إسلام ويب

كتاب البيوع - باب الربا [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اتفق أهل العلم على جريان الربا في الذهب والفضة؛ وفي البر والشعير والتمر والملح، واختلفوا في علة الربا فيها؛ ولهذا اختلفوا في الأشياء التي تلحق بهذه الأصناف الستة، ومعرفة خلافهم، ومآخذ أقوالهم، تدرب الطالب على التفقه، وتمرنه على الاجتهاد، فحري بطالب العلم أن يهتم بهذا الباب.

    1.   

    شرح حديث: (الذهب وزناً بوزن...)

    أنواع الربا

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    وبعد:

    قال المصنف رحمه الله: [وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب وزناً بوزن مثلاً بمثل، والفضة بالفضة وزناً بوزن مثلاً بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا) رواه مسلم ].

    تقدم الكلام على الربا في الأصناف الستة المتقدمة: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح، وتبين لنا أصول الربويات، وأن الربا يدور على أصله الحقيقي وهو الزيادة، وموضوعه كما قسمه الفقهاء:

    ربا الفضل.

    وربا النسيئة.

    فربا الفضل: هو الزيادة، إذا بيع جنس بجنسه وحصلت زيادة في أحد الطرفين، مثلاً: تمر بتمر صاع بصاع وزيادة درهم مع أحد الصاعين، فهذا هو ربا الفضل.

    والنسيئة: صاع بصاع، لكن يقول: آخذ صاعك اليوم، وأرد إليك صاعي الذي هو الثمن غداً، هذا هو ربا النسيئة.

    هل يجري الربا في غير الأصناف الستة؟

    نذكر مسألة كثر الخلاف فيها، واختلفت المذاهب في القول بها: هل الربا مقصور على هذه الأصناف الستة أم أنه يدخل في غيرها؟ أو بمعنى علمي: هل يلحق بها غيرها أم لا؟

    وإذا كان غيرها يلحق بها فبأي مبدأ؟ وبأي علة؟ لأن القياس عند العلماء: هو إلحاق مسكوت عنه بمنطوق به لعلة جامعة، كما أنهم ألحقوا كل مسكوت عنه من المسكرات بالخمر، بجامع علة الإسكار، فالتحريم جاء نصاً في الخمر، ثم ألحق الفقهاء به كل مسكوت عنه، بأي اسم كان، إذا وجدت علة تحريم الخمر في ذاك المسكوت عنه، وعلة الخمر الإسكار، فإذا وجد الإسكار في العسل أو في اللبن أو في أي ثمرة ألحقت بالخمر في التحريم، وهذا أمر متفق عليه.

    إذاً: إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به يحتاج إلى رابط، ويحتاج إلى قرابة، ويحتاج إلى صلة نسب بين المسكوت عنه والمنطوق به، فهل يلحق بتلك الأصناف غيرها أم لا؟ وإذا كان يلحق بها غيرها فما هي العلة؟

    ذهب داود الظاهري إلى أن المنصوص عليه في الربويات لا يلحق به غيره، وأن أي نوع من الحبوب غيرها من المطعوم أو المكيل أو الموزون أو المدخر أو غيره لا يلحق بالربويات، والربا لا يكون عنده إلا في هذه الأصناف الستة المنصوص عليها فقط، وهذا قول انفرد به عن جمهور العلماء، وعامة علماء المسلمين يلحقون غير المنصوص عليه به، وما هي؟ وبأي شيء يكون الإلحاق؟

    قالوا: توجد علة يلحق بها المسكوت عنه، وهذه الست الأصناف نماذج، وكأنها تنبيه بالأخص على الأعم.

    العلة الربوية في الأصناف الستة

    الذهب والفضة هما المصدر بهما نصوص الربا، ما هي العلة في كونهما ربويين؟ وإذا وجدت فيهما علة فهل هي قاصرة عليهما أم تتعدى إلى غير الذهب والفضة؟

    الجمهور على أن علة الذهب والفضة في الربا علة قاصرة، أي: لا تتعدى محلها؛ ولهذا لا يقاس على الذهب والفضة موزون من المعادن الأخرى، وما هي العلة القاصرة؟ قالوا: هي ثمن المبيعات، وقيمة المتلفات.

    فالذهب والفضة ليسا سلعة، ولكن لها مهمة وهي الثمنية، فلكون الذهب والفضة ثمنية فلا ينبغي أن تدخل في البيع والشراء والزيادة والنقص، هذا على أنها عملة والعلة الثمنية، فلا نتحكم فيها بيعاً وشراء وتكون خالصة من الربا والزيادة.

    إذاً: الذهب والفضة عنصران ربويان لا يقاس عليهما.

    فإذا كان ذهبٌ ومعدن آخر: نحاس، أو قصدير، أو زنك، أو برونز أو أي نوع من أنواع المعادن، فإذا بيع ذهب بتلك المعادن وزناً بوزن فهل ينبغي فيه المساواة في الوزن؟

    قالوا: لا؛ لأن الذهب ليس سلعة بل هو ثمن وقيمة؛ ولذا علة الربا فيه قاصرة عليه.

    وهل يجوز أن نبيع الموزونات الأخرى غير الذهب والفضة جنسها بجنسها؟ قالوا: نعم، والعلة في الذهب والفضة هي الثمينة.

    وقيل: الوزن، ومن قال بأن العلة هي الوزن قال: كل موزون يدخل فيه الربا، وإذا جعلنا الذهب والفضة علتهما قاصرة عليهما وهي الثمنية فلا ربا في الموزونات.

    نأتي إلى الأربعة الأصناف الأخرى المذكورة، ما هي الصفات المشتركة بينها؟

    تمر، بر، شعير، ملح، نؤخر الملح، فهذه الثلاثة: تمر، بر، شعير، ما هو الوصف الذي يشترك بينها؟

    أولاً: الكيل؛ لأنها كلها تقدر كيلاً، إذاً: الكيل جزء من علة الربا.

    ثانياً: الطعم.

    وهل الطعم في التمر والبر والشعير كالطعم في التفاح والخوخ؟

    ثالثاً: الاقتيات، إذاً: يكون مطعوماً مقتاتاً، فالتمر والبر والشعير موزون مطعوم مقتات، وهل يوجد وصف آخر أم لا؟

    الادخار، ممكن أن ندخر التمر والشعير والبر سنة أو سنتين بخلاف التفاح والخوخ، فالفواكه إذا لم تكن في الثلاجة، أو وقف الكهرباء فسدت، فهي لا تدخر.

    إذاً: هناك من قال: العلة في الربويات الثلاثة الموجودة مع الذهب والفضة هي الكيل، فقال: كل مكيلٍ بيع بجنسه فهو ربوي، وجماعة زادوا وقالوا: ليست العلة الكيل وحده، بل العلة كونه مكيلاً مقتاتاً، والمقتات يتضمن المطعوم، وجماعة زادوا في العلة الادخار مع الكيل والاقتيات، فاختلف اجتهاد الفقهاء في اعتبار العلة المشتركة بين الأصناف الثلاثة، فما وجدت العلة فيه مما لم يسم ألحق بها قياساً.

    فمثلاً: الدخن والذرة غير منصوص عليهما، وهل توجد في الدخن والذرة علّة جامعة مع الثلاثة المذكورة؟

    كلاً من الدخن والذرة مكيل وقوت ويدخر، إذاً: لا فرق بينها، فتلحق بالأصناف الستة، فبعضهم ألحق المسكوت عنه بجامع العلة، وبعضهم قال: هناك غير العلة، وهي تقارب المنفعة.

    فمثلاً: الزبيب ليس من الستة الأصناف، لكن قال: إن الزبيب يشارك التمر في المعنى، فما الفرق بين التمر والزبيب؟ كلاهما حلو، ويكال، ويقتات، ويدخر، فقال: أنا لا ألحق بالقياس، بل ألحق بالاشتراك في المعنى، وتوسعوا في هذا، وأجروا الربا في اللحم باللحم، مثل: لحم الإبل بلحم الغنم؛ لأنه قريب منه في المنفعة، إذاً: من عمل بالقياس ألحق كل ما لم يذكر بما ذكر إن وجدت فيه العلة، واختلفوا في معرفة العلة ما هي؟

    مذهب الأحناف والحنابلة

    قال الحنابلة: العلة هي الكيل، حتى أجروا الربا في الأشنان، والأشنان نوع من النبات ينبع على مجاري المياه، كان يغسل به الصوف دون الصابون؛ لأنه يذهب عنه الأوساخ والآكلة، ولا يوهن الصوف، فهو نوع من النبات، لكنه يباع بالكيل.

    وألحقوا بالأصناف الستة الحناء، فإنه إذا دق ورق الحناء صار مثل الدقيق، والعرف فيها الكيل، فقالوا: إذا بيع حناء بحناء فالعلة الكيل، فيمنع الربا فيها بجامع الكيل، واستدلوا بما جاء عند ابن حبان : (كل ما يوزن مثلاً بمثل، وكذلك الكيل).

    وبهذا أخذ الحنابلة والأحناف.

    ومن العلماء من قال: العلة هي: الطعم مع الكيل؛ لحديث: (الطعام بالطعام مثلاً بمثل)، وكان طعامهم يومئذ الشعير، ولكن اللفظ: (الطعام بالطعام) أنتم طعامكم الشعير، وهناك في مكة طعامهم البر، وهناك في أندنوسيا طعامهم الأرز، وهناك في أفريقيا طعامهم اللوبيا، إذاً: الطعام في كل مكان بحسبه، ولفظ الطعام عام، ولا نخصصه بطعامهم يومئذٍ، هذا طعامكم أنتم، لكن طعام غيركم غير هذا. إذاً: علة الربا، وإلحاق غير المنصوص عليه، اختلفوا فيه اختلافاً كثيراً، فمن استقرت عنده علّة الربا، ثم وجدها في غيرها ألحقه بها، فبعضهم عنده العلة الكيل والوزن فقط لحديث ابن حبان : (كل موزون مثلاً بمثل، وكذلك الكيل) يعني: وكذلك كل مكيل؛ ولهذا اقتصر الحنابلة على أن العلة الكيل فقط.

    مذهب المالكية

    المالكية عندهم أن العلة هي أن يكون قوتاً مدخراً، فإذا بيع الجنس بجنسه كيلاً أو وزناً، وكلاهما قوت مدخر فيجري فيهما الربا إلا مثلاً بمثل يداً بيد.

    وهناك من يقول: نلحق بالمنطوق به كل ما كان زكوياً، فما هي الحبوب التي تزكى؟ هل التفاح يزكى؟ لا، هل التفاح يكال أو يوزن؟ عرفه العدد، والآن صار الناس يوزنون كل شيء، ذكر العلماء القدماء أن مما لا يكال ولا يقتات الفواكه، وابن قدامة يقول: التفاح والفرسك والخوخ والمشمش والكمثرى والخيار ليست مكيلة، وليست مدخرة، هي مطعومة ولكن ليست مدخرة.

    قيل: إن العلة هي الكيل والوزن كما جاء التنصيص عليها في بعض النصوص، وهي موجودة بالفعل في هذه المسميات الست، ومالك ألحق بالمطعوم ما يصلح المطعوم وهو الملح، فالملح ليس قوتاً لكنه مدخر ومكيل، اجتمعت فيه العلتان.

    إذاً: لا تبع مكيلاً بمكيل مدخراً بمدخر إلا مثلاً بمثل، يداً بيد، والملح ولو لم يكن قوتاً فبه صلاح القوت.

    الحنابلة يردون -كما يذكر ابن قدامة في المغني- على مالك في قوله: بإصلاح القوت، ويعترضون عليه بالحطب، فالإدام يصلحونه بالحطب والنار، لكن هذا ليس لإصلاح ذات الطعام، بل لإنضاجه، لكن الملح في الطعام يكون جزءاً منه، وألحقوا به التوابل التي تدخل في الطعام، إذاً: قضية الربويات فيما عدا المنصوص عليه بحرٌ لا ساحل له.

    وكلٌ من الأئمة رحمهم الله ألحق من غير المسميات ما وجدت فيه العلة التي استقرت عنده، والعلة دائرة بين المقدار الذي هو الكيل والوزن، مكيل بمكيل، موزون بموزون، وبين الأوصاف الأخرى الموجودة في المنصوص عليها، أن تكون قوتاً ومدخراً، وعلى هذا فيجري الربا بلا خلاف عند الجمهور في الدخن والذرة والأرز.

    والسمسم قوت، ويحكى أن جماعة أضافهم ناس، فقدموا لهم صحن عسل وصحن سمسم، وهم غير عارفين بطبيعة أهل البلد! فرءوا طفلاً صغيراً فقالوا: تعال تعال كل، فجلس الطفل الصغير، وغمس أصبعه في العسل، ثم في السمسم ولحسه، فقالوا: بس! قم، قم، كلم أمك! فهو قوت.

    وبذر القطن يعصر ويخرج منه زيت، ولكن ليس قوتاً، وحينما نعصر البذرة، وأصبح عندنا زيت، فالزيت مكيل أو موزون؟ الأصل فيه الكيل، وكذا السمن وجميع السوائل الأصل فيها الكيل، فأصبح عندنا الزيت مكيلاً، وأصبح مدخراً، فيدخل في أنواع الربويات، فلو بيع زيت بذرة قطن بزيت بذرة قطن وجب الحلول والتقابض والتساوي.

    وإذا بيع زيت بذرة القطن بزيت الزيتون، فهل اتحد الجنس أو اختلف؟ اختلف، (بيعوا كيف شئتم)، فلا يلزم فيه التساوي، ويلزم التقابض؛ لأن كلاً منهما دهن، ويدخلان في علة المقدار التي هي الكيل والادخار.

    والتفصيل بالجزئيات في أنواع الربويات لا يمكن حصره، ولكن الإلحاق موجود عند الأئمة الأربعة، وما امتنع من الإلحاق إلا داود الظاهري ؛ لأنه لم يقل بالقياس.

    الحكمة من تحريم الربا في المطعومات

    الإلحاق يكون بالعلة، كما ألحقنا كل مسكر بالخمر لوجود علة الإسكار فيه، وهنا يقول ابن رشد في البداية: وصف الطعم يدل على اشتقاق العلة، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: (الطعام بالطعام)، فوصفه بكونه طعماً يدل على أن العلة هي الطعم، كما في قوله سبحانه: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]، علة القطع هنا هي السرقة؛ لأن الحكم تعلق بوصف وهو السارق، والسارق اسم فاعل يشتق من سرق يسرق فهو سارق.

    إذاً: (الطعام بالطعام) دلت كلمة الطعام على علة الربا كما أن كلمة السارق دلت على علة القطع، وكذلك قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا [النور:2]، فوصف الزنا في الطرفين هو علة الجلد، إذاً: الطعم علة في الربا لقوله: (الطعام بالطعام).

    والذين يقولون: ما خرج عن الأصناف الستة يلحق بها بعلة الكيل والجنس، قالوا: أصل الربا في اللغة هو الزيادة، ولما كانت زيادة الجنس على الجنس غبن، فإذا وجد في المكيل من غير المسميات -مثل الأشنان والحناء- فالعلة واحدة، والأصل حفظ الأموال وعدم الغبن، فيجب أن يكونا متساويين في الفائدة وفي النتيجة، فكيف أعطيك صاع حناء وتعطيني صاعاً إلا ربع؟! لماذا تغبني في ربع الصاع هذا؟ فما دامت متساوية في المنفعة فيجب أن تكون متساوية في المقدار؛ ولذا ذكر ابن رشد قاعدة تبين الربا، وهي أن ما خرج عن قانون الربا مما ليس بربوي، فتكون القيمة بين المبيع والمشترى، لو أن كلاً منهما سلعة بنسبة آحاد هذا الصنف في جنسه مع نسبة آحاد الجنس الثاني في جنسه، ويمثل ويقول:

    مثلاً: نشتري فرساً بثياب، فالثياب ليست ربوية، والفرس غير ربوي، فيصح أن نشتري الفرس بمائة ثوب، بمائتين ثوب، بعشرين ثوباً، ولكن ما الذي يقدر قيمة الفرس بعدد الثياب؟ قالوا: النسبة، أي: نسبة هذا الثوب الواحد في جنسه كنسبة الفرس الواحد في جنسه، فإذا تحققت النسبة ارتفع الغبن، هذا الفرس في جنسه كم يساوي؟ مثلاً يساوي ألف ريال، وهذا الثوب في جنسه كم يساوي؟ قالوا: عشرة ريال، إذاً: نسبة الفرس في الأفراس ألف ريال، ونسبة الثوب في الثياب عشرة ريال، فكم ثوب نقدر للفرس حتى لا يحصل غبنٌ؟ مائة، إذاً: نأخذ الفرس بمائة ثوب، ولو أخذناه بمائتين يحصل غبن، لو أخذناه بخمسين يحصل غبن، إذاً: النسبة التقديرية بين غير الربويات ترجع إلى المساواة، وترفع الغبن.

    إذاً: إذا كان المبيع جنساً واحداً فما الذي يرفع الغبن؟ التساوي، كيل بكيل، وزن بوزن، فلا يحصل غبن، ستقول: هذا جنس جيد، وهذا جنس رديء، إن بعناهما متماثلين وقع الغبن فيما هو فرق بين الجودة والرداءة، فنقول: سد هذا الباب، وبع الجيد بدراهم، واشتر بالدراهم الرديء، أو العكس بع الرديء بدراهم، واشتر بالدراهم الجيد، وفي تلك البيعتين لا غبن؛ لأنك ستبيع الرديء بنسبته من جنسه بالثمن المتعادل، وتشتري بالدراهم التي عندك الجيد بنسبته من جنسه بالدراهم، وانتفى الغبن في الصفقتين.

    1.   

    شرح حديث النهي عن بيع التمر بالتمر متفاضلاً

    قال رحمه الله: [ وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً على خيبر فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا. والله يا رسول الله! إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعلوا، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيباً، وقال في الميزان مثل ذلك) متفق عليه، ولـمسلم : (وكذلك الميزان) ].

    نعلم جميعاً أن خيبر فتحت عنوة، وأنها أصبحت للمسلمين، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أبقى اليهود فيها يعملونها على جزء من الثمرة، وأصبحت معاملة عند المسلمين تسمى المخابرة، وهي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر في بلدهم، وكان صلى الله عليه وسلم يرسل إليهم ابن رواحة يخرص عليهم التمر، فيلتزمون بحصة المسلمين، ويأخذون حصتهم، فالعامل بمعنى الأمير، بمعنى الوكيل، بمعنى النائب، عامل رسول الله في خيبر، يعني: نائبه في إدارتها، والحكم فيها، وما يتعلق بشئونهم دنيوياً ودينياً.

    إذاً: كان صلى الله عليه وسلم قد نظّم أمور الدولة، وأقام العمّال، ونظم الجباية، ورتب الإدارات، كما قيل: التراتيب الإدارية في الدولة المسلمة الفتية، هذا العامل سواء كان أميراً أو قاضياً أو حاكماً أو غير ذلك جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر جيد، فلما نظر إليه صلى الله عليه وسلم قال: (أكُلّ تمر خيبر هكذا؟)، وهذا مما ينبه عليه العلماء: أن ولي الأمر يجب أن يتفقد الولاة والعمال، كيف جاء العامل بهذا التمر؟ هل كل تمر خيبر هكذا أو أنه تصرف؟

    فتبين أن العامل قد تصرف، فقال: لا والله! يا رسول الله! ما كل تمر خيبر هكذا، إنا لنشتري الصاع من هذا الجيد بالصاعين من دونه، أو الصاعين بالثلاثة، يعني: متفاضلاً، إذاً: نشتري الجنس بجنسه كيلاً مطعوماً مقتاتاً مدخراً مع التفاضل.

    فماذا قال صلى الله عليه وسلم؟ (لا تفعل) ، لا تفعل ماذا؟ أن تشتري الجنس الواحد بجنسه متفاضلاً، هل تبغى تشتري جنساً بجنسه؟ يجب أن يكون متساوياً، وأما الجودة والرداءة فحلها آخر، وليس في الإسلام طريق مسدود أبداً، عندك السوق، بع الرديء بنقد، فيحصل في يدك النقد ثمناً للرديء، وانقطعت العلاقة بالرديء، وأصبح في يدك نقد ثمنه، فتذهب إلى السوق وتشتري جيداً بالنقد، وأصبحت الصفقة الثانية بين الجيد والنقد، ولا علاقة للصفقة الثانية بالرديء الأول، وإن كان النقد ثمناً لها؛ لأن ببيع الرديء بالدراهم انقطعت علاقة الرديء، ونستأنف علاقة جديدة بالدراهم التي بأيدينا. إذاً: هذا خروجٌ من مأزق فوارق الجودة والرداءة.

    وقوله: (وقال في الميزان مثل ذلك)؛ يعني: لأن التمر مكيل، فكأنه قال: كل مكيل بيع بجنسه متفاضلاً لا يجوز، ماذا أفعل؟ بع بالتساوي، وإن كان فرق في الجودة والرداءة فبع بالنقد واشتر بالنقد، وكذلك افعل في كل ميزان، وليس المراد بكلمة ميزان هنا: الآلة التي نزن بها؛ لأنها آلة مصنّعة لا ربا فيها، ولكن المراد: وكذلك الموزون بالميزان.

    تكلمنا على حديث التمر الجنيب إجمالاً، وهناك مباحث في هذا الحديث فيما يتعلق بالأحكام الفقهية في تلك الصفقة، وهذا الحديث يبين بصفة عامة أن الجنس بجنسه لا بد أن يكون متماثلاً متساوياً ويداً بيد، فهذا الذي استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: لا يجوز شراء التمر الجنيب صاعاً بصاعين من الجمع، والجمع يقال: إنه مجموع أصناف مجهولة الاسم، وغالباً ما تكون تلك الأصناف مجهولة الاسم قليلة الجودة عن المعروف المتعين باسمه، وكما نشاهد الآن في المدينة الشيء الفاخر الجيد معروف اسمه، يقول لك: صفاوي، شلبي، سكري، ومثله تمر الإخلاص المعروف في الإحساء، فالتمور الجيدة محافظة على اسمها ومعينة عند الناس، لكن التمور التي غير متميزة قد يكون لها اسم ولكن لا يحفظ.

    فكونه اشترى صاعاً جنيباً جيداً بصاعين أو صاعين بثلاثة، لا يجوز، والرسول صلى الله عليه وسلم عاب ذلك وقال: (لا تفعل) لا تفعل في هذه الصفقة، أو لا تفعل في المستقبل، (ولكن بع الجمع بدراهم، واشتر بالدراهم جنيباً).

    إذاً: هذا منهج للتعامل بين الرديء والجيد، وإذا كنا لا نقبل أن نتبادل جيداً برديء مثلاً بمثل؛ لأنه غير معقول، عندي تمر من أجود ما يكون، وتعطيني تمراً أردأ ما يكون، وتقول: مثلاً بمثل، أعطني صاعاً بصاع! أنا غير معطيك، فكيف نفعل؟

    صاحب التمر الرديء يريد أن يأكل تمراً جيداً، فليعمل بهذا المنهج، وهو أن تدخل القيمة وسيطاً بين الرديء والجيد، بع الجمع بدراهم، وبعد أن أخذت الدراهم ثمناً للجمع اشتر بالدراهم جنيباً جيداً، ويكون هناك انفكاك بين الصفقة الأولى في الجمع، وبين الصفقة الثانية في الجنيب.

    هل أبطل النبي صلى الله عليه وسلم البيع الربوي قبل العلم بالحكم الشرعي؟

    سؤال يبحثه العلماء: إذا كانت تلك الصفقة الصاع بصاعين لا تجوز، فهل أبطل النبي صلى الله عليه وسلم تلك الصفقة، ورد الرجل الجنيب واسترجع الصاعين من الجمع أم سكت عن تلك الصفقة وكان التنبيه لما يستقبل؟

    التحقيق في ذلك أن الأحكام قبل التشريع تمضي، والحكم بعد صدوره يكون للمستقبل، وكما يقول الأصوليون: ليس للأوامر رد فعل عكسي، إنما تكون للمستقبل، ولا ترجع على الماضي، فالماضي مضى بما كان.

    والنظم والقوانين والتشريعات إنما تكون من صدورها إلى ما بعد، وهذا هو نص القرآن الكريم، وخاصة في الربويات، فتقدم لنا في دراسة الربا نص القرآن الكريم: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ [البقرة:275]، يعني الربا الذي حصل عليه قبل مجيء الموعظة له، ما طالب المرابين أن يردوا الربويات على أصحابها، ولكن تركها لهم؛ لأنه ما كان هناك تشريع، ولا كان هناك نهي، فهم أكلوها على مبدأ التعامل عندهم، ثم جاء النهي وتبين الواقع: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ [البقرة:279] من الآن رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ [البقرة:279].

    إذاً: يحرم الربا بعد الموعظة، فما كان قبل الموعظة ترك لهم، ومما يثبت تعميم هذا الحكم أو هذه القاعدة بأن الأوامر للمستقبل أو أن ما وقع قبل الإعلام أو قبل التشريع يترك ما جاء عن عمر رضي الله عنه أنه أتي بنكاح شهد عليه رجل وامرأتان، والأصل في الشهادة شاهدا عدل ممن ترضون من الشهداء، أما قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا [البقرة:282] فهذه لا دخل لها في النكاح والطلاق والدماء، ولكن في الأموال تجوز شهادة رجل وامرأتين، ولما كان الأمر كذلك فماذا يفعل عمر ؟

    قال: لو كنت سُبقت أو سَبقت؛ لرجمت. لو كنت سُبقت على ما أعلم بالتنبيه ممن سبقني سواء كان عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه، أو لو كنت سَبقت بالإعلام بعدم صحة النكاح برجل وامرأتين، لو كنت أعلنت ذلك بين الناس، وسبق العلم بمنع هذا، ثم فعل بعد العلم؛ لرجمت؛ لأنه يكون فعل بعد العلم، وإصرار على المخالفة، لكن كانت الشبهة قائمة: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ [البقرة:282]، فهم عمموا الحكم في الأموال وفي الفروج، وربما يجعلوها حتى في الدماء، فـعمر رضي الله تعالى عنه لما لم يكن هناك علمٌ منتشر سابق بمنع الشهادة في النكاح برجل وامرأتين -أي: بعدم إدخال النساء في الشهادة في النكاح والطلاق- عذر هؤلاء، ولم يجعل لهذا الفعل أو هذا النهي رد فعل سابق، وأمر بتجديد العقد؛ لأن العقد تبين أنه باطل، وهل عاقبهم نتيجة لبطلان العقد لأنهما كانا زانيين؟

    لا، بل من الآن، فكذلك هنا، وإن كان بعض الناس يقول: الرسول أمره برد ذلك، لكن الآخرين يقولون: لم يثبت هذا، ونحن نقول: لا حاجة إلى البحث عن رد العقد الأول أو عن إبطاله، وأنه غير جائز شرعاً ونقول: إنه قد وقع قبل العلم، وما وقع قبل العلم وقبل التشريع فإنه يترك كما في كتاب الله: فَلَهُ مَا سَلَفَ [البقرة:275]، ثم تكون قاعدة عامة في جميع العقود التي صدرت، وكان الجهل يحتمل فيها؛ لأن هناك أشياء لا يعذر أحدٌ بجهله، فبعد حادثة عمر لو عقد أحد بشاهدٍ وامرأتين هل نقبل منه؟ هل نقول: لم نسُبق ولا سَبق العلم، ولا نعاقبه؟ لا.

    هذا ما يتعلق بحكم الصفقة الأولى، وقد وقعت مغايرة للحكم الشرعي، ومضت على ما مضت عليه ويستأنف العمل الجديد بما بعد هذا الإعلام.