إسلام ويب

كتاب البيوع - باب الغصب [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حرم الإسلام الغصب وحذر منه، ورتب عليه الوعيد الشديد، وضمن لمن غصبت أرضه حقوقه، وجعل بين الغاصب والمغصوب حقه سبلاً وطرقاً للصلح، فحكم على من غرس بقلع غرسه، وعلى من زرع بأخذ نفقته.

    1.   

    حكم من زرع في أرض بدون إذن مالكها

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء، وله نفقته) رواه أحمد والأربعة إلا النسائي، وحسنه الترمذي، ويقال: إن البخاري ضعفه ].

    بالتأمل فيما ساقه المؤلف رحمه الله في باب الغصب، وما تقدم في اغتصاب شبر أو شيء من الأرض، والتحذير والوعيد الشديد من الظلم والاغتصاب، وجاء بحديث القصعة، وبيان أن الغصب معه قيمة المتلفات، ولهذا يقول ابن رشد : البحث في الغصب من عدة جهات، منها: من جهة أن المغصوب إذا وجد بعينه رد إلى صاحبه بتمامه بلا خلاف، أما الطوارئ فبخلاف ذلك، والطوارئ: هي المتغيرات التي تحدث في المغصوب، بأن غصب غزلاً فنسجه، أو شاة فذبحها... إلى غير ذلك مما يطرأ على المغصوب من زيادة أو نقص.

    ثم جاء المؤلف رحمه الله بهذين الحديثين، ويمكن أن يقال: إن أحد الحديثين يغني عن الآخر، كحديث: (من غرس النخل حكم بالأرض لصاحبها، ولصاحب النخل أن يرفع نخله)، ثم جاءت القضية العامة: (ليس لعرق ظالم حق)، لكنه جاء بالحديث الذي قبله فيما يتعلق بالزرع، فكان أحد الحديثين يتعلق بالزرع، والآخر بالغرس.

    وفرق بين الزرع والغرس: أن الزرع -كما يقولون- زراعة موسمية مؤقتة، وأقصى ما يكون مدته في الأرض ستة أشهر على حسب نوعية المزروع، وإن كان البعض قد يتجدد على جدات -وخاصة في الحجاز- إلى خمس سنوات، وهو نوع من البرسيم، وفي غير المدينة يسمى البرسيم الحجازي.

    فالزرع مهما كان له أمد، فهو بخلاف الغرس فإنه يعمر طويلاً، فالحديث الأول: (من زرع في أرض قوم)، ولم يقل: غرس، وللمغايرة بين الحديثين اختلف العلماء، ونحن نأخذ مدلول الحديثين كلاً على حدة، ثم نرجع بالنظر بين الحديثين، وخلاصة ما ذكره العلماء في هذه القضية المزدوجة.

    حكم استخدام العين في غير ما أجرت له

    (من زرع في أرض قوم)، والقوم للجماعة، فمن زرع في أرض غيره، وهو لا يملكها أو هي مملوكة للآخرين، فما حكم هذا الزرع الذي زرعه في ملك غيره؟

    هذه هي القضية الأولى، وقد حكم فيها صلى الله عليه وسلم بقوله: (من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء) فلو استأذنهم: أعيروني الأرض أزرع فيها. لا مانع، وإذا استأجر منفعة الأرض عين الأرض، كما يقول الفقهاء: عقد الإجارة عين على منفعة مضمونة، تستأجر الدار وتشتري الدار، فإذا اشتريتها ملكت عينها، ولك الانتفاع بها بما شئت من امتثالك بما تملك، لكن استأجرتها، فأنت اشتريت المنفعة التي يمكن أن تؤخذ من الدار. وما المنفعة؟ كل بحسبه، إن كان هناك نص على عين المنفعة التي تستوفى فهي المعقود عليها، استأجرتها مدرسة، أو مستودعات، أو للسكنى، فعلى ما عقدت عليه، ولا يحق لك أن تستفيد من الدار بمنفعة أكثر مما استأجرتها من أجله.. استأجرتها لتسكن أنت فيها وعيالك، فلا يحق لك أن تجعلها مستودعات؛ لأن المستودعات تضر بالبنيان أكثر من السكنى؛ لأن فيها البضائع والمطعومات، وربما جاءت الفئران، ويكون الأخذ والرص الذي يهز الجدران، فلا يجوز ذلك.

    وكذلك لا يجوز لك أن تجعلها مدرسة؛ لأن المدرسة تضم الأطفال، أو غير العابئين بالمسئوليات والقيم، فتكون مضرتها على البنيان أكثر من السكنى، أما إذا استأجرتها لمدرسة، ثم هونت من المدرسة وسكنت، فالسكنى أقل إرهاقاً على البنيان من المدرسة؛ فلا مانع، كما لو استأجرت سيارة لنقل الأحجار، ثم ما وجدت أحجاراً فنقلت أخشاباً أو برسيماً، وإذا ما وجدت برسيماً ركبت أنت، فكلما كان استيفاء المنفعة مقابل المعقود عليه كان أوفى بالعقد، وإن نقصت فلا مانع، أما إن زادت عن المعقود عليها فلا يحق لك ذلك.

    ما يلزم به صاحب الأرض إن أذن بالزرع

    إن زرع الأرض بإذن أصحابها، فهذا يكون منهم بمثابة التنازل عن حقهم بالاستفادة من الأرض، وإن سمحوا له بالاستفادة منها فلا يحق لهم بعد ذلك أن يعارضوا أو يطالبوا برفع الزرع؛ لأنه وضع بالعدالة وليس بالظلم، ووضع البذر وحرث وسقى ونبت بإذنهم ورضاهم، فلا يحق لهم بعد أن وصل الزرع إلى مرحلة ما قبل الحصاد أن يطالبوا برفعه، كمن أعار سفينة لإنسان أو أجّره إياها، وجاء في عرض البحر وقال: رجعت عن الإعارة، أعطني سفينتي، الإعارة عندك مؤقتة، ولصاحبها أن يطلبها حيث شاء، ولكن هل وسط البحر موضع تسليم؟ وأين أذهب بمن فيها؟! لا يحق له ذلك؛ لأنه أعارها وهو يعلم بأنه سيعبر بها النهر.

    وكذلك الأرض إذا زرع فيها بإذن أهلها، ونبت الزرع، وقارب الحصاد لا يحق له أن يرجع في هذا الإذن؛ لأن فيه مضرة على الزارع وتغرير به، ويجب عليه أن ينتظر حتى يستحصد الزرع ويأخذ زرعه، ويقول له: خذ أرضك.

    أما إذا كان زرع بغير إذنهم فتلك المنفعة التي يريد أن يأخذها من الأرض فالزرع ملك لأصحابها، ولم يأذنوا لك فيها: (ولا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه)، وهم ما طابت أنفسهم بها، فجاءوا يطالبونه.

    ولو أنه اغتصب الأرض -على رأي الجمهور بأن الغصب يدخل في العقار غير المتحرك، أي: في المملوك الثابت كالأرض والبنيان، خلافاً للأحناف؛ فإنهم لا يرون الغصب في الثوابت وإنما في المتحركات المتحولات- فإذا اغتصب الأرض واحتواها، فعلم بذلك أصحابها، فجاءوا والأرض على ما هي عليه، لم تدخلها الزيادة والنقصان. كأن يأخذ من ترابها إلى جهات أخرى؛ فتصبح الأرض مجرد حفر أو منخفضة عن جاراتها، وتصبح في هذه الحالة غير صالحة للزراعة حتى تسوى، ويرد لها ما أخذ منها، فيكون هناك نقصان، فإذا أدرك صاحب الأرض أرضه تحت يد الغاصب كما هي ردت إليه بعينها بالإجماع، وليس لهم على الغاصب شيء، وليس للغاصب عندهم شيء، بقي الحق العام -كما يقال- فكونه يتعمد الاعتداء على مال الغير، هذه فوضى، فولي الأمر له أن يعزره على تعديه.

    أما إذا جاء صاحب الأرض ووجد الزرع، فماذا يكون الحكم؟ هذا يقول: أرضي، والآخر يقول: زرعي. ماذا نفعل معهما؟

    الحديث صريح: (من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء، وله نفقته).

    نسأل الزراع: الزرع هذا كم عمره؟ ومتى يحصد؟ بعد ثلاثة أشهر.

    إذاً: الزرع لم يأت بالحب في الوقت الحاضر، وجاء صاحب الأرض يطالب بأرضه، فيقال لصاحب الزرع: ليس لك من زرعك شيء؛ لأنك وضعت البذرة، وسقيت الماء فقط، والنبات الذي نبت نموه من الأرض، والأرض ملك لغيرك، فيكون الزرع ملك لغيرك، وما أنفقته حتى صار الزرع إلى هذا الحد فهو حقك، وضعت بذراً فيها بعشرة، وحرثتها بخمسة، وسقيتها ماءً بخمسة، نفقتك على الزرع وصلت إلى هذا الحد فلك هذه النفقة، هذا ظاهر هذا الحديث والله أعلم.

    صورة الصلح بين المتنازعين على الأرض

    في هذه المسألة الواردة في هذا الحديث وسع الفقهاء رحمهم الله التفصيل فيها، وقالوا: إذا لم يكن له من الزرع شيء فله النفقة، والزرع يرجع لصاحب الأرض.. فهل يلزم الزارع بأخذ النفقة فقط ويترك الزرع، وهل يلزم أصحاب الأرض بأن يدفعوا النفقة ويأخذوا الزرع؟ لو قالوا: لا نريد الزرع، ليأخذ زرعه، لن ندفع شيئاً.. ماذا يقال لهم؟

    في هذه الحالة يخير أصحاب الأرض: في أن تحسب عليه الأرض بالإيجار إلى أن تستحصد، ويكون كالمستأجر من غيره، وبهذا نكون قد جمعنا بين المصلحتين: (لا ضرر ولا ضرار)؛ صاحب الزرع يأخذ زرعه، وصاحب الأرض يأخذ أجرة مثلها، فنكون ضمنا لصاحب الأرض حقه وفائدته من أرضه، وحفظنا على الغاصب زرعه، وقد دفع أجرة الأرض.

    وابن حزم يشنع على الفقهاء في هذه القضية، ويقول: على هذا فكل من يريد أن يغصب أرضاً ما عليه إلا أن يذهب ويزرع فيها وسوف يدفع الأجرة ويأخذ الزرع، فهذا يمكن المعتدين من زيادة الاعتداء.

    ولكن الفقهاء يقولون: يجب مراعاة المصلحة، فقولنا له: خذ زرعك وهو إلى الآن لم يستحصده، ماذا سيفعل به؟ سيعدمه، ويتلفه، وإتلاف المال لا يجوز، فإذا أمكن الاستفادة من هذا المال في المستقبل نحافظ عليه، وأنت يا صاحب الأرض لما فاتت عليك مصلحة أرضك، نضمنها لك بالأجرة.

    1.   

    قضاء رسول الله في الغارس بدون إذن

    [ وعن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال: (قال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض، غرس أحدهما فيها نخلاً والأرض للآخر، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض لصاحبها، وأمر صاحب النخلة أن يخرج نخله، وقال: ليس لعرق ظالم حق) ].

    قبل الكلام على هذا الحديث ننظر ما يقوله العلماء في شأن اختلاف الناس في أحكام الأراضي، وخاصة الإمام ابن تيمية رحمه الله: إن عمل أهل المدينة هو القدوة، وكما يذكر عن مالك أنه قال: إن العالم كله في الأراضي والمساقاة والمزارعة تبع لأهل المدينة؛ لأنهم كانوا يعملون فيما بينهم فيتفقون تارة ويختلفون أخرى، فإذا ما وقع خلاف بينهم كان مرده إلى رسول الله.

    إذاً: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يشرف على الخلافات التي تقع في الأراضي، وليس هذا في قطر من أقطار الدنيا، وكل العالم يتتبع ويسأل: ماذا فعل رسول الله في مثل ذلك؟ ماذا قضى في ذلك؟ وما ينقل عن أهل المدينة في مثل هذه القضايا فهو نقل لأصل عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    لو أن هذان الرجلان في الشام أو مصر أو اليمن ووقع النزاع بينهم، فإنهم سيختصمون للعلماء الذين سوف يبحثون عما فعل وقضى به رسول الله في هذه المسألة، وسيرجعون إلى عمل أهل المدينة في هذه المسألة.

    رجلان اختصما كل منهما خاصم الآخر، صاحب الأرض يخاصم في أرضه، وصاحب النخل يخاصم في نخله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    شخص غرس نخلاً في أرض قوم، فجاء أصحاب الأرض يخاصمون في أرضهم ويطلبونها فقضى رسول الله بأن الأرض لصاحبها.

    تولية الرسول للقضاة من أصحابه

    النص هنا: (فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض لصاحبها).

    إذاً: الرسول تولى القضاء بين الأفراد، وهذا مصداق قول الله تعالى: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ [النساء:105].

    ثم قد يولي قضاة في ما بعد عنه، كما وقع لـمعاذ رضي الله تعالى عنه حين بعثه إلى اليمن، وكذلك أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، فكان معاذ قاضياً وأميراً وجابياً للزكاة والجزية، وكان هناك عمال أيضاً للزكوات في أقاليم اليمن، وكان معاذ هو المشرف عليهم، ويتنقل ما بين حضرموت إلى صنعاء، وأبو موسى في مكانه، ولذا سأله: (بم تقض يا معاذ ؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ -لأن كتاب الله نصوص محدودة- قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي).

    وهنا العلماء يزيدون بعد قول معاذ بم يقض القاضي؟ بكتاب الله، فإن لم يجد فبسنة رسول الله، فإن لم يجد هل يجتهد رأيه؟ لا؛ لأنه غير معاذ وقد تقدمه من أهل الحل والعقد، من هم أهل العلم وأدرى بالحكم، فينظر في أقضية أصحاب رسول الله، هل في هذه القضية نص عن صحابي، أو عن خليفة راشد؟

    فـمعاذ يقف عند حد الكتاب والسنة، ثم يعطي لنفسه حق الاجتهاد، وغير معاذ ممن يأتي بعده أمامه جبال راسيات، فعليه أن يبحث في حكم النازلة في الكتاب، ثم السنة، ثم سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فإذا وجد عنهم أقضية في قضيته أخذ بها، وإذا لم يجد اجتهد رأيه؛ لأنه لم يبق هناك من يرجع إليه.

    قضى صلوات الله وسلامه عليه لصاحب الأرض بأرضه. (وأمر صاحب النخل)، والأمر والقضاء سيان؛ والقضاء ملزم أكثر من الأمر، (وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله) هذا الحد الأدنى في القضاء، ولكن لكل قضية ملابساتها وجوانبها، فلو أن صاحب الأرض قال: لا تتعب نفسك، ولا تقطع النخل وتخسره وتفسده، وبمقدار ما أنفقت عليه أعطيك نفقته واترك لي النخل، ولهذا قال: (أمر) ولم يقل: (قضى)؛ لأن القضاء ملزم، والأمر قد يأتيه بعض عوارض فتصرفه.

    كيفية الصلح بين المتنازعين

    لو اتفق صاحب الأرض مع صاحب النخل أن يتركه له، وأحياناً يمكن الاستفادة من رفع النخلة من مكان إلى مكان آخر، والاستفادة منه كغرسه، وأحياناً لا، وجاءت الروايات في هذا الحديث: (وإني لرأيتها تضرب بالفئوس وإنها لنخل عم -يعني طويلة-) يعني: لا يوجد رافعة لتنقلها في أرض أخرى، ولا يمكن رفعها إلا بتكسيرها، فحينئذ تكسر، وهنا في أول الحديث: أن الرجل غرس في أرض قوم؛ فلو أنه حينما جاء يغرس بحث فلم يجد لها معالم، وهي أرض بيضاء صالحة للزراعة، ولا يوجد فيها آثار تملك، وظنها أرض بيضاء لا ملك لأحد عليها فغرس.

    هل معنى الظلم والتعدي موجود أم أنه الخطأ؟ حتى ولا الخطأ؛ لأنه رأى أرضاً بيضاء ليس فيها معالم تملك، والفقهاء ينصون في باب إحياء الموات: أن من أحيا أرضاً ميتة ملكها، وإذا استمر في إحيائها عشر سنوات، ثم مات وجاء أولاده فلم يستطيعوا الاستمرار في الإحياء فتركوها حتى اندثرت معالم الإحياء، وعادت مواتاً كما كانت قبل أبيهم، فهل يجوز لأحد أن يعيد إحياءها لنفسه لأنها صارت مواتاً أو لا يجوز ذلك؟

    النزاع في هذه المسألة موجود، وعند الحنابلة لا يجوز ذلك؛ لأنه سبق عليها ملك لغيره.

    هنا: إذا علم أن الأرض لقوم وغرس فيها بغير إذنهم -كما جاء في الزرع- وجاء بالوديان معتمداً وحفر الفِقَر وغرس النخل وسقى وكبر النخل وأثمر، ثم جاء صاحب الأرض - مسافراً، مسكين، مريض...- ولم يعلم، بخلاف ما إذا علم من أول وهلة، ورآه يحفر، ولم يسأله، وتركه حتى جاء بالودي وغرسه وسقاه، وترك الأمر حتى صارت نخلاً عُماً، وأصبحت تؤبر وتثمر، وجاء يقول: أعطني أرضي.. ولماذا سكت حتى غرم هذا كله، وانتظرت حتى أصلحها ثم قلت له: أعطني أرضي؟!

    ولهذا يقول الفقهاء: هل يمكن الانتفاع من هذا النخل وهذه حاله أم لا؟ جاء الحديث بأنه ما كان يمكن في ذلك الوقت؛ لأنه صار نخلاً طوالاً، ولا يمكن رفعه وحمله وسحبه إلى أرض أخرى لكي يغرس فيها، واللفظ الآخر: (رأيتها تضرب بالفئوس) معناها: تحطم؛ لماذا؟ أليس هذا من إتلاف المال؟ نعم، ولكن قبل إتلافها الأمر صدر والحكم مضى، ولكن الحق لا يتعدى صاحب الأرض وصاحب النخل؛ فإن اتفقا فقال صاحب الأرض: اشترِ الأرض، وتبقى لك الأرض مع النخل. فلا مانع، وإذا قال صاحب النخل: اشترِ مني النخل، واتفقا لا مانع، لكن هو ليس بمشتريه، وقد صدر فيه أمر بأن ينزع، لكن إن كان من باب الإصلاح واتفقا على ذلك فلا مانع.

    لكن يأتينا هنا الأمر برفع النخل، وهناك في الزرع: (له النفقة)، وهنا لم يقدر له نفقة، بل النخل يقطع ويرفع بعينه، إذا كان النخل المثمر هذا يقطع ويتلف فهل نبحث له عن نفقة؟ لا؛ لأنه أنفق في شيء لا يملكه، والأصل فيه التعدي.

    مناسبة تشبيه المغتصب بعرق الظالم

    ثم قال: (ليس لعرق) هنا بعض العلماء يقول: يجب أن يختلف الحكم في اغتصاب الأرض بزرع، أو اغتصابها بغرس؛ لأن الزرع جعل فيه صلى الله عليه وسلم نفقة الزرع للغاصب، والنخل لم يجعل له فيه شيء، وأشاروا بأن الزرع مؤقت والغرس مستديم، وبعضهم يقول: إن قلنا: (ليس لعرقِ ظالم).

    إذاً: الظلم نسب لصاحب العرق، وإذا قلنا بالتنوين: (ليس لعرقٍ ظالم) أسندنا الظلم للعرق، وإسناد الظلم للعرق مجاز، فالأولى إسناده لصاحب العرق.

    وإذا اجتث نخله؛ لأنه عرق ظالم، كانت الأرض صالحة لأنه يأتي بالحراث ويحرث ويبذر القمح، أو لتخطيط أشجار موالح، كانت وكانت...

    يقول الفقهاء: إذا اجتث النخل عليه أن يجتث أصول الصنو في الأرض، ثم عليه أن يسوي الحفر التي نشأت عن قلع النخيل من أصله، ويسلم الأرض غير ناقصة المنفعة؛ لأنه إذا قطع النخلة من وجه الأرض كان الباقي تحت الأرض أكثر من الذي قطع من أعلى، ويعيق الزراعة والغرس، ويحتاج إلى مئونة وكلفة، لذا على صاحب العرق الظالم أن يرفع عرقه برفع جذور النخلة، ومن المعلوم أن جذور النخلة تمتد إلى عمق الأرض.

    لا نقول له: اتبعها في باطن الأرض وأخرجها.. لا. يقول علماء النبات: إن سطح الأرض هو الخط المنصف بين جذور الشجرة في باطن الأرض وبين جذعها وأغصانها، أي: أن النخلة لها جذور في باطن الأرض، لو اجتمعت لكانت مثل طول النخلة إلى رأسها، وكذلك جميع الأشجار، وأصحاب المزارع يعرفون ذلك، شجر الأثل إذا كان قريباً من البئر تمتد عروقه إلى قاع البئر، وربما أفسده، وهذه -كما يقولون- عملية توازن؛ لأن الشجرة ذات جرم كبير، وهذه السارية الموجودة عندنا الآن على سطح الأرض، هل جيء بعمود ووسد على سطح الأرض أم أن تحته قواعد عميقة يمكن أن تمسك هذه السارية، وتمسك ما يأتي فوقها؟ فكذلك عروق الشجرة، هي في باطن الأرض تعادل أعلى الشجرة حتى يمكن أن تصلبها، وإذا جاءت رياح عاتية ما الذي يمسك الشجرة ألا تذهب مع الرياح؟ إنها تلك العروق التي في بطن الأرض المتعادلة مع ظاهر الأرض من تلك الشجرة.

    فلا نقول لصاحب النخل: تتبع كل عرق حتى ينتهي، لكن نقول: مجموع الصنو، وهو منتهى الشجرة ومجموع عروقها، ينتزعه، ثم بعد ذلك يسوي الأرض.

    كيفية نظر القاضي للخصومات

    هنا -يا إخوان- مسألة: قوله صلى الله عليه وسلم: (ليس لعرقِ ظالم حق) عممه الفقهاء في كل ظلم، فلو أنه جاء إلى أرض إنسان، وله أرض بجوارها في مخطط واحد، وجاء هذا ليبني، فتجاوز عن حده إلى أرض الجار بمتر، وبنى، فإن البنيان الذي قام على أرض الجار بزحف المتر عرق ظالم، ويحمل عليه وإن لم يكن هناك عروق، وإن كان مبانٍ فهناك قواعد، حتى وإن كان بنياناً عادياً؛ فكل عمل وقع في ملك الغير له دوام وثبوت أطلقوا عليه عرق ظالم.

    ولكن هل هذا الحديث يمكن أن يطبق في كل صغيرة وكبيرة؟

    قال لي والدنا الشيخ الأمين حينما كلفت بالقضاء وجئت أستشيره ماذا أفعل؟ قال: أوصيك بتقوى الله والتأني والتريث في فهم القضية، فلكل قضية ملابساتها، ولا يوجد قضية مثل الثانية، ثم تبين لي فيما بعد أن القضايا تدخل المحكمة كما يدخل الأشخاص، لا يوجد اثنان متفقان، حتى التوأم فيهم بعض المخالفات في الشكل، فكذلك القضايا، كل قضية تدخل المحكمة ففيها بعض المغايرة عن أختها ولو كانت من نوعها، هذه قضية سرقة، وهذه قضية سرقة، خمس قضايا سرقة لا يمكن أن تكون القضايا الخمس متفقة في كل الملابسات.

    ومن واقع العمل: نجد أن هناك بعض الأمور قد يتمسك فيها بعض الأشخاص بهذا الحديث وهي من التوافه، كما وقع من إنسان اشترى قطعة أرض من مخطط، ثم تقدم إلى الأمانة، وعملت الذرعة والتطبيق وأعطي الرخصة وحفر وبنى إلى أربعة أدوار، ثم بعد خمس سنوات من بداية البناية جاء الجار، وقال: إن صاحب العمارة تجاوز علي بخمسة عشر سنتيمتراً، وأنا أطلب هدم العمارة وإرجاعه عن حقي وتسليم أرضي كاملة.

    بعد خمس سنوات وهو ساكت! ولما رأيته قلت له: هذا البيت من يسكن فيه؟ قال: أنا، قلت: ألم تره عندما حفر القواعد ورفع الأعمدة، حتى بنيت أربعة أدوار ثم تأتي وتقول: هذا حقي؟! هو يريد أن يشهر بهذا النص سلاحاً قوياً، ولكن هل يتحقق موضوع الغصب والظلم في هذه القضية؟

    ثم قال المدعى عليه: والله أنا لا أعرف ذرعة، ولا أعرف أن هذه من حق غيري، أنا عندي صك فيه ذرعة محددة، وتقدمت لطلب رخصة، والأمانة جاءت بمهندس، والمهندس ذرع المخطط، ووضع للمقاول علامات، وأنا ليس لي دخل في هذا ولا أعرف هذا.

    فلو طبقنا فعلاً هذا النص هل تحقق الظلم من صاحب العمارة، أم أن هذا من باب الخطأ، أو ما يسمى بالتجاوز الذي يمكن أن يعفى عنه أو يغتفر؟ هنا خمسة عشر سنتيمتراً في قطعة ضلعها ثلاثون متراً، ماذا يكون هذا؟

    مسألة: رأيته يحفر.. ما سألت، رفع الأعمدة.. ما سألت، سقف الدور الأول.. ما سألت، لماذا سألت الآن، من الذي أدراك بأنه اغتصب من أرضك؟ قال: قال لي الناس، قال الناس.. ليس بصحيح، أتت الهيئة وذرعوا أرض العمارة، فما وجدوا أي تجاوز. قال: كان هناك سور وتعداه. تعال احفر جنب جدارك ونرى السور، فأتوا حفروا فما وجدوا شيئاً، ما ثبت الظلم هنا. فقال: لا. (ليس لعرق ظالم حق)، أين تحقيق الظلم الذي وقع من هذا الشخص؟!

    أخيراً: طلبناً تقدير هذا الذي يدعيه، وإن كان غير ثابت عندنا، لكن من باب مصالحة، وقلنا: هذا حقك أربعمائة ريال. قال: لا أريد. ورفعت للتمييز وصُدق الحكم، وأتينا قلنا له: خذ حقك. قال: لا أريده. فحولناه إلى بيت المال، وبعد أربعة أو خمسة أشهر جاء وقال: أعطني حقي. قلت له: حقك عند بيت المال، اذهب وارفع دعوى عليه وخذ حقك منه.

    إذاً: تطبيق النصوص لابد أن يراعى فيه المبادئ الأساسية.

    فقوله: (غرس في أرض قوم) يعني: عمداً؛ لأنه يعلم أنها أرض قوم، فإذا لم يكن هناك العمد، ولم يكن هناك تعريف الغصب بالقوة والقهر، فتطبيق النص ليس متأتياً.

    احتياط القاضي في القضايا المالية والتعويضات

    إن مما هو جار على ألسنة الكثيرين: ما يقع من النزاع بين الزوجين، وتطلب الزوجة المخالعة، وقد عرضت عليّ قضية كان الوكيل فيها من طلبة العلم الأخيار، والموكل عنها أيضاً من أسرة أبو طالب علم من الأخيار، فعرض الخلع، فقال وكيل الزوجة: نعطيه ما دفع، وهذه عند الناس جارية.

    متى كان الزواج؟ قالوا: منذ اثنتي عشرة سنة.

    لابد أن يوجد هناك رأي خاص، وهل ما دفعه من اثني عشرة سنة هو بعينه اليوم في القيمة الشرائية، ثم جلست في لجنة وفيها من قادة وأخيار أهل المدينة، أربعة أشخاص، وجاء في هذه القضية، فقال رجل منهم: والدي تزوج أمي بريال، فجاءت المناسبة: لو أرادت أن تخالع بعد أن صرت أنت رجلاً كبيراً تدفع ريال؟! فقلت له: إن القيمة الشرائية تختلف من اثني عشرة سنة إلى اليوم. قال: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتردين عليه حديقته)؟ هذا المعنى الملتحق في أذهان طلبة العلم، نعم قال ذلك، ولكن هل الحديقة في عينها كالنقد بالريال؟ لا، من عشرين سنة كان الريال الفضة مستعمل، ثم جاءت الريالات الورق، وكان الريال الورق محبب ومقدم عند الناس على الفضة، وكان من أراد الحج والسفر جاء بمائة ريال فضة ومعها ريالين للصراف ليأخذ ورقة بمائة ريال، حتى تكون خفيفة في الحمل، الآن الريال الفضة صار سلعة وهدايا عند الزواج، فتغيرت الأوضاع.

    فقلت: يا فلان! أنت تعلم أن القيمة الشرائية للمال تختلف بحسب الزمن، ولكن الحديقة هي بعينها، إن ارتفعت الأسعار ارتفعت معها، وإن نزلت الأسعار نزلت معها، فهي بعينها لم تنقص ولم تزدد، فإذا كان الصداق حديقة نعم تردين الحديقة عليه، لكن إذا كانت نقداً، والنقد في ذلك الوقت يختلف عما هو عليه الآن..

    إذاً: القيمة الشرائية للصداق الذي دفعه الرجل من اثني عشرة سنة تعادل القيمة الشرائية لنفس المبلغ الآن بنصف القيمة، فيكون خاسراً لو أنه أخذ ما دفع.

    إذاً: هذه النصوص بعمومها يجب أن تؤخذ بالموازنة، وبملابساتها، ويراعى حديث: (لا ضرر ولا ضرار) .

    مبحث فيما يطرأ على العين المغصوبة

    لقد فرع الفقهاء رحمهم الله على مسألة النخل -ولا يزال في كل ما يمكن أن يقال فيه: إنه غصب وطرأت عليه الطوارئ- مسألة ما يطرأ على المغصوب كما يقول ابن رشد في بداية المجتهد: البحث في أصل الغصب وعين المغصوبة، والبحث في الطوارئ التي تطرأ على المغصوب.

    مثلاً: إنسان اغتصب سيارة، ثم مكثت عنده شهراً، ثم رأى إطاراتها قديمة، فذهب وغير لها الإطارات الأربعة، وجاء صاحبها يطلبها، هذه السيارة حصل فيها زيادة.

    إذاً: هناك طوارئ، ولنقل: لم يغير الإطارات ولكن أحد الإطارات تلف وتركه مركوناً بجانب الباب، فجاء صاحبها يطلبها. فهل بقيت على ما كانت عليه وقت الغصب أو نقصت؟ نقصت.

    إذاً: ينظر في هذه العين مع نقصها.

    وهناك من يقول: إذا حصلت هناك زيادة بفعل الغاصب دون مادة يضيفها؛ فلا شيء له في فعله، ويردها كما هي، وإذا حصل هناك نقص فهو ضامن لهذا النقص في تلك العين التي اغتصبها؛ لأنه مكلف بأن يردها كما هي.

    وتقدير هذا النقص يكون بحسب قيمتها يوم أن اغتصبها أو يوم أن يردها؟

    نجد هناك الخلاف: من يراعي أصل السلعة يوم اغتصابها؛ قال: يرد قيمة الناقص يوم اغتصبها، والنقص؟

    كأن يكون اغتصبها قبل ستة أشهر، والنقص حصل بالأمس، فيقدر هذا النقص من يوم اغتصبها.

    والآخرون يقولون: يقدر حين يردها؛ لأنها تحت يده إلى أن تؤخذ منه.

    وهذا الخلاف موجود حتى في بعض المذاهب فيما بينهم، كما هو منصوص عند بعض المالكية، والباب -كما يقال- فروعه متعددة، وما وجدت تفريعات أكثر منها في المغني لـابن قدامة ، وكشاف القناع للحنابلة أيضاً.

    والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.