إسلام ويب

كتاب البيوع - أبواب السلم والقرض والرهن [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتبر السلم أو السلف عقداً من عقود الإرفاق بين المسلمين؛ وقد جعل الشارع عليه الصلاة والسلام له شروطاً حتى لا يقع الغرر أو التعدي على أي من طرفي العقد؛ وفي هذه الشروط: معرفة كيل ومقدار ونوع الشيء المسلم فيه، وعلى هذا جرى الصحابة رضوان الله عليهم في معاملاتهم.

    1.   

    شرح حديث: (من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم..)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    قال المصنف رحمه الله: [عن ابن عباس قال: (قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: من أسلف في ثمر فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم)، متفق عليه، وللبخاري : (من أسلف في شيء) ] .

    يقال في اللغة: السلف؛ بالفاء، والسلم؛ بالميم. والسلف لغة أهل الحجاز كما هو في الحديث، والسلم لغة أهل العراق، وكلاهما اسم لمسمى واحد.

    جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجراً، فوجدهم على منهج وطريق في التعامل في البيع والشراء، والبيع والشراء من عقود الحاجيات؛ لأن الأمور: إما ضروريات، وإما حاجيات، وإما تتميمات:

    فالضروريات: حفظ الجواهر الست: الأديان، والعقول، والدماء، والأعراض والأنساب، وحفظ الأموال.

    فحفظ هذه المسميات ضرورية لكل مجتمع، مسلماً كان أو غير مسلم؛ لأن الحياة لا تستقيم إلا بسلامتها وحفظها.

    والحاجيات: تبادل المنافع؛ مثل: البيع، والإجارة، والوكالة، والحوالات؛ فكل هذه حاجيات؛ أي: الحاجة تدعو إليها، وقد يعيش الإنسان طيلة حياته ولا يعقد صفقة واحدة؛ لأنه يجد من يكفيه في ذلك.

    والتتميمات: مثل الرهن، وهو تابع لعقد في الحاجيات؛ وهي المبيع، فهو متمم لعقد القرض بضمان سداده، فالسلم من العقود التي هي من ضمن الحاجيات؛ لأن الحاجة تدعو إليها:

    الناس للناس من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم

    قال تعالى: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً [الزخرف:32]؛ لمصلحة الحياة، ولو كان الناس كلهم سادة لا يعملون شيئاً لفسدت الحياة، ولو كانوا كلهم عملة وليس هناك سادة لديهم المال والعقارات ما وجدوا ما يعملون فيه، فلابد من هذه الطبقية لإعمار الكون، والنتيجة الشرعية: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] .

    فقدم النبي صلى الله عليه وسلم لهم عقوداً في البيع، والسلم، والإيجارات، وقد حصل تعديل بعض تلك العقود، كالإجارة، كما في حديث جابر ؛ فإنه أتى إلى أهل قباء وقال : (أتيتكم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاكم عن أمر كانت لكم فيه منفعة، ولكن طاعة الله ورسوله أنفع)، فقد كانوا يؤاجرون الأرض للزراعة على أن لصاحب الأرض ما في رءوس الجداول وما على القناطر من زرع، وللمستأجر وسط الأحواض، أو أن لصاحب الأرض الجزء الشرقي أو الغربي -لجزء معلوم المساحة- والباقي للمستأجر، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ لأنه قد يصاب هذا ويثمر ذاك؛ فيكون ذلك غبناً. فأما إن كان على جزء معلوم من الثمر فلا مانع، كأن تؤجر الأرض قمحاً على جزء منه؛ إما على الربع، أو على الثمن، أو السدس، فإن صحت فللجميع، وإن نقصت فعلى الجميع، ولا يكون هناك غبن.

    كذلك المبيعات التي كانت ممنوعة، عدّل فيها، وذلك مثل السلم.

    شروط السلم

    لابد في العين المسلف فيها: أن تكون معلومة للطرفين، وأن يغلب على الظن وجودها عند التسليم. أما إذا كانت نادرة ويغلب على الظن عدم وجودها؛ فيكون إحراجاً على المشتري، لذلك لابد في المسلم فيه من تحديد وبيان يمنع النزاع عند تسليم السلعة، فإذا أسلم في حبوب فيكون نوعها معروفاً، وإذا أسلم في تمور فيكون نوعها معروفاً، والمدينة كان فيها أكثر من مائتي صنف من التمر، فلابد أن يسمي الصنف الذي وقع عليه العقد، ويكون متميزاً معروفاً عند الطرفين، وإذا أسلف قمحاً فلابد أيضاً أن يحدد النوع؛ لأن القمح أنواع: البيضاء، والسمراء، والشامية، والحجازية، ولابد أن يكون المسلم فيه مسمى.

    وكذلك الكيل لابد أن يكون معلوماً من جهتين:

    الجهة الأولى: مقدار المكيل: بالصاع، أو بالإردب، أو بالقفيز، أو بالتنكة، وتكون مشاعة عند الناس؛ فلابد أن يكون الكيل معلوماً للطرفين حجماً ومقداراً، وإذا كان بالصاع؛ فهل هو الصاع الشامي أو المدني؟ وهل هو خمسة أو عشرة؟ بحيث أنه إذا جاء الأجل يقول: هذا عقدك عشرة آصع من تمر برني، أو هذا عقدك عشرة آصع من البر الشامي حباً، حتى لا يكون هناك نزاع.

    الجهة الثانية: إذا كان المسلم فيه زيت أو نحوه - كما سيأتي- لابد من تبيين نوعية الزيت؛ هل هو من الزيتون، أو السمسم، وكذلك المقدار، فإذا جاء الأجل سلمه النوع والمقدار الذي تعاقدوا عليه.

    هذا المكيل والموزون، وإذا كان المسلم فيه ليس مكيلاً ولا موزوناً، فهل يصح فيه السلم أم لا يصح؟

    ينص الحنابلة وغيرهم: أن غير المكيل والموزون؛ وهو المعدود، إن كان يصح أن يوصف ولو وصف استوفت الأوصاف عينه، بحيث يتميز عند التسليم، ولا تقع المشاحة؛ جاز.

    والآن في الوقت الحاضر نحتاج إلى هذا، ولنفرض وقوعه في: كاسات الشاهي، أو الصحون الصيني، أو كاسات الماء، أو الفنايل، أو الشماغ، فإذا أردنا أن نشتري أو نبيع سلماً، فكيف سيكون ذلك؟

    إن كان يمكنك أن تصف هذا اللباس بوصف معروف عند الناس يميزه عن غيره، بحيث أننا لو جئنا عند التسليم لا نتنازع في المعقود عليه، وذلك بذكر النوع والخامة؛ هل هو قطن أو كتان أو حرير، وهناك قاعدة في علم الغزل: كم في الـ (سم) من مدَّة خيط؛ السدى واللحمة، ويعرف عندهم بكثافة النسيج وخفته، فتأتي وتأخذ المسطرة وتنظر كم خيطاً في الـ ( سم )، وكلما كان الغزل رفيعاً كان أقوى وأكثر، وكلما كان متيناً كان أضخم وأضعف، فإذا أمكن وصفه بكل الصفات بحيث أنه لا يختلط مع غيره صح.

    والآن توجد ماركات وأسماء معينة وقد تشتبك في الأسماء، ولكن المقصود: الوصف الذاتي؛ وذلك مثل الملابس الجاهزة؛ ماركة كذا، ورقم كذا، وقماش كذا، فإذا وصف الملابس وقياساتها، ونوع نسجها، ولو أمكن أن يذكر أيضاً الشركة المنتجة بحيث أنها لا تختلف مع إنتاج شركة أخرى لكان أفضل، فإذا توافرت هذه المواصفات فلا مانع . ومثلها الصحون والملاعق، وأثاث المنازل.

    يقول الحنابلة: أما الأمور التي لا تنضبط كالقماقم والأسطال؛ فلا يسلم فيها، والقمقم: عبارة عن إناء مستدير يختلف حجمه، وتختلف قاعدته، ووسطه، وعنقه، فلا نستطيع أن نحدد قدر الضيق ولا السعة، ولا أن نحدد كم بين الضيق والوسط والقاعدة. فهذه لا تنضبط، ولكن إذا أمكن ذلك بالإنتاج المكنيكي الآن، وذلك مثل القالب الواحد الذي يصب آلاف الأسطال بمقياس واحد، وأمكن تحديد قاعدته ومحيطه، وذكر الوصف الذي يحدده ويميزه عن غيره، هل من هو من زجاج أو فضة، فإذا أمكن الوصف وأن يحدد المسلم فيه بحيث لا يختلف مع غيره فلا مانع.

    إذاً: (من أسلف في شيء؛ فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم)؛ أي: وصفات معلومة، والغرض من ذلك: منع النزاع عند التسليم، فكل ما يسبب نزاعاً عند التسليم بعدم التميز أو وصف مشترك لا يصح أن يكون سلماً. وكل ما يقضي على النزاع عند التسليم وليس فيه وصف مشترك مع غيره صح فيه السلم.

    وعلى رأي الجمهور: أن السلم يكون في كل ما يمكن وصفه، ولا يكون قاصراً على المكيل والموزون كما قال البعض؛ لأن هذا تحجير، وقد جاء النص : (من أسلف في شيء)، و(شيء) أعم العمومات، حتى أنه يشمل المولى سبحانه، قال تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ [القصص:88].

    إذاً: هذا موضوع السلف، أو موضوع السلم.

    شرط تسليم الثمن في مجلس العقد

    إذا تعاقدا في المجلس فلابد من تسليم الثمن في مجلس العقد، ولو تعاقدا في مجلس وقال: سأعطيك المال فيما بعد، وعندما يأتي الأجل تأتيني بالمبيع؛ فإنه لا ينعقد سلماً، فلابد من دفع الثمن في مجلس العقد، فإن افترقا ولم يدفع الثمن لم يتم العقد، لكن إذا دفع الثمن في المجلس فلابد أن يكون معلوماً، ولا يصح أن يكون صبرة في كيس، لماذا؟ لأنه في النهاية إما أن يوفي التزامه ويأتي بالمبيع، وإما أن يعجز عن الوفاء بأن يفتقد الصنف في ذلك الوقت، فماذا يكون الحكم؟ إما أن يسترجع ما دفع. وإما أن ينتظر حتى يوجد المسلم فيه، ولا يجوز أن يأخذ على ذلك شيئاً، فإذا دفع ألفاً وكان الأجل إلى سنة ولم يوجد الصنف وتعذر فإنه يأخذ الألف، أو ينتظر حتى يوجد الصنف ولو لسنة ثانية، ولا يجوز أن يحوله إلى صنف آخر عندما يتعذر وجود الصنف المعقود عليه، فيكون الثمن معلوماً كما أن المثمن يكون معلوماً.

    مكان تسليم المسلَم فيه

    أين يسلم البائع العين التي أسلم فيها؟

    إن كان مجلس العقد في مكان يصلح للتسليم فعلى حسب العادة، واستصحاباً للأصل: أن يأتي به البائع إلى محل المشتري، وإن كان العقد قد وقع في مكان لا يصلح للتسليم فعلى ما اشترطاه، فإن لم يشترط نرجع إلى الأصل وهو مجلس العقد.

    متى ينعقد عقد السلم في مكان لا يصلح للوفاء؟

    لو كنت في سفر على متن طائرة وجاءت المناسبة، وكنت تريد تمراً سلماً أو براً أو أثواباً من القماش، فقال صاحبك: عندي ما أبيعك، وأسلمك في العين بعد ستة أشهر، فيقول: اشتريت، خذ الثمن، فدفع الثمن في مجلس الطائرة وانعقد البيع، والمبيع أجله إلى ستة أشهر، فأين يأتي البائع بالمبيع؟ هل يأتي به في الطائرة؟ يتعذر هذا، فإن اشترطا عند العقد محل التسليم؛ فيلزم البائع أن يوفي بذلك.

    وإذا فاتهم أن يشترطوا ومكان العقد لا يصلح للتسليم، فإننا نرجع إلى الأصل؛ ويوفيه إلى المشتري في المكان الذي يصلح للتسليم؛ لأن مكان العقد وهو الأصل غير صالح للتسليم، وكذلك لو كانوا في سفينة في عرض البحر ... إلى آخره.

    ومباحث السلم واسعة، وأهمها ما جاء في الحديث: من ضرورة تعيين المسلم فيه مقداراً ووصفاً وجنساً، حتى لا يتأتى فيه النزاع عند التسليم، وكل ما صح وصفه، وأمكن تمييزه، وانتفى النزاع عند تسليمه، جاز فيه السلم، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (كنا نصيب المغانم مع رسول الله...)

    قال رحمه الله: [وعن عبد الرحمن بن أبزى وعبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنهما قالا : (كنا نصيب المغانم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يأتينا أنباط من أنباط الشام فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب -وفي راوية: والزيت- إلى أجل مسمى، قيل: أكان لهم زرع؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك)، رواه البخاري ].

    هذا شرط من شروط صحة السلم.

    قال: [كنا نصيب المغانم].

    والمغانم نقود وأعيان ... إلى آخره، فكانوا يستعيضون عن تلك المغانم بدراهم، فيأتي التجار من الأنباط وأمثالهم إلى المدينة فيسلفون.. يعطونهم الثمن سلفاً في سلع معينة كما ذكرها هنا: البر، والشعير، والزيت، والزيتون، وهذه كلها مكيلة أو موزونة، وألحق بهذه الأصناف ما أمكن انضباطه.

    قوله : [إلى أجل مسمى].

    كما قال صلى الله عليه وسلم : (في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى زمن معلوم)، وهذا الأجل يشترط فيه التأثير على الأسعار، لأن المسلم فيه تطرأ عليه تغيرات الأسواق من زيادة أو نقص، لماذا؟ لأن كلاً من المشتري والبائع إنما باع مراعياً تغير الأسعار، فالذي دفع الثمن دفعه على أن يؤتى له بالمبيع في مواعيده.

    مثلاً: الناس الآن في المدينة والنخيل فارغة، فيأتي شخص إلى صاحب بستان ويسلفه ألف ريال في إردب من التمر، فالذي دفع الألف الآن يرتجي بأن الألف سيأتيه بإردب أرخص مما يكون في السوق، والذي أخذ الألف وتعهد بالإردب يستفيد من المبلغ ويرى بأن الإردب في ذلك الوقت أقل من ذلك الألف في هذه الساعة، فكل منهما يراعي المصلحة لنفسه؛ فإذا لم يكن هناك تغير لزمن الأسعار ما كانت هناك دوافع للمسلم ولا للمسلم إليه في بر أو زيت أو زبيب إلى أجل معلوم، فالأجل لابد أن يراعى فيه تغير الأسعار .

    [قيل: أكان لهم زرع؟ قال: ما كنا نسألهم].

    يشترط في المبيع سلماً: ألا يقيده البائع ولا المشتري، كأن يشترط من نخل معين، أو نخلة معينة، أو زرع معين، أو تأتي إلى صاحب بستان لتشتري منه إردباً سلماً، فلا تشترط: أريد من بستانك الذي في قباء، أو الذي في العوالي، أو الذي في بير علي؛ لأن اشتراط كون المسلم فيه من مكان معين قد لا يثمر ذاك المكان، وقد لا يأتي بالكمية التي أسلمت فيها، فماذا تصنع؟ وبهذا تكون كأنك بعت معدوماً معيناً، وهذا لا يجوز، لكن أن تبيع شيئاً مستقراً في الذمة، سواء كان عندك في بستان ستأتي من ثمره، أو أرض ستأتي من زرعها، أو ليس عندك شيء، فالذي ليس عنده شيء ماذا يعمل؟ إبان الموعد يذهب ويشتري من السوق المعقود عليه، ويأتي به يسلمه للمشتري.

    إذاً: من شرط صحة السلم: ألا يعين المصدر الذي منه المبيع سلماً؛ مخافة ألا يأتي من المعين، فإذا كنت عينت من بستان معين والبستان لم يأت بالمقدار الذي اشتريته، فسيقول لك صاحب البستان: أنت الذي عينت البستان، وهذا الموجود، لذلك اشترط أن يكون السلم ديناً في الذمة ليس معلقاً بمعين في الخارج.

    قال: (أكانت لهم زروع؟ قال: ما كنا نسألهم)، ولا لنا دخل، فنحن لنا المعقود عليه فقط، سواء كان مسروقاً أو زارعة أو هبة أو شراء، نحن دفعنا المال وانتظرنا السلعة، فإذا جاء وقت الأجل أخذت المسلم فيه، وليس لك أن تقول: من أين جئت به، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه)

    قال رحمه الله: [وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله تعالى) رواه البخاري ].

    أتى المؤلف رحمه الله بالحديثين الأولين في موضوع السلم، وأرجو من الإخوة أن يرجعوا في هذا الباب إلى الموسوعات الفقهية؛ لأن هناك زيادات يستفيدها الإنسان لتوفية هذا الموضوع، وما تقدم في موضوع السلف؛ في عقده وشروطه وجنسه وزمنه ومقداره ... إلى آخره، لعل فيه الكفاية على رءوس مسائله، ثم انتقل المؤلف رحمه الله إلى الموضوع الثاني؛ وهو موضوع القرض؛ فقد أتى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما فيه الوعد والوعيد لمن أخذ أموال الناس قرضاً، بدليل قوله : (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه)؛ لأنه أخذها لحاجة وبنية سليمة، وقد دفعته الحاجة إلى ذلك، وهكذا أمور الحياة، تزيد وتنقص، (ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله تعالى)، سواء كان في حاجة نفسه أو غيرها، وأخذها تبذيراً، أو من أجل إتلافها على صاحبها ولم ينو الوفاء، وإنما احتال عليهم، وما أكثر الحيل في ذلك!

    والأمثلة على هذا قد ترى من الغرائب:

    يذكر أن رجلاً أتى إلى قرية يبيع ويشتري، فنقصت عليه ألف دينار، فطاف في تجارها فلم يجد من يدفع عنه؛ لأنه غريب، فأتى تاجراً فقال له: أدفع عنك، ولكن بشرط: أن تأتيني بكفيل، قال: الكفيل موجود، قال: أين هو؟ قال: الله، فقال التاجر: أعطيتك والله الكفيل، وكان موعد الوفاء بعد سنة، فذهب الرجل بالمال، وجاء الموعد، فانتظر المقترض سفينة يركب فيها إلى صاحب الدين من أجل أن يوفيه حقه فلم يجد، وكل أسبوع يذهب للانتظار ولكنه لا يجد سفينة، وصاحبه هناك ينتظر أن تأتي السفينة بالرجل فلا يجد شيئاً، فيئس هذا من مجيء الرجل، ويئس ذلك من مجيء سفينة، فأخذ المقترض خشبة وحفر داخلها، ووضع القرض في الخشبة وأقفل عليه، وجاء إلى البحر وقال: يا الله! اقترضت بكفالتك، وهذا ديني، فسد عني ديني وفك كفالتك، وألقى بها في البحر، ثم قدر الله أن يذهب صاحبه إلى البحر لينتظر مجيء السفينة كالعادة، فوجد خشبة في الشاطئ فأخذها، وقال: لو أني أستدفئ بها، فحملها فإذا بها ثقيلة، فقال: لعل هذا من الماء، ولما وصل إلى البيت مغضباً ألقى بها فانكسرت عن الدنانير، ومعها ورقة مكتوب فيها: هذا ديني بكفالة الله، فإن وفى إليك فالحمد لله، وإلا فهو في ذمتي، وبعد مدة وجد المقترض سفينة فذهب ليتاجر في تلك البلاد، فمر على صاحبه وفي يده الألف، وقال له: لقد طال علي الزمان، ولم أجد سفينة، ولم يذكر له أمر الخشبة، وقال له: هذا دينك، فقال له: لقد وفى الله عنك، قال: أوصلت الخشبة؟ قال: نعم، فقال: الحمد لله!

    (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها ليتلفها ..)، وهذا أمر بيّن واضح، والجزاء من جنس العمل، وهناك نصوص أخرى جاء فيها : (كان الله في عونه حتى يؤدي)، وكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وبعض الصحابة ربما يقترض من غير حاجة، فقيل لهم في ذلك، فقالوا : (التماساً لقوله صلى الله عليه وسلم: كان الله في عونه حتى يؤدي، فأحب أن يكون الله في عوني دائماً).

    قوله : (أدى الله عنه)، أي: بأن ييسر له بعد عسر، أو يوسع عليه بعد ضيق، أو يهيئ له من يدفع عنه، كان له عون من الله حتى يؤدي هذا الدين، كثيراً كان أو قليلاً.

    ويقولون: إن الزبير كان مديناً بكثرة، وكانت عنده تركة واسعة، فقال لولده: يا ولدي! إذا أنا مت فقل: يا رب الزبير! أد عن الزبير، فأخذ يبيع من تركة أبيه حتى وفى جميع دينه، وكان لا يظن أنها توفي بالنصف، بل وزاد للورثة منها!

    وعلى هذا: فإن أموال الناس ودائع، كما قال صلى الله عليه وسلم: (كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه، وماله، وعرضه)، والأعمال بالنيات، فإذا اقترض المحتاج وهو ينوي الأداء أعانه الله في قضاء الدين، ومن كان على عكس ذلك فهو على العكس، وهذا ترغيب في حسن النية بالاقتراض: أن ينوي الأداء والله يعينه، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (إن فلاناً قدم له بز من الشام فلو بعثت إليه...)

    قال رحمه الله: [ وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (قلت: يا رسول الله! إن فلاناً قدم له بز من الشام، فلو بعثت إليه فأخذت منه ثوبين نسيئة إلى ميسرة؟ فبعث إليه فامتنع)، أخرجه الحاكم والبيهقي ، ورجاله ثقات].

    ماذا تقولون في هذا الذي امتنع؟ أنا أقول: جزاه الله خيراً؛ لأنه بين لنا حسن معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لمن لم يطعه، فإنه لم يلزمه صلى الله عليه وسلم بما يريد، سبحان الله العظيم!

    نرجع إلى موضوع الحديث، وله نظائر:

    [إن فلاناً قدم له بز من الشام].

    البز: نوع من القماش مثل الخز، يشترك في نسيجه القطن والكتان، والحرير، أو شيء من هذا.

    [فلو بعثت إليه فأخذت منه ثوبين].

    هل كان لدى الرسول صلى الله عليه وسلم ثياباً كثيرة ؟ لا. الواحد منا كم عنده من ثوب؟ لا يقل عن أربعة أو خمسة أثواب... قد يقال: هذا فيه نوع ترفيه وتجمل، وقد سبق لعمر رضي الله تعالى عنه أنه رأى حلة تباع عند باب المسجد، فأتى بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يا رسول الله! اشتر هذه، تلبسها في الأعياد وعند الوفود، وهذا الذي ينبغي على المسلم وخاصة المسئول؛ فإنه لابد أن يكون في التجمعات مظهره أكمل؛ لأن في هذا إظهار فضله واعتزاز نفسه، وأكثر من هذا: في غزوة تبوك لما نزلوا منزلاً، وكانت تلك الأيام أيام حر، وكانوا إذا نزلوا منزلاً وفيه شجر، يتركون الشجر الأكثر ظلاً لرسول الله، فجاء أبو طلحة إلى رسول الله بغرارة وفيها قثاء، فقال له رسول الله : (من أين هذا؟ قال: جئت به من المدينة)، ونعلم بأن القثاء أشد تحملاً في السفر من الخيار والخربز، والحبحب؛ لأنها صلبة، فأكل صلى الله عليه وسلم، فإذا بغلام لـأبي طلحة مر في ثياب خلقة، فقال صلى الله عليه وسلم : (أليس عنده سوى هذا الثوب؟ قال : بلى يا رسول الله، ثوب جديد في الخريطة، فقال: مره فليلبسه، فدعاه وقال له: البس ثوبك الجديد، فلبس ثوبه الجديد، فكان بمنظر غير المنظر الأول، فقال رسول الله: ضربت عنقه! -أي: أليس هذا أحسن؟- فقال الغلام: في سبيل الله يا رسول الله! قال: في سبيل الله) فضربت عنقه في سبيل الله، لكن المشكلة هنا: أنهم في غزوة ومقدمون على الروم، فقد كانت غزوة تبوك عن موعد مع الروم، ومن عادة الجيوش أو المتقاتلين: أن الهيئة والبزة تعود على الخصم بالتأثير، فإذا رأى الخصم خصمه مهلهل الثياب، ضعيف السلاح، مطأطئ الرأس؛ طمع فيه ولم يبال. أما إذا رآه منتفخاً ريشه، ومرتفعاً رأسه، ويزهو بنفسه عمل له حساباً، ولهذا لما أخذ أبو دجانة السيف وأخذ يتبختر به ويمشي مشية الخيلاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إنها مشية يكرهها الله إلا في هذا الموطن)؛ لأنه إذا استخف به كأنه مستخف بالعدو، كما قال:

    جاء شقيق عارضاً رمحه إن في بني عمك سلاح

    وأباح صلى الله عليه وسلم الذهب -الممنوع- أن يجعل حلية في السيف؛ لأنه يراه العدو، فيعرف بأن صاحبه صاحب نعمة، وسبق أن سمعت من والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه: أن جماعة من قبيلته -وهي قبيلة تجارية حربية- كانوا في سفر للتجارة؛ فرءوا في طريقهم رجالاً يعترضونهم بالسلاح، فعرفوا أنهم قطاع طُرق، وأنهم سيتقاتلون معهم؛ فلما دنوا منهم أناخوا الإبل -وكانت عليهم ثياب للسفر عادية- ثم أخرجوا أحسن ثياب يحملونها معهم فلبسوها، وأخرجوا أفضل نعالهم فانتعلوها، ثم أثاروا الإبل، وتقدمها رجال وتأخرها رجال، واكتنفها من الجانبين رجال ومشوا بتؤدة وتأن ولا كأن أمامهم شيء، فلما رأى قطاع الطريق ذلك قالوا: هؤلاء أناس ليسوا بعاديين، فمادامت هذه حالهم فإنهم واثقون بأنفسهم، فجنبوا عن الطريق، فابتعدوا عن طريق سيرهم حتى اجتازوا فأناخوا الإبل، وأخرجوا من تجارتهم شيئاً كالهدية والطعم، ووضعوه على ظاهر الطريق، وكأنهم يقولون لهم: تعالوا خذوا بعض الشيء، ثم مضوا في سبيلهم.

    وهذا كما يقال: فيه كسر لنفسية العدو، وكذلك ما حصل في تبوك، فإنهم عندما يرون الخادم بالثياب الجميلة يقولون: إذا كان هذا خادمهم وراعيهم، فما بال الآخرين؟

    وعمر رضي الله تعالى عنه عندما رأى الحلة، ورأى الوفود تأتي إلى رسول الله أراد أن يكون لرسول الله ثياباً خاصة يلقى فيها الوفود، وهذا مناسب، بل يقول صلى الله عليه وسلم : (ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته)؛ فالفلاح والجزار والحداد له لباس لعمله يتحمل الأوساخ، فهل يذهب الجزار مثلاً إلى صلاة الجمعة بملابسه التي يعمل بها في المجزرة، ويدخل المسجد بين الناس في صلاة الجمعة بهذه الملابس ؟! فلابد أن يكون له ثوباً خاصاً ليوم الجمعة بعيداً عن أوضار المهنة؛ ليكون في مظهر ومنظر حسن، وحسن السمت من حسن السيرة.

    إذاً: لما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعترض على عمر أن يلبس حلة للوفود، ولكن لما نظر في قماش الحلة وجد أنها لا تصلح له، وقال : (إنما يلبس هذا من لا خلاق له)، يعني: نوعية قماشها لا تصلح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى هذا: أنه لو كان القماش من نوعية أخرى لقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونعلم أنه كانت له بردة يخطب فيها يوم العيد ويقابل بها الوفود، وبقيت بعده إلى أن اشتراها معاوية رضي الله عنه.

    إذاً: عائشة رضي الله تعالى عنها رأت من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه في حاجة إلى ثوبين من هذا البز، فعرضت عليه أن يشتري، فقالت له : (لو أرسلت إليه، فأخذت منه ثوبين نسيئة، فبعث إليه فامتنع)، نقول: إن الرجل لا يجهل قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه حريص على المال لأي معنى من المعاني، وهذا قضاء الله الذي وقع .

    وامتناع الرجل عن البيع لرسول الله صلى الله عليه وسلم نسيئة أعطانا خلفية عن معاملته عليه الصلاة والسلام مع أصحابه، فإنه لم يخاصمه ولم يعاتبه ولم يلزمه بشيء؛ لأن هذا ملكه وله حرية التصرف فيه.

    ولو حدث هذا الموقف لأحدنا فسيقول للتاجر: أنت لا تقرض أحداً، ولا تأمن الناس، والتاجر معه الحق في ذلك؛ لأنه حر في ماله، فله أن يقرض من يشاء ويمنع من يشاء، فإذا كان سيد الخلق صلى الله عليه وسلم الذي يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ومن أجل ثوبين ليس لديه حقهما يطلب من رجل ثوبين بقيمتها نسيئة، ومع ذلك يرفض الرجل! يقول الله عز وجل فيه : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، صلوات الله وسلامه عليه.

    وقريب من هذا قضية بريرة ؛ فبعد أن أعتقت واختارت نفسها، وصار زوجها يتبعها في الطرقات، وبلغ خبرها رسول الله، قال لها رسول الله : (زوجك- يعني: انظري في حاله- فقالت: يا رسول الله! أشافع أنت أم آمر؟ فقال لها : أنا شافع؟ - والشافع قد تقبل شفاعته وقد لا تقبل، والآمر إذا كان له حق الأمر فأمره مطاع- فقالت: لا حاجة لي فيه)، وهذه كما أشرنا مراراً: جواب ملفوف في ورق ملون مكتوب فيه: لا أقبل شفاعتك، فلم يعتب عليها صلى الله عليه وسلم ولم يلزمها، ولم يأخذ في خاطره منها؛ لأنها حرة في نفسها، وقد شفع فلم تقبل الشفاعة.

    إذاً: نحن أيضاً مع الناس في الشفاعة، لو شفعنا في مصلحة إنسان فردت شفاعة من شفع لا يحمل في قلبه الحقد، ولا يقول: لم يقبل شفاعتي، لماذا؟ ليس بينك وبينه عداوة، ولا أخذ لك حقاً، غاية ما في الأمر أنك طلبت منه طلباً ليس ملزماً بإجابته فرفض، لماذا تحمل في نفسك عليه؟

    والمؤلف جاء بالحديث في باب القرض؛ لأنه انتهى من باب السلم، وتقدم حديث عائشة قبل ذلك : (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله)، وهذا تحذير من القرض بدون حاجة، أو بنية عدم الرد والسداد.

    وهنا عملياً: إذا أنت اشتريت وبقي الثمن مؤجلاً، فكأنك اقترضت الثمن من صاحبه، فيجوز البيع بتقديم السلعة وتأخير الثمن، ذكرنا سابقاً بأن البيع ثلاثة أقسام: إذا كان الثمن والمثمن حاضر خذ وهات، وإذا كان الثمن غائباً والسلعة حاضرة فخذ السلعة ثم هات الثمن، والعكس في السلم؛ الثمن مدفوع في المجلس، والمثمن مؤجل.

    إذاً: أخذ السلعة نسيئة لا بأس به، ولكن إذا كان الثمن نقداً من غير جنس المبيع، فلو أنك اشتريت إردباً من التمر بإردب من البر على أن يكون نسيئة، فلا يجوز؛ لأن البر بالتمر يجب أن يكون يداً بيد، وإن جاز التفاضل فلا يجوز النساء، كما هو في السلم؛ إذا أسلمت في تمر وكان رأس المال براً فلا يجوز؛ لأنه من بيع ربوي بربوي نسيئة، فلا يجوز ذلك.

    وباب القرض واسع، فقد يكون في النقد، وقد يكون في ثمن البيع، وقد يكون في أجرة الأعيان، كأن تستأجر البيت أو البستان والأجرة مؤجلة إلى كذا.. كل ذلك جائز.