إسلام ويب

كتاب البيوع - باب الفرائض [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اتفق الفقهاء على توريث أصحاب الفروض، إلا أنهم اختلفوا في توريث الجدة على ثلاثة أقوال، ثم اختلفوا في ميراث الخال، وكذلك ميراث القاتل عمداً، وكذلك ميراث الحمل، وما يتخرج عليه من مسائل عصرية كأطفال الأنابيب، وللعلماء تفصيلات وأدلة يبينون فيها سبب اختيارهم لما رجحوه من الأقوال.

    1.   

    ميراث الجدات

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله.

    وبعد:

    فيقول المصنف رحمه الله: [ وعن ابن بريدة ، عن أبيه رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للجدة السدس إن لم يكن دونها أم) رواه أبو داود والنسائي ، وصححه ابن خزيمة وابن الجارود ، وقواه ابن عدي ].

    من مشاكل الميراث ميراث الجدة، والجدة هي أم الأم أو أم الأب، يقولون: إن الجدة جاءت لـأبي بكر رضي الله تعالى عنه، فقالت: أعطني ميراثي..

    في قضية الجد أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم السدس وتساءل العلماء: من كان مع الجد حتى أعطي السدس؟ وعمر رضي الله تعالى عنه لما أتاه سائل في الجد قال: من عنده علم فليأتنا؟ فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين! إن رجلاً أتى النبي فأعطاه السدس، ثم دعاه فأعطاه السدس طعمة. فقال عمر : مع من ورثه؟ قال: لا أدري. قال: لا حياك ولا بياك، ما أغنيت شيئاً.

    العلماء يتساءلون مَن مِن الورثة أصحاب الفروض الذين يبقى بعدهم الثلث حتى يحصل الجد على سدسين؟ فقالوا: المتوقع في هذا: أن يكون الميت ترك بنتين، فالبنتان لهما الثلثان، فبقي الثلث فأخذه الجد فرضاً وطعمة، أو ترك بنتاً وبنت ابن، فالبنت لها النصف، وبنت الابن لها السدس تكملة الثلثين، وبقي الثلث بعدهما للجد فرضاً وطعمة، هذا تتمة لمن كان مع الجد حينما أعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم ما أعطاه فيما تقدم.

    هنا الجدة أعطاها النبي صلى الله عليه وسلم السدس، هل الجدة من ذوي الفرائض في كتاب الله؟ ليست مذكورة، إذاً: هذا عطاء من النبي صلى الله عليه وسلم للجدة، بشرط ألا تكون الأم موجودة، فالرسول إنما أعطى الجدة سدس الأم، إذاً: أصل السدس الذي تأخذه الجدة هو للأم، فإذا لم توجد الأم انتقل إلى أمها، وعلى هذا كان عطاء من النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومبحث العلماء في الجدة والجدات من جهتين: جهة الجهات التي ترث منها الجدة والجدات، وجهة توريث المجتمعات من الجدات. فـمالك رحمه الله يورث من جهتين: أم الأم وأم الأب فقط.

    وأحمد رحمه الله يزيد جدة ثالثة، وهي: أم أب الأب، يعني جدة الأب.

    وأبو حنيفة والشافعي رحمهما الله يورثان كل جدات وجدن متساويات قال في الرحبية:

    وإن تساوى نسب الجدات وكن وارثات فالسدس بينهن بالسوية ...

    وكن كلهن وارثات، أي: ولا توجد واحدة محجوبة بمن قبلها.

    وعلى هذا: فإن السدس ميراث الجدة إن انفردت من جهة الأم أو من جهة الأب إن لم توجد الأم.

    ومالك يورث اثنتين، وأحمد يزيد واحدة، والشافعي وأبو حنيفة : يورثان كل من وجد من الجدات متساويات سواء كن أربعاً أو خمساً أو أكثر أو أقل.

    ولنعلم بأن الجدة لا تكون من جهة الأم إلا واحدة: أم الأم، وأم أم الأم، وهكذا، فخط الأم هذا كله جدة واحدة، لكن أم أب الأم ساقطة؛ لأنها أدلت إلى الوارث بذكر وهو أب الأم، إذاً الجدة الوارثة من جهة الأم لا توجد إلا من طريق واحد.

    ومن جهة الأب عند مالك أم الأب، وهي أم الأب الأدنى وأمهاتها، وسلسلتها تتعادل مع أم الأم.

    ويزيد أحمد أم أب الأب يعني: جدة أبي الميت أم أبي أبيه، وأمهاتها، وإذا توسعنا أكثر من هذا فأم أبي أبي الأب لا تدخل عند أحمد ولا عند مالك ، ولكن تدخل عند الشافعي وأبي حنيفة.

    لم تكن الأم موجودة؛ لأن الأم تحجب الجدة لأن الأصل لها، سواء كانت من جدة من جهة الأب أو الأم.

    ومتى يتساوى ثلاث جدات أو أربع أو خمس؟ هذه مشكلة، ولا عمر نوح عليه السلام! إذا قلنا: أم الأم وأم الأب متساويات وقريبات، فيمكن أن توجد هذه الجدة وتلك معاً، لكن إذا صعدنا درجة أم أم الأم وأم أم الأب فهن متساويات، في الدرجة التي تأتي عند أحمد : أم الجد، فصار بينها وبين الميت الأب والجد وصارت هي في الدرجة الثالثة، فإذا تساوى الجدات الثلاث في الدرجة، فعند أحمد الثلاث يرثن، وعند مالك لا يرث إلا اثنتان، وعند الشافعي وأبو حنيفة ترث ولو كانت أم أبي أبي أبي الأب، وجدة جدة جدة جد الجد، ولن يعيشوا إلى هذا الوقت! وهذه مسألة نظرية، وفي اعتقادي أنها ما وقعت ولن تقع، إذا قلنا: الجدة في الطبقة الخامسة، فبينها وبين المائة شيء يسير، ستعيش إلى ذلك الوقت، وهل هذا كما يقولون: من التصوير الفقهي، والمسائل المفترضة؛ لأنه متمش مع القاعدة الفقهية في الميراث؟

    هنا ناحية بعد هذا (وكن كلهن وارثات)، إذا وجدت أم الأم، وأم أم الأم، فهناك قربى وبعدى، فأم الأم هي القريبة، أما أم أمها فبعيدة، إذاً: السدس يكون للقريبة، فكل من كانت أقرب للميت سواء من جهة واحدة أو من جهات أخرى، فإن القربى المنفردة في طريقها تحجب البعدى على التحقيق، وإذا كان الطريق متعدداً، وعندنا أم أم أم أم أم أم، يعني: جدة رقم ستة للأم، وعندنا جدة رقم سبعة للأب، تفاوت القرب والبعد، فالذي يرث منهما القربى، ولو عكسنا وجعلنا السادسة من جهة الأب، والسابعة من جهة الأم، فهناك من يقول: القربى تحجب البعدى ولو كانت البعدى من جهة الأم، فالجدة رقم ستة من جهة الأب تحجب الجدة رقم سبعة من جهة الأم، وهذا قول للإمام أبي حنيفة رحمه الله.

    والآخرون يقولون: إذا كان أصل السدس للأم، فجدة الأم هي الأصل، فإن بعدت ووجد معها أقرب منها من جهة الأب، فإن قوة الأصل في كون السدس للجدة للأم يدنيها؛ لأنها هي الأصل، فتشارك الجدة من الأب وإن كانت التي لأم بعدى، فتنزل وتشارك التي لأب وإن كانت التي لأب قربى؛ لأن الأصل مع التي لأم، فيقوي ضعف بعدها.

    وإذا كان العكس: القربى للأم، والبعدي للأب؟ فالتي للأب لا تنزل وتشارك التي لأم، بل تسقط؛ لأن التي لأم جمعت قوتين: قوة القرب وقوة الأصالة. فاختصت عند قربها بالسدس، ولعل في هذا القدر كفاية من جهة الجدات.

    1.   

    اختلاف العلماء في ميراث الخال

    قال المصنف رحمه الله: [وعن المقداد بن معدي كرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الخال وارث من لا وارث له) أخرجه أحمد والأربعة سوى الترمذي ، وحسنه أبو زرعة الرازي ، وصححه الحاكم وابن حبان ].

    الخال أخو الأم، والعم أخو الأب، فهذا العم -أخو الأب- وارث، والخال -أخو الأم- أيضاً لابد أن يرث، والعجيب: أن الجمهور لا يقولون بهذا، يقولون: الخال ليس بوارث، لأنه إن كان وارثاً بفرض فأين فرضه، وإن كان بتعصيب فهناك حديث: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر)، وإذا ورثتم الخال فلماذا لا تورثون الخالة، والعمة مع العم؟

    إذاً: أوقفوا العمل بهذا الحديث إلا بعض من هو خارج عن المذاهب الأربعة، ونحن لا نستطيع أن نتتبع هذه الشواذ، إلا أن المعروف عن طوائف من الشيعة أنهم يورثون الخال، ويجعلون له ميراثاً لا على الحديث فقط، فقوله: (الخال وارث من لا وارث له) معناه: إذا وجد وراثٌ للميت مع وجود الخال فإن الخال لا شيء له؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (الخال وارث من لا وارث له) .

    قال بعضهم: الخال هنا بمعنى بيت المال. وهذه بعيدة جداً، وردوا عليهم وقالوا: لو كان يريد ذلك لقال: (أنا وارث من لا وارث له).

    يهمنا في قضية الخال: أن الجمهور تركوا العمل بهذا الحديث للحديث المتقدم: (ألحقوا الفرائض بأهلها)، وليس الخال صاحب فرض لا في الثمن ولا الربع ولا النصف ولا الثلثين ولا الثلث ولا السدس، إذاً: ليس له فرض.

    قوله: (من لا وارث له)، ما حكم العصبة؟ إذا وجد أصحاب الفرائض ما هو موقف الخال، والشيعة لما ورثوه أنزلوه منزلة الأم كما ينص الحلي في كتابه الشرائع: لو مات عن خال وعم، فللخال الثلث، وللعم الثلثان؛ لأنه لو وجدت الأم مع العم يكون لها الثلث؛ لعدم الفرع الوارث ولعدم وجود جمع من الإخوة، فلها الثلث، قالوا: فيأتي الخال وينزل منزلتها، ويأخذ حقها.

    إذا: هذا الحديث لم يعمل به الجمهور لمعارضته لما هو أقوى منه، ولمخالفته لمدلول قوله: (ألحقوا الفرائض بأهلها، وما بقي فلأولى رجل ذكر) .

    بقي أن يقال: الخال والخالة والعمة من ذوي الأرحام، وبنت البنت وابن البنت، وكل الأقرباء الذين لا ميراث لهم فهم من ذوي الأرحام، والخلاف في توريث ذوي الأرحام موجود عند الفقهاء، فمنهم من يورث، ومنهم من يقول: بيت المال أولى منهم إن انتظم، أي: إن كان موجوداً ويتقبل ميراث من ليس له وارث، ويتولى الإنفاق على مصالح المسلمين.

    1.   

    ولاية رسول الله على المؤمنين

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن أبي أمامة بن سهل رضي الله عنه قال: كتب عمر إلى أبي عبيدة رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له) رواه أحمد والأربعة سوى أبي داود ، وحسنه الترمذي ، وصححه ابن حبان ].

    هذا الخبر عن عمر رضي الله عنه يؤيد الخبر الذي قبله، إذاً: عمر يرى ميراث الخال، لكن على أي حالة؟ وما نصيبه في الميراث؟ لا ندري ما نعطيه، وليس عندنا فيه شيء.

    قوله: (الله ورسوله مولى من لا مولى له).

    هذه واضحة بأن من مات ولا وارث له ولا مولى له يواليه، والمولى هنا عام لغةً، وليس المولى الخاص بالعبد الذي أعتقه ومولاه.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم ولي من لا ولي له، والقاضي ولي من لا ولي له نيابة عن ولي الأمر، فإذا كانت امرأة وليس لها عاصب أو ولي أمر يزوجها فالقاضي وليها يزوجها، وهكذا ولي الأمر له هذه الولاية، ولذا تجدون الفقهاء يقولون في بعض القضايا: هل حكم فيها الرسول بالولاية أو بالتشريع؟!

    فهنا الولاية عامة، وقد جاء ما يوضح هذا في أول الإسلام؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدمت إليه جنازة للصلاة عليها سأل: هل عليه دين؟ إن قالوا: نعم. قال: صلوا عليه أنتم. وإن قالوا: لا. صلى عليه، ثم بعد أن فتح الله الفتوح، وصار عند المسلمين المال قال: (من ترك غنماً فغنمه لورثته، ومن ترك غرماً فغرمه علي)، وكلمة: (علي)، يعني: علي ولي الأمر، وولي الأمر لا يدفع من عنده شخصياً، ولكن من بيت مال المسلمين.

    وهذا تحقيق -كما يقال- لكفالة الإسلام للمعدمين، وهذا له طرقه، ويكون التصرف مع بيت مال المسلمين عن طريق الحاكم، حتى لا ينتحل كل إنسان استحقاقاً بأي وجه من الوجوه فينفد مال المسلمين ويأخذ ومن لا يستحق الأخذ.

    وعلى هذا إذا انتظم بيت مال المسلمين، وكان فرد من أفراد الأمة الإسلامية عليه حقوق نظر فيها: إن كانت هذه الحقوق ثابتة بوجه شرعي، ولحقته من جانب مشروع؛ تولى وليه وهو صاحب الأمر من بيت مال المسلمين أمر دينه وقضاه، وإن كان غير ذلك فالله تعالى أعلم: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:6].

    بمعنى أعم: يقضي صلى الله عليه وسلم في أمر المسلمين بما يراه بالولاية، فيحجر على السفيه ويحفظ ماله، ويطالب بحقه إذا لم يكن له قدرة على المطالبة، فلو قتل أبو قاصر صغير من الذي يتولى حقوق هذا الطفل في المطالبة وحفظ حقوقه؟ ولي أمر المسلمين، إما بنفسه أو يقيم عليه قيماً أو وصياً يتولى ذلك، فإن كان يستحق الدية طالب بها وحفظها حتى يكبر ويرشد، وإن كان يستحق دماً قصاصاً، فهناك من يقول: بنظر الولي ينفذ، وهناك من يقول: المطالبة بالدم من حق صاحب الدم العاصب، فينتظر بهذا الصغير حتى يبلغ ويرشد ويطالب بالقصاص، فيعطى طلبه.

    المرأة التي لا ولي لها، يزوجها الوالي بالولاية، القاصر المعتوه يقيم عليه قيماً نيابة عنه يرعى شئونه ومصالحه، وعلى هذا وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [الأحزاب:36]؛ لأن ولاية رسول الله على المسلمين ولاية جازمة ومنفذة وقائمة، وهو أولى بهم من أنفسهم.

    1.   

    ميراث الحمل

    قال المصنف رحمه الله: [وعن جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استهل المولود ورث)، رواه أبو داود ، وصححه ابن حبان ].

    هذا الحديث فيما يتعلق بصحة ميراث الحمل إذا وُلد، ويتفرع عليه بعض المسائل في الرق وأم الولد.

    يقول صلى الله عليه وسلم: (إذا استهل) الاستهلال والإهلال والتهليل مأخوذ من الهلال، أصل وضع الكلمة للهلال حينما يظهر في أول الشهر؛ لأن الناس يترقبونه، فإذا رآه أحدهم هلل، أي: رفع صوته وقال: هذا الهلال. ثم استعملت الكلمة بعد ذلك في كل تهليل، أي: في كل رفع الصوت، وتستعمل من باب النحت التهليل قول القائل: لا إله إلا الله. كما قيل: التسبيح من قول القائل: سبحان الله. الحوقلة من قوله: لا حول ولا قوة إلا بالله.

    واستهلال الصبي إنما هو ظهور الصوت بالبكاء والصراخ عند ولادته؛ لأن هذه الحالة هي أصدق علامة على حياتها؛ لأن الميراث لا يكون إلا للحي، فإذا لم يستهل ولم يصرخ ولم تثبت حياته فلا ميراث له، والأصل في باب الحمل في الميراث أنه واسع؛ وذلك أن الميت إذا مات وترك ورثة أحياء، وترك زوجه حاملاً، هذا الحمل إن ثبت وجوده في الرحم كائناً حياً فهو من أهل الورثة، ويستحق الميراث باستهلاله صارخاً. أما إذا جاء وقت الولادة فنزل ميتاً فلا ميراث له، وإن كان الأصل فيه عند موت مورثه الحياة، لكنه لما جاء إلى الدنيا جاء إليها ميتاً، والميت لا يرث شيئاً.

    اختلاف الفقهاء في التوريث التقديري وتوقيف القسمة عند وجود حمل

    والفرضيون حينما يعملون المسألة الفرضية التي فيها الحمل ينقسمون إلى قسمين: هناك من يوقف التركة فلا يقسم منها شيئاً، ويقول: ننتظر حتى يأتي الحمل لننظر أهو ذكر أم أنثى أو توأم ذكور أو إناث، أو ذكر وأنثى؟ هذا على أقل التقدير في التوأم، وقد يكون التوأم أربعة وخمسة وستة وسبعة، وقد سمعت قصص كثيرة في الآونة الأخيرة عن المرأة التي ولدت سبعة في المستشفى، وكانوا يأخذونهم واحداً واحداً للتطعيم أو للتطهير أوكذا، وكانت نائمة، فاستيقظت فوجدت ستة، فصرخت فأفزعت المستشفى كله، قالوا: ما بك؟ قالت: أين السابع؟ قالوا: هل يكفيك الستة؟ قالت: واحد مثل الستة.

    والقصة التي يذكرها الشافعي رحمه الله: عن المرأة التي ألقت كيساً في صنعاء فظنته ديدان، فألقته في الشمس، فجاءهم الدفء فتحركوا فإذا هم أولاد صغار، أربعون طفلاً في كيس، وأخبار تذكر ويذكرها السلف، سواء كانت الحقيقة أو قريباً من الحقيقة، لقد لامسنا أو شاهدنا أو سمعنا وقرأنا عن الستة والسبعة، فماذا يفعل قاسم التركة في نصيب الحمل؟

    الشافعي رحمه الله ليس عنده ميراث بالتقدير، فيوقف التركة حتى يتبين الوارث: فالخنثى المشكل يوقف التركة حتى نعرف هل هو ذكر أو أنثى، وفي الغرقى والهدمى نوقف التركة حتى نعرف من الأسبق، وفي الحمل نوقف حتى يأتي ونتبين كم هو.

    والأئمة الثلاثة رحمهم الله يعملون بالتقدير، فمثلاً تركة فيها خنثى مشكل، فيقولون: نقدر المسألة مرتين، مرة على أنه ذكر، ومرة على أنه أنثى، ثم نعطي الورثة الأقل من أنصبتهم في التقديرين، ونحفظ له الأكثر، فإذا جاء على أكثر التقدير أخذه، وإذا جاء أقل من التقدير رددناه على بقية الورثة، وكذلك الحمل، إلا أنهم في الحمل يقدرون المسألة خمس مرات، ويعمل له خمسة جداول لتقسيم تركة، ويؤتى بالجامعة للمسائل الخمس، ويعرف جزء السهم، ويعطى الموجودون الأقل من حصتهم في الجداول الخمسة، ويوقف الباقي لحساب الحمل.

    يشترط في توريث الحمل وجوده عند موت مورثه

    يشترط في الحمل أن يكون عند موت مورثه موجوداً بالفعل، وكيف نعرف؟ ما عندنا أشعة، قالوا: نعمل بالحساب.

    فإذا جاء بعد موت مورثه لأقل من ستة أشهر عرفنا أنه استوفى كامل الستة موجوداً في رحم أمه قبل موت مورثه؛ لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر، فلو أنه ولد بعد مورثه بخمسة أشهر، فهو موجود في الرحم، إذاً: ثبت وجوده في الرحم عند موت مورثه.

    فإذا مات المورث واعتدت الزوجة للوفاة، وبعد ستة أشهر قالت: أحس بحمل. فننتظر حتى كمال تسعة أشهر حسب العادة.. عشرة أشهر، سنة وسنتين وثلاث، ماذا تقولين؟ قالت: الحمل موجود، أنا أحس به... إلى أربع سنوات، فإذا جاء لأربع سنوات فأقل بأسبوع واحد قلنا: هو من الميت، واستكمل الأسبوع الناقص في حياة مورثه، هذا ما لم تتزوج.

    فعلى كل: الفقهاء والفرضيون لهم حساب في إثبات الحمل عند موت مورثه.

    وفي إثبات حياته ليستحق ما جعل له.

    علامات حياة الحمل عند الولادة

    وكون الاستهلال هو علامة على الحياة هو العلامة الفارقة الأولى الواضحة التي يفهمها الجميع.

    الفقهاء يزيدون على ذلك ما يسمى: بتحقيق المناط، وهو كل علامة تحقق أن المولود ولد حياً، فلو نزل ساكتاً وما صاح ولا شيء، لكنه أعطي الثدي فامتصه، فهل هو حي أو ميت؟ حي.

    وضعناه في إناء فيه ماء، فإذا به يغطس بيديه ورجليه، فهل هو حي أو ميت؟ حي؛ لكن -كما يقول الفقهاء- لا حركة المضغوط، لو أنه حينما نزل من أمه تحركت يد أو رجل وسكن بعد ذلك، فهل تلك الحركة التي حصلت عند الولادة تدل على الحياة؟ قالوا: لا؛ لأنه كان مضغوطاً في الرحم، وخرج من مكان ضيق، واليد والرجل إذا كانت مضغوطة إذا ذهب عنها الضغط حصلت لهما حركة؛ فهذه حركة المضغوط.

    لو أخذت هذا الثياب وضغطته بقوة ثم تركته فإنه سيتحرك، هل هذه حركة حياة أو حركة المضغوط؟ فإذا تحرك حركة تثبت حياته فالحمد لله، أما حركة المضغوط فلا.

    ما تحرك، ولا مص الثدي، ولا صاح، لكن عطس، فالعطاس يدل على حياة، وهكذا بما يسمى تحقيق المناط في أنه نزل حياً.

    لو مات بعد عشر دقائق أو خمس دقائق، فإذاً: هذا موت جديد حادث يثبت له ميراثه، وينتقل عنه إلى من يرثه من إخوانه وأمه... إلى آخره.

    فهنا: متى يستحق الحمل ميراثه، سواء أوقفنا قسمة التركة أو قسمنا الأقل على الحاضرين حتى لا يتضرروا، والذي أوقفناه لحسابه موجود، إن جاء ما يثبت حياته قلنا: تفضل هذا حقك إن كان يستحقه كله أو بعضه على حسب التقديرات، فهذا الحديث يدل على إثبات الحياة للوارث قبل موت مورثه أو إثبات وجوده.

    وهنا أم الولد إذا كان الأصل فيها الرق، متى تتحرر في حياته أو بعد مماته؟ نقطة الصفر التي يموت فيها سيدها هي نقطة الصفر التي تتحرر فيها، إذاً: لم تجتمع مع سيدها في الحياة بحرية؛ لأن الحرية جاءتها بوفاة سيدها، إذاً: لا ترث؛ لأنها لم تشارك سيدها في الحياة بالحرية ولو لحظة.

    توريث أطفال الأنابيب

    نحن عندنا مشاكل اليوم: طفل الأنابيب، كيف نثبت حياته عند موت مورثه ونثبت له حكم الحياة في النهاية؟

    مهما كانت ظروفه وأوضاعه؛ لأنهم -على ما سمعنا من المختصين- يأخذون البويضة من الزوجة، ويأخذون الماء من الزوج، ويلقحون البويضة بماء زوجها، ثم يضعونها في أنبوب فيه سائل يتعادل مع حرارة الرحم، أو أن الزوجة بعد أن تلقح البويضة في رحمها -أو أنبوب فالوب كما يسمونه- وثبت تلقيح البويضة في داخل رحم الأم، لكن الأم لا يستطيع رحمها أن يواصل بالحمل وحينها تسقط، فيلجئون إلى إخراج البويضة الملقحة من المرأة، ويضعونها في جهاز يسمونه الأنبوب أو غير ذلك، فيواصل نموه داخل هذا الوعاء، فهو من الناحية القانونية والعرفية والشرعية ابن لهذين الزوجين، بخلاف ما يقع في بعض الجرائم حيث تلقح بويضات بعض النسوة بماء غير الزوج، فإذا كانت البويضة قد لقحت في حياة الزوج، وأخذت في النمو إلى أن تشكل هيئة إنسان، لا إن كان دماً جامداً مضغة أو علقة، بل ظهر فيه تخطيط الإنسان تأكيداً؛ لأن النمو مستمر في حياة الجنين، فإذا ظهر في خلقة الإنسان فإنه حينئذ ثبتت حياته في الأنبوب حين حياة أبيه، بعد هذا مات أبوه والجنين في الأنبوب حي على هيئة الإنسان، أي: ظهر فيه تخطيط الإنسان، وجزمنا بأنه طفل ماض في نموه إلى حالة الولادة.

    إذاً: جاء الشرط الأول وهو ثبوت حياة الجنين في حال حياة أبيه، فأخذ طفل الأنبوب في طريقه إلى أن استكمل ستة وثلاثين أسبوعاً -التسعة الأشهر- فأخرج من الأنبوب إنساناً يصيح ويطلب الثدي، فإذا جاء مولود مكتمل، فحينئذ له ميراثه؛ لأنه ثبتت حياته عند استكمال مدة التلقيح أو الحضانة في هذا الجهاز.

    1.   

    أحكام قتل الوارث لمورثه

    قال المصنف رحمه الله: [وعن عمرو بن شعيب

    ، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس للقاتل من الميراث شيء) رواه النسائي والدارقطني ، وقواه ابن عبد البر ، وأعله النسائي ، والصواب: وقفه على عمرو ].

    يقولون في هذه القضية: إن القاتل يعامل بنقيض قصده؛ لأن غالب حالات قتل الوارث مورثه استعجالاً للميراث، ويلحق به قتل الموصي لمن أوصى إليه، كأن أوصى رجل لإنسان بعد موته ببيت، فطالت حياة الموصي، والموصى إليه ينتظر وفاته ليأخذ البيت، فلما استطال المدة قتله ليأخذ البيت، فمادام أن قصده بالقتل الحصول على الوصية فليحرم عليه أخذها.

    ولا يرث من قتل من أجل الميراث.. لماذا؟ لأنه يعلم إذا قتل أنه لا يرث، فهو حريص على الميراث، إذاً سيحافظ عليه، ويبعد كل تهمة أو شبهة عنه في قتله حتى يصح له الميراث؛ لأنه حريص عليه، وكذلك الموصى إليه يبعد كل البعد عن قتل الموصي حتى تسلم له الوصية، فالمعاملة بنقيض القصد في القاتل وفي الموصي.

    ولكن الفقهاء فصلوا في القتل، فقالوا: هو عمد، وخطأ، وشبه عمد، وشبه خطأ، فالعمد وشبهه يتفق الجمهور على أنه لا يرث؛ لأنه متعمد، إلا إذا كان متعمداً بحق بأن كان له عليه قصاص لابن عمه، بأن كان قد قتل أباه فجاء وهو العاصب فقتل قاتل أبيه والحال أنه عاصبه، فالأئمة الثلاثة يقولون: يرث؛ لأنه لم يقتل متعمداً من أجل ميراث، لكن قتله بحق ألا وهو القصاص. والشافعي يقول: لا يرث، ولو كان قتله بحق.

    الخطأ الشافعي يقول: إذا شارك في قتل الخطأ ولو بالشهادة عليه التي تثبت القصاص فلا ميراث له، ولو كان قاضياً وحكم بمقتضى البينة بقتله، وكان القاضي وارثاً لهذا فلا يرث منه مع أنه نفذ حكم الله بالقصاص! قال: لأنه شارك؛ فيحرم من الميراث سداً للباب بالكلية.

    وما عدا الشافعي رحمه الله فإن مالكاً يقول: القاتل خطأ يرث من رأس المال قبل القتل، ولا يرث من الدية.

    والخلاف في هذا موجود عند الأئمة رحمهم الله، والقصد فيه حرمان القاتل من الميراث لئلا يتعجل قتل مورثه من أجل أن يأخذ الميراث، ونظير ذلك من تزوج امرأة في عدتها، وهو يعلم أنها لا زالت في العدة، فإنه يفرق بينهما إلى الأبد، ولا يتزوجها بعد ذلك قط، حتى ولو تزوجت بعده برجل آخر؛ لأنه تعجل زواجها قبل انقضاء العدة؛ فيعامل بنقيض قصده، أي: حرصك عليها ضيعها منك، وكان الواجب الانتظار حتى تنتهي العدة وتصبح خاطباً من الخطاب، أو أن تحصل لك وعداً، أما أن تتزوجها وأنت تعلم فهذا يمنع منها إلى الأبد.

    وهل يقام عليه الحد؟ منهم من يدرأ عنه الحد لشبهة العقد، ومنهم من يقول: يستحق الحد ويقام عليه.

    1.   

    أحكام ميراث الولاء

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما أحرز الوالد أو الولد فهو لعصبته من كان) رواه أبو داود، والنسائي ، وابن ماجة ، وصححه ابن المديني ، وابن عبد البر ].

    وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب) رواه الحاكم من طريق الشافعي ، عن محمد بن الحسن ، عن أبي يوسف ، وصححه ابن حبان وأعله البيهقي ].

    هذان الحديثان يكمل بعضهما بعضاً، الأول: (ما أحرز الولد فهو لعصبته من كان) وأين أصحاب الفروض؟ قالوا: هذا ليس له دخل في الفروض، هذا جزء من الحديث الذي بعده، هذا فيما يتعلق بغير المال والميراث، مثل الحقوق العامة، والشفعة، ورد العيب، وبالأخص هنا في باب الميراث، فلعصبته ما كانوا.

    الذي يختص بالعصبة في الميراث، ولا يدخل فيه صاحب فرض هو الولاء، فالولاء لحمة لا يوهب ولا يورث، إذاً ما أحرز الوالد والولد في الولاء فهو لعصبته من كان، ولا دخل لأصحاب الفروض في الولاء، والولاء لحمة كلحمة النسب لا يوهب ولا يورث ولا يباع، لا ينقل بعوض، ولا يتحكم فيه وارث.

    وقوله في الحديث الأول: (لعصبته من كان)، فيه قضية يذكرها الفرضيون، وأثناء الطلب أتعبتنا جداً، ولا ميراث لعصبة عصبة المعتق إلا إذا كانا عصبة للمعتق، وهو محل هذا الحديث.

    يمثل له الفرضيون بصورتين: صورة يتحقق فيها عصبة المعتق، وصورة تنتفي فيها عصبة المعتق. وذكر صاحب العذب الفائض في بعض فروعها يقول: غلط فيها من القضاة (ت) والتاء في حساب حروف الجمل أربعمائة (أبجد هوز) أربعمائة قاض غلطوا فيها، عصبة عصبة المعتق: رجل تزوج بامرأة من قبيلة تميم، والمرأة ليس لها عاصب في قبيلتها وقد أنجبت ولداً، وأعتقت عبداً، ثم توفيت فولاء العبد الذي أعتقته لابنها؛ لأنه عاصبها وأقرب عصبة لها، وإذا كان هذا الولد بعد أن حاز الولاء إليه توفي، وترك عمه أو ابن عمه وهم عصبة له، لكن هل هم عصبة للمرأة؟ لا، وعندئذ إذا حاز الولد الولاء بعصبته لأمه فعصبة عصبة المعتقة لا يرثون الولاء؛ لأنهم ليسوا عصبة للمعتقة الأساسية.

    نعيد القضية بطريقة أخرى: مصري تزوج سودانية، فكان لهما ولد، والسودانية أعتقت عبداً، ثم ماتت عن ولاء العبد وعندها ولدها، فولاء من أعتقت لولدها من زوجها المصري.

    فإذا مات الولد وفي حوزته الولاء الذي ورثه عن أمه، ويوجد عم للولد -مصري بلا شك- وابن عم عمه، فعمه وابن عمه عصبة له يرثان عنه المال، لكن هل يرثان عنه الولاء بالعصبة؟ لا، لماذا؟ لأنهما ليسا عصبة للسودانية.

    مثال حينما يكون عصبة عصبة الميت عصبة للمعتق: امرأة تزوجت بابن عمها، هناك صلة؛ فالأسرة واحدة والجد واحد، وهذه المرأة أعتقت عبداً، وكان لها ولاؤه، ثم جاءت بولد حاز الولاء عن أمه، ثم مات الولد، وورثته أخته أو بنته أو عمه ممن هم عصبة له، أما ميراث المال فمستحق، وكذا العم عاصب في المال أيضاً.

    بقي الولاء. فعم الولد هل هو عاصب للمرأة التي أعتقت أم لا؟ عاصب؛ لأنها متزوجة بابن عمها، وعم الولد ابن عمها أيضاً، فهو عاصب لها في الأصل، إذاً: يحق له أن يرث الولاء. هذا معنى قوله: (ما أحرز الوالد أو الولد فهو لعصبته من كان).

    أما الحديث الآخر: (الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع، لا يوهب)، ولا يورث... إلخ.

    هنا مسألة: فالولاء وصف معنوي يستحقه المعتق على من أعتقه؛ لأنه بمثابة من أخرجه من العدم إلى الحياة، كان ميتاً معنوياً، تحت حكم سيده لا يتولى المناصب الشرعية كالقضاء والولايات وغيرها، فلما أعتق صار كبقية الأحرار في حقوقهم الخاصة، فإذا مات المعتَق فولاؤه للمعتِق، ماذا ينفعه هذا الولاء للمعتق؟ يرث به ميراث العصبة، ولكن متى؟

    قالوا: درجات انتقال التركة إلى الغير تبدأ بالفروض لقوله: (ألحقوا الفرائض بأهلها)، فأول شيء نعطي أصحاب الفروض فروضهم.

    المرتبة الثانية: العصبة لقوله: (فما بقي فلأولى رجل ذكر) .

    فإذا بقيت سهام ولم يوجد عاصب نرد على الورثة بنسبة ميراثهم، وهو نظام ما يسمى بنظام الرد، أو أننا ندخل ذوي الأرحام بعد العصبة النسبية، وهم يختلفون أيهما يقدم: الرد، أم إدخال ذوي الرحم ليأخذوا الباقي على نظام توريث ذوي الرحم بالتنزيل أو القرابة، ثم بعد ذلك العصبة بالسبب، والعصبة بالسبب هي الولاء، فالولاء هو آخر من يأتي إلى الميراث.

    مسألة: عتق إنسان عبداً، وأصبح له الولاء عليه، فبالولاء إذا مات العبد وكان له أولاد أو ذوي فروض أعطينا ورثة العبد مما يملك على الترتيب السابق: ذوي الفروض، ثم العصبات، ثم الرد أو ذوي الرحم، ثم المعتق بالولاء.

    مسألة: أعتق عبداً ومات السيد قبل العبد، ولم يكن للسيد من يرثه، أو عنده أصحاب فروض، فما بقي بعد الفروض هل العبد الأدنى -يسمى العبد الأدنى أو الولاء الأدنى والولاء الأعلى، أو المولى الأدنى أو المولى الأعلى- يرث سيده؟ لا يرث، ويصير حقه إلى بيت المال، فأيها أقرب وأولى بالمنفعة: هذا العبد الذي كان يخدم طوال عمره في حياة سيده، أو بيت المال الذي كل إنسان يأخذ منه خمسه؟ هو أقرب.

    ويذكرون عن عثمان رضي الله عنه -ورواية عن أحمد - أن الولاء يورث به من الطرفين كالزوجية، أي كما أن كلاً من الزوجين يرث الآخر، فهو سبب مزدوج.

    ولكن الجمهور على أن الولاء لطرف واحد، وهو للمولى الأعلى يرث بولائه عتيقه.

    والله تعالى أعلم.

    1.   

    تخصصات الصحابة في العلوم الشرعية

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن أبي قلابة ، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفرضكم زيد بن ثابت) أخرجه أحمد والأربعة سوى أبي داود ، وصححه الترمذي ، وابن حبان ، والحاكم ، وأعل بالإرسال ].

    لو جئنا إلى العرف الحاضر في الدراسة كان لدينا ثانوية عامة، وقد يكون فيها نوع تخصص: أدبي، علمي، إذا جئنا إلى شهادة البكالوريوس وجدنا الكليات المتعددة ما بين طب وهندسة وزراعة وميكانيكا وأشياء ومتعددة، ثم بعد البكالوريوس تأتي شهادة الماجستير، ثم بعد هذا يختار بحثاً آخر في الدكتوراه، وبهذا بلغ القمة في منهج الدراسة النظامي، وهو في حياته العملية يستفيد من تجاربه ربما أكثر من دراسته، فإذا جئنا الآن إلى الطب بصفة عامة، تخرج من كلية الطب، انصرف إلى الماجستير، ما موضوعه؟ اختار جهازاً في الجسم، وتخصص فيه بشهادة ماجستير، نفس القسم الذي اختاره فيه جزئيات، فعمل شهادة دكتوراه في جزئية من تلك الجزئيات؛ مثلاً: جراح، تخرج بكالوريوس جراحة، ثم في الجراحة هناك جراحة المخ، والعظام، والغضروف... إلخ، فتخصص في نوع من أنواع الجراحة، حينما نعمل (كونسلت) طبي على مريض في عملية جراحية، هل نأتي بطبيب العيون والأسنان والجلد ليكتبوا تقريراً على هذا المريض؟ أم نأتي بالمختصين في موضوعه الجراحي المطلوب؟ نأتي بالمختصين، ولا دخل لطبيب الأسنان ولا العيون ولا لطب الجلديات ولا المسالك البولية في عملية جراحية للمخ مثلاً؛ لأن المختصين في هذه المادة أعرف، ويتعاونون فيما بينهم.

    إذا كان الشخص مريضاً بالقلب ومر عليه طبيب أسنان وأعطى تقريراً عنه، هل يسمع منه؟ ليس له دخل في هذا، نعم يحترم ولكن لا يعمل به في شيء، فإذا جاء المتخصص في القلب اعتبرنا قوله.

    وهكذا أيها الإخوة كان التخصص العلمي موجوداً في عهده صلى الله عليه وسلم، فقوله: (أفرضكم)، أصبح زيد هنا من خاصة العلماء، فإذا كان جميع العلماء من سلف الأمة وخلفها يعرفون الفرائض، يدرسونها، ويقسمون التركات، والقضاة يحكمون فيها، ولكن عند النزاع في مسألة لا نأخذ فيها رأي شخص عادي حتى لو كان أبا بكر وعمر ، ولكن رأي زيد ؛ لأن الرسول خصه بأنه أفرض -أفعل تفضيل- وما استثنى أبا بكر ولا عمر ، فعلى هذا: إذا اختلف السلف أو الخلف في قضية فرضية وظهر رأي لـزيد ، كان هذا ترجيحاً لهذه المسألة.

    وجاء عن ابن عباس : (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، فإذا تنازعوا في تأويل آية، وكان لـابن عباس رأي فيها كان رأي ابن عباس مقدماً على غيره.

    (أعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل)، إذا اختلفوا في مسألة أحلال أم حرام، وكان هناك رأي لـمعاذ كان رأي معاذ هو الأرجح، وكذلك (أمين هذه الأمة أبو عبيدة) .

    وعلى هذا: فالجمهور يعتبرون رأي زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه مرجحاً في مسائل الخلاف في موضوع الفرائض.

    والله سبحانه وتعالى أعلم، ونوصي الإخوة -مرة أخرى- بالعناية بالفرائض؛ لأنها كما قيل فيها في الصحيح: (أول علم يفقد في الأرض).

    والفرائض قسمان: هذا القسم الذي درسناه فقه الفرائض، بقي: الحساب في الفرائض، والحساب كما يقولون رياضة عقلية لا تخطئ، والعقل هو الذي يخطئ فيها، فبأي طريقة أو منهج استطعت أن توصل حق كل ذي حق اتخذها، سواء كان بالنسب الأربع عند الفرضيين: تداخل، توافق، تباين، تماثل، أو بالحساب العصري الحديث العوامل الأربعة، أو بالجبر -كما يقولون- أو بأي صفة استطعت أن تقسم التركة على أهلها.

    وبالله تعالى التوفيق.