إسلام ويب

كتاب البيوع - باب الشركة والوكالة [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الشريعة الإسلامية مبنية على التيسير، والحرج منفي عنها، ومن الأحكام الفقهية التي شرعت للتسهيل على العباد الوكالة، ولها صور كثيرة منها: الوكالة في البيع والشراء، والوكالة في جمع الزكاة، والوكالة في ذبح الأضاحي والبدن، والوكالة في إقامة الحدود، وغير ذلك.

    1.   

    شرح حديث: (بعث رسول الله مع عروة بدينار يشتري له أضحية ...)

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    قال المصنف رحمه الله: [وعن عروة البارقي رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معه بدينار يشتري له أضحية ..) الحديث رواه البخاري في أثناء حديث وقد تقدم].

    لما كانت مهمة هذا الكتاب المبارك بيان أدلة الأحكام، فهو يذكر من الحديث محل الدليل، كالحديث السابق: (اشتركت أنا وعمار وفلان ..) الحديث؛ لأن موضع الشاهد منه: (اشتركت)، وكذا حديث: (إذا أتيت وكيلي بخيبر فخذ منه) ولم يذكر كيف عرف أنه وكيله، وهذا له جانب آخر.

    وهنا الرسول صلى الله عليه وسلم أعطى البارقي ديناراً ليشتري له أضحية، والشاهد هنا أن عروة قد تصرف تصرف الوكيل، ونحتاج إلى إيراد كامل الحديث ليتبين مناط الاستدلال على الوكالة؛ لأن مجرد إعطائه ديناراً ليشتري له شاة قد لا يكون وكالة، فعندما أقول لك وأنت ذاهب إلى السوق: خذ هذا، واشتري لي كذا، فهذه مساعدة وتعاون، وليست وكالة.

    والذي حصل من عروة أنه ذهب بالدينار واشترى شاتين، هو أعطاه ديناراً يشتري شاة واحدة، فهو تصرف، وهذا التصرف بحكم الوكالة.

    ولما اشترى الشاتين، لقيه رجل وقال: أتبيع شاة من هاتين؟ قال: نعم، قال: بكم؟ قال: بدينار، فباع شاة من الشاتين بدينار، فهو باع ملك غيره، فالمال للرسول صلى الله عليه وسلم، واشترى الشاتين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاز له أن يبيع ملك الغير بالوكالة.

    فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (خذوا شاتكم، وهذا ديناركم)، فسأله عن خبره، فذكر له الخبر، فهل قال له: وكالتك مفسوخة؟ لا، بل قال: (بارك الله لك في بيعك وشرائك) ، فكان الناس يأتونه، ويلقون إليه أموالهم شراكة معه؛ بغية بركة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان لو أخذ حفنة من تراب ليبيعها لربح فيها! وعرف الناس أنه أصابته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    انتهينا من باب الوكالة، وهذا تصرف تصرف الوكيل، وأقره وكيله على ما تصرف، ولو لم يأمره من قبل؛ ولهذا فإن الوكيل لو تصرف لمصلحة موكله وأقره الموكل على ذلك صح التصرف، وإذا تصرف ظاناً منه أنه لمصلحة موكله ولكن موكله رفض، فالتصرف باطل، ويكون لحساب الوكيل، وهو يتحمل مسئوليته، ولهذا تفصيلات عديدة في باب الوكالة.

    إذاً: الوكالة انتهت، ولكن هل نقف على هذا بهذه السرعة؟ ونحن نعلم أن الحديث بحر، ودلالته لا تنتهي، والناس يتفاوتون في الاستنتاج وفي التفقه في معنى الحديث، فمن العلماء من قال: استنتجت من حديث: (يا أبا عمير ! ما فعل النغير؟) أربعين مسألة!

    هل يحدد ربح البائع؟

    يذكر الفقهاء في باب البيوع زيادة الثمن ونسبة الربح، فهذا الرجل كانت نسبة الربح عنده مائة في المائة، فكم نسبة الربح؟!

    ليست هناك نسبة في ربح البيع والشراء، ولكن ينبغي ألا يستغل البائع جهالة المشتري، وألا يستغل البائع حاجة المشتري واضطراره فيزيد عليه.

    ذات مرة رأيت نسخة من كتاب (المستصفى) للغزالي ، طبعة قديمة في مجلد ممتاز، فقلت لصاحب المكتبة: بكم هذا؟ قال: هذا غالي الثمن، ولعل هذا من باب التحريض، فقلت: بكم؟ قال: بخمسين ريالاً.

    وكان في ذلك الوقت راتب الجندي الشهري ستين ريالاً، فكم تكون نسبة قيمة هذا الكتاب؟ وكم قدر الخمسين ريالاً لطالب العلم في ذلك الوقت؟

    المهم اشتريت الكتاب، وحمداً لله وشكراً له على ما كنت عليه في ذلك الوقت، فرآه معي بعض الإخوان فأعجب به، وقال: من أين؟ فقلت: من فلان، قال: أوه! عسى ما أكلك، قلت: كيف أكلني؟ قال: هذا إذا عرف أن المشتري طالب علم، وله حاجة ماسة إلى الكتاب، يضاعف عليه القيمة، فمرة ثانية إذا أردت أن تشتري منه أرسل شخصاً عامياً عادياً ليشتري لك، بكم اشتريت؟ قلت: بخمسين ريالاً، قال: أوه! رده، قلت: لا والله! لو قال لي بمائة لاشتريته، فالفلوس تذهب وتنتهي، لكن هذا يبقى، ولا زال عندي بحمد الله إلى الآن منذ خمسين سنة في مكتبتي. المهم أن مثل هذا كان المفروض عليه أن يخفف على طالب العلم.

    ومرة أخرى كنت أريد كتاب (التقرير على التحرير)، وفتشت عنه في المدينة وفي مكة فلم أجده، فقال لي رجل: هو موجود في مكتبة باصفرين في جدة في سوق الندى، فذهبت إليه، وبعد العشاء وجدت المكتبة، وكانت صغيرة، وفيها رجلان جالسان معهما فانوس، فسلمت عليهما، وقلت: لا مؤاخذة أقطع حديثكم قليلاً، قالا: نعم، قلت: يا شيخ عندك كتاب كذا؟ قال: نعم، عندي نسختان، قلت: أبغى نسخة، قال: ليست للبيع، قلت: في المثل: مطابق وأخوه عريان، يعني: كيف تلبس ثوبين وأخوك عريان؟ فأعطه ثوباً منهما، قلت له: لماذا يا شيخ؟! قال: هذه طبعة قديمة، وأصبح الكتاب مفقوداً وأنا معتز به، قلت: جزاك الله خيراً، لكن إذا جاءك طالب علم فبعه، لعل الله ينفعه به، وأنا مضطر إليه، وهو غير موجود، وعجزت أن أحصله، وأنت رجل كبير السن، وتعرف حاجة طالب العلم للكتاب، فقال: لا، أبداً، فقال له صاحبه: يا شيخ خف الله، معك في المكتبة نسختان، وطالب علم يجيء إليك ويقول لك: أبغى واحداً وتقول له: لا. حرام عليك، قلت: جزاك الله خيراً ساعدني. وأخيراً قال لي: بخمسة وثلاثين ريالاً، وهو ثلاثة أجزاء، والله! لو قال لي: بثلاثة آلاف، وكانت في يدي في ذاك الوقت، لأعطيته بطول يدي، فقلت له: مرحباً بخمسة وثلاثين أو خمسة وأربعين أكثر أو أقل بسيطة، فقال الذي بجواره: هات ثلاثين فقط قلت: والله! إنك رجل خير، وفيك بركة، تفضل، وقال لي: هما في الرف، تخير إحدى النسختين وخذها، وكانت النسختان متقاربتين، فأخذت نسخة منهما، وفي أمان الله، السلام عليكم.

    يهمني أنه ليس هناك تحديد للربح، ولكن نؤكد على الرفق، وعدم استغلال جهالة المشتري، وعدم استغلال شدة حاجته.

    حكم التسعير

    يبحث الفقهاء في حكم التسعير وتحديد الثمن، ولقد طلب الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يسعر لهم فقال: (إن الله هو المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحدكم عندي مظلمة) وما هي المظلمة؟ أن تحدد عليه سعر السلعة وتمنعه من الربح، أليست هذه مظلمة؟ ولما جاءوا لـعمر وقالوا: يا عمر ! غلى اللحم فسعره لنا، فقال: لا، أرخصوه أنتم، قالوا: كيف نرخصه وليس عندنا؟! قال: اتركوه لهم، فتركوه اليوم الأول، وتركوه اليوم الثاني، فإذا بالجزارين ينادونهم: هلموا -يا جماعة- للحم، قالوا: لا، أنتم أغليتموه علينا، ثم رخصوه لهم.

    إذاً: متى يكون التدخل؟ عند الاحتكار، إذا جمع تجار أو تاجر ما في السوق، ثم أغلاه بعدما نفذ ما بأيدي الناس، مثل بعض تجار التمور وقت الجذاذ يجمع ما نزل السوق من الصنف الطيب، وبعد شهر أو شهرين الناس يبحثون عن التمر لكن قد ابتلعته بالوعة التاجر الفلاني، فيقولون: بع لنا يا فلان! قال: لا، أنا لا أبيع الآن، وينتظر شدة الحاجة ليتحكم، وبعد أن كان الصاع بريال يبيعه باثنين أو بثلاثة أو بأربعة، فحينئذ يتضرر الناس، فيتدخل ولي الأمر كما ذكره الإمام ابن تيمية رحمه الله، كما يتدخل عند توقف بعض الطوائف عن أعمالهم مثل السقايين والخبازين. فلو أن أصحاب الأفران أضربوا عن أن يخبزوا، فماذا نأكل؟ تشتري دقيقاً وتعجنه، وتشتري فرناً وتخبز، وهل كل إنسان يقدر أن يعمل هذا؟ لا، فيلزمهم الإمام بالرجوع إلى العمل. وكذلك السقاة، كانوا من قبل يأخذون الماء على الكتف، والآن لو أن عمال مصلحة المياة توقفوا عن العمل، وأوقفوا الماء، ولم يوجد ماء في البلد، فهل لولي الأمر أن يتركهم؟ لا، بل يلزمهم على العودة إلى العمل.

    وهكذا شركة الكهرباء لم يعد للناس عنها غنى، وقد نصبر عن الطعام والشراب ولكن لا نستغني عن الكهرباء، لا نقدر نمشي في الظلام، ولا نعيش في الظلام، نصبر على الجوع حتى ييسر الله، فلو أضرب عمال الكهرباء، وتوقفت المكائن أو الموتورات عن الإنتاج، فولي الأمر يلزمهم بمعاودة العمل؛ لأن مصالح الناس ترتبت عليه.

    إذاً: التسعير لا يكون إلا عند الاحتكار لما يحتاجه الناس، ولا يوجد له نظير في الأسواق، فيلزم ولي الأمر المحتكرين أن يخرجوا البضاعة ويقدر لهم الربح المناسب، وذلك بالنظر إلى رأس المال، فلا هو يزيده على الناس ولا هم ينقصونه عنه، وفعلاً إن الله هو المسعر، فالسعر بيد الله سبحانه وتعالى، قد يجمع إنسان ويجمع الآخر لمناسبة معينة، لكن تأتي المناسبة والكل يخرج ما عنده، فيكثر العرض على الطلب فيرخص السعر، ونظام الاقتصاد يكون بالمعادلة بين العرض والطلب، وإذا كان الطلب كثيراً والعرض قليلاً غلا في السعر، وإذا كان العرض كثيراً والطلب قليلاً صارت البضاعة رخيصة، فالكل يعرض في تلك المناسبة التي جمع لها، فيكثر العرض ويقل الطلب فترخص السلعة عما كان يتوقعه التجار.

    1.   

    شرح حديث: (بعث رسول الله عمر على الصدقة ...)

    مشروعية بعث الجباة لجمع الزكاة

    قال المصنف رحمه الله: [ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على الصدقة) الحديث متفق عليه].

    هذا من أحاديث الوكالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمر على الصدقة، وبعث العمال من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الخلفاء الراشدين، وكان العمال يجمعون الصدقة من أرباب الأموال الظاهرة، ويوزعونها على المحتاجين، أو يأتون بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم العاملون عليها، وقد بين العلماء أن هؤلاء العاملين يذهبون إلى أصحاب الماشية وبهيمة الأنعام على مياههم، فيجمعون ما عندهم من إبل أو بقر أو غنم، ولا يفرقون بين مجتمع، ولا يجمعون بين مفترق، ويحصون على الناس ما يملكون، فمن بلغ عنده النصاب أخذوا الزكاة منه، ونصاب الغنم أربعون، وإلى مائة وعشرين ففيها شاة، ومائة وواحد وعشرون فيها شاتان إلى مائتين، وهكذا في كل مائة شاة.

    ونصاب الإبل أقله خمس وفيها شاة، وعشر فيها شاتان، وإذا بلغت خمسة وعشرين فبنت مخاض، فكان هؤلاء العمال إذا أتوا إلى الناس قبضوا منهم الزكاة بحسب ما لديهم من تعليمات، وأخذوها منهم بالوكالة عن ولي الأمر.

    ومن غرائب ما حدث في مثل ذلك أنه صلى الله عليه وسلم بعث عامله إلى جهة الحناكية، فوجد عند رجل خمسةً وعشرين من الإبل، فقال: (زكاة إبلك بنت مخاض)، وبنت المخاض هي: التي لها سنة ودخلت في الثانية، يعني: أمها ماخض بأختها، فقال الرجل: بنت مخاض! ماذا تجزي هذه وليست ظهراً فيركب، وليست ضرعاً فيحلب؟! ولكن هذه ناقة كوماء خذها في سبيل الله، فقال العامل: لم تجب عليك فلا أستطيع أن آخذ أكثر من الواجب، فتشاح العامل مع صاحب الإبل، فقال العامل لصاحب الإبل: إن كنت مصراً فدونك النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فاذهب بها إليه، فإن قبلها قبضتها منك، فجاء مع العامل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره وقال: يا رسول الله! إن بنت مخاض في سبيل الله لا تجزي شيئاً، ولكن هذه ناقة كوماء (يعني: سمينة مثل كوم اللحم) خذها في سبيل الله، فقال له صلى الله عليه وسلم: (أطيبة بها نفسك؟ قال: نعم يا رسول الله! فقال للعامل: خذها، وقال له: بارك الله لك في إبلك!) فتناسلت إبله إلى زمن معاوية رضي الله تعالى عنه، حتى كان يخرج العشرات من رءوس الإبل في زكاته. نرجع إلى تتمة الحديث: لما رجع عمر رضي الله عنه قال: (يا رسول الله! إن خالد بن الوليد منع زكاته، والعباس أمسك زكاته)، اشتكاهم عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: (أما خالد فإنكم تظلمون خالداً ، لقد احتبس عتاده وأدراعه في سبيل الله) يعني: وهذا مال وقف لا زكاة فيه ما دام أنه في سبيل الله.

    وأخذ منه الفقهاء أن الوقف إذا كان وقفاً خيرياً للفقراء والمساكين قربة لله فلا زكاة فيه؛ لأنه كله في سبيل الله، أما إذا كان وقفاً أهلياً -وهذا اصطلاح عند الفقهاء- بمعنى وقف على أشخاص معينين يقتسمون ريعه، فهنا ينظر لكل واحد على حدة، فمن أخذ من هذا الوقف ما فيه نصاب، ومكث عنده الحول، فإنه يزكي عليه لا على أنه وقف ولكن على أنه مال اكتسبه.

    حكم تقديم إخراج الزكاة؟

    وأما زكاة العباس فقال عليه الصلاة والسلام: (فإنها عليّ)، وذكر في بعض الروايات: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان استسلف من العباس زكاة سنتين).

    ويختلف العلماء هل يجوز تقديم زكاة سنة قبل مجيء حولها أم لا؟

    مالك وغيره يقول: لا يجوز؛ لأنها مؤقتة كتوقيت الصلوات، وكما أنه لا تصح صلاة قبل دخول وقتها، فكذلك لا يصح أخذ زكاة قبل مجيء موعدها، ولكن الجمهور يقولون: هذه حالة نادرة، وكان صلى الله عليه وسلم احتاج إلى هذه الزكاة من العباس فاستسلفه، أي: أخذ زكاة تلك السنة، واستسلفه زكاة السنة التي تليها.

    إذاً: الرسول صلى الله عليه وسلم كان يبعث العمال وكلاء عنه.

    قصة ابن رواحة عندما خرص نخل خيبر

    ترك النبي عليه الصلاة والسلام خيبر في أيدي اليهود يعملونها بالنصف، فإنه لما أراد أن يجلوهم صلى الله عليه وسلم عنها، قالوا: (نحن أعرف بالأرض وبالنخل وبالزراعة منكم، وأنتم مشغولون عنها، فدعنا فيها نقوم بها، فقال: نترككم ما شاء الله)، يعني: بدون تحديد زمن، وبدون التزام، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث إليهم عند إبان الجذاذ من يخرص نخلهم، وأرسل إليهم يوماً عبد الله بن رواحة ، فجمعوا له من حلي نسائهم وقالوا: هذا لك وخفف عنا، يعني: إن كنت تجد أن نخل خيبر ألف وسق فاجعلها ثمانمائة أو سبعمائة، لكنه كان أشد خوفاً لله منهم، وقال (والله -يا إخوة الخنازير- لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي، ولأنتم أبغض الناس إلي، وليس حبي لرسول الله أو بغضي إياكم بحاملي على أن أحيف عليكم، أنا قاسم وإن شئتم فاقبلوا ووفوا إلينا، وإن شئتم فارفعوا أيديكم ونوفي إليكم)، فقالوا: يا ابن رواحة ! والله! بهذا قامت السماوات والأرض، أي: بالعدالة حين القدرة، فهو قال فيها: عشرة آلاف وسقاً، لكم خمسة آلاف، ولنا خمسة آلاف، فإن شئتم التزموا لنا بالخمسة الآلاف وسقاً ونكف عنكم، وإن شئتم ارفعوا أيديكم ونحن ندفع إليكم خمسة آلاف وسقاً، فهذه هي عين العدالة والمساواة.

    الوكالة بابها طويل، والحاجة إليها ضرورية ولازمة، والوقت لا يتسع لأكثر من هذا، والوكيل الذي ذهب لقبض أموال الزكاة وكيل عن ولي الأمر مطلقاً، ولو ماتت بعض الأنعام في طريقه، فهل عليه شيء من هذه الأنعام؟ يده يد أمانة، لا ضمان عليه فيها إلا إن فرط أو تعدى فهو ضامن، وإن لم يفرط ولم يتعد فليس بضامن؛ لأنه مؤتمن على ذلك، ولم تجن يده جناية على ما تحت يده.

    وهل له أن يتصرف فيها ويبدلها؟

    فعل ذلك معاذ في اليمن، فإنه استبدل الزكاة والجزية بالثياب، وقال: هذا أرفق عليكم، وأنفع لأصحاب محمد؛ لأن مئونة النقلة من اليمن إلى المدينة كبيرة، فعندما يسوق بهيمة الأنعام من اليمن إلى المدينة، كم يأخذ عليه من زمن؟ وكم يتلف عليه منها؟ فبدلها بالوكالة عن ولي الأمر بثياب.

    1.   

    شرح حديث:(نحر النبي عليه الصلاة والسلام ثلاثاً وستين بدنة ...)

    قال رحمه الله: [وعن جابر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر ثلاثاً وستين، وأمر علياً رضي الله عنه أن يذبح الباقي) الحديث رواه مسلم ].

    عندما حج الرسول صلى الله عليه وسلم، كان علي شريكاً معه في الهدي، وكان علي وأبو موسى الأشعري في اليمن، وكان علي على مخلاف، وأبو موسى على مخلاف، واجتمعا على أن يحجا، فقدم علي رضي الله تعالى عنه بعدد من الإبل هدياً، والرسول صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة ومعه هدي، فاجتمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما خرج به من المدينة وما جاء به علي من اليمن مائة بدنة، فشرك علياً معه، فلما كان يوم النحر ذهب صلى الله عليه وسلم لينحر الهدي، فنحر بيده الشريفة ثلاثاً وستين بدنة ثم وكل علياً في أن ينحر بقية المائة. إذاً: الرسول صلى الله عليه وسلم باشر نحر عدد، ووكل علياً في نحر عدد آخر.

    وتكملة الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر علياً أن يأتي بالجزارين من أجل أن يسلخوا تلك الإبل، وأن يقطعوا لحمها، ويقسموها على الحاضرين، وأمره أن يتصدق بجلالها، والجلال جمع جلالة، وهي ما تجلل به البدنة من الغطاء، كانوا يغطونها بقماش مثل الزينة؛ لأنها هدية مقدمة إلى الله سبحانه وتعالى هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة:95]، وكانت تلك الجلال تجمع في منى، ويأخذها بنو هاشم ويصنعون منها كسوة الكعبة، وما يفيض يتصدق به، وكان من عادتهم -كما فعل ابن عمر - أن يحللوها عند خروجها من المدينة، وإذا انفصلوا عن ذي الحليفة نزعوها عنها لئلا تمزقها الشجر، ولا تتسخ بالنوم على الأرض، وإذا قدموا إلى مكة وصعدوا بها إلى عرفات جللوها بها، ونزلوا بها إلى المنحر ثم ينزعونها عنها حتى لا تتلوث بدمائها.

    ومن هديه صلى الله عليه وسلم أن أمر بأن يؤخذ له من كل بدنة بضعة لحم، وجمعت تلك القطع المائة في القدور وطبخت، وشرب صلى الله عليه وسلم من المرق وأكل من اللحم، قال الله: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا [الحج:28]، وقالوا: إن الحكمة والسر في أن المهدي يأكل من هديه لكي يختار نوعية الدم الذي سيريقه، ولا يكون مريضاً ولا هزيلاً، بل يتخير ما سيأكل منه؛ ليطعم غيره.

    والذين يبحثون وراء الرموز ووراء الحكم من أجل الاستنتاجات يقولون: في فعله صلى الله عليه وسلم هذا حكمة عظيمة وإشارة لذوي الألباب، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر ثلاثاً وستين، ولم ينحر ستين، ولا سبعين، قالوا: وهذا مقصود؛ وذلك أنه صلى الله عليه وسلم توفي عن ثلاثة وستين سنة، فالسنة التي حج فيها هي تمام الثلاثة والستين، وقولنا: هي مقصودة فيه نوع من التجوز، لكن سواء كانت بالصدفة أو مقصودة فهي إشارة، فكأنه يقول للأمة: هذا عدد أعوام حياتي، أعيش ثلاثة وستين سنة، وفعلاً رجع إلى المدينة صلوات الله وسلامه عليه، ومكث زمناً غير بعيد، وانتقل إلى الرفيق الأعلى.

    إذاً: نحر بيده صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وستين.

    لماذا أهدى النبي عليه الصلاة والسلام مائة بدنة؟

    بعض طلبة العلم يفتش وينبش ويسأل: لماذا أهدى مائة؟ كان يكفيه شاة أو يشترك هو وستة في بدنة، قالوا: لا، هذا العدد أيضاً له تاريخ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: (أنا ابن الذبيحين)، والمراد: أبوه عبد الله وإسماعيل عليه السلام.

    أما إسماعيل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ [الصافات:102] إلى قوله: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات:103] إلى قوله: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات:107].

    يقولون: إن هذا الذبح والفداء الذي نزل به جبريل هو القربان الذي كان قد قربه هابيل: إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ [المائدة:27]، هابيل قدم كبشاً كبيراً طيباً، وقابيل قدم حزمة زرع، وكان صاحب زراعة، وهابيل كان صاحب ماشية، فذاك الكبش من ذاك الوقت يرعى في الجنة، حتى نزل فداء لإسماعيل، والله أعلم، لكن هكذا يقول بعض العلماء.

    وعبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً أخذ للذبح، وذلك حينما رأى أبوه عبد المطلب في المنام قائلاً يقول له: أحيي برة، وبرة هي: زمزم، وكانت جرهم لما جلت عن البيت ردمت زمزم، وهذا كالحروب العسكرية يدمرون المنشآت حتى لا يستفيد عدوهم منها، فطمسوها وبقيت مطموسة، فأتي فقيل له: أحيي برة، يعني: يحيها بنبشها، قال: وأين هي؟ قالوا: حيث ترى الغراب ينكت في الأرض، في المكان الفلاني، أي: حول الكعبة، فخرج فإذا بالغراب ينكت في محل، فبدأ بالحفر، وكلما مر عليه بنو هاشم وأهل مكة، سألوه: ماذا تفعل يا عبد المطلب ؟ قال: أحفر زمزم، قالوا: كيف تبحث عن زمزم، وزمزم مطموسة، ولا أحد يعرف مكانها؟! قال: أنا عرفت مكانها، فكانوا يسخرون منه، فلما نزل بالحفر رأى طي البئر، فقالوا: زمزم ليست لك وحدك، نحن شركاء معك في زمزم، ومنعوه من إتمام الحفر حتى يشتركوا معه، وتكون زمزم للجميع، فما استطاع أن يقاومهم، فنذر لله إن رزق بعشرة بنين، وعاشوا حتى يحملوا السلاح ليذبحن واحداً منهم لله، دار الزمن واكتمل عنده عشرة من البنين، فاجتمعوا فأخبرهم بنذره، فقالوا: وف بالنذر، قال: من أذبح؟ قالوا: اختر، فاستهموا، فكان السهم على عبد الله ، فأخذه ومضى ليذبحه، فقامت قائمة قريش، وكان عبد الله أحب أبنائه لأهل مكة، فقالوا: لا والله! لن تذبحه، قال هذا الذي وقع عليه السهم، قالوا: لا، أبداً، فاحتكموا إلى عدة أشخاص، وأخيراً احتكموا إلى كاهنة كانت في جهة الحنكية شرقي المدينة، فقالت لهم: كم دية الرجل عندكم؟ قالوا: كذا، قالت: استهموا على ولدكم مع عشرة من الإبل، فإن طلعت السهام على الإبل فانحروها وتكون فداءً له، وإن طلعت السهام على ولدكم فزيدوا الإبل عشراً وأعيدوا القرعة، فما زالوا يقترعون ويطلع السهم على عبد الله ، ويزيدون حتى وصلت الإبل مائة، وحينئذ طلع السهم على الإبل، ففرحت قريش وقالوا: سلم عبد الله اذبح الإبل، قال: لا، عشر مرات وأنا أعيد القرعة ويطلع السهم على ولدي، سأعيد القرعة، فأعادها فطلعت على الإبل، ثم أعادها فطلعت على الإبل، ثلاث مرات، فذبحت الإبل فداء لـعبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا كان يقول: (أنا ابن الذبيحين)، وقوله هذا: يرد على من يقول: إن الذبيح هو إسحاق، وكثير من الناس يقول هذا، ولكن التحقيق في هذه المسألة أن الذبيح حقيقة هو إسماعيل عليه السلام، واليهود هم الذين صرفوا كلمة الذبيح لإسحاق ليذهبوا بها فخراً لهم، ففدي عبد الله بمائة من الإبل، وعاش عبد الله حتى أودع الأمانة التي كان يحملها في مقرها، وذهب إلى حال سبيله، وجاءت تلك الأمانة إلى الوجود، وهي النبي صلى الله عليه وسلم، ومضى عليه من العمر أربعون سنة، ثم كانت الرسالة، وعاش ثلاث عشرة سنة بمكة، وعشر سنوات بالمدينة، وكل ذلك عمر الرسالة، فلما حج أهدى مائة من الإبل، وكأنه يقول: لئن فدي أبي بمائة من الإبل أن تذبح للأصنام، فأنا أذبح مائة من الإبل لوجه الله تعالى، وهكذا يربطون بين هذا وبين ذاك، وكما ربطوا بين نزوله في المحصب وهي المعلاة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل من منى بات هناك، وتجدون في كتب الفقه والحديث خلافاً في هذا: هل كان هذا النزول من النسك أو كان على سبيل الإرفاق بالناس حيث يبيت في أول مكة بدلاً من أن يدخل في الليل مكة ويتعب أصحابه، وهذا أخف عليهم عند خروجه إلى المدينة؟ قالوا: لا، لقد كان هذا النزول متعلقاً بحدث وقع في أول الأمر وهو: أنه صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى التوحيد كتبوا الصحيفة الظالمة على مقاطعة بني هاشم، وألجئوهم للدخول إلى الشعب، وتلك الصحيفة كتبت بظلم في ذلك المكان، في خيف بني كنانة، فكأنه صلى الله عليه وسلم يقول: لئن شهد هذا الخيف كتابة صحيفة ظالمة فليشهدن نزول الأمة الإسلامية بعد نزولها من الحج، وتكون ليلة مباركة تمحو آثار تلك الليلة الظالمة.

    1.   

    شرح حديث: (واغد -يا أُنيس- على امرأة هذا ...)

    قال رحمه الله: [ وعن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة العسيف، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (واغد -يا أُنيس - على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) الحديث. متفق عليه ].

    هذا الحديث -يا إخوان- مباحثه كثيرة، ومواضيعه هامة وخطيرة؛ لأنه يتعلق بعدة أمور، وأول هذا الحديث، أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه رجل آخر، فقال: يا رسول الله إن ابني هذا كان عسيفاً عند هذا -والعسيف: الأجير- فزنى بامرأته، فقالوا: على ولدك مائة شاة، فافتديت ولدي بمائة شاة فاقض بيننا -يا رسول الله- بكتاب الله، فقال صلى الله عليه وسلم: (نعم، سأقضي بينكما بكتاب الله، على ابنك جلد مائة وتغريب عام، وغنمك رد عليك، واغد -يا أُنيس - على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها).

    إذاً: القضية قضية حد من حدود الله، ومجيء والد العسيف مع زوج المرأة إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام له شأن، ولو أن الرجل جاء بولده فقط ولم يسم أحداً؛ ما طلب رسول الله المرأة؛ لأن الحد يقام على من أقر على نفسه، ولو أقر على امرأة بعينها لا يقبل منه؛ لأنه إقرار الغير على الغير، والرسول صلى الله عليه وسلم كما يقال: (يلم ولا يتبع).

    فـالغامدية لما جاءت هل سألها: زنيت بمن؟

    لا لم يسألها، وهكذا ماعز لما اعترف بأنه زنى، هل قال له: زنيت بمن؟ ما سأل، ولو قالت الغامدية : زنيت بفلان، وجاء فلان وقال: هي تكذب، فهل يمكن أن يقام عليه الحد بمجرد قولها؟ لا، وكذلك ماعز لو قال: زنيت بفلانة، وجيء بها وقالت: لا، هو يكذب، هل يقام عليها الحد لمجرد دعوى؟ لا، فلابد من أربعة شهود صفتهم كذا وكذا أو الإقرار من الشخص نفسه.

    لكن هنا اجتمع الطرفان: الرجل يقر على ولده، وولده يسمع، وهذا يقوم بمثابة إقرار الولد، وزوج المرأة يسمع، وهذا لا يكون بمثابة إقراره عليها، لأنها لم تؤاخذ بإقرار زوجها بل قال: (اغد) ليسمع منها شخصياً.

    فمن أهم مباحث الحديث: مجيء هذين طائعين طالبين إقامة الحد، وقد أفتي والد العسيف بفتوى خطأ، فقيل له: عليك أن تفدي ولدك بمائة شاة، وهذا حكم غير صحيح، وإذا رفع الحكم الباطل إلى ولي الأمر فإنه يلغيه، فقال: (غنمك رد عليك)؛ لأن هذا باطل.

    رجم الزاني المحصن

    قال والد العسيف: اقضي بيننا، بكتاب الله، فقضى بينهما بكتاب الله وقال: (على ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد -يا أُنيس - إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها)، فقضى بينهما بكتاب الله، الطرف الأول عليه جلد مائة؛ لقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2]، والجلد بكتاب الله، والطرف الثاني قال: (واغد -يا أُنيس - إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)، خذ المصحف! هل في المصحف رجم الزاني؟ هل تقرءون الآن في المصحف رجم الزاني؟

    لا، لكن قال الأصوليون ومدققوا علماء الحديث: إن الرجم من كتاب الله؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (سأقضي بينكما بكتاب الله) وحكم في امرأة هذا بالرجم؛ لأنها محصنة، والعسيف ما هو محصن، بل هو أعزب بكر، والبكر عليه الجلد، وهذا في نص كتاب الله، وأين الرجم في كتاب الله؟ الرسول يقول: (سأقضي بينكما بكتاب الله)، وقضى على المحصنة بالرجم، ونحن لا نجد الرجم في كتاب الله! وهل كتاب الله فيه ظاهر وباطن؟! لا، ولكن قضاء رسول الله من قضاء الله، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:3]، وقال العلماء: بالإجماع كانت آية الرجم ثابتة في كتاب الله، ونصها: (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله)، ثم نسخ لفظها وبقي حكمها، وقد خطب عمر الناس يوم الجمعة وقال: (آية الرجم ليست في المصحف، ولكننا قرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا معه).

    فهي ثابتة في كتاب الله أو غير ثابتة؟ غير ثابتة الآن، وما الذي حصل؟ حصل نسخ اللفظ، وبقي الحكم.

    وهنا يتساءل علماء الشريعة ما دام الحكم باقٍ فلماذا ينسخ اللفظ؟

    قالوا: تكريماً لهذه الأمة، حتى لا يسجل على شيوخها أنهم زناة، فإذا بقيت تقرأ: (الشيخ والشيخة إذا زنيا)، ففيه أن من شيوخ هذه الأمة زناة، لكن من دواعي الستر من المولى سبحانه على ضعاف هذه الأمة نسخ اللفظ وبقي الحكم، وها هو صلى الله عليه وسلم يقرر هنا أن الرجم في كتاب الله، فحكم بينهما بكتاب الله، وحكم على المرأة بالرجم، إذاً: الرجم في كتاب الله.

    صحة الوكالة في إقامة الحدود

    تصح الوكالة والنيابة من ولي الأمر إلى إنسان لينفذ الحكم أو ليسمع الإقرار ويقوم مقامه، ففي هذا الحديث لم يدع المرأة، والمتهم بريء حتى تثبت إدانته، فلا نستدعيها وما عرفنا أنها زنت، ومجرد قول والد العسيف: إن ابني زنى بامرأة هذا؛ لا يثبت زناها؛ لأنها قد تنكر، فوكل النبي صلى الله عليه وسلم من يذهب إليها ويسألها.

    إقامة الحد بالإقرار أو الشهود

    بعض العلماء يقولون: يجب تكرار الإقرار لإقامة الحد، كما يشترط في الشهادة أربعة، فقالوا: يجب أن يقر الزاني على نفسه في مجلس الحكم أربع مرات بأنه زنى، لكن هل الرسول قال له: اسمع منها الاعتراف أربع مرات وما قيمة التكرار إذا كان الإقرار صادراً من الجاني؟ وإنما احتجنا لأربعة شهود؛ لأنهم يثبتون الزنا على غيرهم. ولماذا يجب الأربعة الشهود في الزنا مع أن البكر يجلد، وتكفي شهادة رجلين في قطع الرقبة في القصاص؟

    إذا شهد شاهد واحد بأنه رأى بعينه الزنا كالمرود في المكحلة، فهل الشاهد الواحد يقام به الحد؟

    إذا شهد اثنان، هل نقيم بشهادتهما حداً على طرفين؟ لا، الزنا يكون باشتراك، ولا يتأتى من جانب واحد، وإذا ثبت الزنا بالشهادة، فسنقيم الحد على الطرفين، فلما كانت إقامة الحد على طرفين احتجنا إلى أربعة شهود، حتى نكون قد أقمنا الحد على كل واحد منهما بشاهدين، ولا يكون في ذلك هضم ولا يكون في ذلك نقص.

    ويقول بعض الفقهاء: إنما تشدد الشرع في إثبات الزنا لدرء المفاسد والسمعة وعدم إشاعة الفاحشة وكذا وكذا، ولذا البعض يقول: ما أقيم حد زنا بشهادة قط إلى اليوم، فهو متعذر. إذاً: لماذا الحد؟

    قالوا: هو كالسوط المعلق، فكلما هم أحد بالزنا رأى هذا السوط يسقط عليه أو رأى تلك الحجارة تقذفه، فامتنع، ففيه إرهاب وتخويف، لكن هذا تشريع، والله سبحانه وتعالى أعلم بالحكمة، بخلاف القوانين الوضعية فقد تكون خالية من الحكمة، ويهمنا أن التشريع الإسلامي حكيم ثابت، وهو أقوى من رسوخ الجبال.

    وقوله: (واغد -يا أُنيس - على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها )، مفهوم المخالفة إذا لم تعترف فلا ترجم، فأتى إليها فاعترفت فرجمها، وهذه هي الوكالة في إقامة الحدود، وبالله تعالى التوفيق.

    والراجح الاكتفاء في الإقرار بمرة واحدة، وليس بلازم أن يقر عدة مرات، والذين اشترطوا تكرار الإقرار، استدلوا بأن ماعزاً أقر فأعرض عنه، فجاءه من قبل وجهه فأقر فأعرض عنه، أربع مرات، قالوا: ليستخلص منه أربعة إقرارات ليثبت الحد عليه، لكن لا والله ما كان رسول الله ليحتال على ماعز حتى يستخلص منه أربعة إقرارات وهو لا يدري ذلك، ولكن كان يعرض عنه لعله يولي ويدبر، كما جاء أنه قال لرجل جاء بزان: (هلا سترته بردائك)، والغامدية اعترفت وهي حامل، فقال: (اذهبي حتى تضعي، فرجعت ووضعته، ثم جاءت، فقال: اذهبي حتى تفطميه، فرجعت ثم جاءت به مفطوماً، وفي يده كسرة يأكل منها، فقال: اذهبي حتى تجدي من يكفله)، فهل كان يردها هذا الرد من أجل أن تأتي بعد ذلك؟ لا، ولو أنها لم تأت ما طلبها، وبالله تعالى التوفيق.