين هذا الحديث، وذهبوا إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وقالوا: ألم تسمع ما يقول صاحبك؟

    قال: وماذا قال؟

    قالوا: يقول إنه أسري به إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء في ليلة!

    قال: إنه لم يقل ذلك. قالوا: بلى إنه قال؛ فهلم واسمع منه.

    قال: إن يكن قاله فقد صدق! قالوا: أتصدقه في أنه أتى بيت المقدس ورجع في ليلة، قال: بلى. ثم كشف لهم عن حقيقة الأمر، فقال: إني لأصدقه على خبر السماء -ومعلوم أن ما بين السماء والأرض خمسمائة سنة، وسمك كل سماء خمسمائة سنة، وما بين كل سماء وسماء خمسمائة سنة- فكيف لا أصدقه على بيت المقدس؟

    قاعدة انطلاق العمل بالشرع

    نقف هنا وقفة مع قوله سبحانه: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [الفتح:27-28] ثم يأتي بجملة اسمية: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح:29]، وعند هذه الجملة -المبتدأ والخبر- تقوم جميع التكاليف، وينبني جميع التشريع، ويلتزم المسلم بكل أوامر ربه.

    قاعدة انطلاق العمل والاعتقاد بكل أنواعها: من عقائد، معاملات؛ دنيوية وأخروية، وبشرية؛ لأن الإنسان الفرد قبل أن يوقن ويؤمن بأن محمداً رسول الله لن يقبل شيئاً، أما إذا آمن وصدق بأن محمداً رسول الله فإنه سيقبل كل ما جاء به محمد في رسالته عن الله؛ ولهذا لما جاء سهيل بن عمرو في صلح الحديبية وأرادوا أن يكتبوا الصحيفة قال صلى الله عليه وسلم: (اكتب يا علي ! هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال: سهيل بن عمرو : لا تكتب (محمد رسول الله) لو كنت أعلم أنك رسول الله ما قاضيتك ولما منعتك عن البيت، اكتب: محمد بن عبد الله)؛ فقاعدة الإيمان نقطة الانطلاق، بل هي الفارق بين الحق والباطل، بين الإيمان والتصديق والكفر والتكذيب، (محمد رسول الله) كلمة من قالها التزم بكل ما جاء به.

    وقد أشرنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم حدث أصحابه ذات يوم فقال: (إن رجلاً من بني إسرائيل ركب بقرة -ماشية بطيئة- فالتفتت إليه وقالت: يا هذا؛ إنا لم نخلق لهذا! فقالوا: يا عجباً بقرة تتكلم! فقال صلى الله عليه وسلم: نعم وأنا أومن بذلك ومعي أبو بكر وعمر وما هما ثمة ) أي: لم يكونا موجودين والرسول يخبر عنهما أنهما يصدقان ذلك كما هو يصدقه، والذي جعل الرسول عليه الصلاة والسلام يحكم على أبي بكر وعمر بأنهما يصدقان بذلك وهما ما سمعا ولا حضرا، أنه يعلم مدى يقين وإيمان أبي بكر وعمر بما يحدثهما به.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (عدا الذئب على غنمة فطلبها الراعي واستنقذها منه، فقال الذئب للرجل: من لها يوم لا يكون لها راع غيري؟ فقالوا: عجباً لذئب يتكلم! قال: وأنا أومن بذلك ومعي أبو بكر وعمر) .

    وقد حدث في هذه الأمة مثل ذلك، يقول ابن كثير: في عام الوفود سنة تسع من الهجرة، بعد فتح مكة وقبل حجة الوداع، جاءت وفود العرب إما لتعلن إسلامها، وإما لتجدد إيمانها، وفي تلك السنة جاء وفد الذئاب!! قال الذهبي : فجاء ذئب وأخذ يحوم حول القوم إلى أن جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ يلعب بذنبه وأخذ يحادثه، فإذا بالرسول صلى الله عليه وسلم يقول : (هذا وافد الذئاب إليكم، كم ستعطونه من أغنامكم، قالوا: والله لا نعطيه شيئاً)، فهذه أمور فوق العقل، ولكن إذا صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا إشكال بعد ذلك.

    ومن ذلك كثير، فالجماد -الحصى- سبح في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، والجذع يحن إليه ويسمع حنينه جميع من في المسجد، والذي يهمنا هو قوله صلى الله عليه وسلم: (تكلم الذئب وأنا أومن بذلك ومعي أبو بكر وعمر، وما هما ثمة) .

    منطلق تصديق أبي بكر وعمر وشهادة رسول الله لهما أساسها إما سماع وإما مشاهدة، والشاهد سمي شاهداً لأنه شاهد بعينه، والشاهد يعلم الغائب، وهذه ليست عن مشاهدة بعين ولا باستفاضة سمع، ولكن عن إيمان وتصديق بأن محمداً رسول الله.

    وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بيت المقدس لقريش

    وبعد أن اجتمعوا عليه صلى الله عليه وسلم قالوا له: صف لنا بيت المقدس، وهم يعلمون أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يعرف بيت المقدس ولم يسافر إليه قبل ذلك، وأنه عندما خرج به عمه إلى الشام لقيهم راهب في الطريق وكان هذا الراهب يعرفه أهل مكة وينزلون عنده ويبيتون ويضيفهم، فكان يسأل ويقول: أبعث فيكم نبي؟ قالوا: ما سمعنا بهذا، فلما كان ذلك الوقت الذي مر فيه النبي صلى الله عليه وسلم صنع لهم طعاماً، وقال: احضروا مأدبتي، وما كان يفعل ذلك من قبل، فحضروا جميعاً، فلما نظر في وجوه القوم فلم يجد طلبته قال: أكلكم حاضر، قالوا: ما غاب عنا إلا غلام قال: ائتوا به؛ فلما جاءوا به وعرف علاماته قال لعمه: ماذا يكون منك هذا الغلام، قال: ولد أخي، قال: ارجع به ولا تذهب به إلى الشام إني أخاف عليه اليهود، فإنه سيكون له شأن.

    يقول صلى الله عليه وسلم: (فلقد كربت كرباً شديداً) أي: لسؤال قريش؛ لأن لهم حق الطلب وهو ليس عنده الجواب لأنه دخله ليلاً فكيف يصفه؟

    وهذا السؤال فيه دليل على أنه عليه الصلاة والسلام أُسري وعُرج به روحاً وجسداً في اليقظة.

    الخلاصة قال عليه الصلاة والسلام: فكربت كرباً شديداً، فإذا بجبريل عليه السلام يرفع لي بيت المقدس فأراه وأنظر إليه. وأخذ يصفه لهم بقدرة الله عز وجل.

    ولا تسل: كيف؟ بل الواجب علينا أن نؤمن بذلك: هل انفرج له طريق في الفضاء، وأزيحت له الجبال، هل جيء به أمامه؟ هل أعطي القدرة على الرؤية عن بعد؟ كل هذا بقدرة الله، وكما أخبر صلى الله عليه وسلم، فقد جلاه له جبريل وأخذ ينظره ويديره ويقلبه ويصفه من كل جهة شاءوا.

    فذهلوا وصدقوا وأيقنوا أن الوصف صحيح، لكنهم لم يصدقوا بأنه أُسري به في ليلة، ثم قال لهم: مررت بعير بني فلان وسمع حفيف البراق فند جمل لهم وانكسرت فخذه، ومررت بعير لبني فلان وكانوا نياماً واضعين ماءً في إناء مخمر بكذا فشربت الماء، ومررت بعير بني فلان تصل إليكم مطلع الشمس يقدمها جمل أورق وعليه غرارتان صفتهما كذا.

    فخرجوا ينتظرون العير في الموعد الذي أخبرهم به، وفي تلك الساعة المحددة بطلوع الشمس إذا بالعير تخرج عليهم كما وصف صلى الله عليه وسلم.

    وبعد فترة جاءت عير بني فلان، فسألوهم عن الماء، فقالوا: نعم كان لنا ماء في إناء مغطى وفي الصباح لم نجد منه شيئاً، ثم جاءت عير بني فلان فسألوهم عن البعير الذي ندّ وانكسرت فخذه، فقالوا: نعم والله في المحل الفلاني سمعنا صوتاً وما رأينا شيئاً؛ لأن الدنيا كانت ليلاً.

    والحكمة من هذا الجمع بين بيت المقدس وبين البيت الحرام هي إعلام النبي عليه الصلاة والسلام أن تلك الأرض ستكون أرضاً إسلامية يفتحها الله على أمة الحبيب محمد عليه الصلاة والسلام.

    ولتكون رحلة الإسراء دليلاً على المعراج؛ لأنه لو عرج به عليه الصلاة والسلام من الكعبة مباشرة إلى السماء، فمن أين سيأتي لهم بعلامات وأدلة على صدقه، وهم أصلاً لا يعرفون السماء.

    دخول النبي صلى الله عليه وسلم للجنة وما رآه فيها

    (دخل النبي عليه الصلاة والسلام الجنة، ورأى قصراً عظيماً فيها، فيه حور عين فقال: لمن هذا؟ قالوا: لفتى من قريش يقال له عمر بن الخطاب يقول صلى الله عليه وسلم: لقد هممت أن أدخل وأنظر ما فيه، ولكني تذكرت غيرتك يا عمر، فيبكي عمر -فرحاً بهذا الخبر واحتراماً لما احترم به رسوله شعوره- ويقول: أو منك أغار يا رسول الله).

    ورأى أيضاً قصراً لـزيد بن حارثة رفيقه في رحلة الطائف.

    وأيضاً سأل بلالاً : (أي عمل لك أرجى عند الله؟ لقد سمعت حفيف نعليك أمامي في الجنة) بلال عبد حبشي اشتراه أبو بكر وأعتقه، وليس ملكاً من ملوك العالم ولا سيداً من سادات العرب؛ لكن الإسلام أعلى وأعز نسباً فيقول: (يا رسول الله! إني ما أحدثت حدثاً إلا أحدث له وضوءاً، وما توضأت وضوءاً إلا وصليت به ركعتين)، وهو ما يعبر عنه الفقهاء بسنة الوضوء فقال: (بذلك سبقتني يا بلال) فنسب العبد عند الله عمله لا غير.

    وذكر نتائج أعمال الجهاد في سبيل الله، الذين يحصدون وينبت النبات من ورائهم ثم يحصدونه مرة أخرى، وكلما انتهوا من الحصاد رجعوا ثانية وهكذا، وهذا هو تفسير قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة:261] ورأى ما عليه أكلة الربا، ورأى من لم يعمل بعلمه والآثار والنتائج المترتبة على ذلك، وأصبح يوم البعث الذي هو غيب مخفي عن البشر حقيقة مشاهدة أمامه، فازداد بهذا يقيناً؟

    1.   

    ترتيبات الهجرة في بيت أبي بكر والخروج إلى الغار

    ثم بعد ذلك كان أمر الأوس والخزرج من المبايعة، وكان حدث الهجرة، وقد هاجر الكثيرون.

    والرسول ما بادر بالهجرة قبل الناس بل كان كأنه يقود ركباً، وقائد الجيش يكون في المقدمة عند المعركة وفي مؤخرته عند الرحلة، فتأخر صلى الله عليه وسلم في مكة ولم يبق بعده إلا إنسان عاجز عن الهجرة، وكل من كان يستطيع الهجرة فقد هاجر، وهناك كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يتطلع إلى الهجرة مثلما هاجر الناس، أما عمر فقد هاجر وعثمان هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وكلما أراد أبو بكر الخروج إلى الهجرة يقول له صلى الله عليه وسلم: (لا تعجل لعل الله يجعل لك رفيقاً).

    مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر

    تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (ما كانت تمر ليلة ويخطئ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي إلى بيت أبي بكر إما عشية أو صباحاً) تقول: (وفي ظهيرة يوم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا وما كان يأتي في مثل تلك الساعة، فلما دخل وسلم تنحى له أبو بكر عن سريره وأجلسه بجواره، فقال صلى الله عليه وسلم: أخرج عنا من هنا).

    تبدأ الآن الخطة، وهي تحتاج إلى كتمان وسرية، وهكذا كان منهج الهجرة تشريعاً وتعليماً ومنهج وطريقة حياة، لكل الدعاة يجب عليهم أن يعملوا بها، قال: (أخرج عنا من هنا، فقال أبو بكر : يا رسول الله! ما هما إلا ابنتاي، وما عليهم بأس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أذن لي في الهجرة، فقال أبو بكر: الرفقة يا رسول الله، قال: نعم، قالت: عائشة: والله ما رأيت إنساناً يبكي فرحاً كبكاء أبي بكر في ذلك اليوم) فقال أبو بكر: (يا رسول الله! هاتان راحلتان كنت أعددتهما لهذا اليوم).

    قال العلماء: فذهب أبو بكر وبحث عن الدليل الخريت الذي يؤتمن على السر ويقوم بالخدمة، فجاء إلى عبد الله بن أريقط وكان على دين قومه، ولكنه معروف مشهور بالأمانة والوفاء، وبمعرفة الطريق، فأعطاه الرواحل وواعده عند الغار بعد ثلاثة أيام.

    خروج الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة ومطاردة قريش له

    تقول عائشة رضي الله عنها: فلما كان ليلة الهجرة علمت قريش أن المسلمين قد هاجروا إلى المدينة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجد داراً وأهلاً وأعواناً وسيقاتلهم بهم.

    فأرادوا قتله، وأرادوا تنفيذ المؤامرة في ليلة الهجرة كما جاء في الآية الكريمة: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30].

    فجاء صلى الله عليه وسلم إلى علي وقال: (يا علي ! نم في فراشي وتسجَّ ببردي ولن يصل إليك منهم أذى).

    علي في ذلك الوقت عمره في حدود السبع عشرة سنة، وها هو إيمان الفتية، وها هو أثر الشباب والناشئة في نصرة دين الله، فأهل الكهف كانوا فتية آمنوا بربهم، وصاحب موسى في الهجرة لطلب العلم كان فتى، كما قال قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا [الكهف:62].

    لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، أتى معهم أحد الفتيان وكان صغيراً، فرده النبي عليه الصلاة والسلام، فعاد مرة أخرى يقف على أطراف أصابعه ليراه النبي عليه الصلاة والسلام صالحاً للقتال فيقبله، لكن يراه النبي عليه الصلاة والسلام ويرده مرة أخرى، وهكذا، فيقول له أخوه: لماذا تفعل هذا، فيقول: أريد الشهادة.

    وفي أحد يرد النبي عليه الصلاة والسلام غلاماً صغيراً، فيقولون: يا رسول الله! إنه رام، فيقبله عليه الصلاة والسلام، ويمر صحابي على غلام آخر يبكي، فيسأله: ما يبكيك يا غلام؟! فيقول: أجاز فلاناً ولم يجزني وأنا أصرعه، فأخذه إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره الخبر، فأتى بهما وتصارعا فصرع صاحبه، فأجازهما النبي عليه الصلاة والسلام.

    وهنا يأتي علي رضي الله تعالى عنه وينام في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن سبعة عشر عاماً، وهو كله ثقة وإيمان ويقين بوعد رسول الله إليه: (لن يصلك منهم أذى).

    تقول عائشة : وخرج رسول الله مع أبي بكر من خوخة في ظهر بيت أبي بكر، ويصل أبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلاً إلى الغار، فما كان من أبي بكر رضي الله تعالى عنه إلا أن يحتاط ويتحرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أحداث غار ثور

    يقول ابن كثير : فلما وصلا إلى فم الغار قال أبو بكر للنبي عليه الصلاة والسلام: (على رسلك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار) السين والتاء في الفعل للطلب، كما تقول: أستفسر أستشفع، أي: أطلب البراء في الغار من كل ما يخشى منه، والغيران في تلك المناطق مظنة الهوام والوحوش والحشرات، فينزل أبو بكر رضي الله تعالى عنه ويتحسس أرض الغار حتى يستأمنها ثم يقول لرسول الله : أنزل على بركة الله يا رسول الله.

    فينزلون في الغار، وقد كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه من تجار مكة، وكان عنده ولده عبد الله ، فقال: يا عبد الله انزل في النهار إلى مكة وكن مع الناس لتسمع ما يقولون، وفي الليل تأتي لنا بالخبر، فكان عبد الله أشبه بجهاز إعلامي، ولكن إذا غدا عبد الله في النهار وذهب في الليل فإن أثره سيظهر في الطريق، فيكون دليلاً على مكان رسول الله وأبي بكر ، ولذلك أمر أبو بكر داعيه عامر بن فهيرة بأن يأتيه بالغنم ليلاً ليمحو الأثر ويسقيهما من اللبن، فأحكمت الخطة.

    ولما أصبح الصبح وعلمت قريش بالخبر، وأن النائم هو علي بن أبي طالب أسقط في أيديهم، ومن المعلوم أن نوم علي وبقاءه في مكة كان لأمرين: الأول: للتمويه، والثاني: لرد الودائع التي كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهلها، فالعجب كل العجب كيف يأمنونه على أنفس ما لديهم من أموالهم ولا يأمنونه على (لا إله إلا الله)!

    وهنا نقطة عظيمة جداً في الأخلاق والأمانة والوفاء، فقد كان القوم يتآمرون على قتله صلى الله عليه وسلم، وهو يحتال لأجلهم لرد أماناتهم إليهم، ولم يأخذها معه، فأي وفاء وأي أمانة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والعلة في عدم ردها قبل هجرته عليه الصلاة والسلام؛ لئلا يفشي أمر الهجرة وتفشل الخطة.

    ثم لحق علي برسول الله صلى الله عليه وسلم وأدركه في قباء قبل أن ينزل المدينة.

    هناك في الغار يأتي الطلب، واقتفوا آثار الأقدام فدلتهم إلى الغار، وهذا شيء طبيعي، وحينما وصلوا إلى الغار وقفوا حائرين بين ما ترى أعينهم وبين ما تدرك عقولهم، وقفوا وقالوا: واعجباً! هذا الأثر يقودنا إلى الغار، ولكن الغار على بابه نبت نابت متدل إلى الأرض ولم يقطع، مما يدل على أن أحداً لم يدخل.

    ويجدون على فم الغار نسج عنكبوت يملأ فتحة الغار، فمتى جاء العنكبوت ونسج هذا الستار الكبير على باب الغار!

    ويجدون على فم الغار عش حمامة وفيه بيضة، فمتى جاءت الحمامة وبنت عشها وباضت؟

    عيونهم تردهم، وعقولهم تدفعهم، فوقفوا في حيرة بين منطق العقل بأن الأثر توقف هنا، وبين رؤية العين بأن فم الغار لا يسمح بدخول أحد.

    فأمام تلك المشاهدات رجعوا من فم الغار، وما الذي ردهم وصدهم: هل هي الجيوش المجيشة، أم هم الفرسان الأشداء؟

    لا، إن الذي ردهم من أضعف جند الله عز وجل -عنكبوت- قال الله عنه: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ [العنكبوت:41] لكأن الله يقول: قوتكم وغضبكم وحميتكم ما هي إلا كبيت العنكبوت الذي شاهدتموه.

    دروس من وقاية الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر في غار ثور

    هناك حدثان: أحدهما مع أبي جهل والآخر في بني إسرائيل:

    أما الحدث الذي مع أبي جهل والرسول صلى الله عليه وسلم في مكة: أنه جاء رجل من اليمن بتجارة قماش، وأخذ يبيع للناس، فباع لـأبي جهل نسيئة، وذهب إليه ليعطيه الثمن فجحده، فجاء إلى نادي قريش وقال: يا قوم!! خلصوا لي حقي، قالوا: لا نقدر. قال: دلوني على من يقدر؟ فدلوه على رسول الله صلى الله عليه وسلم سخرية؛ ولأنهم يريدون الوقيعة بالنبي عليه الصلاة والسلام.

    فذهب واشتكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام وذهب معه إلى أبي جهل ، وطرق عليه الباب، فخرج إليه ورحب به عليه الصلاة والسلام وقال: ماذا تريد يا محمد؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أعط هذا الرجل حقه، فدخل البيت وأعطى الرجل حقه، وذهب اليمني وقال لمن دله على النبي عليه الصلاة والسلام، نِعم من دللتموني عليه! فقد أعاد لي حقي.

    فلما سألوا أبا جهل عن سبب ذلك قال: والله لو رأيتم ما رأيت ما تكلمتم بكلمة، والله ما إن طرق محمد عليّ الباب إلا كاد قلبي أن ينخلع، فلما خرج ونظرت إليه وجدت عند كتفيه فحلين عظيمين كل منهما فاتح فاه يريد أن يلتقمني، سبحان الله! فالله يؤيد بنصره من يشاء.

    ولنرجع إلى الغار: فهؤلاء القوم جاءوا بصدور حاقدة وسيوف مصلتة بأيديهم يطلبون ثأراً لهم، لأنه تحداهم وسخر منهم عندما وضع التراب على رءوسهم ، وعند فم الغار لم يكن هناك فحلان أو غير ذلك، إنما كان هناك عنكبوت، ليؤكد الله لهم أنهم أضعف من العنكبوت، وقيل في تحليل هذه الأمور: إن نسج العنكبوت كان مثالاً لضعفهم، والنبت المتدلي كان رمزاً إلى النبت والجناء والزرع والغرس والخير والزيادة، والحمامة دليل رحلة السلام، وأما الفرخ الذي داخل البيضة لكأنه يقول: لا زال الإسلام في البيضة، وغداً ستنكسر البيضة، ويخرج الفرخ، فيحلق بجناحيه ويطير حيث شاء.

    الحدث الثاني: ما أخبر به صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة من بني إسرائيل خرجوا فآواهم المبيت إلى غار فلما دخلوا الغار وإذا بصخرة تقع على فم الغار وتسده، ولم يستطيعوا الخروج، وقاموا يتوسلون بصالح أعمالهم، فأولهم الذي توسل بالأمانة في حق الأجير، وثانيهم: الذي توسل ببر الوالدين، وثالثهم: الذي توسل بالعفة عن الحرام، والصخرة تنزاح بعد كل توسل شيئاً فشيئاً حتى خرجوا.

    أما كان من الممكن إنزال صخرة تسد فم الغار أمام المشركين، لكن لم يحدث شيء من ذلك، بل ردهم نسيج العنكبوت.

    موقف الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر في الغار وفي غزوة بدر

    وأما في داخل الغار فـأبو بكر يقول للرسول عليه الصلاة والسلام: (والله يا رسول الله لو نظر أحدهم أسفل نعليه لأبصرنا؛ فقال عليه الصلاة والسلام بكل طمأنينة: يا أبا بكر ! ما ظنك باثنين الله ثالثهما).

    ويسجل القرآن الكريم ذلك فيقول: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40].

    قد يقول قائل: لو اقتحموا عليهم الغار من أين سيكون المفر؟ يقول بعض الرواة -وبعضهم ينكرون هذه الروايات-: إن الله فتح لرسوله فتحة من الجبل إلى البحر وأراه سفينة واقفة، وكأن الله يقول: لا تخف فنصري معك وتأييدي بين يديك.

    ولنعقد مقارنة بين موقف النبي عليه الصلاة والسلام، وموقف أبي بكر هنا في الغار، وبين موقف النبي عليه الصلاة والسلام وموقف أبي بكر في بدر:

    ففي بدر كان النبي عليه الصلاة والسلام خائفاً قلقاً، حتى عندما دخل العريش قام يناشد ربه ويدعوه ويقول: (اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض بعد) وأبو بكر هادئ مطمئن ساكن، يهدئ من روع النبي عليه الصلاة والسلام ويقول: (حنانيك يا رسول الله، والله إن الله لمنجز لك وعدك..).

    أما في الغار فكان العكس: فالنبي عليه الصلاة والسلام هادئ ساكن وأبو بكر قلق مضطرب يقول: (يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى قدميه لرآنا)، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما).

    الشدة هي الشدة، لكن لماذا تغير أسلوب التعامل هنا عن هناك؟

    أما سبب اطمئنان الرسول عليه الصلاة والسلام في الغار رغم أنهما اثنان فقط، فلأن الله قد وعده بالنصر، أما في بدر فلأنه أصلاً لم يخرج للقتال إنما خرج يريد العير فجاء النفير، ولم يكن موعوداً بالنصر، وكان خوفه على أصحابه ولم يكن على نفسه.

    نسأل الله السلامة وجزاه الله عنا خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.