إسلام ويب

كتاب البيوع - باب المساقاة والإجارة [4]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كثيراً ما اختلف أهل العلم وخاضوا معترك مسائل إهداء القربات للموتى، ولكنهم أجمعوا على وصول الأعمال المالية، واختلفوا اختلافاً شديداً في وصول الأعمال البدنية خصوصاً إذا كانت بالأجرة، كما أنهم اختلفوا في أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم، وكاد أن يستقر رأيهم على جواز ذلك. وفي جانب الإجارة أيضاً حث الشرع على سرعة تسليم الأجرة للأجير، وأن يعلمه عن نوعية العمل المراد منه أن يقوم به، وأن يحدد له أجره اللائق بمثله.

    1.   

    حكم أخذ الأجرة على القرآن ونحوه من القرب

    [ وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)، أخرجه البخاري ].

    يعنون علماء الحديث والفقهاء على هذا الحديث بعنوان (باب الأجرة على القُرَب) أي: الأعمال التي أساسها التقرب إلى الله، ويبحثون تحت هذا الحديث الأجرة لتعليم القرآن، قراءة القرآن، إمامة الصلاة، القضاء، الإفتاء، وكل ما الأصل فيه أنه قربة لله.

    والبحث في هذا يتناول تلك الجوانب على أنها أعمال ينبغي أن يقوم بها صاحبها قربة لله، فقارئ القرآن لنفسه يقرأ لله، ويقرئ غيره ويعلمه لله، الإمام يؤم الناس في الصلاة لله، المعلم يعلم الناس لله، القاضي يقضي والمفتي يفتي لله.. إلى غير ذلك من الأعمال التي فيها قربة إلى الله باحتسابه الأجر عند الله، فهل تجوز الأجرة على هذه الأعمال التي يقصد صاحبها أجراً وثواباً من الله؟ أي: هل يأخذ أجراً من الله ومن الناس؟

    قيل: يأخذ أحد الأجرين: إن اختار الأجر من الناس فلا أجر له عند الله، وإن اختار الأجر من الله فلا أجر له عند الناس، هذا مبدأ البحث، ووجهة نظري الاختلاف في هذه القضية، وأعظم مسألة فيها هو ما يتعلق بالقرآن.

    (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) أجراً في أي شيء في كتاب الله؟ في قراءته، يستأجر إنسان شخصاً يقرأ القرآن ويعطيه أجرة على قراءته كالذين يستأجرون للقراءة على الموتى، أو: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) في تعليمكم الناس كتاب الله: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، وهنا يأتي البحث.

    حكم إهداء ثواب القراءة للميت

    يمكن أن نقول: إن ما يتعلق بالأجرة على القرآن فيه جوانب جائزة بالإجماع، وجوانب ممنوعة بالإجماع، وما بين ذلك وذلك محل البحث: فقراءة القرآن بأجرة للغير من أجل موتاه. هذه لا أصل لها، وقالوا: كيف يهب ثواباً لا يملكه أو لم يحصل عليه؛ لأنه استبدل به الأجرة ممن استأجره، ومن قرأ القرآن على أجرة من أحد فليس له ثواب عند الله، إذاً: ماذا سيهب لميت هذا المستأجر، وليس عنده شيء؟!

    أما كون هذا الإنسان يقرأ بنفسه ويهب إلى موتاه، فهذا فيه الجمهور على الجواز، وما خالف في ذلك إلا أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها والشافعي رحمه الله، ودليلهم: (أو ولد صالح يدعو له)، ومن الدعاء له قراءة القرآن، وقد بحث الإمام ابن تيمية هذه المسألة في ما يقرب من عشرين صفحة، وأتى بدلائل شرعية وعقلية، وقال: أنت حينما تصلي الصلاة لك وعد من الله بالأجر عليها، وأنت عندما تدعو الله: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني. هذه المغفرة وهذه الرحمة حق لله أنت سألتها، فيعطيك إياها بدون عوض بمجرد ما سألته، وكذلك لما تقرأ القرآن يكون لك على هذه القراءة أجر عند الله، فتقول: يا رب! أنا قرأت، ووعدني رسولك الكريم بأن لي على كل حرف عشر حسنات، وأنا أطلب منك أن تجعل حسناتي من قراءتي هذه لوالدي .. لولدي .. لأخي .. لصاحبي فلان. فهنا يقول ابن تيمية رحمه الله: إذا كان الله يعطيك ما لا تملك، كقولك: اللهم اغفر لفلان، اللهم ارحم فلاناً، فمغفرة الله لفلان ليست ملكاً لك، فهو يستجيب لك ويعطيها لفلان، فما بالك إذا كانت القراءة ولك بكل حرف عشر حسنات تسجل لك في كتابك وصحيفتك، فتقول: يا رب! أنا أريد تجعلها في صحيفة فلان، قال: فهذا من باب أولى.

    حكم إهداء ثواب القربات المالية

    ثم إذا نظرنا في ما يتعلق بعمل الغير، نجد إجماع المسلمين على أن الميت يستفيد من عمل غيره المادي؛ فإذا مات وعليه دين وسددته استفاد به، وإذا تصدقت عنه بشيء كان أجر الصدقة له، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خصوص خديجة رضي الله تعالى عنها: كان صلى الله عليه وسلم يذبح الشاة على اسم خديجة ، ويفرقها على صويحباتها، حتى غارت عائشة ، وقالت: (كل شيء خديجة خديجة !).

    وكذلك كانوا في أول الأمر: من مات وقدموه للنبي صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه سأل: أعليه دين؟ إن قالوا: نعم. قال: صلوا عليه أنتم. وإن قالوا: لا، صلى عليه، حتى أُتي برجل، قالوا: عليه ديناران، قال: صلوا عليه. فقام علي ، وقيل المقداد -أو هما قصتان متعددتان- وقال: يا رسول الله! صل عليه ودينه علي. وفي رواية: أن علياً رضي الله تعالى عنه قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أهما في ذمتك يا علي ، وبرئت منهما ذمة الميت؟ قال: بلى يا رسول الله. فصلى عليه)، فهنا سداد دين عن ميت من الغير جائز ويصله الأجر، وأجمعوا على أن جميع الحقوق المالية لو قام بها إنسان عن ميت أجزأه كما لو قام بها عن حي: إنسان مدين ومسجون في دينه، وذهبت ودفعت الدين الذي عليه؛ فإنه يطلق، ومثله كذلك من يطالب بنفقة لأهله فأنفقت عليه. المهم: أن القربات المالية يجوز إهداء ثوابها بالإجماع.

    حكم إهداء ثواب القربات البدنية

    الصوم والصلاة عبادة بدنية، والحج يجمع بين الأمرين، فجاء في الصوم: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه)، وهذا متفق عليه إلا عند المالكية، فهم يقدرون معنى (صام) يعني: أطعم؛ لأن الإطعام بدل الصوم، وهذا بعيد عن صريح عبارة النص.

    نجد في حج البيت: (إن أمي ماتت ولم تحج، أينفعها أن أحج عنها؟ قال: أرأيتِ لو أن على أمك دين فقضيتيه أكان ينفعها؟ قالت: بلى . قال: كذلك دين الله أحق)،ومن ضمن أعمال الحج ركعتي الطواف ، وهي صلاة.

    حينما تقدم الجنازة: الصلاة على الرجل يرحمكم الله. فكل الموجودين يقومون ولا يعلمون من الذي يصلون عليه، إنما دعوا للميت الحاضر، هذه الصلاة وهذه الأدعية تنفعه أو لا تنفعه؟ قطعاً تنفعه؛ لأنها إذا لم تكن تنفعه كانت عبثاً، ولماذا نصلي إذا كانت لا تنفعه؟ فشرعت صلاة الجنازة من الأحياء للأموات.

    كذلك -بالإجماع- الدعاء للغير: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، وكما يقولون في زيارة المقابر: من مر على مقبرة فدعا للأموات قسمت عليهم الجوائز، فيقولون: ما هذا؟ فيقال لهم: مر بكم فلان فدعا لكم.

    إذاً: من الأعمال البدنية الدعاء، صلاة الجنازة، الصيام، الحج، وما اختلفوا في شيء من هذا كله إلا في قراءة القرآن.

    حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن

    قراءة القرآن للتعليم أو ليهبها إلى غيره: إن كان من نفسه فلا بأس. أما أن يستأجر غيره ويعطيه أجراً من أجل أن يقرأ ويهب فلا يجوز.

    وهذا الحديث سيق لبيان جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، ولكن القصة في غير التعليم، القصة: أن نفراً من الصحابة نزلوا ليلاً في طريقهم بحي من أحياء العرب كانوا على شركهم، والعرب معروف أنهم يقرون الضيف، فاستضافوهم فامتنعوا من الضيافة، فتنحوا عنهم جانباً ونزلوا، فسلط الله على سيد الحي عقرباً فلدغته، فأخذوا يطلبون له العلاج بكل ما يعرفون فلم ينفعه شيء، فقال قائلهم: اذهبوا إلى هؤلاء الرهط الذين جاءوا من عند هذا -وذكروا النبي صلى الله عليه وسلم- لعلكم تجدون عندهم رقية، فأتوهم، فقالوا: هل فيكم من راقٍ؛ فإن سيد الحي قد لدغ؟ فقال رجل منهم: نعم، أنا راقٍ. قالوا: هلم وارق سيد الحي. فقال: قد طلبناكم القرى فأبيتم، فلا أرقيه لكم حتى تجعلوا لي جعلاً.

    والجعل: هو الأجر المقطوع، مثال ذلك: من نسخ لي صحيفة كذا فله ريال، من بنى لي جداراً فله ألف ريال، أجر مقطوع على هذا العمل.

    فقاطعوه على عشرين إلى ثلاثين رأساً من الغنم، قال: فذهبت، فأخذت أقرأ وأنفث عليه، فقام وكأنه نشط من عقال، فجئت بالغنم أسوقها لأصحابي، قالوا: هلم نقتسم. قال: لا، حتى نرجع إلى المدينة ونسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تجوز لنا هذه الأغنام أو لا؟ فأمسكوا عن القسمة، ولما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك، وقال: (وما يدريك أنها رقية؟ قال: شيء نفث في روعي)، وهذا -كما أشرنا إليه- نوع من الإحساس الصادق؛ (فتبسم صلى الله عليه وسلم وقال: اقتسموها واضربوا لي معكم بسهم)، وهل كان حاضراً معهم؟ لا، هو له الحق في كل ما يكتسبه المسلم عن طريق الدين؛ لأن الفاتحة أتتهم عن رسول الله؛ فالحق الأساسي فيها لرسول الله، ولكن يقولون: هذا زيادة توثيق لهم وطمأنينة لأنفسهم؛ لأنهم تورعوا أن يقتسموها قبل أن يعلموا الحكم؛ فأراد أن يزيل آثار هذا الشك بأن يشاركهم في قسمتها، فشاركوه.

    فهنا لما اقتسموا وقال للرجل: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)، يعني: الجعل الذي أخذته أجراً على ما فعلت بالفاتحة أحق الأجر.

    وفي بعض الروايات: (لئن أكل الناس برقى باطل فقد أكلتم برقيا حق)، هنا القصة قصة رقيا من لدغة عقرب، وهي تدخل في باب الطب، وباب تعليم القراءة، وباب قراءة القرآن للأجر؛ فقوله: (أحق ما أخذتم عليه أجراً) مطلق، لم يقل: في تعليمه.. قراءته.. في التطبب به، والمؤلف اقتصر في الباب على رواية البخاري مع وجود نصوص عديدة في هذا الموضوع؛ لأن البخاري يميل إلى جواز أخذ الأجرة على التعليم، ونسبة ذلك عند البخاري لماذا؟ قال: هذا اللديغ استفاد من الراقي أم لا؟ نعم، كأنه نشط من عقال، فيقول استنتاجاً من هذا: حينما يتعلم إنسان القرآن يكون قد استفاد، فحصلت الفائدة للمتعلم نظير ما حصلت الفائدة للديغ الذي تعافى من لدغة العقرب، فإن صحت الأجرة على منفعة المريض بالشفاء فلا مانع من أن تصح الأجرة على من استفاد بالتعليم. وأعتقد أن هذا قياس واضح وقوي جداً.

    أدلة المانعين والمجيزين لإهداء ثواب قراءة القرآن

    الناس تنقسم في هذه المسألة إلى قسمين: أم المؤمنين عائشة والشافعي يمنعون من ذلك، وهو قول لـأبي حنيفة رحمه الله، والجمهور يجيزونه، المانعون بماذا يستدلون؟ والمجيزون بماذا يستدلون؟

    أولاً: المجيزون من أقوى أدلتهم هذا الحديث؛ لأنه أقرهم على إفادة الغير بالفاتحة، وأخذوا الجعل وشاركهم في قسمتها، وأيضاً يستدلون بقضية المرأة التي جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله! إني وهبت نفسي إليك. فشخص بصره وصوبه فيها، ثم سكت، فجلست المرأة تنتظر، فقام رجل وفهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا توجد عنده تلك الرغبة ولا ذاك الحماس في هذه المرأة، فقام وقال: يا رسول الله! زوجنيها إن لم تكن لك فيها رغبة، قال: ما عندك من شيء تصدقها إياه؟ قال: ما عندي شيء. قال: لابد أن تأخذ بالأسباب وتسعى، ذهب ورجع قال: ما وجدت شيئاً. قال: (التمس ولو خاتماً من حديد)، اذهب واقطع سلكاً واثنيه واجعله في إصبعك، فذهب ورجع فقال: ما وجدت شيئاً. انظر إلى أي مدى وصلت الحالة، وهو يريد أن يتزوج! قال: هل معك شيء من القرآن؟ -هذه العملة الصعبة التي تمشي في كل مكان وزمان- قال: بلى. لسور سماها، وقبل هذا لما سأله عن أي شيء يعطيها إياه، قال: أعطيها ردائي هذا. قال: إن أعطيتها رداءك جلست ولا رداء لك، اذهب فالتمس، وأخيراً قال له: (زوجتكها على ما معك من كتاب الله) وفي الرواية الأخرى: (زوجتكها؛ فاذهب فعلمها ما عندك من كتاب الله) .

    ويرد المانعون على قوله: (زوجتك على ما معك)، بأنه يعني بهذا: أنه إكراماً لك لما معك من القرآن زوجتك، يعني: زوجتك إياها بدون صداق مكارمة لك وجائزة على ما تحفظ من القرآن، وهي ماذا يكون لها؟

    وأما الرواية الأخرى: (فعلمها)، فهي رواية صريحة في أنه صلى الله عليه وسلم جعل صداقها تعليمها ما عنده من كتاب الله، فقالوا: هذا الرسول صلى الله عليه وسلم أعطى التعليم صداقاً للمرأة، وتزوجها الرجل بما عنده من كتاب الله أن يعلمه إياها.

    وفي بعض الروايات: (قم فعلمها ما معك من كتاب الله) .

    فالمجيزون استدلوا بحديث الرقية بجامع الانتفاع، وبحديث المرأة بجعل التعليم صداقاً لها.

    أما المانعون فعارضوا في حديث الرقية وقالوا: الجعل ليس على القراءة ولكن على العلاج، ومن هنا جازت الرقية بكتاب الله أو بأحاديث رسول الله، أو بالأدعية المأثورة، وهو ما يسمونه بالطب الروحاني، يعني: عن طريق الروح: يقرأ، يدعو، يرقي بكتاب أو سنة أو دعاء مأثور، وهذا مجمع عليه. ومالك في الموطأ أطال في هذا الباب، وذكر عدة نماذج في هذا الموضوع.

    واستدلوا أيضاً بما جاء عن بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم: (كنت أعلم رجلاً من أهل الصفة الكتاب والقرآن -الكتاب: يعني الكتابة، الإملاء والخط والحروف، والقرآن: أحفظه إياه- فأعطاني قوساً، فتقلدته وقلت: ليس مالاً أتموله، وإنما قوس أرمي به في سبيل الله، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته فقال: إن شئت أن ترمي به في النار فخذه)، وهذا أقوى ما استدل به أبو حنيفة رحمه الله، والجمهور قالوا: هو قوس وليس مالاً، والرجل بحسن النية، قال: أرمي به في سبيل الله، ومع هذا القصد الحسن ما أباح له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذه، حتى قالوا: في الطعام، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له أن رجلاً كبر في سنه، قال: وكنت أتردد عليه وآكل عنده من الطعام ما لم أجده في أهل المدينة قاطبة، فقال له صلى الله عليه وسلم: (إن كانوا يصنعون الطعام لأنفسهم وتأكل معهم فلا بأس، أما إن كانوا يصنعونه من أجلك فلا)؛ لأنهم كانوا يجعلونه أجراً له على تعليمهم، فقالوا: هذا منعه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والآخرون يردون على هذا أيضاً على رجل يقول: عن عمي: أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان راجعاً -أي: إلى أهله- مر بقوم فيهم مجنون مربوط بالحديد، قالوا: سمعنا أن صاحبكم جاء بخير -يعنون النبي صلى الله عليه وسلم- فهل عندك من هذا الخير ما تعالج به هذا المجنون؟ قال: بلى. قال: فقرأت عليه الفاتحة ثلاثة أيام، كل يوم مرتان، فقام من مرضه وانقلب معافى، فأعطوه مائتي شاة - لا عشرين كسيد الحي- يقول: فرجعت وسقتها معي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته، قال: (خذها، لئن أكل الناس برقى الباطل؛ فقد أكلت برقيا حق) ، وهي رقيا الفاتحة.

    نخلص من هذا كله: أنه انقضى الخلاف سابقاً، وكاد أن ينعقد الإجماع على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن.

    قول آخر في أخذ الأجرة على تعليم القرآن

    هناك من يتوسط في المسألة ويقول: لا ينبغي لمعلم القرآن أن يشارط على الأجر، أعلمك جزء عم وتعطيني كذا.. بل يعلمه، وما أتاه من غير مسألة أخذه، ولكن نحن الآن نقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، إذا كان عندنا أبناؤنا، وعندنا معلمو قرآن، وقلنا لمعلمي القرآن: علموا أولادنا ولا أجر لكم.. أنتم تريدون أن تعلموا أولادكم، وأنا أريد أن أطعم أولادي، فأنا أريد أن أسعى وأعمل لأولادي، وأولادكم ليسوا بأولى من أولادي. له حق في هذا أم أنه ملزم أن يترك أولاده يضيعون ويذهب يعلم أولادهم؟! ليس بملزم: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول)، فإذا انقطع لأولادهم يعلمهم، فله حق عليهم في إطعام أولاده، أنا أديت واجباً لأولادكم فعليكم أن تؤدوا واجباً لأولادي، وما الواجب الذي سيؤدونه غير الأجرة التي سيدفعونها؟

    قالوا: إذاً هناك تبادل منفعة، وهناك تعليم الأولاد واجب، وما لا يتم هذا الواجب إلا به فهو واجب.

    إذاً: إطعام أولاد معلم القرآن واجب، فهو يؤدي الواجب من عنده لأولادكم، وأنتم تؤدون الواجب من عندكم لأولاده.

    ثم قال العلماء: هذا كان في السابق لما كان الناس يقدرون ويتعاونون، لكن الآن لو قلنا هذا لا ندري من الذي سيدفع ومن الذي لن يدفع، فإذا جاءت الدولة وجعلت أجراً للمعلمين من بيت مال المسلمين، أو من صندوق الدولة إذا لم يكن هناك بيت مال منتظم، والدولة تأخذ ضرائب من الأفراد على المصالح العامة: المستشفيات، المدارس، تعبيد الطرق، مد الجسور على الأنهار، المحاكم، إذاً: الذي تعطيه الدولة لا لبس فيه، ويدخل في هذا بقية المناصب كما قلنا: الإمام يلتزم للناس بخمس صلوات، القاضي يلتزم للناس بوقت معين ينظر فيه في قضاياهم، المفتي كذلك ينظر في أمور الناس ويفتيهم، وأصبحت جميع أعمال القرب مبنية على ذلك.

    وعلى هذا: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، لا مانع أن يأخذ على تعليمه الأجر، ولا يمنع أن يحتسب عمله لله، كما جاء في حق الحج: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ [البقرة:198]، يحج ويتاجر، وتجارته لا تمنع حجه، ولكن هناك فرق: بين من ذهب ليتاجر والحج على الرف، ومن ذهب ليحج والتجارة وسيلة؛ فلا مانع في ذلك، كما قالوا في الذي يأخذ الأجر ليحج عن غيره، يحج بأجر أو لا؟ قالوا: إن أخذ ليحج فلا مانع، وإن حج ليأخذ فلا. ما الفرق بينهم؟ الأول: يريد أن يحج عن الغير، لكن ليست عنده استطاعة ليذهب ويحج، فأخذ منك ما يوصله إلى الحج، فهذا جزاه الله خيراً، وله مثل أجره، لكن من ليست عنده رغبة في الحج ولا نية فيه، ولكن سمع من يقول: أريد من يحج بدلاً عني. قال: أنا أحج، ولكن أعطني. فهذا حج ليأخذ، فهذا أخذه فيه نظر.

    والله تعالى أعلم.

    1.   

    حث الشرع على المبادرة بحقوق الأجراء

    [ وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)، رواه ابن ماجه .

    وفي الباب عن أبي هريرة رضي الله عنه عند أبي يعلى والبيهقي ، وجابر عند الطبراني ، وكلها ضعاف ].

    كلها ضعاف ولكن ضعيفان يغلبان قوياً، إذا تعددت روايات الحديث الضعيفة يشد بعضها بعضاً، ويشهد بعضها لبعض، وهنا مشى الحديث على مقتضى العقل، بمعنى: أنه ما خرج عن الأصل (أعطِ الأجير حقه قبل أن يجف عرقه) والمراد من هذا: سرعة دفع الأجرة، وإلا فقد يجف عرقه وهو في محل العمل ويأتيني إلى البيت ليأخذ حقه، أو يأتي من الغد، الغرض في الإطار العام للحديث إنما هو الحث على المبادرة بدفع الأجرة للعامل، والإشارة هنا: (قبل أن يجف عرقه)، إشعار بأن الأجير بذل جهداً حتى عرق جبينه وجسمه، والعرق هذا يأتي عن مجهود؛ فلا ينبغي أن تستفيد وتأخذ جهده الذي أضناه عرقاً، ثم تتركه.. الذي بذل هذا الجهد يريد أن يتعشى، فقد ضيع ما عنده في معدته من طعام فيحتاج إلى الأكل، وحقه عندك؛ فلا ينبغي أن يبيت طاوياً جوعاً وحقه في يدك، ليس إنصافاً أن تستوفي حقك ولا توفه حقه، وهذه هي العدالة.

    أما الذين يماطلون في أجور العمال، ومن يحتال على من استقدمه، ويؤخر راتبه إلى أن يضطر إلى مد يده، أو يتركه في السوق وجد عملاً أو لم يجد، وقد يزيد الطين بلة بأن يفرض عليه إتاوة شهرية، وهل أنا وجدت عملاً! أعطني عملاً لكي أعمل وخذ الذي تريد. يقول: هذا ليس من شأني، اذهب أنت وابحث. هذا من الظلم بمكان، وهذا ينبغي أن ينظر فيه، ويلزم كفيله الذي استقدمه بنفقته وأجرته، وقد بحث مجلس هيئة كبار العلماء هذه المسألة، ونصوا على أن ما يأخذه الكفيل سحت، لماذا يأكل من عرق الآخر؟ اتركه يعمل ويأخذ أجره على عمله، وإن كنت تحتاجه دعه يعمل عندك.

    الذي يهمنا في هذا: أن بعض المؤسسات تستقدم عمالاً لدوائر حكومية -لا حاجة إلى تسميتها- ثم يؤخرون أجورهم الشهرين والثلاثة والستة أشهر، من أين سيأكل هذا العامل؟ ينبغي أن يعلم الجميع أنه سيحتال في المؤسسة التي يعمل فيها ليحصل على طعامه إما برشوة، أو باختلاس، أو بسرقة، أو بغش... بأي شيء، ما دام صاحب المؤسسة منعه الأجر، وفمه ليس مغلقاً، والمعدة ليست مسدودة، لابد أن يمضغ شيئاً، من أين يأتي به؟ يرجع إلى صاحب العمل في مؤسسته.

    إذاً: ينبغي مراعاة هذا الموضوع، وهذا الحديث يقضي على كل من استقدم إنساناً أو تعاقد مع إنسان أو آجر إنساناً في أي عمل كان فاستوفى عمله أنه لابد أن يوفيه أجره.

    وهنا ناحية شرعية في باب الفقه والعقود عند قوله: (أعط الأجير أجره -متى؟- قبل أن يجف عرقه)، وعرقه يأتي قبل العمل أو بعده؟ إذاً: الأجير يستحق أجره بعد أن يوفي العمل، استأجرته يبني لك بيتاً.. ينشر لك خشباً .. يفعل لك ما تريد، ليس له الحق أن يقول: أعطني أجرتي أولاً. لا؛ لأني لم أستوفِ العمل، وما يضمن لي أنك لا تهرب وتترك عملي، وتأخذ فلوسك وتذهب؟ لكن تبقى الأجرة عند المستأجر، ويستحقها الأجير بعد إتمام عمله، فإذا أتم عمله ووفاه هناك يستحق أن يقول: أعطني.

    وقدمنا قضية النفر الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، ومنهم واحد صاحب أجير، قدم له أجره صاعاً من شعير فتنقصه وذهب مغضباً، ثم بعد مدة جاء يطلب أجره، فوجد صاع الشعير وادياً من الغنم والإبل والبقر، قال: اذهب لذاك الوادي فما وجدته فخذه فهو أجرك. كان يحسب أنه كيس شعير أو شيء من هذا، فإذا به يجده حقاً، فرجع وقال له: أتهزأ بي لأني فقير! قال: لقد نميت لك أجرك من يوم أن ذهبت عنك فتناسل وتكاثر، فهذا أجرك. فأخذه، وقال في الحديث: (فأخذه ولم يترك منه شيئاً، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت عنهم الصخرة)، كل واحد من الثلاثة يدعو وتنفرج عنهم الصخرة قليلاً حتى استطاعوا أن يخرجوا.

    فهكذا حرصه على أجر الأجير ولو غضب وترك أجره وذهب، لا أقول له: مع السلامة. ثم يقول له: ليس لك عندي أي شيء، أعطيتك وما رضيت.. لا، ليست هذه مروءة، إنما عليه أن يحتفظ بأجر الأجير ويدفعه إليه، وإن نماه إليه كان فضلاً منه؛ لأن هذا الذي نمَّى صاع الشعير حتى أصبح وادياً من النعم كان من حقه أن يكون شريكاً له على سبيل المضاربة؛ لأنه أخذ مال الأجير الذي هو أجره وعمل فيه ونماه، وشركة المضاربة هي: أن يأخذ إنسان مالاً من إنسان وينميه على النصف من الربح، لكن هذا تعفف ولم يأخذ منه شيئاً، ودفع إليه كامل الأجر بنمائه.

    والله تعالى أعلم.

    1.   

    حكم الاستئجار بدون تحديد الأجرة أو العمل

    [ وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من استأجر أجيراً فليسمِ له أجرته)، رواه عبد الرزاق ، وفيه انقطاع، ووصله البيهقي من طريق أبي حنيفة ].

    هذا الحديث وإن كان فيه انقطاع فهو يصدق الواقع: (من استأجر أجيراً فليسم له أجرته)، وهو معنى قول الفقهاء: لابد من معرفة الأجر ونوع العمل.

    تعال اشتغل عندي اليوم.

    قد يظن أنه سينقل لبناً أو يكسر خشباً، وتقول له: ارفع هذا الرمل إلى السطوح وانزل. والصعود إلى السطوح مرة واحدة يقدر بعمل أربعة أضعاف على الآخر، أو يحمله حجارة: انقل هذه الحجارة إلى المكان الفلاني، والحجر يحتاج إلى نفرين ليأخذوه، فيتكلف فيه، فيظن العمل سهلاً وإذا به صعب، فكذلك الأجرة، كم الأجرة؟ لا عليك، اعمل الآن .. هذا لا ينبغي.

    وإن كان بعض العلماء يقول: يجوز استئجار الأجير بدون تحديد الأجرة على العمل، يقولون: فالأجرة يرجع فيها إلى العرف، كم عرف الناس أجرة العامل في اليوم؟ في السابق كانت عشرة ريالات للمعلم وللصبي أو العامل خمسة ريالات، المعلم البنا الذي يبني عشرة ريالات، وكانت تصرف في البيت عشرة أيام، لها قيمة، وقيمة النقد في العالم ليس في رصيده في البنك الدولي العام، ولكن في القيمة الشرائية في بلده، وكان القرص الخبز بقرشين، الآن بكم؟ صار بسبعة قروش، الريال بعشرين قرشاً، أين القرشين من سبعة؟! فقيمة الريال فيه.. كانت أُقة حمل الجمل بريال واحد.

    ومن النكت مع بعض إخواننا الشناقطة: جزار ينادي يقول: يا جملٌ بريالٌ. هل سمعتم بهذه الصيغة؟! المنادى ما يضم. قال له: يا أخي! ما هذا اللحن، قل: بريالٍ، الباء تجر. قال: إليك عني. قال: النحو كسرته. قال: لا شأن لي بنحوك، أنا أعمل بنحوي، أخشى أن يظن الزبون لما أقول: بريالٍ أني أقول: بريالين!

    فإعطاء الأجير حقه في وقته، وكما في الحديث: (قبل أن يجف عرقه)، ويتعين في الأجير أن يبين له أجره، وكذلك عمله.

    والذين قالوا: ليس بشرط، قالوا: إن عدم تعيين الأجرة يحددها العرف. وعدم تحديد العمل استدلوا له بقصة موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ [القصص:27]، أؤجرك على ماذا؟ ما بين له نوع العمل الذي يستأجره فيه، قال: وما الذي سيكون عندي من عمل؟ المتبادر إلى الذهن هو رعي الغنم بدل البنات ، فقالوا: العرف يحدد هذا.

    والله تعالى أعلم.