إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه [6]

كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه [6]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حرمت الشريعة كل ما يدعو إلى العداوة والبغضاء، ومن ذلك بيع الغرر، وله صور كثيرة مثل: بيع الحصاة، وبيعتين في بيعة، وسلف وبيع، وشرطين في بيع، وربح ما لم يضمن، وغير ذلك.

    1.   

    شرح حديث: (نهى عن بيع الحصاة)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.

    أما بعد:

    فقال المصنف رحمه الله: [وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر) رواه مسلم ].

    يسوق المؤلف رحمه الله تعالى هنا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر) .

    الحصاة قطعة من الحجر معروفة عند الجميع، وهي: نوع متميز من الأحجام الحجرية الملساء، وكان يستعمل في العدد، وربما في عصر من العصور كان يستعمل نقداً، وكان بيع الحصاة في زمن الجاهلية أمراً جارياً، وعرفاً جارياً، ولكن كيف كانت الصورة؟

    يقول بعضهم: -وهو أقرب للمعنى- هو: أن يأتي المشتري فيجد أمامه عدة سلع متنوعة، مختلفة الأجناس، والأنواع، فمثلاً: علبة كبريت، علبة حلاوة، خيط، مقص... إلخ، أو ملابس: فنايل، سراويل، قمصان، غتر، وتكون مرصوصة بجوار بعضها، فيقول البائع للمشتري: خذ حصاة، وارم بها، فما وقعت عليه فهو لك بكذا، وهذه الصورة واضحة، وهي داخلة في عموم الغرر؛ لأن الغرر أن تغر الإنسان، ويدخل على أمر مجهول، لا يدري نتيجته، ولا يؤمن فيه الغبن، فهنا: على أي شيء ستقع الحصاة؟

    فقد يكون المشتري صاحب حذق وخبرة في الرماية، فيحدد ما يريد، والبائع لا يدري على أي شيء ستقع الحصاة! فقد تقع على منديل يد يساوي ريالاً، وقد تقع على فنيلة تساوي عشرة ريال، وقد تقع على قميص يساوي ثلاثين ريالاً.

    إذاً: الغرر من جانب البائع أكثر منه من جانب المشتري، وقد يكون المشتري شخصاً لا يحسن الرمي بالحصاة، فإذا كان كذلك فسيأخذ حصاة ويرمي، ولكنه لا يدري أين تقع؟! فإذا كانت الصفقة على خمسة ريالات، وسقطت الحصاة على ما يساوي ريالاً، كان في ذلك غرر على المشتري، وإذا كانت الصفقة بخمسة ريالات، وسقطت الحصاة على سلعة بعشرة، أو بعشرين ريال، كان الغبن على البائع.

    إذاً: هذه الصورة من البيع نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لما فيها من الغرر، وهي أحسن ما فُسر به بيع الحصاة.

    وهناك من يقول: بيع الحصاة هو: أن تأخذ حصاة في يدك، أو يأخذها البائع، فتساوم -مثلاً- على قميص معين -معروف لك وله- بعشرة ريال، قال: طيب، أتركني أفكر، فمتى أسقطت الحصاة من يدي؛ مضى البيع، طيب، وإذا ما أسقطتها إلى متى ننتظر؟

    هكذا يقول بعض شراح الحديث: إن بيع الحصاة هو: أن تربط انعقاد البيع على سقوط الحصاة، أو أن تربط عقد البيع على السلعة التي تقع عليها الحصاة، وفي خارج هذه البلاد يوجد هذا البيع بكثرة لاسيما في الأعياد والمناسبات، خاصة عند الشباب والأطفال، يؤتى بدائرة فيها سهم، وعلى حافة المقعد التي هي عليه، ترص السلع: علبة حلوى، منديل، علبة بسكوت، أشياء متعددة متجاورة، ولها سهم مثل عقارب الساعة، يدار بطريقة معينة، وحيث ما وقف السهم فالسلعة التي أمامه لمن أدار السهم، علماً بأنه لا أحد يدري على أي شيء سيقع السهم -لا اللاعب ولا صاحب اللعبة- وربما وقف على سلعة تساوي هللة، وربما وقف على سلعة تساوي ريالاً، وأنت وصاحب اللعبة، لا تدرون أين سيقع! فهو داخل في هذه العملية، وداخل في هذا النهي، لماذا؟

    لأن فيه جهالة، وفيه غرراً، ومقامرة، فلا يجوز هذا اللعب، ولا يجوز هذا البيع، هذا ما يقال في بيع الحصاة.

    بيع الغرر: صوره وحكمه

    أما بيع الغرر، فتقدم التنبيه عليه في حديث أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع حبل الحبلة، مثلاً تكون الناقة حاملاً، فيقول: أبيعك الذي في بطنها، هذا نوع.

    أو تكون حاملاً، فيقول: أسلفني ألف ريال أسددك بعدما تنتج الناقة ما في بطنها، ويكبر هذا النتاج، وينتج، يعني: في البطن الثالث، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك، سواء وقع البيع على الحمل الموجود، أو الذي سيوجد فيما بعد، أو جعل ذلك موعداً لسداد الديون المؤجلة؛ لأن فيه غرراً، فإنه لا يُدرى ما الذي في بطنها؟! أذكر هو أم أنثى؟! مكتمل أم خلوج؟ ... إلخ فكل ذلك مجهول، إذاً: هناك غرر.

    وأشرنا بأن كل بيع فيه غرر مندرج تحت هذا الحديث، وجاء التصريح هنا بالنهي عن بيع الغرر: (وعن بيع الغرر) .

    ومن أمثلة بيوع الغرر: أن تأتي إلى الدكان، فتجد فيه علباً مغلقة، سواء كانت للملابس الجاهزة، أو للأحذية، أو لأدوات منزلية، أو كذا، فتقول: ماذا في هذه العلبة؟ قال: فيها حذاء، طيب أريد أن أفك، قال: لا، لا تفك! هو على ما هو عليه! أنا اشتريته مقفولاً وأبيعه مقفولاً، طيب أريد أن أعرف اللون، والمقاس، قال: لا، فأنت ما تدري ماذا تجد، هل هو خاص بالرجال، أو بالنساء، أو هو كبير، أو صغير، نوع جيد، أو نوع رديء؟ فهذا غرر في المبيع، فلابد أن تفك، وأن تنظر، وأن تتأمل؛ فإن طاب لك أخذت، وإن لم يطب لك تركته في محله.

    وكذلك ما يوجد في بعض الجهات، تأتي بنوع من اللباس، مطبق ومشبك بدبابيس، ومغلف في كيس من النيلون، أو نحوه، فإذا أردت أن تفك، يقول: لا تفك، إذا فكيته وطبقناه، وإذا أتى زبون آخر فلن يأخذه؛ لأنه مفكوك، لكن ما ندري فربما يكون فيه شق! أو عيب، فكيف نفعل؟ لكن يقولون: يغتفر في مثل هذا؛ لما علم من تكرار المبيعات في مثل هذه الصورة على السلامة.

    فمثلاً: الفنايل تكون في كيس نايلون أو في بعض الأشياء، أو بعض المعلبات، وجرت العادة عند الناس أن تقرأ الرقم فيبين المقاس، ويبين نوعية القماش، فتأخذه على النعت الموجود فيه، وهنا: يصح البيع؛ لما عرف من نظائره السابقة، فإذا حدث وظهر فيه عيب -لم يتعود الناس أن يروه- فله حق رد المبيع بالعيب، أو يأخذ أرش العيب، فهذا العيب كم أنقصها من قيمتها؟ مثلاً: (2%)، (5 %) فأنت بالخيار ترد وتأخذ القيمة، أو تسترجع من البائع أرش النقص (2%) أو (5 %)، وهكذا كل ما فيه غرر.

    ومن صور بيع الغرر: بيع ما لا تقدر على تسليمه، ويمثل الفقهاء لهذا: ببيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، والعبد الآبق، والفرس الشارد، وكل هذا من بيع الغرر، فإذا قال لك: أبيعك الطير (وهو في الهواء)، طيب: ومن يحضر لي الطير؟! قال لك: أبيعك السمك في هذا الماء، طيب ومن يضمن لي السمك؟! ولكن: الفقهاء لهم مخارج، فإذا كان الطير في الهواء كما يفعل بعض الشباب الذي يضيع دراسته في هذا، هواية الحمام! حمام جلابي، حمام هزازي، حمام كذا... إلخ، تعال انظر إليه في الجو، وهو يتقلب بحركات جميلة، يرغبه فيه، قال المشتري: طيب اشتريت، أعطني المبيع، قال البائع: لا، ليس الآن، لما يرجع في الليل، ويبيت فسأذهب وأمسكه.

    أو قال: أبيعك هذا السمك، الذي في هذا الحوض، لكن الحوض كبير! مائة في مائة متر! من يعين ويحدده بالذات ويحضره، هذا سمك في ماء، طيب أنا أملكه، الحوض حقي وأنا مربيه، فإذا كان باستطاعته بآلة، أو بأخرى، أن يصطاد هذا السمك، الذي وقع عليه البيع، ولا يختلط بغيره، فهذا مقدور على تسليمه.

    وكذلك الطير في الهواء إذا كان قادراً على تسليمه ويستمهل إلى مجيء الليل، والمبيت؛ فلا مانع، وتكون رؤيته في الهواء من باب رؤية حركاته التي يرغب فيها، وهو قادر على التسليم فيما بعد، فقالوا: مثل هذا لا بأس.

    أما إذا جاءت يمامة، أو جاء طاووس، ووقع على الشجرة، فقال شخص: أبيعك هذا! -هو ليس عنده، وليس في بستانه- فيقال له: وإذا بعته فمن يسلمه؟!

    إذاً: هذا غرر؛ لأنه غير مقدور على تسليمه.

    كذلك إذا كان لك عبد، فأبق عليك: هرب، فقال: أبيعك العبد الهارب، قلت: أين هو؟ قال البائع: والله ما أدري أين محله! لكن إذا علم مكانه، والمشتري يرى أنه قادر على الذهاب إليه، والقبض عليه، وأخذه، يقول الحنابلة يجوز هذا ما دام المشتري قادراً على أخذه، طيب، كان يظن القدرة فعجز، ماذا يفعل؟! يرجع على البائع!

    ولو اغتصب شخص سلعة: طيراً، عبداً... إلخ، والمالك لا يستطيع أن يخلص السلعة من يد الغاصب، فلا يجوز له أن يبيعه؛ لأن المشتري يريد السلعة، والسلعة في يد غاصبها، والبائع لا يستطيع أن يخلصها منه، إلا إذا جاء إنسان وقال: أنا قادر على تخليص المغصوب من يد غاصبه، بعنيه، فقال البائع: والله ما دام أنك قادر، نعم أبيعك، وباعه على من يقدر على تخليصه من يد غاصبه، حينئذ يصح البيع، طيب، وإذا عجز المشتري عن تخليص السلعة من يد الغاصب! يذهب يشتكي، فإن استطاع بشكواه لولي الأمر الحصول على السلعة، فالبيع ماض على ما كان عليه، وإن عجز، وولي الأمر لم يستطع أن يلزمه بإحضاره؛ حينئذ يرجع المشتري على البائع، وكل ما أوجب، أو أدى إلى عدم القدرة على التسليم فهو غرر، فلا يجوز البيع.

    من الدواهي الموجودة الآن، وأطبق عليه الجميع، واستحلوا بذلك الحرام، ما تجده في معارض السيارات التي سببت ملء السجون بالمدينين ببيع التقسيط، فيأتي عند البيع ويقول: (بعتك سكراً في ماء)، (ملحاً في ماء)، (كومة حديد)، وهو يعلم بأن فيها بعض العيوب، ولكن يخفيها، ويأتي بتلك العبارات، والمشتري يقول: قبلت، قبلت، قبلت، ويظن أن هذه عبارات وهمية، لكن الحقيقة قد يكون فيها عيب؛ ولذا قال مالك : من باع على البراءة الأصلية لا يصح بيعه، لو قال: أبيعك على أنها بريئة من كل عيب، فإن كان يعلم فيها عيباً، وكتمه فهو آثم، فإن اطلع عليه المشتري، فله ردها عليه؛ لأنه دلس عليه وغره بكتمان العيب.

    إذاً: هذه المبيعات يعلم أن فيها عيوباً ما، وأهل السيارات يعرفون العيوب الخفية والدقيقة: من تسرب الزيت... إلخ، والمسكين الذي يشتري لا يعرف هذه الأشياء، وما يدري عنها، تقول له: اذهب وانظر، فيذهب إلى مهندس واحد، وقد يخفى عليه شيء، ويعلم أشياء، فكل من دس وأخفى عيباً، -وسواء كان يعلم وجوده أو لا يعلم- فتبين المشتري ذاك العيب، فإن له أن يرد السلعة؛ لأنه قد غره، وغشه، ودلس عليه، فالبيع باطل، وتحت هذا صور عديدة.

    وكذلك قد يقع الغش والتدليس في أعمال المقاولات والبناء، فمثلاً: يتفق صاحب العمل مع أحد المقاولين على مواصفات معينة، ويحدد له النسب والمعايير المطلوب تنفيذها، والسير عليها، وهنا قد يستغل المقاول جهل صاحب العمل بكيفية تطبيق تلك المواصفات؛ فيغش ولا ينفذ المتفق عليه، ومن هنا قد يلجأ أرباب الأعمال إلى الاستعانة بمشرف فني يعرف أعمال البناء ليشرف على المقاول في تطبيق الاتفاقية، والمشكل إذا اتفق المشرف مع المقاول على صاحب العمل! فهذه مصيبة أخرى!

    قاعدة عامة في المعاملات

    هنا قاعدة أساسية وعامة تدخل في جميع المعاملات: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة:188]، (المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه)، وكذلك: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس)، وهكذا كل ما تقرأه عن أنواع الغرر يرجع إلى التحايل على أخذ أموال الناس وأكلها بالباطل، والتحايل على أخذ الزيادة في الثمن، ويغره، في وصف السلعة، أو بأي حالة من الحالات، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (من اشترى طعاماً...)

    قال المصنف رحمه الله: [وعنه -أي أبي هريرة - رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله) رواه مسلم ].

    هذه قضية مهمة لاسيما في حق التجار، وخاصة تجار (القطاعي) أو (التصريف)؛ لأن التاجر على قسمين: تاجر جملة، وتاجر قطاعي (تجزئةً).

    فتاجر الجملة يأتي ويشتري كمية كبيرة، كما نشاهد في أيام جذاذ التمر، فيكيل عشرة قناطير! وعشرين قنطاراً! ويتركها في المستودعات عنده، فإذا قدر أنه اشترى مائة كيس، وكالها، وكل كيس فيه عشرون صاعاً، وعدها مائة كيس، فجاء إنسان يريد أن يشتري كيساً، فقال: أنا حينما اشتريتها كلتها، وفي كل كيس عشرون صاعاً، فاختر أي كيس منها، فهذا لا يجوز، فلابد أن نأتي بالصاع، ونكيل الكيس مرة أخرى، حتى قال بعض العلماء: لو كنت حاضراً في السوق، والتاجر اشترى صبرة قمح، أو تمر، وكالها الكيال وأنت موجود، كالها بين البائع والمشتري وأنت واقف، فكانت عشرين صاعاً، فوضعها في الكيس، وتركها على جنب، ثم جئت بنفسك، ووجدت الكيس بعينه، وأردت أن تشتريه على ما شاهدت من كيل سابق، فلا يجوز للبائع أن يبيعها عليك، حتى يعيد الكيل -من أجلك- مرة أخرى، فيجري فيها الصاع مرتين.

    فإن قلت: لما نكيل الكيل الثانية تحصيل حاصل؛ لأني رأيته بنفسي كاله أمامي فلماذا؟

    قيل: دفعاً للتهمة، ومنعاً للشك، وما يدرينا، فلعل الكيال حينما كال أمامك غلط في العدد، فربما أنقص صاعاً، أو زاد صاعاً، سهواً، فأنت أخذت الكيس على الكيل الأول، وذهبت إلى البيت، وقسمته بين عائلتيك، فإحدى العائلتين أخذت عشرة صيعان مستوفاة، والعائلة الأخرى صار لها تسعة صيعان، فالناقص هذا على من يكون؟! سترجع إلى من باعك، والبائع يقول: البائع أنا كلت أمامك، فتكون العهدة على الذي باعك، أو على المالك الأول؟

    الذي باعك، لكن الذي باعك تم الكيل أمامه، فهل يستطيع أن يرجع على الأول، ويقول: أنت الذي أحضرت الكيال وأنت الذي كلت، وأنت الذي عديت؟ لا، سيقول البائع: بل أنت الذي أنقصت، أنت الذي أخذت! ثم يرجع المشتري الأول على المشتري الثاني! ويقول: يا عم! أنا أعطيتك كيساً فيه عشرون صاعاً، فذهبت به إلى البيت، ثم أنقصت صاعاً! وستقع المشاجرة، وسيقع النزاع، فحسماً للنزاع؛ كل يكيل لنفسه.

    وهذا أيضاً قد يقع حالياً في بعض المؤسسات مع الموظفين، فحينما يصرفون الرواتب وتستلم من البنك، وهي معدودة بعد البنك، فيستلمها الموظف على عدّ البنك ولا يعدها، ثم يذهب إلى بيته ويوزعها فإذا هي ناقصة، فهل يستطيع أن يرجع بهذا النقص على الصراف، أو أمين الصندوق، ويقول: أنت أعطيتني مرتبي ناقصاً؟!

    ولذا توجد لوحة عند كل أمين صندوق، (لا تقبل النقود بعد الخروج من الغرفة)؛ لأنه ممكن يسحب منها ويضعها في جيبه، ويرجع ويقول: هذه ناقصة، ولكن عدّها أمامه.

    إذاً: هذه الأمور التي يحتمل فيها الخطأ، ويحتمل فيها الغلط والنسيان، ينبغي أن يعاد المكيال، ويعاد المعيار، والميزان، والعدد، لكل إنسان على حده، حتى نسلم من الاتهام، ومن الشك، فممن كان هذا النقص؟!

    لا ندري، إذاً: سيقع هناك النزاع، فمن اشترى طعاماً واكتاله، لا يجوز له أن يبيعه حتى يكيله مرة أخرى للمشتري، ولابد من أن يحوزه وينقله، ولا بد من إعادة الكيل، أو الوزن، أو العد، منعاً للغرر، وحسماً للنزاع.

    1.   

    شرح حديث: (النهي عن بيعتين في بيعة)

    قال المصنف رحمه الله: [وعنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعه) رواه أحمد والنسائي وصححه الترمذي وابن حبان ، ولـأبي داود : (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما، أو الربا) ].

    أقول: ما تعب طلبة العلم في صورة نهي كهذه الصورة، (نهى عن بيعتين في بيعة)، (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا) كثر ما قيل في هذه الصور، وقد اختلف العلماء في تحديد الصورة التي يتحقق بها المراد من هذين الحديثين، ولكن الشافعي رحمه الله فسر البيعتين في بيعة بتفسير سهل جداً، ومريح، ولو أخذ به الناس لاستراحوا، واستراح طلبة العلم من عناء التفكير والتعب، واستراح الناس في معاملاتهم.

    ولكن يرد عليه ما يرد من حيث السند ومن حيث المعنى، فـالشافعي رحمه الله يقول: هو أن تبيع السلعة بثمن مؤجل، أكثر من سعرها في الحاضر بسبب التأخير، مثل بيع التقسيط: نقداً بمائة، ومؤجلاً بمائة وثلاثين، فهذه بيعتان، يعني: عقدان في بيعة، أي: سلعة واحدة، مثل ما يوجد في بيع السيارات الآن -وهي التي أساءت إلى الناس- نقداً بعشرين ألفاً، ومؤجلاً: بخمسة وعشرين ألفاً.

    فـالشافعي فسرها بهذا، (بيعتين) أي: عقدين: عقد حال، وعقد مؤجل، في بيعة، وهي السيارة، وقال: فمن باع بيعتين في بيعة -كما تقدم- طبق عليه الحديث الآخر: (فله أوكسهما) يعني: أقلهما، (أو الربا)، وهذا ينطبق تماماً على هذه الصورة، بعت السيارة بيعتين: بيعة بمائة، وبيعة بمائة وثلاثين، (فلك أوكسهما) يعني: أنقصهما، إذاً: نحسبها بمائة، وإن أصر على مائة وثلاثين، كانت الثلاثون ربا.

    لكن العلماء يقولون -وجعلوا لها تخريجاً أيضاً-: هذا ينطبق عليه فعلاً إن انصرف الطرفان دون تحديد نوع المبيع، فلم يقل المشتري: اشتريت حالاً بمائة، ولم يقل البائع: بعت مؤجلاً بمائة وثلاثين، البائع قال: نقداً بمائة، ومؤجلاً بمائة وثلاثين، وقال المشتري: نعم، وأخذ السيارة (شغل ومشى)، على أي السعرين تم البيع؟! لم يحدد! ويقولون : لم يتعين نوع العقد من العقدين، فالمشتري لم يحدد: قبلت بالنقد، أو قبلت بالنسيئة، والبائع كذلك، لم يحدد: باع بالنقد، أو باع بالتأجيل، وافترقا على ذلك، فهل يطالب البائع المشتري بالمائة؟ أم ينتظر حتى يأخذ المائة والثلاثين بعد سنة؟ ما عندنا تحديد، فقالوا: من هنا وقع الغرر؛ لأن البائع لا يدري ما الذي استقر له في ذمة المشتري، أهي المائة حالاً الآن أم هي المائة والثلاثون بعد سنة؟!

    ومالك يزيد في هذه الصورة شكلاًآخر، ويقول: إن هذا العقد الذي لم يحدد فيه نوع الثمن، فيه ربا، كيف هذا؟! على تحقيق: (أوكسها أو الربا) يقول: لعل المشتري أرادها نقداً، وانصرف على أنها نقد، ثم بدا له أن يجعلها نسيئة، فيكون استقدم المائة نقداً بمائة وثلاثين بعد سنة، وهذا هو عين الربا، أو أن يكون البائع قد انصرف عن المشتري على أنها نسيئة بمائة وثلاثين، ثم جاء المشتري ودفع المائة، فيكون البائع قد باع بمائة وثلاثين، ثم وضع وتعجل، وقولهم: زد وتأجل، أو ضع وتعجل، هما صورتان للربا، فـمالك يحقق معنى الربا في هذين العقدين، إذا لم يعينا أحد العقدين ويتفقا عليه.

    صور أخرى للبيعتين في بيعة

    وهناك صور أخرى للبيعتين في بيعة، كأن يقول: أبيعك هذه السيارة (التكسي) على أن تبيعني هذه (الأنيسة)، أو تبيعني هذه الحمالة (دينة)، فهذا باع، وهذا باع، بيعتان في عقد واحد، على الشرط: أبيعك التكسي شرط أن تبيعني الدينة، يقولون: هذا أيضاً يصدق عليه أنه بيعتان في بيعة؛ لأنه بيع وشرط، وتوقفت صحة العقد الثاني على صحة العقد الأول، قالوا: هذا أيضاً داخل في معنى: بيعتين في بيعة.

    لكن لا ينطبق عليها أوكسهما؛ لأن كل واحدة منهما إما بسعر الأخرى، وهذه في قيمة هذه، فتكون متساوية، وإما كل واحدة بثمن محدد، فهما عقدان متفاوتان، وليس هناك أوكس ولا أكثر؛ لأن كل سلعة لها سعرها.

    وهناك من يقول: أسلم في قفيز من الحب، وبيع السلم هو أن تأخذ الثمن، ويكون المبيع في ذمتك، تقدمه للمشتري عند الأجل، كالذي يبيع خمسة أوسق من التمر، والناس ما زالوا يؤبرون، وهذا جائز، فيأخذ الثمن، وحينما يأتي وقت الجذاذ، عليه أن يقدم الخمسة الأوسق للمشتري، فلما جاء الأجل، وقال: أعطني الأوسق التي لي، والتي اشتريتها من قبل -أنت ما عندك- فيقول: أنا ما عندي، ولكن بعني تلك الأقفزة الخمسة التي لك عليّ بألف مؤجلة إلى شهرين، فالخمسة الأوسق وقع عليها بيعان: بيع في عقد السلم، وبيع عند الوفاء؛ لانعدامها عند الأجل، إذاً: أنت بعتها، ثم اشتريتها، بعتها وهي معدومة، واشتريتها حينما حل الأجل عليك لتدفعها، فهذا أيضاً من صور البيعتين في بيعة.

    ولكن: إذا أردنا أن نطبق الحديثين فإن أقرب الصور في تطبيقها هو ما قاله الشافعي رحمه الله: أن تبيع السلعة بأكثر من ثمنها في يومها بزيادة مقابل التأجيل، الآن في السوق بمائة، تقول: بمائة وثلاثين بعد ستة أشهر، الثلاثون هذه مقابل ماذا؟ التأخير إلى ستة أشهر.

    فينطبق عليها أوكسها، وهي المائة، وهو سعرها اليوم، (أو الربا) أي: في هذه الثلاثين الزائدة.

    ولكننا نجد الشوكاني يرحمه الله بحث هذه المسألة, وقال: لقد كتبت رسالة في ذلك أسميتها: إرواء الغليل في زيادة الثمن من أجل التأجيل، ولكن لم نطلع عليها، ولم نجدها.

    فكل صورة من تلك الصور الثلاث التي أوردناها وردت عليها اعتراضات، إلا الصورة التي ذكرها الشافعي ، فلا يوردون عليها،إلا أن العمل جار عليها، وكون العمل جار على شيء، وهو يتعارض مع النص الصريح، لا يكون ذلك حجة مسقطة للنص، وقالوا: الحديث متكلم فيه، وإذا أردنا أن نأخذ كل كلام في كل حديث، ما يبقي لنا شيء، هذا الذي نستطيع أن نورده في هذه المسألة على كثرة ما قيل فيها، سواء كان في الموسوعات أو كان في المجاميع، أو كان عند الفقهاء، وبالله تعالى التوفيق.

    1.   

    شرح حديث: (لا يحل سلف وبيع)

    قال المصنف رحمه الله: [وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك) رواه الخمسة، وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم ، وأخرجه في علوم الحديث من رواية أبي حنيفة عن عمرو المذكور بلفظ: (نهى عن بيع وشرط) ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني في الأوسط، وهو غريب ] .

    (لا يحل سلف وبيع) مثلاً: تقول: سلفني وأبيعك! بعني السيارة وسلفني ألف ريال، هذا الشرط هو: ارتباط السلف بالبيع، فحينما تأتي وتقول لصاحب السيارة: سلفني عشرة آلاف ريال، قال صاحب السيارة: عشرة آلاف كثير، ومتى تردها لي؟ قلت: بعد سنة، قال صاحب السيارة: أنا أريد أن أبيع وأشتري، وأريد أن أربح، قلت: طيب بعني هذه السيارة باثني عشر ألفاً، وحينما علمت أنه سيعطيك عشرة آلاف ديناً، أردت أن تنفعه، ويريد أن ينتفع منك بسبب هذا الدين، فباعك السيارة التي تساوي ثمانية آلاف باثني عشر، وهذه الأربعة زيادة لأجل ماذا؟ من أجل أنه سلفك، فأنت تحملت زيادة في سعر السيارة، ولم تماكس، بل قلت: مرحباً على العين الرأس، من أجل أن يمضي عقد السلفة، فيكون المبيع مع السلفة وسيلة للزيادة في سعر المبيع هروباً من أن تقول: سلفني عشرة وأعطيك بها اثنى عشر، فلو قلت: سلفني عشرة، وأعطيك بها اثنى عشر، فسيقول: هذا ربا، وهذا حرام، طيب، بعني هذه السيارة، كم تساوي؟ تساوي عشرة، سأشتريها منك باثني عشر، إذاً: أبيعك إياها باثنى عشر، فتقبل أنت باثنى عشر، مع أن قيمتها عشرة، فزدت ألفين، وهما اللذان كنا سنضعها مع السلف، وهربنا منها وقلنا: ربا! ربا! ثم أتينا ووضعناها في قيمة السيارة!

    وكذلك العكس، سلفني عشرة آلاف، وأبيعك سيارتي، قلت: هي تساوي عشرة، قال: والله أشتريها بثمانية، فأنت من أجل أن تمضي عقد السلف وتأخذ العشرة؛ تساهلت في ثمن السيارة بألفين، وأخذها بثمانية، فلأجل السلفة نزلت من قيمة السيارة، إذاً: المسألة رجعت إلى الربا مرة أخرى، فاجتماع البيع والسلف، سواء كان البيع من المسلِّف أو كان البيع من المتسلف، والمراعاة والتنازل في ثمن المبيع -باسم المبيع-؛ ليغطي مصلحة القرض.

    إذاً: نهى صلى الله عليه وسلم عن سلف وبيع.

    هذا الحديث جمع فيه الراوي من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم مسائل متعددة من مسائل البيع.

    فالأولى منها: نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع وسلف، وتقدم الكلام على هذا النوع، وبيان العلة في النهي عن جمع البيع مع السلف، وأنه يدور حول مظنة الربا، سواء كان البيع من المسلف أو كان البيع من المتسلف.

    الشرطان في بيع: صوره وحكمه

    النوع الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن شرطين في البيع.

    تمهيداً لهذه المسألة -كما يذكر الحنابلة- في الصورة: حمل الحطب وتكسيره، فمثلاً: اشتريت حطباً من حطاب، واشترطت عليه أن يحمله إلى بيتك، ثم اشترطت مع حمله أن يكسره إذا وصل، ونحن نقول في المقدمة:

    إذا اشتريت الحطب من الحطاب، وانتهيت بالثمن، ثم سألت الحطاب: أريد من يحمله لي إلى البيت، هذا الحامل الذي سيحمله لك، ماذا يسمى بالنسبة إليك، بائع أم أجير؟ أجير، فقال لك الحطاب: أنا أحمله إلى بيتك، كم تدفع؟ اتفقت معه على أجرة الحمل، وأوصل الحطب إلى البيت، وأعطيته أجرة حمله، فأنت عندما كنت في السوق كنت مشترياً، وهو بائع، وهو هنا أجير وأنت مستأجر، ثم قلت: أريد إنساناً يكسره لي، قال: أنا أكسره لك، كم تدفع؟ فاتفقت معه على تكسيره بأجرة جديدة، ودفعت له الأجرة وكسر الحطب، الآن حصل مع شخص واحد، في سلعة واحدة، ثلاثة عقود: عقد على البيع والشراء، وعقد على حملانه، وعقد على تكسيره، هل في هذا شيء ممنوع أم كله سليم؟ كله سليم، لو قدر أنه قال لك: أنا أحمله لك، وحمله في السيارة، ثم جاء ليشغل السيارة فما اشتغلت! قال: والله أنا عجزت، هل يستحق عليك شيء؟ ستأتي بحامل آخر ويحمله، إذاً: الحمل عقد مستقل بذاته، وليس مربوطاً بالبيع والشراء.

    حمله ووصّله، ثم قال: أنا أكسر لك الحطب، أعطني الفأس، ذهبت وأتيت بالفأس، قال: هذه لا تصلح للتكسير، هذه تتعب، وما فيها فائدة، وفسخ عقد الإجارة على التكسير، فلا يتعلق فسخ عقد التكسير بعقد الحمل، فالحمل انتهى في طريقه، والبيع انتهى في طريقه، وإنما ارتبط الفسخ بالتكسير فقط!

    إذاً: لو جئنا وقلنا: يا صاحب الحطب! حطبك هذا بكم، وبشرط: أن تنقله إلى بيتي، وأن تكسره هناك، كم الثمن؟ قال: مائة، وهذا العقد على الحطب بمائة دخل فيه مقابل الحمل والتكسير، وليس الحمل والتكسير من أجلك.

    إذاً: الحطاب سيحسب قيمة الحطب مثلاً: واحداً وثمانين، وعشرة للحمل، وتسعة للتكسير، هذا بحسابه هو، لكن في العقد المائة مجملة، فحينما يتم حمل الحطب، ووصله، وكسره يستحق المائة، وانتهى الأمر، لكن الفقه يقدر لما لم يقع لو وقع ماذا يكون، فمثلاً: اتفقت معه على كوم من الحطب بمائة، لكن بشرطين: الحمل، والتكسير، جاء عند الحمل، قال: أنا ملزوم بالشرط، فتركه في السيارة، فشغل السيارة فما اشتغلت، قال: إنا لله، يا عم! لست قادراً على توصيله، فعجز عن تنفيذ الحمل، أو جئنا عند التكسير، قال: لا والله، الخشب هذا يابس، وناشف وكذا، أنا لا أقدر على تكسيره؛ فهنا يحصل اختلال في الشرط، فقلت له: يا عم! والله أنا اشترطت عليك النقل فالحطب مع نقله بمائة، وأنت الآن عجزت عن نقله، فستطالبه بقيمة الحمل المشروط عليه؟ ستطالب بكم؟! غير معلوم. إذاً: المبيع فيه قيمة الحمل غير معلومة.

    ولو قدر أن السلعة غير الحطب، كأن تكون مأكولاً أو مشروباً أو كذا، ونقله، فنظرت في المبيع، فإذا هو معيب، والعيب هذا ينقص القيمة، وأصبح لك الخيار في أن ترد البيع وتأخذ الثمن، أو أن تمضي البيع وتسترد قيمة العيب، طيب، أمضينا البيع، قلت له: هات حق النقص الذي حدث بسبب العيب الذي ظهر في المبيع، قال: قدروه، وانظروا كم يستحق؟ فقلت: تعالوا يا جماعة! قدروا، نظرنا السلعة -ونحن تشارطنا وتبايعنا على مائة قيمة السلعة، وحملها- قالوا: والله المبيع هذا معيب بعيب يقدر له (10%)، هنا (10 %) ستقدر من قيمة المبيع مع عزل تقدير أجرة الحمل، فإذا قدرنا الحمل عشرة، (10%)، فسيكون نقص العيب في التسعين أم في المائة؟! وهل سيتفق معك على أن قيمة الحمل عشرة أم تختلف معه؟!

    إذاً: دخل عنصر الجهالة في الصفقة، ويقابله عنصر الجهالة في الثمن، إذاً: سيقع نزاع أم لا؟ فإذا كان هذا في شرط واحد، فكيف إذا كان في شرطين؟! اشترطت: حمل الحطب، وتكسيره، أو كما يقولون: خياطة الثوب وتفصيله، قلت: يا عم! سأشتري منك ثوباً من هذه الطاقة، بشرط: أن تفصله، وتخيطه، وآخذه جاهزاً، قال: طيب، قلت: بكم؟ قال: بمائة، أتاك بالثوب مفصلاً، مخيطاً، مكوياً جاهزاً، ففتحت الثوب، فإذا في جانب من الثوب عيب: شط، تمزق... إلخ، عيب يقتضي أرشاً أو رداً، ماذا ستفعل في اشتراط التفصيل والخياطة؟ تخصم مقابل العيب من مجموع المائة أم مما يخص القماش فقط ولا يدخل في ذلك أجرة التفصيل، وأجرة الخياطة؟! ومن الذي سيحدد، ويرضي الطرفين على قيمة الخياطة والتفصيل؟!

    إذاً: يوجد عنصر يؤدي إلى الخلاف والنزاع لجهالة ما يقدر به العيب في المبيع الأساسي، أو في الصنعة، مثلاً: إذا كان التفصيل غير مناسب، من تحت الإبط ضيق، والكم واسع أكثر من اللزوم، ومن أسفل من ناحية مرتفع، وناحية مرتخي، والخيط غير سليم، ففي هذه الحالة وجد عيب في التفصيل، فكيف نسترد قيمة العيب في أحد الشرطين؟ نحن لم نقدر لها شيئاً عند العقد الأول، وكانت مجملة، إذاً: وجد عنصر الجهالة، وهو موجب للنزاع؛ ولهذا نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط، أو بيع وشرطين.

    اشتراط جابر في بيعه على رسول الله صلى الله عليه وسلم

    تقدم في حديث جابر : أن جمله أعيى وكاد أن يسيبه، فضربه النبي صلى الله عليه وسلم بقضيب في يده، فنشط ونهض وصار يسبق ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: أتبيعني جملك؟ قال جابر : لا، فقال صلى الله عليه وسلم: بعنيه بكذا، قال جابر : ما في مانع، لكن نحن في وسط الطريق، فأشترط حملانه إلى المدينة، جابر اشترط على رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا؟ وقع شرط مع البيع أم لا؟ البيع صحيح أم لا؟ الشرط صحيح أم لا؟ نعم، قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: عملية أجراها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا أحد يسأل أصحيح أم باطل؟ لأنه صلى الله عليه وسلم هو المشرع، لكن كيف صح بيع وشرط، وهنا نهى عن بيع وشرط؟

    يقولون في الجمع بين الصورتين: حملان البعير من مكان العقد إلى المدينة في عين السلعة، ليس على جابر، الاشتراط هنا في عين السلعة، أن يستبقي حمل البعير وركوبه إلى المدينة، ومثله: لو أردت أن تشتري بيتاً، فقال لك البائع: والله يا فلان! نحن في نصف السنة، وما عندي بيت ثاني أسكن فيه، وأحتاج أن أستأجر -والعادة في المدينة أن الاستئجار يكون من أول السنة- ولكن أبيعك البيت وأستثني وأشترط لنفسي سكنى البيت إلى نهاية السنة، فهنا وقع شرط وبيع، فهل صح البيع أم لم يصح؟ صح؛ لأن الشرط في عين المبيع، والشرط في عين المبيع، لا يلحقه ضرر ولا غرر.

    لكن هنا الشرط ليس في السلعة ولكن على صاحبها، والأولى أن يكون بعقد آخر، لما قال: استثني حملانه إلى المدينة، هل فيه عقد استئجار؟ لا، وإنما يراعى فيه التسامح، فما دام أني سأعطيك لتركبه إياه إلى المدينة فخفض من السعر، ويكون هناك رضى، فإذا كان الشرط معلوماً، ولا يؤدي إلى نزاع فلا مانع.

    أما إذا كان الشرط غير معلوم القيمة، وفي النهاية إذا أرادا أن يتفاصلا، أدى ذلك الشرط إلى نزاع بسبب الجهالة؛ فهذا ممنوع.

    اختلاف الأفهام فيه توسعة على الأمة

    لعلكم تذكرون قضية أبي حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة ، حينما قال عبد الوارث : والله لأنتهزها فرصة، ثلاثة علماء من قطر واحد، وسأل أبا حنيفة عن بيع وشرط، فقال: البيع والشرط فاسدان، ثم سأل ابن أبي ليلى قال: البيع صحيح والشرط صحيح، ثم سأل ابن شبرمة قال: البيع صحيح والشرط باطل، فتعجب! فرجع إلى أبي حنيفة ، وقال له: إن صاحبيك يقولان: كذا، قال: ما عليَّ مما قالا لك، ولكن الشرط والبيع فاسدان؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط، وحملها على عمومها، فذهب إلى ابن أبي ليلى فقال: ذكرت كذا، وذكر أبو حنيفة كذا، وابن شبرمة كذا، فقال: ما علي مما قالا لك، البيع صحيح والشرط باطل، وذكر له قضية بريرة ؛ لأن أهلها اشترطوا عليها الولاء، فصحح النبي صلى الله عليه وسلم العقد وأبطل الشرط، فذهب إلى ابن أبي ليلى وقال له: إن صاحبيك يقولان: كذا وكذا، قال: ما علي، العقد صحيح والشرط صحيح، وذكر حديث جابر ، وهذا هو أدب العلماء، واحترام الرأي، وكل يستدل بما وصل إليه، ولم يأت أحد منهم -رضوان الله تعالى عليهم أجمعين- بشيء من عنده، ولكن تعددت النصوص، واختلفت الأفهام.

    ويقول عمر بن عبد العزيز : والله ما أحب أن لي حمر النعم ولم يختلفوا؛ لأنهم لو كانوا كلهم على رأي واحد، لشق على الناس، ولكن رحمة من الله سبحانه، فإذا كان الخلاف له أصل، والرأي له دليل؛ فلا يحق لإنسان أن يعترض على ذلك، ولا أن يتناول صاحب الرأي بالكلام، ويجب أن نفرق بين القول والقائل، فإذا وجهنا نقداً أو اعتراضاً فإنما يكون للقول، لا للقائل، والقائل مصون في مكانه.

    وهكذا نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط، ووجدناه يعقد بيعاً وشرطاً مع جابر ، ووجدناه يعقد عقداً ويبطل شرطاً مع عائشة في بريرة .

    وهكذا يجب ويتعين على طالب العلم أن يتأنى، ويتريث، في ما يصله عن سلف الأمة، ولا يحق له أن يتكلم في مسألة حتى يجمع أطرافها، ولا يحل له أن يفتي في بيع وشرط، حتى يلم بهذه الأحاديث كلها، وإذا وجد غيرها يضمها إليها؛ ليقف على مجموع الروايات، ومجموع الأحاديث، وكما جاء عن علي رضي الله تعالى عنه: لا يحق للإنسان أن يتكلم في مسألة إلا إذا جمع نصوصها، وجمع أطرافها، وعلم العام من الخاص، والمطلق من المقيد، والمتقدم من المتأخر، إذا علم ذلك كله في المسألة كان لفتواه ولقوله أصل.

    وقد ذكرنا مراراً أن أحمد رحمه الله سئل: من حفظ ألف حديث له أن يفتي؟ قال: لا، فقيل: ألفين؟ قال: لا، فقيل: ثلاثة آلاف إلى خمسة؟ قال: لعله! نقول هذا لأنفسنا، ولبعض الإخوة الذين يبادرون في الفتوى، ولو سألت واحداً منهم: أن يذكر عشرة أحاديث بأسانيدها -أنا شخصياً لا أستطيع أن أذكرها بأسانيدها- لا يستطيع، أما المتن فلعله يعلق في الذهن، ولو قلنا: من يحفظ متن ألف حديث، أظن أنه رصيد كبير جداً، لكنه عند أحمد يُعد مفلساً، الذي يحفظ ألف حديث بالنسبة لميزانية أحمد في الأحاديث: يعتبر مفلساً، ونحن نعتبر من حفظ خمسمائة حديث الآن حافظاً كبيراً.

    إذاً: هذا الموضوع يجدد لنا: النظر، والتأني، والتأمل، وحفظ كرامة سلف الأمة وأقوالها، والله تعالى أعلم.

    ربح ما لم يضمن: صورته وحكمه

    قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا ربح ما لم يضمن).

    نهى صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن، وهذه من أخطر قضايا الربا، وهي من أخطر المعاملات في الأسواق، وسيأتي عن جابر أو غيره توضيحها أكثر.

    ربح ما لم تضمن، ما هو الذي لم تضمن، ملكك أم ملك جارك؟ ملك الجار، أما ملكك فإنك تضمنه، يعني: إن خسر سيخسر إليك، وإن ربح سيربح لك، أما بضاعة جارك فإن خسرت فهل تضمن منها شيئاً؟! الأجنبي لو خسر في سلعته، فهل تضمن -أنت- منها شيئاً؟! فإذا كنت لا تضمن خسارتها، فكيف تأخذ ربحها!

    مثلاً: هناك تاجران متجاوران، فجاء رجل إلى أحد التاجرين يريد أن يشتري منه سلعة، ولتكن -على سبيل المثال- الشاي الأخضر، فقال التاجر، معذرة، نفدت البضاعة من عندي، ولكن سأحضرها لك بعد قليل، فاتفقا على السعر، ثم اتصل التاجر بجاره وطلب منه البضاعة المطلوبة، وكان قد تعاقد التاجر الأول مع المشتري على أن سعر البضاعة ثلاثمائة، ولما ذهب لإحضارها، اشتراها من جاره بمائتين وثمانين، فيكون قد ربح عشرين، ولكن هذا الربح من أين جاء؟ جاء هذا الربح عن طريق بيع سلعة ليست في ملكه، وليست في ضمانه، فإذا كنت لم تضمن خسارتها، فكيف تأخذ ربحها؟! دعها لصاحبها يربح منها، كما تركتها له يتحمل خسارتها، وهذا هو حق الأسواق، فلا تبع ما لم تضمن، لماذا؟ لأن الضمان بالخراج، أو الخراج بالضمان، الربح مقابل تحمل الخسارة، الغرم بالغنم، أو الغنم بالغرم، السلعة التي تريد أن تأخذ غنيمتها وهو ربحها هي التي أنت تتحمل ضمانها.

    ويوجد هنا ما يسمى بالمخاطرة، فصاحب السلعة الموجودة عنده مخاطر بها؛ لأنها معرضة للتلف، ومعرضة لانخفاض السوق فجأة، فهو دائر بين: الربح، والمساواة، والخسارة، وأنت بعيد! فكيف يصح لك أن تقطع عليه رزقه، وتكسب ما لم تضمنه؟ إذاً: فإنما الكسب لصاحب الضمان.

    بيع ما لم تملك: صورته وحكمه

    قوله صلى الله عليه وسلم: ولا بيع ما ليس عندك، بيع ما ليس عندك أعم، سواء كان فيه ربح، أو فيه خسارة، فالشيء الذي ليس عندك، لا تبيعه، وكما تقدم في مثال الشاي، جاء الزبون وطلب منك الشاي، وأنت ما عندك، فتبايعت معه، بناء على أن جارك عنده شاي، فاتفقت مع الزبون على السعر والكمية، وتم العقد، فقلت: هات ستمائة ريال -وهي قيمة الشاي- فذهبت إلى جارك، وأعطيته خمسمائة وستين، وقلت له: خذ يا عم! أعطني الشاي، قال: ما عندي، معذرة، فقبل أن تأتي بخمس دقائق أخذها الزبون، فأنت ارتبطت بشخص في عقد في سلعة ليست عندك، بناء على أنها عند الجار، فذهبت إلى الجار فلم تجدها عنده، ماذا ستفعل مع الذي أخذت فلوسه ووضعتها في جيبك؟! قلت له: يا عم! والله أنا آسف! ما عندي! قال لك: كيف ما عندك، وأنت بعت وأخذت الفلوس؟! أريد منك السلعة، العقد في البيع عقد ملزم، وأنا لا أقيلك من البيع، لابد أن تعطيني الشاي! ماذا تفعل؟! ستسافر لإحضارها؟! ولو جئت إلى القضاء فأنت ملزم بتسلم السلعة.

    ولهذا الإحراج منع صلى الله عليه وسلم الإنسان أن يبيع ما ليس عنده؛ لكون الغرر فيه: ربح ما لم تضمن؛ لأنه ليس في ملكك، والتغرير بالمشتري وبنفسك، على مظنة أنها عند الجار.

    إذاً: أوقعت نفسك في حرج، وأُحرجت مع المشتري، وأُحرجت أيضاً مع جارك، ومع نفسك، ومن هنا: نهى صلى الله عليه وسلم أن تبيع ما ليس عندك، بصرف النظر عن الربح؛ لأن الربح تابع للبيع.

    ويذكر أن جابراً أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله! الرجل يأتيني يريد السلعة، وليست عندي، فأذهب فأشتريها، ثم أبيعها عليه)، وهذه الصورة موجودة الآن بالفعل، قال: (لا تبع ما ليس عندك).

    ومثال ذلك -كما تقدم- أن يأتي الزبون فيقول: أريد شاي، وليس عند التاجر شاي، فيقول: انتظر، فيذهب ويشتري البضاعة، فيضمن وجودها، ويشتريها على حسابه، وبعد أن امتلكها ووضعها في دكانه تبايع مع المشتري، لكن لماذا اشتراها من جاره؟ وما هو الدافع لذلك؟ أهي الرغبة في السلعة أم استجابة للطالب؟! استجابة للطالب؛ لأنه قال للزبون: انتظر ثم ذهب واشتراها، وكان يظن أنها بثلاثمائة، فوجدها بثلاثمائة وخمسين، فأخذها إلى دكانه، وقال للمشتري: والله! يا عم السعر ارتفع، وهي عليَّ بثلاثمائة وخمسين، فقال الزبون: هذا سعر مرتفع ولن اشتريها بهذا السعر، فهل المشتري ملزم بأن يأخذها بما اشتريت أنت؟! ليست بملزم، وهل تستطيع أن تقول له: أنا اشتريتها من أجلك! فما دمت لا تملكها فلماذا تبيعها؟!

    وكما أشرت: إن بعض الأشخاص، أو بعض الجهات، أو بعض المؤسسات، يفعل ذلك، يأتيهم الشخص يريد السلعة، وليست عندهم، فيذهبون إلى جهات تمتلك السلعة، ثم يحول الزبون عليها ليستلمها من هناك، وتكون المعاملة مع المؤسسة في استلام القيمة، وهي قد اتفقت مع المشتري على ما يرضيها.

    إذاً: (لا تبع ما ليس عندك)، صورتها: أن يأتي زبون يريد السلعة، فتذهب وتشتريها، حتى ولو اشتريتها على حسابك من أجل أن توفرها لتبيعها على الزبون، لا تفعل ذلك؛ لأنه ما دفعك لشرائها إلا طلب هذا الزبون.

    إذاً: دخل فيها شيء، ولو تركها ولم يأخذها منك لوقع بينكما ما لا تحمد عقباه، ولو في النفوس.