إسلام ويب

الهجرة النبوية [4]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حال الأوس والخزرج قبل الهجرة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصبحه أجمعين. أما بعد:

    أيها الإخوة: تقدم الكلام على موضوع الهجرة، وتقدم بيان أن الحديث يتناوله من عدة جهات،

    وذكرنا الدوافع والأسباب التي أدت إلى الهجرة، سواء كانت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، أو هجرة الأنبياء من قبله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

    وكان ملخص ذلك: اشتداد إيذاء الكفار للمسلمين، وتضييقهم عليهم، وعدم تمكينهم من أداء عبادتهم لله على الوجه المطلوب، ومعلوم أن الأرض كلها لله، والإسلام لا يعرف وطناً.

    ثم ذكرنا من مقدمات الهجرة: خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وهو من الأسباب والمقدمات، وكان من أقوى المقدمات مجيء أناس من الأوس والخزرج كانوا يسمعون من اليهود بقرب مبعث نبي سينتمون إليه، ويقاتلون العرب معه ويستأصلونهم، وكان من عادته صلى الله عليه وسلم أن يعرض نفسه على العرب في مواسم الحج وفي أسواق العرب، فعرض نفسه على هؤلاء النفر وعرفوه، ثم رجعوا إلى المدينة وفشا الخبر بها، وفي العام الثاني تضاعف العدد، وكانت بيعة العقبة من المقدمات.

    وأيضاً مما قوى ودعم تلك المقدمات: ما جاء في قول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (كانت الحرب بين الأوس والخزرج مائة سنة، كلما أخمدت اشتعلت، وما انتهت إلا قبل الهجرة النبوية بخمس سنوات، فكانت تهيئة لمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم) لأنهم ملوا الحرب.

    وفعلاً -يا إخوان- الحرب دمار وضياع، والمنتصر فيها خسران، وكما يقولون: الحرب في أوائلها تقبل كفتاة تدل بجمالها وبشبابها وبروائها، فتغري المغرورين الذين ينخدعون بزخرفها ومطامعها، وخاصة إذا كانت لديهم العدة والعتاد، فعند نشوة القوة لا يفكرون في العواقب، ولكنها بعد فترة تقف كعجوز شمطاء قد ذهب شبابها، وذبل رواؤها، وانطفأ جمالها، وتقوس ظهرها!

    ظلت الحرب بينهم مائة سنة، وملها الناس، وأخذ كل يبحث عن الخلاص، وكان اليهود إذا غُلبوا يتوعدون العرب ببعثة نبي آخر الزمان وأنهم سوف يتبعونه، فكان الجو في المدينة مهيأً، وأري النبي صلى الله عليه وسلم دار هجرته كما قال: (أريت دار هجرتي، أرضاً سبخة ذات نخيل، وأُراها هجر أو يثرب).

    هجر هي: الأحساء، ويثرب هي: المدينة، والذي يعرف البلدين يجد الشبه بينهما -في التربة والمناخ والأشجار- قوياً جداً، ثم أراد الله الكرامة والشرف والخير للمدينة.

    1.   

    حادثة الإسراء والمعراج

    الحديث عن الإسراء كمقدمة للهجرة نوجزه في الآتي:

    بداية الإسراء

    كان صلى الله عليه وسلم في بيت أم هانئ -كما في رواية البخاري - مستلقياً على ظهره، فإذا بسقف البيت انفرج، ودائماً ننبه أن السيرة النبوية ليست مجرد قصص أو روايات، بل يجب على المسلم أن يقف عند كل جزئية وكل حدث ليستخلص العبرة.

    انفرج السقف ونزل ملكان بصورة رجلين فأخذاه إلى الحطيم إلى زمزم، وشقا صدره، وأخرجا قلبه وغسلاه بماء زمزم، وملآه إيماناً وحكمة، ثم كانت الرحلة المباركة.

    نقف وقفة: هل هذه أول مرة يأتيه ملك أو ملكان، أو أن جبريل وغيره كانوا يأتون إليه مراراً؟ وهل كانوا يرونه موضع مجيئهم؟

    لا. لم يكن يشعر إلا وجبريل عنده، يأتي من الجدار أو الباب أو السقف أو الأرض، لا يدري إلا وجبريل أمامه، لكن في هذه المرة بالذات تغاير مجيء الملك عن المرات الأخرى، في المرات المتقدمة كان يأتي جبريل ويوحي إليه بما أوحاه الله إليه، يجيء مجيئاً سلمياً تعليمياً، لكن هذه المرة كان فيها شق الصدر، والصدر دم ولحم وهو إنسان، فلكي لا يجزع صلى الله عليه وسلم أراه الله هذا السقف ينفرج وهو جماد من جذوع النخل أو من خشب الشجر، وينزل من نزل منه ثم يعود فينطبق، فإذا رأى الجماد الذي لا يحس ولا يلتئم ولا يلتحم؛ إذا رأى بعينه انفراجه والتحامه، فلا يشق عليه إذا أسند ووسد ليشق صدره، والصدر دم ولحم, وكم من عضو ينجرح ثم يلتئم؛ لأن الجسم فيه حيوية وقابلية لالتئام الجروح، فالتئام الجرح بعد الشق أقرب وأيسر من التئام السقف وهو من الجماد؛ فكانت هذه كما يقال: عملية تنبيه وطمأنينة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فإن قيل: قد سبق أن شق صدره وهو رضيع في بني ساعدة عند حليمة رضي الله تعالى عنها؟

    نقول: نعم، ولكن كان طفلاً صغيراً، ولما جاء أخوه من الرضاعة إلى أمه وقال: أدركي أخي! فإن رجلين أخذاه فأضجعاه وشقا صدره! أي: غصباً عنه، والآن هو كبير، بعد البعثة، وهو وفي درجة النبوة عندما يشق صدره، إذاً: كان انفراج السقف بمثابة الطمأنينة، وشق صدره لم يكن عملية جراحية فيها تخدير، بل يرى بعينه، ويدرك بقلبه وشعوره.

    شق الصدر ليلة الإسراء ودوره في التهيئة للمعراج

    هنا وقفة أخرى: ما الحاجة إلى شق الصدر، وغسل القلب بزمزم، وملؤه إيماناً وحكمة ويقيناً؟

    السلف كانوا يقولون: من باب التبرك، وزيادة الإيمان واليقين، أما نحن الآن فنستطيع أن نضيف شيئاً جديداً؛ لأننا في زمن غزو الفضاء، وفي زمن تدريب وتهيئة رجال الفضاء، فهم تأخذهم الدول، وتجري لهم التجارب، وتعمل لهم الاحتياطات في زمن طويل، ثم تلبسهم من اللباس ما يقاوم الطقس الجوي، ويقاوم عملية الاحتكاك، ويضعونهم في مركبات خاصة، ولولا ذلك المركب لاحترقوا من سرعة وقوة احتكاكهم بالهواء وبالأجرام من حولهم.

    كان ذاك العمل يحول من شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم من بشر عادي إلى بشر فوق العادي من الناحية المادية والجسمانية، ليستطيع أن يقاوم وأن يخترق هذا الفضاء مع سرعة الانتقال وشدة الاحتكاك دونما ضرر عليه.

    ومن جانب آخر -وهو أقوى وأهم- تهيئة يقينية معنوية روحية ليقوى على القيام في ذاك المقام الذي ذكره القرآن: بالتنويه عنه أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى [النجم:12-14]، ثم مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم:17-18].

    فتلك الآيات الكبرى يزيغ بصر الإنسان العادي عنها، ولا يقوى على تصورها، ويطغى فؤاده فلا يقوى على إدراك ما هو أمامه، أي: تأخذه دهشة الموقف، ولكن ما سبق لرسول الله جعله رابط الجأش، ثابت القدم، حاد البصر، ثابت الجنان، قوي القلب، ما زاغ بصره عما رأى من سدرة المنتهى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى [النجم:16].

    (ما) هنا للتنكير وللتعظيم، كقوله: الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة:1-2]، وأمام هذا الذي غشي السدرة ما زاغ البصر، وما زاغ الفؤاد، مع أنه رأى من آيات ربه الكبرى!

    إذاً: كان هذا الإعداد ليتهيأ وليقوى على ذلك الموقف، وقد جاء في الحديث: (أن سدرة المنتهى ينتهي عندها خبر الأرض، وينتهي إليها خبر السماء، ووقف جبريل عندها وقال: هذا منتهاي يا محمد؛ تقدم أنت!)، إذاً: الموقف يحتاج إلى إعداد، ويحتاج إلى تهيئة، فكان ذلك بشق الصدر وملئه إيماناً وحكمة.

    وجيء بالبراق، والبراق -كما وصفه صلى الله عليه وسلم- دابة دون الفرس وفوق الحمار، يضع حافره حيث انتهى طرفه، أي أن خطوته مد البصر، كما يقال في عرف الوقت الحاضر: سرعة الضوء، وسرعة الضوء تتضاعف أضاعفاً على سرعة الصوت، إذاً: لا نستنكر الذهاب في لحظات، والعودة في لحظات.

    قُرِّب البراق فلم يثبت، فقال له جبريل: (اثبت! فما ركبك خير منه) صلى الله عليه وسلم، يقولون: إن إبراهيم ركب البراق، وكان يأتي من الشام إلى مكة عليه لكي يزور هاجر وإسماعيل، وهي شهر ذهاباً وشهر إياباً! فيذكرون أن البراق كان في الأمم الماضية ولكن: ما ركبه خير منه صلى الله عليه وسلم، فثبت البراق، وتصبب عرقاً، وينطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه بصحبة جبريل إلى بيت المقدس.

    1.   

    الربط بين أحداث السيرة

    من واجب أحداث السيرة والتاريخ: الربط بين الصور المتقاربة، أو الجمع بين المتماثلات، ففي رحلة الإسراء مر صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وببيت لحم وغيرها إلى بيت المقدس، وبين الهجرة والإسراء سنة وبضعة أشهر.

    ففي الإسراء يأتي البراق ويأخذه من مكة إلى بيت المقدس في سرعة كسرعة الضوء، وبرفقة جبريل، بعد هذا جاءت الهجرة، والهجرة: انتقال الدعوة إلى موطن جديد، وكان الصديق رضي الله تعالى عنه تارة يمشي أمام رسول الله، وتارة من ورائه، وتارة يميناً، وتارة يساراً، فرأى منه رسول الله هذه الحالة فقال: (يا أبا بكر ما لي أراك تارة أمامي، وتارة ورائي، وتارة عن يميني، وتارة عن شمالي؟) أي: لماذا أنت غير مستقر على حالة واحدة؟

    وانظر الفداء الصحيح، وانظر إلى الإيمان بالله؛ قال: (أتذكر الرصد فأكون أمامك) أي أخاف أن يكون هناك من يرصد الطريق فأكون أنا أمامه، (وأتذكر الطلب) أي: من يلحقهم من روائهم، (فأكون خلفك)، وكذلك عن اليمين واليسار.

    ولذا يجب على ولاة الأمور والقادة عند الأمور العظيمة الخطيرة أن يأخذوا أهبتهم لها، وأن يعدوا العدة، ولا يكونوا غافلين، فقال صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر ! أتود لو كان شيء أن يكون فيك دوني؟ قال: بلى يا رسول الله أريد ذلك!)، حقاً لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح عليها، وقال معللاً لذلك: (يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، إن أصب أصب وحدي -أي : أنا فرد من الناس- أما أنت فصاحب الرسالة ) أي: لست فرداً من الأمة، بل أنت تحمل رسالة الله إلى الخلق، إذاً: من واجب الخلق جميعاً أن يفدوا رسول الله بأنفسهم وأموالهم.

    خرج رسول الله، ودخل الغار، ومكث فيه ثلاثة أيام، بينما في الإسراء والمعراج كان بصحبة جبريل، فذهب في لحظات ثم رجع، لماذا لم يأت البراق في رحلة الهجرة كما جاء في حلة الإسراء والمعراج.

    فتلك رحلة سماوية وهذه رحلة أرضية، فكان الإسراء بالبراق وبصحبة جبريل، والهجرة كانت على الأقدام وعلى الرواحل، وباختفاء وبدخول إلى الغار، وبقيادة رجل مشرك، وهو عبد الله بن أريقط وهو على دين قومه.

    أما المغايرة فلأن رحلة الإسراء كانت رحلة تكريم، ورحلة اطلاع لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا [الإسراء:1]، سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى [الإسراء:1] فهي رحلة محاطة بالبركة والخير (لِنُرِيَهُ)، وهذه الرؤية البصرية لها آثارها فيما بعد على ما سيظهر في درس الهجرة.

    في الهجرة تشريع لكل الدعاة المسلمين، ولكل المصلحين أن يأخذوا الأهبة، ويعدوا العدة، ويلتزموا هذا المنهج، أما حدث الإسراء فكان فوق العادة، وحدث العادة في قانون البشر وفي استطاعة المخلوق أن يصدقه وأن ينفذه.

    ثم ننبه على قضية قد يثيرها بعض الناس وهي: الاستعانة بالكافر، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق ومكة مليئة بالرجال الخبيرين بالصحراء، ولكن لما لم يوجد مثل هذا الرجل المشرك خريتاً في الطريق أميناً على السر، فاستأجره رسول الله؛ لأنهم كانوا يخفون الهجرة، فائتمنوه على الرواحل، وواعدوه بعد ثلاثة أيام، فأتاهم إلى الغار، وانطلقوا على بركة الله.

    وكان والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول: الاستعانة بالكافر فيما لا علاقة له بالدين والتشريع والحلال والحرام لا بأس به، ما دام يحقق مصلحة للمسلمين، والعالم الإسلامي كله بأجمعه من شرقه إلى غربه، قاصيه ودانيه إلا من شاء الله، حينما يأتي موسم الحج، يأتون في البواخر والطائرات، ويقودها رجال غير مسلمين من جهة شركة فرنسية، أو روسية، أو إنجليزية، ولا مانع أن يكون قائد الطائرة الذي يوصلنا إلى الحرمين كافراً، ولا نقول: نحن لا نسافر بالطائرة إلا أن يكون الطيار مسلماً وموحداً وسنياً وسلفياً، فما علينا من هذا، وهذه المسألة يأتي التعليق عليها في محلها إن شاء الله.

    قصة أبي سفيان مع هرقل

    هرقل حينما راسله النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة يدعوه إلى الإسلام قال لأعوانه: لقد ظهر نجم نبي الختان، فأي الأمم تختتن؟ قالوا: العرب، قال: جاءني خطاب من رجل من العرب يدعي النبوة، وقد ظهر نجم نبي الختان.

    يعني: تطابق ما يعرفه في النجوم وما جاءه من الكتاب.

    ونحن لا نؤمن بعلم النجوم، وكذب المنجمون ولو صدقوا.

    قال: فإذا جاء وفد من العرب فآذنوني، فجاء أبو سفيان وكان هو قائدهم في الحرب والتجارة، فأجلسه بين يديه، وأجلس من معه خلفه، وقال: إني سائله فإن صدق فصدقوه، وإن كذب فكذبوه، فأخذ يسأله: هذا الذي بعث فيكم أكان له أب أو جد ملكاً عليكم؟ قال له: لا.

    قال: أكان له أب أو جد أو عم يدعو إلى ما دعا إليه؟ قال: لا.

    قال: أجربتم عليه الكذب؟ قال: لا.

    قال: من يدخل في دينه أيخرج عنه رغبة عنه؟ قال: لا.

    قال: أيتبعه الأغنياء أم الفقراء؟ قال: الفقراء.

    قال: أوقع بينكم وبينه حرب؟ قال: نعم، قال: كانت الدائرة لكم أو عليكم؟ قال: تارة لنا وتارة علينا؛ لأنه لم يقع بينهم إلا بدر وأحد.. إلى آخر الأسئلة.

    فقال للترجمان: أخبره أنه لو كان لآبائه ملك، لقلنا: يدعو إلى ملك آبائه باسم الدين، ولو كان في قومه من يدعو إلى النبوة وفشل فيها لقلنا: قلد من كان قبله، فأقول لك: إذا ترك الكذب عليكم فلأن يدع الكذب على الله من باب أولى، وأقول: إن الدين لا يدخله ولا يتمسك به إلا الفقراء، وهم أتباع الأنبياء؛ لأن الأغنياء يخافون على سلطانهم.

    وأقول: إن الذي يدخل الإيمان قلبه لا يرتد عنه إذا خالطت حلاوة الإيمان بشاشة القلوب، ثم قال: والله ليملكن موضع قدمي هاتين!!

    حينئذ سقط في يدي أبي سفيان ؛ لأنه كان يتمنى أن يستنهض ملك بني الأصفر على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ففتش في سجلاته، وعاد الخداع السياسي والدعايات الكاذبة، والعواطف المثيرة.

    وإثارة العواطف والحرب الباردة يستعملها العدو دائماً.

    قصة عمرو بن العاص مع النجاشي

    عمرو بن العاص استخدم هذا عند النجاشي لما أرسلته قريش ليسترد المهاجرين إليها انتقاماً لغزوة بدر.

    ولما دخل على النجاشي ركع له كما يفعل أتباعه، وجلس عنده باحترام، وأخبره بأن جماعة جاءوا إليكم، وخرجوا عن دين آبائهم، ولم يدخلوا في دينك، فلما استدعاهم وبينهم جعفر ، دخلوا عليه فلم يسجدوا له، قال: انظر إنهم لم يسجدوا لك، ولم يعتبروك عظيماً، يريد إثارة الملك عليهم، فقال: ما لكم لم تسجدوا لي كما يسجد الآخرون تحية؟

    قالوا: ما كنا لنسجد لغير الله، وكانت هذه صفعة على عمرو، ثم قال: وما هذا الدين؟ قال: كنا في جاهلية وكنا وكنا.. فرحمنا الله وبعث فينا رجلاً منا، نعرف مولده ونشأته ونسبه، فأمرنا بعبادة الله وحده، وأمرنا بالصدق، وصلة الأرحام، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد، ولا نغدر بقريب أو بعيد، ولا ننقض العهد مع الجار والبعيد.

    حينئذ كانت أيضاً صفعة من جهة ثانية على عمرو ، فقال: اسأله: ماذا يقول صاحبهم في عيسى بن مريم؟

    النصارى يقولون في عيسى: ابن الله، وبعضهم يقولون: ثالث ثلاثة، وبعضهم يقولون: الأب والابن وروح القدس، أشياء كثيرة يقولونها، فقال: ماذا يقول صاحبكم في عيسى بن مريم؟ قال جعفر : والله! لقد اشتد الأمر عليّ، ولكن لا أقول إلا ما قال الله في كتابه وأنزله على رسوله: هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم البتول وروح منه.

    فأخذ النجاشي بيده عوداً من الأرض -أي: قشة صغيرة- وقال: والذي أنزل التوراة والإنجيل! ما زاد صاحبكم على ما جاء به عيسى ولا مثل هذه، اذهبوا سيحوا في أرضي ما شئتم، وأسلم رضي الله عنه، فكان عمرو بن العاص يحب أن يصطاد في الماء العكر، ويثير النجاشي على المسلمين حتى يقول له: خذهم وردهم إلى مكة، فكانت النتيجة بالعكس.

    أيها الإخوة إن المولى سبحانه وهو رب الحق وهو رب الدين يقول: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة:33]، ويقول في آية الفتح: وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [الفتح:28]، وفي الصف قال: وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف:9] فهذا تحد.

    أبو سفيان لما رأى أن الملك موافق ومصدق بالرسول صلى الله عليه وسلم ويعد بأن محمداً سيملك موضع قدميه، قال: أيها الملك! لأخبرنك بأمر تعرف به كذبه، قال: ما هو؟ قال: لقد أخبرنا أنه في ليلة جاء إلى مسجدكم هذا، وصلى فيه، ورجع إلينا من ليلته، ونحن نضرب إليه أكباد الإبل شهراً!

    وفي عرف السياسيين هذه تعتبر كذبة كبيرة، كيف نحن نضرب إليه أكباد الإبل أياماً وهو ذهب ورجع في ليلة؟ هذا شيء لا يمكن تصوره في العقل أبداً، ولكن الأمور فوق العقل، الأمور إما أن تنسب إلى العبد المخلوق، وإما أن تنسب إلى الخالق رب القدرة ورب الكون، الذي إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن، فيكون، حينما قال أبو سفيان هذه المقالة، وقبل أن يفرغ هرقل من التعجب ومن الاستبعاد، نطق قائم على رأس هرقل وقال: نعم، لقد علمت بتلك الليلة.

    ما هذه المفاجأة! هرقل فوجئ بخبر أبي سفيان ، فإذا به يفاجأ بما هو أكبر!

    لو وقفنا عند هذه الأحداث نحلل ونتأمل، هل نقرأ السيرة على أنها أحداث؟ لا والله، هذه إرادة الله لتبرز حقيقة الرسالة المحمدية فتسخر لها أعداء الإسلام، فإذا بالملك ينتبه ويقول: وما أدراك بهذه الليلة؟ قال: كنت لا أبيت ليلة حتى أغلق أبواب المسجد، وأذهب بالمفاتيح، وفي تلك الليلة جاءني الخدم وقالوا: إن الباب الفلاني -سماه باب العمود أو باب كذا- استعصى علينا إغلاقه، فذهبت فإذا بالخشبة التي تحتها قد منعت الباب من أن يغلق، هذه عجيبة، وما هي بالسحر ولا هي مغناطيس، ينظرون بأعينهم أن الخشب قد منع الباب والخشب لا ينكسر فلم يبق إلا أن يهدموا الجدار، قال: فدعوت النجاجرة ولم يقل: النجارين، وهذه عبارة ابن كثير في البداية والنهاية، فدعوت النجاجرة، يعني: هم عمال لخدمة المسجد، إن احتاج نجارة أو سباكة أو أي عناية ببيت المقدس، فعالجوه فعجزوا عنه فقالوا: لقد أمسى الليل، ولا نستطيع معالجته الآن، فلندعه إلى الصباح وفي ضوء النهار نصلحه، فقلت: لا بأس، فغدونا في الصباح فوجدنا الخشبة قد رجعت محلها! والباب قد رجع إلى ما كان عليه! فعرفت أن بابنا لم يمسك إلا لنبي، فهذه دلالة قوية على صدق ما قال.

    ماذا يقول أبو سفيان ؟ أبو سفيان قدم هذه من أجل أن تكون حجة له على كذب محمد صلى الله عليه وسلم، وحاشاه من ذلك، فإذا بها تنقلب عليه! فصارت حجة عليه، وليس من واحد من أهل مكة من جماعته.. بل من خاصة الملك.

    الإيمان بالغيب في الإسراء والمعراج

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مررت بموسى عليه السلام قائماً يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر ولو كنت هناك لأريتكم قبره) يعني: هو متأكد وليست بأوهام أو رؤى، بل يقول: لو كنت موجوداً الآن في محل ذاك الكثيب الأحمر لقلت لكم: هنا قبر موسى، وهنا كان يصلي!

    معالم في طريقه تنفي الادعاء والتوهم، وحقائق يقينية، ثم إذا به يرى موسى مع الأنبياء في استقباله، ويراه أيضاً في السماء السادسة، كان في الأرض ثم هو في السماوات!! كيف هذا؟! مر عليه بالبراق وهو يصلي، فإذا به يجده أمامه في السماء!! اسحبوا الكيف، فالكيف هنا ملغي، فلا يورد السؤال بالكيف والتشبيه والتكييف على ما كان فوق العادة وما كان خارقاً من المعجزات، لا تقل: كيف نبع الماء من أصابعه؟ كيف سبح الحصى في كفه؟ كيف حن الجذع إليه؟ كيف بردت النار على إبراهيم؟ لأن الكيف لا يسأل به عن الله ولا صفاته ولا أفعاله!

    إذاً: موسى كان يصلي في قبره، وهل الذين دفنوا موسى جعلوا له حجرة كبيرة، لأنه سيقوم ويقف ويصلي، أو أن هذا عالم البرزخ؟ هذا عالم البرزخ، وعالم البرزخ لا يخضع للمعقولات ولا للمنطق، إنه وراء المعقول، وقد قال صلى الله عليه وسلم -وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى- (القبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار) وجاء في الحديث أيضاً: (ويمد له فيه مد البصر) التراب كم فيه من الملايين؟ ولو مد لاثنين أو ثلاثة أو واحد مد البصر أين البقية؟!

    إذاً: لا تقل: كيف، فإنه قادر على كل شيء.

    يقول ابن كثير في تاريخه في وقعة البحرين: لما ذهب العلاء بن الحضرمي ووجد العدو قد حاز السفن إلى الجزيرة قال لجنده: (إني عازم على أمر، قالوا: وما هو؟ قال: أن أخوض البحر ونعبره لنقاتل العدو!! -ليس عنده سفن ويريد أن يمشي على الماء- وقد أراكم الله في البر آية، وهو قادر على أن يريكم في البحر آية).

    والآية التي أراهم الله تعالى في البر أنهم كانوا في صحراء الدهناء، وتلك المنطقة تبعد عن الرياض حوالي سبعمائة كيلو وكلها رمال، حينها نفد ماؤهم ولم يبق إلا الموت، فإذا بهم في ساعة اليأس والشدة ينظرون بأعينهم في وضح النهار إلى سحابة تأتي من بعيد حتى تقف فوقهم، وتمطر عليهم.

    سبحان الله! ما الذي أوقفها عندهم؟! لماذا لم تحط حملها هناك؟ لماذا لم تتعداهم؟ فقد كان معها توقيت، كما قال الله: سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ [الأعراف:57] فالله هو الذي يسوق السحاب ويسخره ويرسله، ثم أمطرت عليهم بأمر الله، فكيف تكون فرحتهم؟ لم يكونوا نائمين وقاموا ورأوا الماء، بل كانوا يرونها بأعينهم.

    1.   

    من معجزات الأنبياء صلى الله عليهم وسلم

    وكما وقع في هذا المسجد في المدينة عندما جاء الأعرابي يستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستسقي لهم ربه، فقال: ادع لنا ربك، ماتت البهائم، وجف الضرع.. إلى آخر ما قال، فيرفع صلى الله عليه وسلم يديه وهو على المنبر في خطبة الجمعة، ويطلب من الله السقيا، يقول الراوي: فما بيننا وبين سلع من دار ولا بيت.

    انظروا تخطيط المدينة كيف كان! فقد كان جبل سلع عند الباب الشامي، من المسجد إلى جبل سلع لم يكن يوجد بيوت.

    فنشأت سحابة من وراء سلع قدر الترس، والترس مستدير قطره تقريباً (70%)، يتترس به الفارس ويتقي به ضربة الخصم، فنشأت سحابة كالترس صغيرة من وراء جل سلع، وكان وراء سلع أرض حارة قاحلة ولا يوجد بحر وراء سلع، وهذه نشأت من وراء سلع، حتى استقلت في سماء المدينة وانتشرت، وكانت مثل الترس فما الذي زاده؟

    إنه الله سبحانه وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ [الرعد:12]، ينشئه إنشاءً من العدم، فأمطرت قال الراوي: (فوالله! ما رأينا الشمس سبتاً)، السبت كناية عن أسبوع، أي: بقت هذه السحابة التي كانت قدر الترس وانتشرت أسبوعاً وهي تمطر، لا نريد أن نتكلم مع أصحاب الجغرافيا، وأصحاب تبخير البحار، وتبخير وتكاثف الماء، فالله الذي يسوقه حيث شاء إلى بلد ميت فيخرج به نباتاً فيحيي به الأرض بعد موتها.

    ثم جاء الأعرابي يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يمسك السحاب عن المطر، يا سبحان الله! إن عطشنا اشتكينا، وإن شبعنا وارتوينا اشتكينا، هكذا الإنسان؛ فيرفع صلى الله عليه وسلم يديه ويسأل الله أن يمسكها عنهم، فتمسك ويخرجون يمشون في الشمس ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي سأل الله فأجابه.

    نرجع إلى العلاء بن الحضرمي ، قال: إن الله قادر أن يريكم آية في البحر كما أراكم آية في البر، فذكرهم واستدل لهم على قدرة الله بما وقع لهم في البر، فكانت القدرة تخطط بمقدمة لكي تعطيهم البصيرة، والنموذج.

    قالوا: توكل على الله ونحن معك؛ لأن الذي أنبع لنا الماء في الصحراء قادر على أن يجعل البحر أرضاً يبساً.

    فيتقدم ويخاطب البحر ويرجع إلى الله: (أيها البحر! إنك تجري بأمر الله، ونحن جند نقاتل في سبيل الله، عزمت عليك لتجمدن لنعبر عليك حتى نقاتل أعداء الله، ثم قال لهم: امضوا باسم الله على بركة الله.

    يقول ابن كثير : ما ترجّل فارس ولا احتفى منتعل، فالراكب سار على فرسه، والراجل سار على رجليه، أقول: ليس ذلك على بساط الريح ولا على بساط البحر، بل على بساط القدرة، وذهبوا وقاتلوا وانتصروا وفتح الله عليهم وعادوا غانمين.

    بعدما رجعوا أصيب قائدهم العلاء ومات، فحفروا له ودفنوه، وبعدما دفنوه إذا بقوم من أهل تلك الأرض أتوهم بعدما نفضوا أيديهم فقالوا لهم: إن هذا الذي دفنتموه إن كان يعزّ عليكم لا تتركوه هنا، إن هذه الأرض تلفظ موتاها!

    وهذا أمر عجيب، الأرض تلفظ موتاها، والأرض لها طبيعة وإدراك، فهناك أشجار تمتص الدماء، وهناك أشجار تأكل الحشرات، فهؤلاء قالوا: إن طبيعة هذه الأرض أنها تلفظ الموتى، فهل يوجد جيولوجي يستطيع أن يذكر لنا السبب؟

    فقالوا: ما حق ابن الحضرمي أن نتركه نهباً للسباع، فعزموا على نبش قبره ونقله إلى أرض لا تلفظ الموتى، فرجعوا إلى قبره، فنبشوه القبر فلم يجدوا فيه أحداً، ووجدوا القبر مد البصر.

    ولا نقول: إن هذه تجربة لتصديق حديث رسول الله، فإن الصادق المصدوق لا يحتاج إخباره إلى التجارب، فقد يخطئ الشخص في إجراء التجربة، وقد يخطئ في مقاييسه وموازينه، وهذا من باب التقريب لفهم حديث النبي عليه الصلاة والسلام، الذي لا ينطق عن الهوى.

    إذاً نرجع إلى موسى فقد رآه النبي عليه الصلاة والسلام قائماً في قبره، إذاً: قبر موسى متسع يقوم فيه وينام.

    سعيد بن المسيب من خيرة وأفاضل كبار التابعين، يقولون في ترجمته: مضت عليه أربعون سنة ما نظر في قفا رجل في الصلاة؛ فقد كان يصلي في الصف الأول: وعشرون سنة لم يؤذن المؤذن للصلوات الخمس إلا وهو في المسجد، فلم يكن حمامة من حمائم المسجد، بل قل إن شئت: طوبة من طوب المسجد، بل ركناً من أركان المسجد.

    في وقعة الحرة -إي والله إنها كانت حرة شديدة وشديدة الحرارة- خلت المدينة وتعطلت الصلوات في المسجد النبوي عن أذان وإقامة ثلاثة أيام إلا من سعيد بن المسيب ، فقد كان يأتي في أوقات الصلوات، كما في شرح العقيدة الواسطية لـابن الرشيد وابن تيمية وغيرهم يقولون: إنه سئل: كيف تصلي؟ قال: كنت أسمع الأذان من داخل الحجرة!

    فمن يؤذن هناك؟ وهل هذا نخضعه للعقل؟ لا؛ لأنه أمر خارق للعادة، وما كان معجزة لنبي فهو فوق العادة، وما كان كرامة لولي فهو تابع لمعجزة النبي، لأن هذا الولي الذي جاءت الكرامة على يده ما جرت لشعوذة ولا لمعصية، إنما جرت على يده لأنه على طريق صاحب المعجزة.

    إذاً: صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء في بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماوات وإلى الملأ الأعلى، حتى وصل به جبريل عليه السلام إلى سدرة المنتهى، وقال: يا محمد هذا منتهاي فتقدم، ذاك الموقف ليس لأحد أن يجتهد فيه، ولا أن يقيس عليه، إنما هو أمر خارق للعادة فوق المعقول، ويقف كل إنسان على المنقول فيه.

    تقدم صلى الله عليه وسلم، وكان كما قال سبحانه: فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:9-11] وأوتي صلى الله عليه وسلم هناك الصلوات الخمس وخواتيم سورة البقرة، وسورة الفاتحة ثم رجع، فلما رجع لقيه موسى وقال: بم رجعت يا محمد؟ قال: بخمسين صلاة. قال: لقد بلوت بني إسرائيل قبلك بأقل من ذلك وهم أقوى أبداناً فعجزوا، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فالتفت الرسول إلى جبريل كأنه يستشيره قال: نعم ارجع، فرجع وخفف عنه من خمس إلى خمس حتى صار الخمسون خمساً.

    هناك لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا [الإسراء:1]، فقد رأى المصطفى صلى الله عليه وسلم بعيني رأسه وببصره لا ببصيرته، الجنة وما فيها من نعيم، ورأى النار وما فيها من جحيم عياذاً بالله، ورأى نتائج أعمال الأمة من عملٍ صالح وعمل طالح، ويدخل الجنة ويحدثنا عن أحداثها ومشاهدها، ويذكر بعض فضائل عمر وزيد بن حارثة وبلال وأشياء عديدة.

    وقد ساق أخبار الإسراء والمعراج ابن كثير في تاريخه وتفسيره، وذكر حوالي أربعين حديثاً فيما رأى صلى الله عليه وسلم في تلك الرحلة، والذي رآه صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة هو منهج عملي لنتائج الأعمال من تشريع وأخلاق وتوجيه وعقائد، ثم رجع إلى الأرض.

    أقول: أيها الأخوة! الذي شاهد الجنة وما فيها ورأى نتائج أعمال الأمة، يزداد يقيناً بأن دعوته ماضية، وأن رسالته منطلقة وكاملة ونتائجها أمامها، فحينما يرجع إلى الناس فإنه يدعوهم وكله ثقة ويقين بما وعده الله.

    ولهذا لما تآمروا على قتله ليلة الهجرة خرج في ظلال عشرة سيوف ولم يبال بها، وأخذ التراب ووضعه على رءوسهم، لأنه مطمئن مستيقن بنصر الله، ولما كان في الغار وأبو بكر خائف يقول: (لو نظر أحدهم أسفل قدميه لأبصرنا فيقول: ما بالك باثنين الله ثالثهما) فكان في غاية الطمأنينة، وفي غاية اليقين، على ما سيأتي إن شاء الله.

    ثم يرجع وما بين بيت المقدس إلى مكة يعطيه الله الوثائق والمستندات التي يقدمها للمنكرين في تلك الرحلة، يقول: خذ هذا الإثبات، وهذه الأدلة على تلك الرحلة الصادقة، فمن ذلك:

    أنه مر على قوم نيام، معهم ماء في إناء فيأخذ الماء ويشربه ويضع الإناء ويمضي.

    ويمر على قافلة يتقدمها جمل أورق عليه غرارتان صفتهما كذا.

    ثم يأتي وقبل أن يطلع الصبح، وتخرج أم هانئ فتجده جالساً مستغرقاً في التفكير فتقول له: (بم تفكر يا رسول الله، قال: لقد أُسري بي هذه الليلة إلى بيت المقدس، وعرج بي إلى الملأ الأعلى، وعدت في صبيحة يومي) أو قال: (أرأيت مبيتي هذا عندك! لقد عرج بي إلى السماء، قالت: يا رسول الله! لا تحدث به القوم فيكذبوك، فقال عليه الصلاة والسلام: بل لأحدثن به).

    ويخرج من عندها إلى البيت الحرام، ويجلس منعزلاً كجلسته عند أم هانئ، فمر عليه أبو جهل فقال له: (يا محمد هل من جديد؟ -من باب الاستهزاء- قال: نعم. قال: وما ذاك؟ قال: قد أُسري بي الليلة إلى بيت المقدس وعرج بي وعدت في الصباح، فقام أبو جهل يصفق ويصفر، وقال: أتقول هذا القول إذا دعوت قومك إليك؟ قال: نعم. فقال أبو جهل : هلموا يا قريش فاسمعوا من محمد ما يقول، وجاءوا إليه يهرعون، فأعاد عليهم المقالة).

    هذا وبالله التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.