إسلام ويب

الهجرة النبوية [3]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    أحداث في طريق الهجرة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:

    أيها الإخوة! لا زلنا مع أحداث الهجرة النبوية الكريمة، وقد تقدم مجمل القول عن نقاط الهجرة الأربع: دوافع الهجرة، مقدمات الهجرة، المنهج العملي للهجرة، النتائج التي ترتبت على تلك الهجرة النبوية الشريفة.

    وانتهى بنا الحديث ونحن في طريق الهجرة من بيت النبي صلى الله عليه وسلم في مكة إلى الغار، إلى أحداث الغار وما كان فيه.

    أبو بكر يتحمل مسئولية الهجرة

    وموقف الصديق رضي الله تعالى عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآية الكريمة في وصف الموقف: إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، وأشرنا إلى النقطة البلاغية الكريمة في المعية، عند قوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا .

    على أن هناك موقفاً آخر للكليم موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام حينما أمر أن يخرج بقومه ويسير بهم، قال: وإلى أين؟ قال: في ظل السحابة أينما سارت، فخرج وإذا بالسحابة تسير حتى ساقتهم إلى ساحل البحر.

    ولما خرج بنو إسرائيل ليلاً وعلم فرعون بخروجهم، بات في المدائن يجمع جنده، فسار على إثرهم، فإذا بموسى ومن معه بين خطرين، البحر أمامهم والعدو وراءهم، فأيقن القوم بالهلاك، فقالوا: إنا لمدركون، لا طريق أمامنا، وهذا العدو وراءنا، ولكن نبي الله موسى الذي خرج بأمر من الله موقن بنصر الله فقال: كلا -ولو نطقت بكلمة كلا أربع أو خمس مرات لأحسست بالآلام؛ لأنها كلمة قوية يزلزل صوتها الفم- كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62] أي: سيدلني، وأشرنا إلى الفارق بين (إن الله معنا)، و(إن معي ربي)، بأن موقف الصديق رضي الله تعالى عنه كان جزءاً من المسئولية في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه أعد الرواحل، وكان يصحبه في عرضه على القبائل، وهيأ له الطريق، وخرج معه رفيق الهجرة.

    ولما خرج كان تارة يسير أمامه، وتارة وراءه، فيسأله: ما لي أراك يا أبا بكر هكذا؟ فيقول: أتذكر الرصد فأكون أمامك، وأتذكر الطلب فأكون وراءك، فقال له: أتريد لو كان شيء يكون فيك يا أبا بكر ؟ قال: بأبي أنت وأمي، إن أهلك وحدي فأنا فرد من الناس، أما أنت فمعك الرسالة.

    فـأبو بكر يسهم في الحفاظ على رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم، كما أشرنا في قصة سراقة لما لحقهم فكان منهم قاب قوسين، فأنذر أبو بكر رسول الله، قال: (الطلب أدركنا يا رسول الله، وبكى، قال: ما الذي يبكيك يا أبا بكر ؟ قال: والله لا أبكي على نفسي ولكن عليك أنت.)

    من هنا كان قد تحمل جزءاً من مسئولية الهجرة، وكان له شق من تلك المعية إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40].

    ولم يكن في قوم موسى من يعادل أبا بكر مع رسول الله لما جاء الفرج وخرجوا من البحر فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف:138] أعوذ بالله من الشيطان! الآن ما خلصكم إلا التوحيد وحده، فهل الأصنام هي التي أنجتكم من فرعون، وجلعت الماء جامداً والطريق يابساً؟ سبحان الله العظيم! إذاً: لم يكن في قوم موسى من يعادل أبا بكر رضي الله تعالى عنه.

    تقدير الصحابة لموقف أبي بكر في الهجرة

    جاء رجل للحسن بن علي رضي الله تعالى عنه وهو يطعن في خلافة أبي بكر ويشيد بـعلي رضي الله تعالى عنه، قال: على رسلك، أما تقرأ قوله تعالى: إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ [التوبة:40] من ثاني رسول الله؟ قال: أبو بكر إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ [التوبة:40] وهما في الغار، من صاحبه؟ قال: أبو بكر ، لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40] مع من؟ مع رسول الله وأبي بكر . قال: أعطني واحدة من هذه لـعلي؟

    ولذا عمر رضي الله تعالى عنه كان يقول: (لليلة من أبي بكر في الغار تعدل آل الخطاب جميعاً).

    كان الصديق رضي الله عنه خائفاً ويقول: (لو نظر أحدهم أسفل نعليه لأبصرنا) ورسول الله يطمئنه: (ما بالك باثنين الله ثالثهما) بينما في غزوة بدر الرسول صلى الله عليه وسلم يجتهد في الدعاء حتى يسقط رداؤه من طول ما يرفع يديه إلى السماء، وأبو بكر يقول: (حنانيك يا رسول الله، إن الله ناصرك، إن الله منجز وعده)، الرسول مجتهد في الدعاء وأبو بكر يطمئنه، على عكس ما كان في الغار، لماذا؟

    لأن اجتهاده صلى الله عليه وسلم لم يكن لنفسه ولا مخافة على شخصه، بل من أجل الأمة التي جاء بها للعير وقابلت النفير، ولذا أعلنها وقال: (إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض)، فكان اجتهاده في الدعاء وضراعته إلى المولى من أجل تلك العصابة والجماعة.

    إذاً: خرج صلى الله عليه وسلم وأبو بكر من الغار وقد عرفا ما يقع في مكة لأن عبد الله بن أبي بكر كان يبيت في مكة ويأتيهم بالأخبار، فهو قسم الإعلام في الأمة، وكان راعي غنم أبي بكر يأتي في الصباح الباكر يحلب لهم من الغنم، ويسير بالغنم على آثار عبد الله بن أبي بكر حتى لا يعلم المشركون من جاء ومن ذهب.. خطة، تدبير، سياسة، أمن وأمان، كل ما يمكن أن يفكر فيه الإنسان اجتمع في التحفظ والسرية، وفي مباشرة أمر الهجرة فيما يكون في استطاعة البشر.

    1.   

    عبر من موقف سراقة مع النبي عليه الصلاة والسلام

    خرج صلى الله عليه وسلم يمشي، ثم يدركهم في الطريق سراقة ، وكان سراقة لما علم بأن قريشاً جعلت مائة من الإبل لمن يأتي بهما حيين أو ميتين، وسمع من يقول: رأيت سواداً بذاك الطريق، فكان جالساً مع قومه، فقام على السطح وأمر جاريته أن تدني له فرسه وراء البيت، ونزل من السطح على فرسه حتى لا يعلم به أحد، وأخذ في ذاك الطريق، فلما دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له أبو بكر : (الطلب وارءنا يا رسول الله، قال: لا تخف، قال: الطلب قاب قوسين، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم اكفنيه بما شئت).

    هذا الدعاء يذكرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة الغلام مع ملك نجران الذي اقترف حادثة الأخدود، وهي: أنه كان الملك له ساحر، فقال له الساحر: قد كبرت سني، فاختر غلاماًً أعلمه السحر ليكون ساحراً عندك، وكان الغلام يمر في الطريق براهب يتعبد، فإذا مر عند الراهب سمع ما يقرأ فأعجبه، فعلم به الراهب فكان يدخله ويعلمه الدين، وكان يذهب عند الساحر أيضاً، فكان يتأخر على الساحر فيضربه، وإذا جاء عند الراهب يغيب على أهله فيضربونه فيصبر، فاشتكى للراهب، فقال له: إذا جئت إلى الساحر وقال لك: لم تأخرت؟ قل: حبسني أهلي، وإذا جئت إلى أهلك وقالوا: لم تأخرت؟ قل: حبسني الساحر، فنجا من الضرب، وبقي الغلام على هذه الحالة -التعليم المزدوج- ثم في يوم قال للراهب: أريد أن تعلمني الاسم الأعظم الذي تسأل الله به فيجيبك؟ قال: لا يصلح لك يا ولدي ولا تقدر عليه.

    وسأل رسول الله فقال: (أسألك باسمك الأعظم) الذي هو ذكر ألفاظ، وسأل ربه وأجابه، وجاءت عائشة رضي الله تعالى عنها وقالت: (يا رسول! علمني الاسم الأعظم، قال: لا يصلح لك يا عائشة) وفي بعض الروايات قال: (يا عائشة أما تعلمين أن الله قد أعلمني بالاسم الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، قالت: بأبي أنت وأمي علمنيه. قال: لا يصلح لك يا عائشة) لأنها سوف تفتن به، فحزنت وقامت تصلي، وقالت: (اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى التي هي كذا وكذا وما سئلت به أجبت، وأنزلت في كتابك، وعلمت أحداً من خلقك، إلا غفرت لي)، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (إنه فيما ذكرت).

    الذي يهمنا أن الراهب قال للغلام: لا يصلح لك يا ولدي، فقام الغلام وبذكاء، وأخذ الأسماء التي عرفها كلها من الراهب، واحدة واحدة ثم يلقيها في النار مكتوبة فتحترق إلا واحدة لم تحرقها النار، ثم أعاد كتابتها وألقاها في اليم فغرقت كلها إلا واحدة، هي تلك التي لم تحرقها النار، قال: هذا هو الاسم الأعظم.

    فجاء في يوم من الأيام يدعو إلى الله في جلساء الملك، وكان من جلساء الملك رجل أعمى، فقال له: أما لك أن يرد الله بصرك؟ قال وكيف ذلك؟ قال: الله! قال: إله غير الملك؟ قال: نعم، الله الذي خلقنا وسوانا، الله الذي يقدر على أن يرد إليك بصرك الذي خلقه فيك أولاً، الله الذي خلق السماوات والأرض، فآمن الأعمى، فدعا له الله بالاسم الأعظم فإذا بالرجل مبصر.

    ومن الغد رآه الملك في مجلسه مبصراً، فقال له: من الذي شفى بصرك؟ قال: الغلام، فدعا الغلام وقال: أبلغ بك من السحر أنك تبرئ الأعمى، قال: لا والله ليس سحراً، ولكنه ربي الذي خلقني وخلقك وخلقه هو الذي رد بصره إليه، قال: ألك إله غيري؟ قال: بلى، فهم به أن يقتله وهو صغير، وإذا برجل أبرص، وبرجل كذا..، وكل يدعوه إلى الإسلام ويدعو له بالاسم الأعظم فيشفى.

    حينها شعر الملك بمن يخالفه في مجلسه، إن قتله قالوا: قتل صغيراً، ماذا يفعل؟ أمر جماعة من جنده وقال: خذوه واذهبوا به في البحر، فإذا توسطتم اللجة فألقوه في الماء وارجعوا، لا يريد أن يتحمل تبعته، وهذا من الضعف.

    فلما توسطوا وأرادوا إلقاءه، قال: اللهم اكفنيهم بما شئت -نفس الدعاء- فاضطرب القارب وتناثروا وسقطوا وبقي هو في القارب، ومن الغد إذا به في مجلس الملك يروي له ما حدث عندما أرادوا قتله، وأن الله أنجاني منهم، وكفانيهم بما شاء، قال: الله أيضاً؟ ثم جاء بجماعة آخرين كي يذهبوا به إلى قمة الجبل، قال لهم: إذا صعدتم الجبل فارجموه من قمة الجبل فلما ذهبوا به ووصلوا إلى القمة وأرادوا رميه قال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فاهتز الجبل فتناثروا وبقي جالساً، ومن الغد جاء إلى مجلس الملك، ثم انتهى الأمر إلى ما تعلمون من قتله من كنانة الصبي.

    إذاً: اللهم اكفنيهم بما شئت، قالها صلى الله عليه وسلم حينما جاء سراقة ، ثم ماذا حدث لـسراقة ؟

    يقول ابن كثير : فغاصت قوائم فرسه الأربع في الأرض، وكانت أرض صلبة وليست رملية، ولا طيناً تلزق، ولا ماء.. بل قاعاً صلبة جامدة، فإذا بها تتفتح لقوائم الفرس، وتنزل قوائم الفرس إلى أسفل، وفي بعض الروايات الأخرى: (فعثرت به فرسه، فسقط عنها، وما كان من خلقها)، وفي بعض الروايات: أخذ الأقداح وعمل القرعة، هل أدركه أو أتركه، فخرج (أتركه)، فلم يقبل لأنه يريد المائة من الإبل، والسهام التي يحملها وأقداحه في الجاهلية تقول له: اتركه، وهو غير قابل بهذا، فلما دنا غاصت قوائم فرسه في الأرض، أو عثرت به وسقط عنها.

    المهم نادى: يا محمد! ادع ربك كي ينجيني مما أنا فيه ولن يصيبك مني أذى. هناك عرف بأن لمحمد رباً أحسن من ربه، وعرف الحق، فلما دعا له النبي قام، فتعجب سراقة مما رأى، وقام يعرض عليهم الزاد فقالوا: نحن في غنى عن ذلك. قال: خذ هذا السهم من كنانتي وستمر بغنمي، فاعرضه على الراعي وخذ من غنمي ما شئت. قال: يغنينا الله عن غنمك.

    ثم قال له صلى الله عليه وسلم: (أتعجب يا سراقة من هذا؟ كيف بك يا سراقة إذا أنت لبست سواري كسرى؟ قال كسرى أنوشروان؟!) أمر مذهل ما استطاع سراقة أن يتحمل، فهذا شخص أخرجه قومه، كما قال الله: إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ [التوبة:40] ويمكر به قومه، ثم هو وصاحبه فقط ويعد سراقة بأن دينه سيظهر، وأنه سوف يأخذ عرش كسرى، وأن سراقة يلبس سواريه.

    هذا وقد اختفيت في الغار ثلاثة أيام، وأنت خائف من قومك إلى قوم آخرين يؤوونك، وتبحث عن مأوى جديد لدعوتك، ومع هذا تعدني بسواري كسرى؛ فقال: اكتب لي كتاباً بسواري كسرى، فقال صلى الله عليه وسلم: (اكتب له يا أبا بكر ، فكتب له) فرجع سراقة ، وكلما رأى طلباً يطلب النبي صلى الله عليه وسلم قال: ارجعوا اطلبوه في غيره فقد كُفيتم تلك الجهة، وانظر إلى التعبير في الحديث والصدق في الكلام؛ لأنه أعطى عهداً: لقد كفيتم تلك الجهة!

    هذا سراقة الآن يفي الله سبحانه وتعالى له بوعد رسوله، ففي زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، يفتح الله على المسلمين المدائن، ويؤتى بلباس كسرى وله سواران من الذهب، وله تيجان وصولجان وأشياء عجيبة جداً، فنظروا فإذا هو لباس طويل لرجل ضخم، وعمر رضي الله تعالى عنه كان يريد أن يراه كي يعطيه من يرتديه، فأخذوا يستقرئون الحاضرين فلم يجدوا أطول من سراقة ، فلبس والصك في جيبه، وتذكر: (كيف بك إذا أنت لبست سواري كسرى).

    فلبس ورآه الناس، ثم قالوا له: انزع، فقال: لا، هذا أعطانيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في طريق الهجرة، وأعطاني عليه كتاباً، أما عمر رضي الله تعالى عنه الملهم الذي يفر الشيطان من طريقه، كما في الحديث: (لو كان فيكم ملهمون لكان عمر) ونزل الوحي مصدقاً ومطابقاً لما قال عمر في عدة مرات، قال عمر :

    يا سراقة! إنما قال: (إذا أنت لبست) فقد لبست، وما قال تملكت، وأخذه منه عمر بالمحاكمة إلى كتابه، وعدك بأن تلبس فقد لبست، وكونك تلبسه لا يملكك، فانتزعه منه.

    يهمنا قوله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت لـسراقة : (كيف بك إذا لبست سواري كسرى) وهذه لها نظائر كثيرة في السنة كما حدث في غزوة الخندق عند الكدية، وأشياء أخرى.

    1.   

    نزول النبي صلى الله عليه وسلم في خيمة أم معبد

    بعدما أمن الرسول صلى الله عليه وسلم الطلب وبعد عن مكة، مر على امرأة تسمى أم معبد ، وهي امرأة في طريق المسافرين تكرم الضيوف.

    فلما نزلوا عليها قال لها أبو بكر رضي الله تعالى عنه: (هل عندك من لحم شراء أو قرى، إن تبيعي نشتري، وإن تقرينا نقبل) قالت: يا هذا! إن كنت تريد القرى واللحمة فعليك بشيخ القبيلة، أنا امرأة عجوز في الطريق.

    فنظر صلى الله عليه وسلم إلى شاة ضعيفة في البيت، وفي بعض الروايات: أنه نزل بجانبها في الظل، فلما وجدتهم جالسين ووجوههم وجوه خيرة، دعت غلامها وقالت: يا غلام! خذ هذه الشاة الكنوز والشفرة، واذهب بها إليهما وقل لهما: اذبحاها وكلا وأطعمانا منها.

    هنا تأتي معجزة أخرى ويأتي موقف يحتاج إلى تأمل وتعمق: أنتم طلبتم لحم قرى أو شرى وجاءكم اللحم، فإذا بسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، إذا بالرحيم والرحمة المهداة حينما يكون في طريقه إلى خطوات الدعوة وارتياد موطن آخر، يأبى أن يريق دماً في طريقه ولو كان لشاة، يقول: يا غلام! رد الشفرة، وائتني بقدح.

    فقالت العجوز: قل له: إنها كنوز وليس فيها شيء. قال: قلت له. قالت له: خذ، وأخذ الإناء وذهب إليهما، فأخذ صلى الله عليه وسلم العنز ومسح ضرعها ودعا الله، فدر ضرعها، وحلب وملئ الإناء، وقال: اسقها أولاً، قالت: لا والله أنت أحق بالسقيا أولاً، فشرب صلى الله عليه وسلم، وشرب أبو بكر ، وشربت المرأة، وشرب الغلام، وبقي الإناء ملآن باللبن، ثم دعا الله فانكمش الضرع وعاد كما كان.

    فلما جاء أبو معبد ، قال: من أين لكم هذا اللبن؟ قالت: من شاتنا. قال: أليست بكنوز؟ قالت: بلى، فقد مر بنا رجل، لئن كان ساحراً لهو أسحر الناس على وجه الأرض، ولئن كان صالحاً لهو أصلح الناس على وجه الأرض. قال: لعله رجل قريش، قالت: لا أدري، ومضى صلى الله عليه وسلم في طريقه حتى وصل إلى قباء.

    1.   

    أعمال النبي عليه الصلاة والسلام في قباء

    من غرائب الصدف أو الترتيبات الإلهية أن أهل قباء تسامعوا بخروج رسول الله إليهم، فكانوا كل يوم ينتظرونه من جهة الجنوب وهي جهة مكة، وإذا اشتد عليهم حر الشمس يرجعون إلى بيوتهم، وهكذا كل يوم ينتظرون المجيء فلم يأت.

    وفي يوم من الأيام بعد أن رجعوا إلى بيوتهم ولم يبق أحد، إذا برجل يهودي على أطمة يرى نبينا صلى الله عليه وسلم وأبا بكر فيعرفهما، فيقول: يا بني قيلة! هذا جدكم قد حضر.

    الجد بمعنى: الحظ، وبنو قيلة: هم الأوس والخزرج.

    وسموا بذلك لأن أمهم الأخيرة كانت تسمى قيلة.

    فقاموا إليه سراعاً، وما كانوا رأوا رسول الله، ولا يعرفون رسول الله من صاحبه، فلما ارتفعت الشمس وقام أبو بكر رضي الله تعالى عنه يظلل رسول الله صلى الله عليه وسلم بردائه، عندها عرفوا رسول الله، فتقدموا إليه، وجاء صلى الله عليه وسلم ونزل بقباء.

    الموقف هنا: من الذي كان يقود الركب؟ كان رجلاً مشركاً، ومن الذي أعلن عن وصول رسول الله إلى المدينة؟ يهودي، وهذا من باب الإرهاص بأن الله سبحانه ناصر دينه، ومستخدم المشرك واليهودي لخدمة هذا الدين، وإرادة الله فوق كل شيء.

    وصل صلى الله عليه وسلم قباء، ويتفقون بأن وصوله كان في يوم الإثنين، كما أن خروجه من مكة كان يوم الإثنين أيضاً.

    ثم صعد من قباء يوم الجمعة التالية أو الجمعة التي بعدها -يختلفون في ذلك- والذي يهمنا أنه في الجمعة الأولى، وفي مدة أربعة أيام بنى مسجد قباء.

    عناية الإسلام بالمساجد

    عناية الإسلام قبل كل شيء بالمسجد؛ لأن المسجد هو قصبة البلدة، وبيت الأمة، والمجمع الأكبر، ويكفي فيه قوله سبحانه: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا [آل عمران:96]، فأول شيء وضع هو المسجد، ولكن لم وضع؟

    بعضهم يقول: وضع للعبادة، ووضع لكذا، نقول: بل وضع للعمران، أول بناء وأول حضارة وأول استقرار إنما هو للبيت الحرام، وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم أول ما وصل قباء باشر بناء المسجد؛ لأن المسجد قاعدة تجمع، ومن ثم يكون الانطلاق.

    وأمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه كان على هذا المنهج، فلما أراد أن يبني الكوفة قال لقائدها: اختر مكاناً رابياً -أي: مرتفعاً؛ لأنه أنقى للهواء- ثم اختر رجلاً رامياً يقف وسط المكان ويرمي إلى الجهات الأربع، وعليه فخط المسجد حيث وقف، واجعل بناء البيوت حيث وقعت السهام، واجعل ما بين البيوت والمسجد ميداناً عاماً.

    أين تخطيط المدن على هذا المنوال؟ نحن عندنا إمكانيات لبناء شوارع متسعة، ولكن بعد خمس عشرة سنة نريد أن نوسعها؛ وذلك بسبب قصر النظر، فهذا التخطيط الذي فعله عمر كان لمئات السنين، أما تخطيطنا فلعصرنا ولوقتنا، شارع عرضه مائة متر، ويخطط على مائة متر، وينفذ على خمسين، والأراضي واسعة، وأنت تأخذها ثم تتركها حتى تقام العمائر، ثم تهدم وتوسع...

    عمر اعتبر المسجد قصبة القرية الجديدة والبيوت من حوله.

    فعني صلى الله عليه وسلم بمسجد قباء، ويتفق علماء السيرة والتاريخ: أن النبي صلى الله عليه وسلم انتدب الناس وقال: من يركب الناقة؟ قالوا: فلان، وبعضهم يقول: هذا في حلبها، وبعضهم قال: أمر رجلاً أن يركب القصواء وترك لها زمامها، فاستدارت دورة كاملة يخط على أثرها المسجد؛ فخط المسجد، وعند وضع المحراب، وليس هو بمحراب مبني؛ يقولون: إن جبريل عليه السلام أتى رسول الله وأراه المكان حتى رأى الكعبة، وقد وضعت قبلة المسجد على ما رأى.

    ثم كانت فضيلة هذا المسجد ( أن من خرج من بيته متطهراً إلى قباء، فصلى في المسجد ركعتين كان له كأجر عمرة ) ولا نناقش في سند هذا الحديث؛ فهذا عند جمهور المحدثين معمول به.

    أحداث في الطريق من قباء إلى المدينة

    أخذ صلى الله عليه وسلم ينزل من قباء إلى المدينة، وكانت القرى ومساكن القبائل تمتد من الجنوب إلى الشمال، فأخذ يسير على راحلته، ووقعت أحداث في قباء من مجيء العزاب العوائل .. إلى آخره.. خرج رسول صلى الله عليه وسلم على راحلته.

    وكان كما يقول ابن كثير وغيره: واستشرف على البيوت أهل المدينة حتى العذارى والنسوة والصبيان والكبار والصغار، يريدون أن يروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما مر بقبيلة من قباء إلى المدينة إلا وخرجوا إليه وأمسكوا بزمام الراحلة، وقالوا: هلم إلينا يا رسول الله، هلم إلى العَدد والعُدد والمنعة.

    لمْ يقولوا: على الطعام الطيب والرطب، والمجلس اللين؛ لأنه خرج من مكة على بيعة أهل المدينة من قبل السبعين الذين بايعوه على أن يمنعوه، فدعوه إلى المنعة والعدد ليفوا بما بايعوا عليه: هلم إلى العَدد والعُدد والمنعة، أي: على ما بايعناك عليه، فقال (خلوا سبيلها فإنها مأمورة) أي: أنا ليس لي اختيار في موطن نزولي؛ فإن الناقة مأمورة بأن تنزل في المكان الذي يريده الله.

    سبحان الله! إن جئنا من جهة العادة والطبيعة: وأرحم خلق الله، وأفهم خلق الله، وإذا جئنا إلى الناحية الأخرى: رسول يوحى إليه من الله: خلوا سبيلها، اتركوها تمشي، كيف هذا؟ نبي يوحى إليه، آتٍ لكي يبلغ رسالة يقول هذا، ولكن وراء ذلك من الحكم ما لا يعلمه إلا الله.

    ومر على أخواله من بني النجار، فقالوا: هلم إلى أخوالك يا رسول الله! وهو يقول: (دعوها فإنها مأمورة) فمرت حتى جاءت إلى هذا الحي ونزلت الناقة وبركت، ثم لم ينزل عنها، بل الناقة بعد أن بركت ودارت واستدارت، وتلفتت ثم رجعت إلى مكانها الأول وبركت فيه، يقول ابن كثير : كالمتحقق من معالم يديه، يعني: مثل مهندس حكيم نبيه عنده خارطة لمنْجَم، أو لأمانة، أو لموقع، وهو ماضٍ على الخارطة من أجل أن يصل إلى الهدف الذي يريده، وهذه المأمورة سارت في طريقها إلى المكان الذي أراده الله لها ثم نزلت، ولما رجعت ونزلت المرة الثانية مدت عنقها، فقال صلى الله عليه وسلم ({هو المنزل إن شاء الله).

    نزول النبي صلى الله عليه وسلم على أبي أيوب الأنصاري

    وصلنا إلى المكان، والمكان فيه عدة بيوت، منها بيت أبي أيوب الأنصاري ، وكان رجلاً عاقلاً ما زاحم الناس، بل ذهبب إلى الرحل وأدخله إلى بيته، فقال الرسول: (أين رحلي؟ قالوا: احتمله أبو أيوب إلى بيته، فقال: المرء مع رحله).

    هنا موقفان: الأوس والخزرج استمروا في حرب لمدة مائة سنة، وما انتهت إلا قبل مجيء رسول الله بخمس سنوات، وكانا كفرسي رهان يتسابقان فيما يفعلانه لرسول الله، وجاء رسول الله على بيعة منهما معاً عند العقبة، فعندما يأتي المدينة وهما متنافسان عند من ينزل؟ إن نزل عند هؤلاء قالوا: والله آثرهم علينا، وإن نزل عند هؤلاء قالوا: والله آثرهم من أول الأمر علينا، فيوجد الصدع لأول لحظة، فكان الأفضل أن يترك الاختيار للمأمورة، وإن كان أردوا أن يعتبوا فليعتبوا على الناقة.. وهو يقول: والله أنا تركت أمري لله، والله ساق المأمورة، وهي التي نزلت حيث أمرت، فطابت النفوس بذلك.

    ثم المكان الذي نزل فيه به بيوت متجاورة، ينزل عند من منهم؟ لو اختار بيتاً على بيوت الحي لأثار أيضاً تساؤلاً: لماذا اختار بيت فلان؟ لكن عندما تكون من أحدهم بدون أن يشعر رسول الله ولا يشعر الجماعة ويلتفت صلى الله عليه وسلم: (أين رحلي؟ ثم قال: المرء مع رحله) من هو هذا؟ إنه أبو أيوب، وكان اختيار بيت أبي أيوب من عند رسول الله؟ وهل حابى وجامل فيه على حساب الآخرين؟ لا.

    وينكشف الغيب عن سر وعن معجزة أخرى، ما هو سر بيت أبي أيوب؟

    تاريخ بيت أبي أيوب يرجع إلى زمن ما قبل مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك حين جاء تبع من اليمن واستولى على المدينة في طريقه إلى غزو إفريقيا، وخلف ولده ملكاً عليها، وفي يوم من الأيام ذهب هذا الولد وصعد النخلة ليجني منها، فجاء صاحبها وضربه بالمنجل فقتله، وقال: إنما الثمر لمن أبّر.

    فلما رجع الملك وجد ولده قتيلاً، فأراد أن ينتقم لولده، فقاتل أهل المدينة فلم يغلبهم، وحاصرها فاستمر الحصار طويلاً، حتى نفد زاد الملك والجيش، فقال أهل المدينة فيما بينهم: والله ما أنصفنا عدونا! نقاتلهم حتى إذا أتى الليل أوينا إلى بيوتنا وزوجاتنا وطعامنا وفراشنا، وعدونا يبيت طاوياً جائعاً ونصبح نقاتله، أخرجوا إلى الجيش طعامهم، فقال الملك: واعجبا لأهل هذه القرية، نقاتلهم نهاراً ويقروننا ليلاً.

    إذاً: الأصالة في المدينة من قبل الهجرة، واستمرت تلك الأصالة حتى قدم إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا بهم: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9].

    فقال الملك: إن أمر هذه البلدة لعجيب، فخرج إليه حبران، وقالوا: ما تريد يا أيها الملك من هذه القرية؟ قال: أريد أن أهدمها، قالا: لن تقدر، ولن تسلط عليها؛ لأنها مهاجر آخر نبي يأتي إليها، قال: وبم تشيران عليّ؟ قالا: أن تبني له بيتاً إذا ما نزل فيه، فبنى البيت وكتب كتاباً، وأعطاه لأحد أبناء الحبرين، وكان من نسلهما أبو أيوب الأنصاري ، فجاء النبي ونزل في البيت الذي بناه الملك لينزل فيه النبي إذا جاء المدينة.

    ولعلنا نقف عند بيت أبي أيوب الأنصاري ، ولنا مجلس آخر إن شاء الله نبدأ فيه بنتائج الهجرة، وكيف قابل النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة والهجرة المجتمع المدني -إن صحت هذه التسمية- وبالله تعالى التوفيق

    حديث الهجرة حديث عميق، ودروسها دروس عظيمة؛ لأنها كما أسلفنا بمثابة الجسر الذي يربط بين الماضي والحاضر، والذي ينقل من الجاهلية إلى الإسلام ومن الجهل إلى العرفان، والحديث عن الهجرة له جوانب نحددها، وأرجو من كل طالب علم أن يمعن النظر في تلك الجوانب ويتأمل ترابط بعضها ببعض.

    أولاً: أن الهجرة سنة الأنبياء، والهجرة هي وسيلة انتشار الدعوة ووصولها إلى الأمم، فالخليل إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، هاجر إلى مصر ثم إلى الحجاز، ثم قال: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصافات:99]، ثم هجَّر من ذريته هاجر وإسماعيل، وكان بهذا التهجير ميلاد أمة جديدة نقلت دعوة من أرض النبوات بالشام، وعن أمة بني إسرائيل إلى أرض الحرمين الأمة العربية.

    وموسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام هاجر، وخرج مرتين، المرة الأولى حين أتاه الآتي وقال: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ [القصص:20]، فخرج خائفاً يترقب، ثم بعد ذلك رجع، وتحمل الرسالة وجاء إلى فرعون ، وخرج مهاجراً ببني إسرائيل.

    ولوط عليه السلام أيضاً خرج وهاجر وترك القرية وكان من أمرها ما كان.

    فهجرة نبينا صلى الله عليه وسلم ليست بدعاً وليست جديدة، بل هي على سنن الرسل من قبله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

    1.   

    جوانب الهجرة النبوية

    والجوانب التي نحددها للحديث عن الهجرة هي:

    أولاً منها: دوافعها، بمعنى: أسبابها ولماذا كانوا يهاجرون؟

    ثانياً: مقدماتها، أي: الأحداث التي تسبق عملية الهجرة مباشرة.

    ثالثاً: منهجها، طريقتها، كيفيتها.

    رابعاً: نتائجها.

    وإذا جئنا إلى ما ذكرنا من هجرة الأنبياء نجد أن الأسباب والدوافع هي: تجنب إيذاء الأعداء والمشركين ليتمكن المؤمنون من وطن يؤدون فيه حق الله بحرية.

    1.   

    أسباب الهجرة النبوية

    من أسبابها ودوافعها: الفرار بالنفس والسلامة من القتل، ولا يكون ذلك إلا بعد الصبر والتحمل.

    أسباب هجرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام

    إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كم تحمل من قومه، وكم صابر مع أبيه! إلى حد أنهم جمعوا له الحطب وأوقدوا له النيران وألقوه فيها، وهو صابر لم يفر.

    ويذكر ابن كثير وغيره أنهم حينما صعب عليهم إلقاءه في النار مباشرة لعجزهم وعدم استطاعتهم الدنو منها لشدة لهيبها، جاء الشيطان وأوحى إليهم بعمل المنجنيق، والمنجنيق يرمي بالثقل إلى مسافة بعيدة، إلى أن جيء بإبراهيم ووضع في المنجنيق وهو صابر، ويأتيه جبريل ويقول: يا إبراهيم ألك حاجة؟ فيقول: أما إليك فلا، وأما إلى ربي فنعم.

    كلمات موجزة، وهذا كما يقولون: لكل مقام مقال؛ لأن الوقت ضيق، ولا حاجة لكثرة الشكوى ولكثرة الكلام، وكأنه يقول: علمه بحالي يغني عن سؤالي، وهل حالي خاف عليه حتى أقول له: ارحمني؟! فإنه مطلع وعالم وراءٍ، وهو يعلم.

    فصبر وتحمل وقاوم إلى أقصى حد، فكانت نتيجة صبره ونتيجة اتكاله على الله: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا [الأنبياء:69] كوني برداً ومع البرد سلام؛ لأن البرد قد يقتل، فتأتي القدرة الإلهية وتسلب النار خاصية إحراقها التي تذيب الحجر وتصهر الحديد؛ لأن الذي خلق إبراهيم وخلق النار واحد، وهو الذي أعطاها قوة الإحراق واللهيب وهو الذي يسلبها منها، بعد هذا خرج هو وسارة وكانت قضيتهما طويلة.

    نأتي إلى موسى عليه السلام، فإنه لما خرج إلى المدينة، وجد واحداً من شيعته وآخر من عدوه يقتتلان، فاستنصره الذي من شيعته، فضربه فقتله، ثم خرج وقابل الرجل الصالح أو النبي شعيباً، وتزوج ثم رجع، وجاء وكان من أمره أن الله سبحانه وتعالى في عودته يناديه ويناجيه ويبعثه إلى فرعون، فماذا كانت النتيجة؟

    فرعون يذبح الأبناء ويستحيي النساء من قبل، والجو جو قاتل، وجاء موسى بالآيات، ولكن فرعون كابر أمام تلك الآيات وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل:14]، فما كان من موسى عليه السلام وبني إسرائيل وقد أدركهم الضغط والتعذيب والتشريد والإيذاء من فرعون وجنوده إلا أن أمره الله أن يخرج ببني إسرائيل، فخرج، فماذا كانت النتيجة؟

    البحر أمامهم وفرعون يكاد أن أدركهم، فيقول أصحاب موسى: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61]، ولكن موسى موقن بالله، فقد خرج بأمر من الله، وهو يعلم بأن الله لن يتخلى عنه قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي [الشعراء:62]، وما دام معه ربه فلم يخاف من فرعون؟ ولم يخش البحر؟ سَيَهْدِينِ [الشعراء:62]، أي: يرشدني ماذا أعمل؛ لأن قوة موسى أمام قوة فرعون ليست بشي.

    أيضاً تأتي المعجزة والقدرة الإلهية فتتدخل، فأوحى ربك إلى موسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء:63] فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا [طه:77] الماء الرجراج السيال، البحر المتلاطم، فيجمد الماء ويصير طرقاً، والأرض يابسة، وبنو إسرائيل كلهم اثنا عشر سبطاً، كل سبط لهم طريق مستقل يسيرون فيه، والطود الذي بين هذا الطريق وذاك الطريق فيه نوافذ حتى يطمئنوا على بعض، ولا يحدث قلق.

    صار الماء جامداً وفيه نوافذ، والذي سلب النار إحراقها سلب الماء سيلانه وأعطاه خاصية اليبوسة والجمود، وترك الطريق لفرعون ولمن جاء، وأغراه الشيطان فدخل، وكانت النتيجة إهلاك فرعون.

    إذاً: الرسل هاجروا، وما هاجروا إلا بعد أن أوذوا وصبروا، ولم يبق من طاقة الإنسان كبشر أن يتحمل؛ لأن الإنسان مهما كان سيؤذى وربما يتحمل لكن إلى متى؟ فكانت الهجرة.

    هجرة المؤمنين هرباً من إيذاء المشركين

    أيضاً من أسباب الهجرة ودوافعها في الإسلام: إيذاء المشركين للمؤمنين، وكلنا يعلم ما كان عليه بلال وصهيب وعمار وآل ياسر: (صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة).

    بلال يؤتى به في الصحراء في القائلة، في شدة الحر على الرمضاء، لا تقدر أنت أن تمسها بقدمك، ويجرد هو ويطرح عليها، ويؤتى بصخرة حارة وتلقى على بطنه، ويقال له: ارجع عن دين محمد، فيقول: (أحد أحد).

    ما الذي كان يقيه هذا الحر؟ ويحمل عنه هذه الصخرة؟ إيمانه بالله ويقينه، كما قال هرقل لـأبي سفيان : أيرجع أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا، قال: هكذا بشاشة الإيمان إذا خالطت القلوب.

    أي: الإيمان إذا خالط القلوب فلا يمكن أن ينزع، ولا تقدر أن تخرجه.

    فاشتد إيذاء المشركين للمسلمين، حتى الرسول صلى الله عليه وسلم ما سلم من إيذائهم، فقد كانوا يعتدون عليه، ويأتي أبو بكر رضي الله تعالى عنه ويدافع عنه، وفي بعض المرات جاء أبو بكر يقول: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ [غافر:28]، فتوجهوا إلى أبي بكر وأخذوا يضربونه حتى صرع، وأغمي عليه من كثرة الضرب..

    الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي في ظل الكعبة، وعندما يسجد يأتي أشقاهم ويقول: إن بني فلان نحروا جزوراً اليوم فليذهب أحدكم ويأتي بسلا الجزور ويضعه بين كتفيه صلى الله عليه وسلم وهو ساجد. وفي بعض كتب السيرة: أنه وضع قدمه على رقبته وهو ساجد، والمولى يمهله، ويذهب الذاهب إلى فاطمة رضي الله تعالى عنها، ويخبرها، وتأتي فترفع الأذى عن كتفيه.

    عثمان بن مظعون كان في جوار رجل من سادات المشركين، فكان يمشي في مكة ويأتي إلى الكعبة، فيرى إخوانه المستضعفين يعذبون من قبل صناديد قريش، فحز هذا في نفسه، قال: أنا أنعم بالطمأنينة والأمن بجوار رجل مشرك وإخواني يعذبون؟!

    انظروا المروءة والإحساس: أنا آمن وأنعم في أمن رجل مشرك وإخواني في العقيدة يعذبون! ما دام أننا إخوان في العقيدة فيجب أن نكون إخواناً في كل شيء، فذهب للذي أجاره وقال: يا فلان جزيت خيراً، جئت أرد عليك جوارك، قال: لماذا يا ابن أخي، هل آذاك أحد؟ هل تعرض لك أحد؟ قال: لا، ولكني رأيت نفسي أنعم في جوارك وإخواني يعذبون فأردت أن أكون معهم، قال: يا ابن أخي! إن كنت تريد أن ترد علي جواري فائت علانية في نادي قريش كما أجرتك علانية في نادي قريش، فجاءه في نادي قريش وقال: يا أبا فلان! وفت ذمتك؛ إنك لوفي كريم، ولكني أريد أن أرد إليك جوارك، قال: يا ابن أخي إنك في مأمن، وما السبب؟ قال: أردت أن أكون مثل إخواني يصيبني ما يصيبهم، قال: قبلت.

    وخرج من عنده، ويمر بناد من أندية قريش وفيهم لبيد الشاعر المعروف ينشدهم الشعر فجلس، فقال لبيد كلمته المشهورة:

    ألا إن كل شيء ما خلا الله باطل

    فقالوا: صدقت. ثم أكمل البيت:

    وكل نعيــم لا محـالة زائـل

    قال له: كذبت، نعيم الجنة لا يزول، الشاعر يقول ذلك على مقتضى قياس الدنيا؛ لأنه لا يؤمن بالجنة ولا بنعيمها، فالشاعر صادق في معتقده، والناقد للشعر أو للمقالة أو للكلمة يجب أن يراعي جميع الملابسات من كل جهة، ولكن الذي رد عليه لم ينظر من نفس الزاوية وبنفس الفكر الذي نظر به الشاعر، بل بمنظار جديد ألا وهو منظار الإيمان باليوم الآخر؛ فلما رد عليه وقال: كذبت! قطع الشاعر الشعر وقال: ما هذا يا معشر قريش! والله ما سبق أن أحداً رد على قولي قبل اليوم، وجعلها إهانة كبيرة جداً في حقه.

    وكانت الشعراء في السابق لهم الكلمة، وكأنه وزير الإعلام في الدولة، وكانت القبيلة تفخر بنبوغ شاعر أو ظهور فارس، لأن هذا يدافع عنها بالكلمة، وهذا يدافع عنها بالقوة، فيحميانها باللسان والسنان.

    فقام رجل حمية ولطم عثمان رضي الله عنه على عينه فخضرها، وذلك لأن الكدمة تجعل الدم يحتبس تحت الجلد، فإذا احتبس الدم تحت الجلد اخضر الجلد، ثم بعد زمن يتشرب الجلد الدم، وكان الذي أجاره موجوداً فقال: والله يا ابن أخي لقد كنت في غنىً عن هذا، قال: لا والله! لعيني الأخرى في حاجة لمثل ما أصاب أختها!

    ما هؤلاء الرجال؟! يضرب على عينه ومجيره يقول: (لقد كنت في غنىً عن هذا، فيقول له: لا، إن عيني السليمة في حاجة لمثل ما أصاب هذه)، وذلك لأنه يعلم أنه أوذي في سبيل الله.

    فوقع رضي الله عنه في الشدة والتعذيب مع المسلمين، أما الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كان في جوار عمه أبي طالب، وقد أعلنها:

    والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفيناً

    فكان عنده من يحميه، وأما المسلمون فلم يكن عندهم من يحميهم، فأشفق عليهم ووجههم للهجرة إلى الحبشة، وسيأتي الحديث عنها إجمالاً.

    حصار قريش للمسلمين

    توفي عم النبي صلى الله عليه وسلم، وتوفيت خديجة رضي الله تعالى عنها.

    كانت الشدة التي وجدت في مكة حينئذ لم يسبق لها نظير في العالم، فقد تآمرت قريش على بني هاشم خاصة ليقاطعوهم، وكتبوا الصحيفة الظالمة في خيف بني كنانة، وفيها: لا نزوجهم ولا نتزوج منهم، ولا نبيعهم ولا نبتاع منهم.

    فوقع عليهم حصار اقتصادي واجتماعي، وانحصروا في الشعب، هل هناك مضارة أكثر من هذا؟ يقول ابن هشام وغيره: حتى إن بعضهم كان يأكل ورق الشجر.. خديجة التي كانت ذات أموال طائلة لا تقدر أن تحصل على شيء منها، وكان الرجل يأتي في ظلام الليل إلى فم الشعب بالبعير عليه الطعام ويضربه لينطلق في الشعب!

    والحصار الاقتصادي من أشد ما يكون على الناس، سواء كان على الأفراد أو الجماعات أو الأمم؛ لأن الإنسان -كما قيل- مدني بطبعه، وقانون الحياة مبناه على المعاوضة، فلو صدق المسلمون في استخدام هذا الحصار لنجحوا، وهو أشد سلاح.

    لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك وجاء الثلاثة الذين خلفوا يعتذرون، أوقع عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم حصاراً، فمنع الناس من الكلام معهم، ثم أمرهم أن يرسلوا زوجاتهم إلى بيوت أهاليهن، قال كعب بن مالك : (أتيت إلى ابن عم لي في بستانه فسلمت عليه فلم يرد عليّ السلام! فقلت له: هل أنا مؤمن أو منافق؟ فما رد علي، فقلت: أتعلم أني أحب الله ورسوله، أم لا؟ فما رد علي، فكانت هذه أشد علي من غيرها.

    ابن عمه لا يرد عليه حتى السلام! فالكل قاطعهم، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، كما حكى الله عنهم.

    إذاً: حينما يفرض حصار على أمة، ويشدد هذا الحصار، فهو أصعب ما يكون عليها؛ لأنك تعطل فيها الجبلة الإنسانية؛ لأن الإنسان مدني بطبعه، وأنت تقطع عنه هذه المدنية، وتجعله في ضيق شديد، لا يحيا حتى كما يحيا الحيوان، فالحيوان يمكن أن يأكل من أي شيء، لكن إذا منعته المرعى والماء أصبح في طريقه إلى الموت.

    كتبت الصحيفة، وقوطع بنو هاشم، وكان البلاء أشد ما يكون على المسلمين، ولما أراد الله إظهار معجزة لرسوله، جاء الرسول إلى عمه وقال: (يا عم! إن الصحيفة التي كتبوها سلط الله عليها الأرضة!).

    وفي بعض الروايات : (فأكلت منها لفظ الجلالة!) ؛ لأن الصحيفة ظالمة، ولا ينبغي أن يكون لفظ الجلالة في صحيفة ظالمة.

    وفي بعض الروايات: (فأكلتها إلا لفظ الجلالة) لأن لفظ الجلالة محترم، ولا تسلط عليه الأرضة، على كل سلط الله الأرضة على الصحيفة، والأرضة هي: حشرة دون النمل الأبيض كما يقولون، فأكلت الصحيفة، وميزت بين لفظ الجلالة وبين غيره، سواء أكلته أو تركته.

    فجاء أبو طالب إلى سادات قريش وقال لهم: الآن أفصل بينكم وبين محمد: لقد أخبرني محمد عن الصحيفة بكذا، فافتحوا الكعبة وانظروا فيها الصحيفة فإن كان صادقاً فعليكم أن ترجعوا عن المقاطعة وعليكم أن تنقضوا الصحيفة، وتعلموا أنكم ظالمون في ذلك، وإن كان كذب فيما قال أسلمتكم إياه، وشأنكم به.

    وتآمر معهم أيضاً أربعة نفر من الكفار بالليل، فقالوا: كيف نقاطع أبناء عمنا وأرحامنا وأقاربنا، نحن نأكل ونشرب مع زوجاتنا وهم جائعون!

    فاتفقوا على الدعوة إلى نقضها، وأبو طالب لا يدري ما خبرهم، وهم يدرون عن خبر أبي طالب.

    وفي الصباح جاء واحد من هنا، وواحد من هنا، بطريقة منظمة، وقام أحدهم وقال: يا معشر قريش! ما هذه الصحيفة التي كتبناها على بني عمومتنا، إنها لصحيفة ظالمة، ولا ينبغي أن تستمر، فقام الثاني وقال: نعم، إن هذا الحصار لباطل، وقام الثالث من هناك وقال: نعم، هذا الكلام الذي قالوه حق، ونحن لا نرضى بالصحيفة، وقام الرابع فقال مثل مقالتهم، فقال أبو جهل وكان داهية: هذا أمر دُبِّر بليل، أي: ليس وليد الساعة، بل هذا أمر متفق عليه من قبل، فلما قالوا تلك المقالة؛ قام أبو طالب وقال: أنا أكفيكم المهمة، لقد أخبرني ابن أخي بأن الصحيفة سلطت عليها الأرضة، وأخبرني بكذا وكذا، فقاموا إلى الصحيفة فوجدوها كما قال صلى الله عليه وسلم، فانفك الحصار.

    قبل الهجرة وقعت شدائد، منها تعذيب الضعفاء: كـبلال وعمار وياسر وأم عمار ، وعندما توفي أبو طالب وتوفيت خديجة اشتد عليهم الأمر وقالوا: هذه سنة الشدة؛ لأن الأمر اشتد فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتجرأ عليه المشركون بما لم يكونوا يجرءون عليه من قبل.

    وفي هذه السنة ذهب صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وكان من أمر الطائف ما ذكرنا من قبل، ثم رجع ودخل في جوار رجل مشرك، له أبناء أربعة، فأخذ يطوف مع رسول الله ويعلن جواره له، وأبناؤه بالسلاح عند أركان البيت، وجاء أبو سفيان لما رأى هذا المنظر، فقال له: أمجير أم تابع؟ أي: أنت تطوف مع محمد، فهل اتبعته وصرت معه تناصره علينا، أم أنت ما زلت مشركاً معنا وإنما أجرته؟ قال: بل مجير، يعني: وهو لا زال مشركاً، فقال: قد أجرنا من أجرت.

    وكان دخوله صلى الله عليه وسلم في جوار رجل مشرك عين الحكمة، ولم يدخل في جوار مسلم حتى لا تكون القضية قضية حماس وحمية، وتقوم حرب أهلية في مكة، والمسلمون في قلة لا يمكنهم أن يقابلوا المشركين، ولو قاتلوهم حينئذ لانتهت الدعوة.

    تآمر المشركين على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم

    ثم تآمرت قريش بكاملها على الضربة الأخيرة، فقد عجزوا عن رسول الله، وبعض أصحابه قد ذهبوا إلى الحبشة، ولم يبق معهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجتمعوا في دار الندوة ليتآمروا في ذلك.

    وعند اجتماعهم طُرِق عليهم الباب، فإذا بشيخ يرتدي ثياب أهل نجد فقالوا: من أنت وماذا تريد؟ قال: أنا رجل من أهل نجد، علمت باجتماعكم ولن تعدموا مني رأياً، فسمحوا له بالدخول، وكانوايعرفون أن أهل نجد أهل رأي ومشورة، وكان هذا شيطاناً في صورة إنسان، فقال: علمت أنكم اجتمعتم من أجل محمد، قالوا: نعم، قال: ماذا عندكم؟

    قال واحد منهم: نحبسه ونقيده ونتركه حتى يموت، وقال آخر: نخرجه بعيداً عنا ونستريح منه، فإذا بهذا يقول: كل هذه آراء غير سليمة، فقال آخر: نقتله ونستريح، قال: بنو هاشم لا يتركون دمه، وإذا أنتم حبستموه فسيأتي بنو هاشم ويخلصونه، وإن أنتم أخرجتموه فبحلاوة كلامه وطلاوة لسانه سيألب الناس عليكم، ثم يعود ويغزوكم بمن معه، وإن قتلتموه قاتلتكم بنو هاشم، قالوا: ما هو الرأي عندك؟

    قال: الرأي عندي أن تندبوا عشرة شباب من عشرة قبائل، ويبيتونه على باب بيته، فإذا خرج ضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، ولا تستطيع بنو هاشم أن تقاتل القبائل كلها، فإذا تفرق دمه في القبائل فسيقولون: نريد دم ولدنا، فتقولون: نحن كلنا قتلناه، فيتركون طلب القصاص، ويرضون بالدية، والدية دية واحدة، قالوا: هذا هو الرأي.

    قال تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30] يثبتوك أي: يحبسوك، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ صفة المكر من حيث هي مجردة هي صفة ذم؛ ولكن عندما تقول: فلان مكر بفلان، لكن فلان كان أمكر منه، يكون هذا من المدح، أي: كان أذكى منه، وكان أقدر منه على المكر، فتصير صفة مدح للثاني؛ لأنه أبطل مكر الأول، وهنا يقول علماء الكلام وعلماء البلاغة: هذا من أسلوب المشاكلة، ولذا أجمع علماء الكلام على أنه لا يجوز أن تسمي الله بالماكر؛ لأنه قال: وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ في مقابل.

    (ومكروا)، لا تقلها وحدها، بل قلها مع أختها، حتى يتبين الفرق ويتبين فيها المدح، واستدلوا بقول الشاعر شاعر:

    قالوا اختر طعاماً نجد لك طبخة فقلت اطبخوا لي جبة وقميصاً

    كان هذا الشاعر في الشتاء، فقال له قوم: نكرمك بالأكل والشرب، فكأنهم يريدون إكرامه وإظهار الجود عليه، فقالوا اختر طعاماً نجد لك طبخه، أي: اختر الطعام الذي تريد أن نطبخه لك، فقال لهم: اطبخوا لي جبة وقميصاً، والجبة والقميص لا تطبخ، ولكن هذا في مقابل قولهم: نجد لك طبخه، أي: أنتم ترون هذا البرد وتقولون: اختر طعاماً، فقوله: اطبخوا لي، وقعت بدلاً من خيطوا لي، وهو في مقابل قولهم: نجد لك طبخه، وهنا قال الله: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ، فهذه صفة جلال وكمال لله؛ لأنه أبطل مكر الآخرين.

    اتفق المشركون على ذلك، فماذا كانت النتيجة؟ رب العزة لم يتخل عن رسوله، وجاء جبريل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: (لا تبت في فراشك الليلة) وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً ينام مكانه، وخرج صلى الله عليه وسلم تحت ظلال تلك السيوف، وهو يقرأ قوله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9]، وكانوا عشرة قد ألقى الله عليهم النعاس، وكانوا واقفين مستندين على الجدران، والسيوف في أيديهم، فمر من أمامهم ولم يره أحد منهم، ولم يخرج ويتركهم في حالهم، بل أخذ التراب من تحت أقدامهم وجعله على رءوسهم، زيادة في إذلالهم، واعتزازاً بدين الله، وبتأييد الله له.

    إن إيذاء المشركين للمسلمين جعلهم يهاجرون، والإيذاء كما وقع على أفراد المسلمين، كذلك وقع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان آخر ذلك الإيذاء التآمر على قتله!

    لم تكن الهجرة هروباً بدون موجب، ولا خروجاً بدون صبر، بل تحملوا وصبروا إلى أقصى ما يمكن، عثمان بن مظعون الذي قال: إن عيني السليمة في حاجة إلى ضربة مثل الثانية، هل يوجد صبر أكثر من هذا؟ وآخر يطرح في الصحراء في الرمل الحار وتوضع الصخرة عليه ليرجع عن الدين فيقول: (أحد، أحد و) أم عمار تُغرّق في الماء وتعذب، ثم تقتل بالحربة بطعنة في فرجها! فصبروا إلى ما لا نهاية، وبعد هذا جاء الفرج.

    إذاً: الهجرة من سنن الأنبياء، ونحن لماذا نشرح السيرة بهذا الأسلوب؟ أنا أرجو أن يكون هذا الأسلوب أخف ما يكون لطلبة العلم، وعامة لكل الحاضرين والمستمعين؛ لأن الهجرة ليست مجرد أرقام، أو سرد أحداث، أو مجرد وقت نمضيه، بل في كل جانب من جوانبها دروس وعبر، وسبق أن كتبنا في الثمانينات معالم على طريق الهجرة، وذكرنا في كل خطوة منها معلماً إسلامياً للدعوة، وعرفنا أن الهجرة من سنن الأنبياء، وعرفنا أن الهجرة سببها الإيذاء، وإذا كان المسلم يعيش في جو إيذاء وإرهاب فهل يستطيع أن يؤدي عبادة الله؟ لا يقدر، إذاً: عليه أن يطلب موطناً آخر يمكن أن يؤدي فيه حق الله بطمأنينة.

    1.   

    مقدمات الهجرة

    انتهينا من الدوافع والأسباب، بقيت المقدمات.

    والفرق بين المقدمات والأسباب: أن المقدمات أحداث وقعت إبان الهجرة ساعدت عليها، أما الأسباب فهي الأمور التي دفعت للتفكير فيها، وجعلتهم يهاجرون، فالمقدمات هي الأحداث التي واكبت بداية الهجرة، وقبل وقوعها وساعدت عليها، وهيأت الجو لها...

    أقرب لك الموضوع بضرب مثال: لو تريد أن تبني بيتاً، ما هو سبب بنيانك للبيت؟ قد يكون السبب هو السكن، لأنك جربت بيوت الإيجار؛ قد يقول لك صاحب البيت: اخرج، أو يقول: زد في الأجرة، فهذه أمور تجعلك تفكر بأنك تبني لك بيتاً.

    ثم من المقدمات لذلك صندوق التنمية، فاقترضت منه، الآن هذا ليس سبباً بل مقدمات، وبعد أن تقترض تعمل مخططاً، وتنظر مواد البناء، فهذه مقدمات موجودة تساعد على إقامة البنيان على حسب المخططات، وعلى حسب مرادك، ثم النتيجة: تسكن وأنت آمن، لا أحد يقول لك: اخرج.

    الهجرة لها دوافعها وأسبابها، وقد انتهينا منها على سبيل الإجمال، وطالب العلم له أن يبحث عن المزيد ويضيفه إلى ذلك.

    بيعة العقبة

    كانت قضية الطائف تجمع بين الأسباب والمقدمات، لكن من المقدمات الفعلية:

    أن النبي صلى الله عليه وسلم في موسم الحج كان يأتي القبائل في منازلها، وكانت منى والمزدلفة وعرفة أسواقاً من أسواق العرب، وكانت عرفة وذو المجاز وعكاظ على طريق اليمن، والقبائل تأتي إلى عكاظ من الطائف، فمنى كلها أسواق تجارية للعرب تجتمع فيها، ويعلنون فيها انتاجهم الأدبي، فالشاعر ينشد قصيدته، والخطيب يلقي كلمته، والتاجر يبيع سلعته من الحيوانات أو غيرها من المبيعات، ويتبادل الناس السلع والأغراض في تلك الأسواق.

    فالمشاعر كانت أسواقاً في الجاهلية، وكانت أيضاً أماكن عبادة في الحج، فكان صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل في مواسم الحج، ويأتي القبائل في منازلها، ويقول لهم: أنا رسول الله، هل فيكم من يحميني حتى أبلغ دعوة الله؟، مرة قال له رجل: أنا أحميك فماذا لي من بعدك؟ قال: لك ما للمسلمين، قال: لا؛ بل يكون لي الأمر من بعدك، قال: ما هي مساومة ولا ميراث.

    فكان يعرض نفسه صلى الله عليه وسلم على القبائل، وقبل الهجرة بسنتين جاء نفر من الأوس أو الخزرج ومعهم سيدان من ساداتهم، قال: من أنتم؟ قالوا: من الخزرج، قال: من حلفاء يهود؟ قالوا: بلى، قال: ألا تجلسون أُحدثكم؟ قالوا: نعم، فجلسوا، فحدثهم وقال: أنا رسول الله، ألا تتبعونني! ألا تؤمنون بي، ألا تبلغوا قومكم.

    فلما سمعوا كلمة: (رسول الله) كان ذلك شيئاً جديداً عليهم.

    وكان من المقدمات السابقة للهجرة أن أهل المدينة كانوا أصنافاً متعادين: اليهود ثلاث قبائل: بنو قريظة، وبنو النضير، وبنو قينقاع، وأما العرب فكانت: الأوس والخزرج، وأحياناً تقوم حروب بين الأوس والخزرج، وبعضهم يستنصر بقبائل اليهود، وأحياناً تقوم الحرب بين العرب وبين اليهود، فلما تضيق الضائقة على اليهود يقولون: سيبعث نبي آخر الزمان، ونتبعه ونقاتلكم معه، ثم نفنيكم كما أفنيت عاد وثمود، يهددونهم بالنبي الذي سيأتي، فلما سمعوا كلمة: أنا نبي، وهم كانوا موجودين في الحرم، قال بعضهم لبعض: لعل هذا هو النبي الذي يتوعدكم به اليهود، وعندهم خبره، واليهود لا يدرون من هو هذا النبي، ومتى يكون، لكن هذه إرهاصات ومقدمات.

    فكان عندهم خيال وسماع عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا بهم يجدون النبي أمامهم، فقالوا: لا تسبقكم يهود إليه، فتعاهدوا معه ورجعوا إلى المدينة خفية، وانتشرت الأخبار خفية عن اليهود، وفي العام الثاني يذهب من المدينة من الأوس والخزرج سبعون بدل السبعة، وتواعدوا أن يجتمعوا عند العقبة في آخر الليل، وكان صلى الله عليه وسلم قد أرسل مصعب بن عمير ليعلم أهل المدينة، وقصته طويلة.

    فجاءوا بعد نصف الليل إلى العقبة، وجاء مع رسول الله العباس رضي الله تعالى عنه يستوثق له، فقال لهم: أتبايعونه على الهجرة إليكم؟ قالوا: نعم، وله علينا عهد أن نحميه مما نحمي منه أنفسنا وأولادنا، فقال: يا معشر الأوس والخزرج! إن كنتم واثقين من أنفسكم وبيعتكم فذاك، وإن كنتم تخشون أن تتكالب عليكم العرب وتتراجعون عنه فإنه في منعة من قومه، فقالوا: نحن على عهدنا، فقال صلى الله عليه وسلم: أخرجوا لي اثني عشر نفراً منكم، يكونون نقباء عليكم.

    فأخرجوا له اثني عشر رجلاً، وكانوا نقباء على قومهم، ومن العجيب أن هذا العدد -اثني عشر نقيباً- يعادل عدد أسباط بني إسرائيل! كما قال الله: وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [البقرة:60]، فكانوا اثني عشر سبطاً، والأسباط في بني إسرائيل كالقبائل عند العرب، فكانوا اثني عشر نقيباً، ونصبهم نقباء على هؤلاء، وتمت البيعة.

    تمت البيعة في آخر الليل والناس بمنى نائمون، لا أحد منهم يعلم بالبيعة، هنا يأتي موقف على طالب العلم، بل وعلى كل رجل سياسي، بل وعلى كل شخص مسئول، يقف الرسول صلى الله عليه وسلم موقف المسئولية، ويقدر الأبعاد، وكان الرسول يعرض نفسه على القبائل، ولم يواجه أحداً، فهؤلاء بعد البيعة -وهم عدد لا يستهان به- قالوا: ( يا رسول الله! ائذن لنا) بدون فوضى، بل يلتزمون بالأمر، ويستمعون ويطيعون، ولا يتصرفون إلا بعد الأمر..

    قالوا: ( ائذن لنا أن نميل على أهل الموسم بأسيافنا )، وهم وإن كانوا سبعين فقط، والقوم سبعة آلاف نياماً وآمنين، فالقلة المسلحة التي تأتي على تبييت نية وغدر؛ يمكن أن تقتل الآلاف، فماذا كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل قال: هيا خذوا حقي، هيا انتصروا؟!

    لا والله! بل قال: (إنا لم نؤمر بحرب) أي: مثل ما استئذنتموني فأنا أستئذن ربي، إذاً: المسألة ليست فوضى، هم يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطلبون الأمر والإذن منه، وهو ينتظر الأمر من الله، وهكذا الكون، وهكذا النظام، وهكذا تكون الأمة ويستقر أمرها، أمة ضاربة بين يدي رسول الله، ولكن مع القوة الضاربة حلم وعقل ورشاد وثبات وصدق ومنهج.

    فإذا كان الداعية في أمة ووجد شباباً متحمساً ومندفعاً فلا يدفعهم؛ لأنك إذا كنت على سفح جبل، وأمامك صخرة فلن تقدر على أن تحركها، لكن إذا جاء سيل ودفعها من فوق فإنك تستطيع دفعها ولو كنت ضعيفاً، لكن مع الدفع الشديد الذي حركها إذا أردت أن تدفعها؛ زدت في اندفاعها.

    فالشباب المتحمس لا ينبغي أن نزيد في حماسه وندفعه على غير هدى، بل يجب توفير ما يقولون عنه: عوامل الضمان، ولذا فمسيرة الدعوة إلى الله تحتاج إلى قوة وحماس وشجاعة وتضحية، ومعها عقلية، وحلم، وروية، ونظر، وتجاوب، وقيادة حكيمة؛ لأن القوة بدون قيادة حكيمة مثل الوحش، ولكن:

    الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني

    ولولا الرأي يدبر الشجاع لألقى بنفسه إلى التهلكة، ولا قيمة له!

    يتقدم هؤلاء ويعرضون على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوة ضاربة وحماساً لا نظير له، والرسول صلى الله عليه وسلم يخبرهم بأن الوقت لم يحن، وكل شيء له أوان.

    تمت البيعة، وذهب مصعب بن عمير إلى المدينة ليعلم الناس الإسلام، وكان يأتيهم على مياههم، وانتشر الإسلام في المدينة.

    وكان هناك مهاجرون في الحبشة، وقد أشرنا إلى موقفهم، ولنتعد هذه الحلقة، ونبقى في المقدمات! إذاً: من مقدمات الهجرة: مجيء نفر من المدينة من الأوس والخزرج، وقد سمعوا من جيرانهم اليهود بمبعث نبي فيقاتلونهم معه، فسبقوهم إليه.

    الإسراء والمعراج

    ومن المقدمات أيضاً: الإسراء والمعراج فكان له دور من التأييد، والطمأنينة، ومن زيادة الإيمان واليقين وعلى ما هو عليه صلى الله عليه وسلم.

    كان الإسراء والمعراج قبل الهجرة بسنة وأشهر، وكيف يكون الإسراء والمعراج مقدمة للهجرة؟

    كان الرسول صلى الله عليه وسلم في بيت أم هانئ في مكة، يريد الله سبحانه وتعالى في تلك الأزمة بعد عودته من الطائف -على المشهور عند علماء السيرة- أن يكرمه، رجع الرسول من الطائف إلى مكة وهو مكسور الخاطر، ونتلطف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العبارة؛ لأن كل ما أصابه كان في سبيل الله.

    إذاً: رجع من الطائف بغير ما كان يتوقع، وكان دخوله مكة بصورة لا نرضاها لأنفسنا، ولكن رضيها صلى الله عليه وسلم لنفسه من أجل مصلحة المسلمين، فكان الموقف موقف شدة، وتضييق وإساءة، فكان الإسراء والمعراج، فيه غرضان:

    الغرض الأول: مواساة رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب ما ناله من أهل الطائف.

    الغرض الثاني: إطلاعه على الملأ الأعلى، وعلى مستقبل الدعوة.

    كأنه قال له: الطائف أساءت إليك وأدمت قدميك، فلا تحزن وهلم إلى بيت المقدس، فهو خير من الطائف ألف مرة، ومنعوك من الدخول إلى مكة إلا وأنت في جوار رجل مشرك، فلا تحزن، هلم فإن أنبياء الله ورسله، سيستقبلونك.

    ثقيف وقريش لم يستقبلوه، والله جمع له الأنبياء ليستقبلوه في بيت المقدس.

    ومر على موسى عليه السلام وهو في قبره يصلي عند الكثيب الأحمر كما في الحديث، ويجده أيضاً مع الأنبياء عندما استقبلوه، الآن عندما يأتي ضيف للدولة يكون في استقباله سمو كذا ومعالي كذا وفضيلة كذا، وكبار الشخصيات، لأنه ضيف الحكومة، فالرسول كان في ضيافة المولى، فكان الأنبياء في استقباله عند قدومه بيت المقدس، فهذه تعوض عليك أحسن مما فات.

    وكأن الله قال لرسوله: سلطوا عليك السفهاء، وحن عليك عتبة وشيبة بقطف عنب، فهذه ثلاثة أوان: إناء من لبن، وإناء من ماء، وإناء من خمر، اختر؟ فيلهمه الله أن يختار اللبن، فيقول له جبريل: (هديت إلى الفطرة، ولو أخذت الماء لغرقت وغرقت أمتك، ولو أخذت الخمر لغويت وغوت أمتك، ولكن هديت إلى الفطرة) فصار هذا أحسن من كرامة ثقيف وضيافتهم.

    يأتي أمر الصلاة، وما هو وقت صلاة الفريضة، فإنها لم تفرض، ولكن النافلة موجودة، نريد أن نصلي فمن يؤمنا؟ آدم أبو البشر موجود، نوح موجود وهو أبو البشر الثاني، إبراهيم أبو الرسل موجود، موسى الكليم موجود، عيسى كلمة الله موجود، فمن الذي يتقدم هؤلاء؟

    نحن نعرف في شرعنا -وإن كان شرعنا لا يدل على شرع من قبلنا: - (لا يؤمن الرجل الرجل في بيته إلا بإذنه)، فإذا كنت ضيفاً عند أحد ولو كنت المفتي، فليس لك حق في أن تتقدم عليه وتصلي به -لأنه صاحب البيت- حتى يأذن لك.

    نعم هناك حديث: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، لكن الحق في البيت لصاحب البيت، فإذا قدم صاحب البيت غيره، فهذا يدل على أن صاحب البيت تنازل عن حقه، وأكرم من قدمه.

    فجميع الأنبياء كانوا في موطنهم؛ لأن الشام بلد الأنبياء، ما بعث الله نبياً إلا من أرض الشام وحول بيت المقدس، حتى انتقلت النبوة إلى الحجاز، وبعث إسماعيل، ثم بعث الرسول صلى الله عليه وسلم من ذريته، فيكون من التكريم العظيم استقبال الأنبياء لسيد المرسلين، وتقديمهم له عليهم ليصلي بهم، فهل كان في هذا تعويض عن الذي فات أم لا؟

    هل فيه مؤانسة عن تلك الإساءة أم لا؟

    نعم بلا شك.

    ثم يكون من بيت المقدس العروج إلى السماء، وهنا وقفة:

    إذا كان في نهاية الرحلة عروج إلى الملأ الأعلى، ويقولون: إن مكة والكعبة أعلى نقطة على وجه الأرض إلى جهة السماء، أي أقرب، فلماذا لم يكن العروج من مكة إلى السماء مباشرةً؟

    قالوا: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لو عرج به من مكة إلى السماء ثم نزل، لم يكن عنده ما يقوله لأهل مكة؟ وهم غير مصدقين، لكن لما يؤخذ من بيت أم هانئ في ليلة يذهب فيها إلى بيت المقدس، ويصلي بالأنبياء، ثم يعرج به إلى السماء ويرى ملكوت الله الأعلى، ويريه الله من آياته الكبرى، ثم ينزل ويرجع بالبراق ويأتي إلى أهل مكة، ويقول لهم: ذهبت السماوات العلى عن طريق بيت المقدس، فسألوه: كيف بيت المقدس؟ فيجد في يده ما يقدمه إليهم من بينات على تلك الرحلة، وإذا أثبت لهم الذهاب إلى بيت المقدس والعودة في تلك الليلة فممكن أن يثبت ما بعده!

    إذاً: كان الذهاب من مكة إلى بيت المقدس لأن الله فتح له بيت المقدس، ويريد المولى سبحانه أن يقيم البرهان لـهرقل على ذلك الحدث، فـهرقل كان ينظر في النجوم، ولما جاءه خطاب رسول الله بعد الهجرة: (أسلم تسلم)، سأل أبا سفيان عن رسول الله عدة أسئلة.

    فـهرقل علم أن هذا نبي حقاً، فأراد أبو سفيان أن يرمي إلى بركة العسل حجراً، فيعكرها، فقال: ألا أخبرك بخبر تعلم كذبه؟! قال: ما هو؟ قال: أُخبرنا بأنه جاء إلى مسجدكم هذا وصلى فيه ورجع في ليلة واحدة، ونحن نضرب له أكباد الإبل شهراً! فقال سادن المسجد الأقصى: والله لقد علمت بتلك الليلة، وقص خبره.