إسلام ويب

كتاب البيوع - باب الربا [3]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حرم الله أكل أموال الناس بالباطل؛ لما يترتب عليه من المفاسد الكبيرة على الفرد والمجتمع، وقد جاء الإسلام ليُتمِّم مكارم الأخلاق، وظلم الناس في أموالهم ينافي ذلك؛ ولهذا حرم الإسلام الربا وكل ما يفضي إليه من المعاملات المالية، وهي كثيرة وينبغي معرفتها للحذر والتحذير منها.

    1.   

    شرح حديث: (نهى رسول الله عن بيع الصبرة من التمر… )

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.

    وبعد:

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الصبرة من التمر التي لا يعلم مكيالها بالكيل المسمى من التمر) رواه مسلم ].

    هذه صورة من صور الربا، وتقدم التنبيه على أن الربا بضع وسبعون باباً، فهو أبواب متعددة، فبيع الجمع بالجنيب نوع من الربا، ومن الربا بيع جنس بجنسه متفاضلاً كبر ببر، وهنا لا يوجد تفاضل في الجنس، فما هي الصبرة؟

    الصبرة من كل شيء: المجموع المكوّم، تأتي مثلاً بكيس البر، وتفرغه في الأرض، ثم بكيس آخر، وآخر... حتى يصبح بشكل هرمي من البر، وكذلك من التمر، فهذه هي الصبرة، والأصل في بيع الصبرة أن يكال، فنقول لصاحبها: أبغى صاعين. أبغى ثلاثة، أبغى خمسة...، ومالك ذكر في الصبرة أحكاماً عديدة، وقد نبهت سابقاً أن من أراد الجزئيات الدقائق جداً في الربا فليرجع إلى موطأ مالك، وإلى الباجي في شرحه.

    نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع هذا الصبرة بجنسها كيلاً، مثلاً يقول الرجل: يا صاحب الصبرة! هذه الصبرة تمر أو بر؟ قال: تمر، فيقول: أشتريها منك بخمسين صاعاً، والزائد من الخمسين لي، والناقص علي؛ لأنه لا يمكن أن نحكم أن الصبرة خمسين صاعاً ما تزيد تمرة ولا تنقص، فتحتمل الزيادة والنقص، فيقول: آخذها على حظي، آخذها بخمسين صاعاً، وإن وجدتها إحدى وخمسين، أو خمسة وخمسين، أو ستين، فالزائد لي، وإن وجدتها أربعين، أو خمسة وثلاثين، فالناقص عليّ، وما أنا مطالبك بشيء.

    يوجد تراض وتسامح بينهما، لكن تراضي المتعاقدين لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً؛ لأن كل المعاملات تكون عن تراضٍ، حتى الذي يكتب سنداً بأنه اقترض ألفاً، ويرده ألفاً ومائتين، ويوقع عليه؛ فهو راضٍ بذلك.

    إذاً: لا كما يقول القانونيون سابقاً: العقد شرعة المتعاقدين. ثم عدلوا في هذه القاعدة وزادوا: ما لم يخالف قانوناً، إذاً: العقد شرعة المتعادقين ما لم يخالف الشرع، ونحن بحمد الله قانوننا الشرع، فما المانع في هذه الصورة أن يصحح بيع الصبرة مجهولة الكيل بكيل معلوم محدد؟

    المانع أن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل.

    الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في باب الربا

    الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، البر بالبر لا بد أن يكون مثلاً بمثل، وهل عرفنا المثلية في الصبرة؟ لا، نحن عرفناها في الخمسين لكن هل عرفناها في الصبرة؟ لا، إذاً: الجهل بالتساوي كالعلم بالزيادة، كأننا بعنا الصبرة وعرفنا أنها ستون صاعاً، وبعناها بخمسين، لو أن صاحبها كالها ستين صاعاً، وصارت معلومة عنده، ثم جاء المشتري وقال: أشتريها بخمسين، قال: بعتك، فنكون قد علمنا بالزيادة، والزيادة في الجنس الواحد تكون رباً.

    إذاً: الجهل بالتساوي كالعلم بالزيادة.

    لو جاء وقال: أنا عندي صبرة هناك عند ذاك الباب، وأنت عندك صبرة هناك عند ذاك الباب، وأنا محلي هناك قريب من صبرتك، وأنت محلك هناك قريب صبرتي، فأشتري صبرتك بصبرتي لتنقلها إلى محلك بسهولة، وأنقل صبرتي إلى محلي بسهولة، فما حكم بيع صبرة بصبرة، ولا يوجد تحديد بالثمن؟

    لا ندري كم صبرتك، ولا كم صبرتي، إن كانت معلومة الكيل، هذه خمسون صاعاً، فيجوز، ولا توجد زيادة، حصل بيع الجنس بجنسه متساوياً يداً بيد، لكن إذا كنت أنا لا أعلم مقدار صبرتي، وأنت لا تعلم مقدار صبرتك؛ فحينئذٍ لا يجوز إلا إذا كان كيلاً بكيل حتى تتحقق المساواة والمماثلة.

    ولو كانت الصبرة موجودة، وصاحب الدراهم جاء وقال: يا صاحب الصبرة! بكم تبيعها؟ قال له: بمائة ريال، قال اشتريت، فعندما جاء يعبئ الصبرة في الأكياس وجد الصبرة مكومة على صخرة، ماذا تقولون؟

    تكويمها على الصخرة تدليس، فهي صبرة إلا ربع، فالصخرة زادت في حجم الصبرة، وأنا اشتريت حباً ما اشتريت صخرة، فماذا يفعل المشتري؟

    ما دام أن البيع بالدراهم فهي الواسطة، والزيادة والنقصان لا دخل لها هنا، لكن وجدت صورة تدليس؛ لأن كومها على صخرة، أو كانت الأرض غير متساوية، كل الأرض معتدلة إلا عند هذا المحل يوجد محل ناتئ كوم عليه الصبرة.

    إذاً: إذا كان يباع المبيع بجنسه فلا بد من معرفة المقدار في الجانبين، أما إذا كان البيع بالدراهم فالجهالة لا تضر، قال: بكم الكيس؟ قال: الكيس بعشرة، قال: كم فيه؟ قال: والله! أحياناً عشرة صاعات، وأحياناً تسعة ونصف، زاد أو نقص لا يضر؛ لأن المقابل هنا الدراهم، وليس بين الدراهم والمطعومات ربا.

    1.   

    شرح حديث: (الطعام بالطعام مثلاً بمثل)

    قال رحمه الله: [ وعن معمر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (إني كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الطعام بالطعام مثلاً بمثل، وكان طعامنا يومئذٍ الشعير) رواه مسلم ].

    رجع المؤلف رحمه الله إلى البر والشعير، وكان هذا الحديث محله هناك مع تلك الأصناف، لكن كأن المؤلف يريد أن يختم بحث الربويات المطعومة بما هو أعم؛ لأن المتقدم في حديث عبادة بن الصامت ذهب وفضة وتمر وبر وشعير وملح، وهذه أعيان مسماة مميزة معروفة، وهل نقتصر عليها كما اقتصر الظاهرية أو نلحق بها غيرها؟

    نلحق بها كل ما وجدت فيه العلة التي توجد مشتركة بين تلك المسميات، وتقدم لنا بأن الكيل والوزن فقط علة عند بعض العلماء، وقالوا: كل مكيل أو كل موزونٍ يجري فيه الربا، وفي حديث الجنيب: (وكذلك الميزان)، فإذا بيع بجنسه فلا بد من المماثلة ومن القبض، أي: الحلول والتقابض.

    الذي يمنع من الإلحاق يقول: الرسول ذكر أشياء، وسكت عن الباقي، فما لنا شغل فيه، والآخرون يقولون: ما دام قد اشترك في المعنى فيدخل، كما قالوا: الزبيب والتمر، والبر والشعير، فهذه مشتركة في المعنى، وكذلك الذرة والبر، وكذلك الدخن وغيره من المكيلات، فقالوا: نلحق، وبعضهم وسعوا في العلة، وبعضهم ضيقوا فيها، وبعضهم زادوا وصفاً آخر وقالوا: قوتاً، وبعضهم قالوا: مقتاتاً ومدخراً.

    إذاً: ألحقوا المسكوت عنه بالمنطوق به بالعلة، جاء المؤلف وقال: هذا نص موجود، فالطعام، (أل) هنا لاستغراق الجنس، كل طعام، ولهذا هناك من قال: العلة كل مكيل مزكى، وبعضهم قال: ذكر الطعام ولم يشترط الاقتيات، فأجرى الربا في اللوبيا الحمص الفاصوليا البزاليا الفول، وكل هذه قطنية، ومنع الربا فيها لأنها طعام تؤكل، فأخر المؤلف رحمه الله حديث الطعام بالطعام لعمومه وشموله، فهو أوسع من مدلول المسميات الأخر، فكأنه يقول: إن من ألحق المسكوت عنه بالمنطوق به عنده نص ولا مانع أن يثبت الحكم بنص وقياس وإجماع، لا مانع أن تتوافر على تشريع الشيء كل الأصول: إجماع وقياس ونص من كتاب أو سنة.

    إذاً: المؤلف أتى بهذا الحديث بعد ما ذكر من الصبرة، ومن الجنيب، والجمع وغير ذلك من المسميات، وهنا جاء طعام بالطعام.

    ثم كلمة الصبرة، هل بين لنا نوع هذه الصبرة التي لا يجوز بيعها بجنسها مكيلاً أو كل صبرة من طعام؟

    كل صبرة من طعام، إن كانت براً إن كانت شعيراً، إن كانت تمر، إن كانت لوبيا، إن كانت فولاً، إن كانت.. إن كانت.. ما دام أنه يدخل تحت عنوان الطعام بالطعام.

    وكون الراوي يقول: (وكان طعامنا يومئذٍ الشعير)لا يقصر المعنى العام في الجنس على طعامهم، فطعامهم في ذاك الوقت هو الشعير، وطعام غيرهم البر، وطعام غيرهم اللوبيا، وطعام غيرهم كذا، ونحن طعامنا اليوم الأرز، ولهذا يدخل الأرز مع التمر ومع البر في عموم طعام.

    فنلحقه بالقياس كما تقدم، والعلة هي كل مكيل وقوت ومدخر، إذاً: تساوى مع البر وتساوى مع الشعير في علة الربا، فيكون الرز أيضاً ربوياً، وهذا ما يشير إليه تأخير المؤلف رحمه الله لإيراد هذا الحديث (الطعام بالطعام).

    1.   

    شرح حديث: قاعدة مد عجوة ودرهم

    قال رحمه الله: [ وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: (اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر ديناراً، فيها ذهب وخرز، ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا تباع حتى تفصل) رواه مسلم ].

    هذا من المبيعات المتداخلة، كما يوجد الآن عند الصاغة بعض الحلي مرصع بالأحجار الكريمة التي لها قيمة مستقلة، وغالباً تكون أغلى من الذهب، ولكن الذهب إذا بيع بذهب كان جنساً بجنس، والذهب يباع، وزناً بوزن، والأحجار الموجودة معه ستدخل في الميزان، فيكون ذهب بذهب وزيادة أحجار، لكن ينبغي أن نعرف مقدار الذهب الموجود في قطعة الحلي التي معها أحجار كريمة حتى نقول: إن هذه القطعة فيها ذهب عشرون جراماً، وفيها أحجار كريمة عشرة جرامات فيكون الذهب بالذهب عشرين جراماً، وقيمة الأحجار الكريمة نفصلها جانباً إن بيعت بجنسها ذهب.

    وهناك من يفصل في الأحجار الكريمة مع الذهب ويقول: ننظر أيهما أصل وأيهما تبع، قد يكون الأصل هو الجوهرة من الأحجار الكريمة مثل الياقوت، والزمرد، والماس، وهو أغلى أنواع الأحجار الكريمة، وأشدها صلابة، والفيروز، فهذه الأحجار الكريمة قد تحلى بالذهب، فيجعل لها إطار من ذهب، ويجعل عليها نقوش من ذهب، ويجعل فيها حفريات وتملأ بالذهب، إذاً: يكون الحجر الكريم هو الأصل، والذهب هو تبع.

    وقد يكون الذهب هو الأصل، سوار من ذهب ورصع في بعض أطرافه أو جهاته بأحجار كريمة من الماس أو من غيرها، فهناك من يقول: ننظر إذا كان الذهب تبعاً للحجر الكريم، واشترينا الحجر الكريم بذهب فلا عبرة بالذهب التابع في هذا الحجر؛ لأنه غير مقصود لذاته، وغالباً يكون طفيفاً، أما إذا كان العكس وكان السوار مثلاً ربع كيلو، والأحجار الكريمة فيه مثلاً خمسة عشر جراماً، فهذه نسبة قليلة جداً، إذاً: الأحجار تبع للذهب، فلا بد أن نعامل الذهب الموجود الذي هو الأصل في تلك السلعة معاملة الذهب بالذهب.

    ومالك رحمه الله وضح متى تكون الأحجار هي الأصل، ومتى يكون الذهب هو الأصل، فقال: ما كان حده الثلث فأقل، فهو تبع، وما كان الثلثان فأكثر فهو الأصل، وهذا حد تقريبي، فمثلاً حجر كريم محلى بالذهب وزنه مائة جرام، فيه من الذهب عشرة أو عشرون جراماً، فهل بلغ الثلث؟ لا، فهنا عند مالك الذهب تبع وإذا كان العكس، قطعة الحلي وزنها خمسمائة جرام، والأحجار الكريمة التي فيها عشرة أو خمسة عشر جراماً، إذاً: مالك يحد حداً بين ما هو تبع، وما هو أصل؛ أو ما هو أكثر وما هو أقل بالثلث، فما كان الثلث فدون فهو تابع ويعتبر أقل، وما كان أكثر من الثلث فهو أكثر، وهو المقصود بالعقد في البيع والشراء، فإذا كان على سبيل التساوي، فما الحكم؟

    إلى عهد قريب كانت تصاغ الدنانير في السوار، أسورة وتحاط بالجنيهات وتعلق حولها، يكون سوار ومعه عشرون أو ثلاثون ديناراً ذهبياً، فإذا كان مع تلك الدنانير أحجار كريمة، وتساوى قدر الدنانير مع الأحجار وبيعت بذهب، فهنا لا نستطيع أن نعرف مقدار الذهب الموجود في القلادة إلا إذا فصلنا ونزعنا عنه الحجارة، فحينئذٍ نستطيع أن نقول: وزناً بوزن، ولكن الآن لو تأتي إلى الصائغ وعنده القلادة أو الأسورة وفيها الأحجار الكريمة، وتقول له: أفصل هذه الأحجار، وزن الذهب بالذهب! لن يوافق؛ لأن هذا يفسد عليه الصنعة، فلا تشتر بالذهب، واشتر بالفضة، وغالب الصاغة يكون عندهم بيان أن هذه القطعة من الحلي يوجد فيها من تلك الأحجار ما وزنه كذا، ويكون قد عرف وزن تلك الأحجار قبل أن يدخلها بالصنعة في هذا السوار، وتقول: يا أخي! أنا أبغى ذهباً بذهب، مثلاً بمثل، فيقول: مرحباً، هذه وزنها خمسمائة جرام، وفيها من الأحجار مائة وخمسون جراماً، إذاً: عرفنا وزن الذهب من وزن الأحجار، فنتعامل مع الذهب الموجود في هذه القلادة على ما عرفنا من وزنه، ولا يبيع بصفة عامة ويقول: والله! ما أدري كم فيها من أحجار؟ ما أدري كم وزن الذهب الذي فيها؟ فكيف يبيع الذهب مثلاً بمثل والحجارة موجودة في القلادة؟!

    فخروجاً من هذا كله نشتري تلك القلادة الموجود فيها ذهب وحجارة، أو فيها ذهب وفضة، أو فيها ذهب ونحاس، أو على حسب الصنعة؛ نشتريها بالفضة؛ لأنه يجوز التفاضل بين الفضة والذهب، جرام ذهب تأخذه بعشرة جرامات فضة لا يوجد مانع، إذاً: إذا اشترينا بغير جنس الذهب -أياً كان- خرجنا من المحظور.

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (لا تباع حتى تفصل) لماذا؟ لنعرف مقدار الذهب فيها؛ لأنه اشتراها باثنى عشر ديناراً، والدينار معروف في ذلك الوقت، لم يختلف وزنه، الدينار والمثقال اسمان على مسمى واحد، المثقال وحدة وزنية، فالدينار وحدة نقدية، أما الدرهم فوحدة وزنية ونقدية، تقول: هذا وزنه درهم، وتقول: هذا قيمته درهم، وإلى الآن بعض الدول تستعمل الدينار على أنه وحدة نقدية، وكذا الدرهم، مثل الدرهم المغربي، والدرهم في الخليج، إلى غير ذلك.

    إذاً: لما اشتراها بذهب وجد فيها ذهباً أكثر من الثمن الذي دفع، فيكون أخذ ذهباً بذهب متفاضلاً.

    وما سبب وجود التفاضل؟ وجود الأحجار في السلعة، وما عرفنا كم وزن الذهب في تلك الحلية. إذاً: لكي نعرف مقدار الذهب، نفصل عنها الحجارة الكريمة إذا أمكن، فإذا لم يمكن، أو كان الصانع بنفسه أو التاجر لا يوافق على الفصل، فلا نقول: افصلوا هذا من هذا، ثم ارجعوه وركبوه، بل لا نجعل الثمن ذهباً لوجود الذهب، ونجعل الثمن فضة، ومهما زادت الفضة أو نقصت عن الذهب فلا محظور في ذلك.

    1.   

    شرح حديث: (نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة)

    قال رحمه الله: [ وعن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة) ]

    من المبيعات المنهي عنها، وتصنف في أبواب الربا، ما ورد في حديث سمرة الذي ساقه المؤلف رحمه الله، وهو النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، والحيوان كل ذوات الأربع، والنسيئة التأجيل والتأخير، وهذا الحديث يعتبر من المشكلات، فقد ورد ما يعارضه من حديثي أبي رافع وابن عمرو ، أما حديث أبي رافع رضي الله تعالى عنه فيقول: (استسلف النبي صلى الله عليه وسلم بكراً، فرد رباعياً)، وحديث ابن عمرو يقول: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أجهز جيشاً، فنفدت الإبل، فكنت آخذ البعير على البعيرين من إبل الصدقة)، فحديث أبي رافع وحديث ابن عمر كلاهما فيه نسيئة، وحديث سمرة ينهى فيه عن النسيئة!

    وهنا وقف العلماء ما بين الجمع بين الحديثين، وما بين ادعاء النسخ، وما بين الترجيح بين سند الطرفين، أما حديث سمرة فروي عن الشافعي رحمه الله أنه جمع بينه وبين حديث أبي رافع وابن عمرو قائلاً: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة إذا كان كلاً من المبيع والثمن غائباً، أي: كلا طرفي العقد غائباً، كأن تقول: عندي جمل نجيب جيد، فقال لك الآخر: اشتريه منك بجملين أو بثلاثة، وكل من الجمل المبيع والجملين أو الثلاثة -الثمن- غائبة غير حاضرة، بأن قال لك المشتري مثلاً: أين جملك؟ تقول: إنه مع الإبل يرعى في المرعى، ويقول البائع: أين جملاك؟ أو أين الثلاثة الجمال؟ فيقول: إنها تأتيني بعد غد، فيتبايعان حيوان بحيوان كلاً منهما غائب، هكذا فسر الشافعي رحمه الله حديث سمرة في النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، أي: أن يكون النَسَاء في كلا الطرفين.

    وذهب الأحناف ورواية عن أحمد بأن هذا الحديث ناسخ لحديث أبي رافع : (تسلف بكراً فرد رباعياً)، فـالشافعي يجمع بين الروايات ويقول: الجمع أولى من اطراح أحد الطرفين بادعاء النسخ، والجمهور يقولون: النسخ يحتاج إلى دليل.

    وهناك من يقول: إن حديث سمرة أقل إسناداً من حديث أبي رافع ومن حديث ابن عمرو ، وقد ذكر الصنعاني شارح هذا الكتاب رحمه الله بأنهم اختلفوا في هذا الحديث وصلاً وإرسالاً، فبعض العلماء يقول: هو مرسل، وبعضهم يقول: موقوف على ابن عباس ، ومعلوم عند الفقهاء أن المرسل: هو ما لم يذكر فيه الصحابي، كما قال الناظم:

    ومرسل منه الصحابي سقط وقل غريب ما روى راو فقط

    فعلى هذا يكون حديث سمرة إما أنه أضعف سنداً، وإما أن يجمع بينه وبين الأحاديث الأخرى بأن النسيئة تحمل على الطرفين، وبيع النسيئة من الطرفين مجمع على النهي عنه، ويسمى بيع الكالئ بالكالئ، والكالئ هو الدين، فلا يجوز بيع دين بدين، فتقول: اشتر ديني الذي علي لك بكذا، وأين ثمن الدين؟ يقول: مؤجل! إذاً: دين بدين لا يجوز، ويقولون: تفسير الشافعي رحمه الله يجمع بين الحديثين.

    وبعد ذكر الخلاف في هذا الحديث، نأتي إلى ما ذكره المؤلف بقوله: رواه الخمسة، والخمسة هم السبعة ما عدا البخاري ومسلم ، أي: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد ، فنأتي إلى أبي داود ؛ فنجده يبوب على هذا الحديث كراهية بيعه، ثم بعده يأتي بحديث سمرة ، ثم يقول: باب: الرخصة في ذلك، ويذكر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه اشترى جملاً بجملين وقدم أحد الجملين وقال: الآخر آتيك به غداً، ويعني بالرخصة: أن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة يكون رخصة.

    والترمذي ذكر حديث سمرة ثم قال: وقد ترخص بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وذكر أثر ابن عمر رضي الله تعالى عنه، وعلى هذا يكون النهي أقل ما فيه الكراهية، وهناك من حمله على المنع والتحريم، وهناك من حمله على أنه ناسخ لغيره، وهناك من رجح أن الحديث ضعيف السند، ووجدنا صنيع أبي داود وصنيع الترمذي أنهم عقبوا هذا الحديث بذكر الرخصة، فيكون الأولى ترك ذلك، اللهم إلا إذا حصل اضطرار ولا اضطرار في ذلك؛ لأن صورة بيع ابن عمر أنه اشترى بعيراً ببعيرين، ودفع بعيراً اليوم، وقال: الثاني آتيك به غداً، إذاً: أقل الدرجات أن هذا الحديث يحمل على الكراهية، والله تعالى أعلم.