إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه [5]

كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه [5]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هناك بيوع حرمتها الشريعة الحكيمة لمفاسدها الكثيرة، ومن ذلك تحريم بيع أمهات الأولاد وبيع فضل الماء وبيع ماء الفحل وبيع حبل الحبلة، وقد بين أهل العلم أحكام هذه البيوع، وحكمة الشريعة من تحريمها.

    1.   

    شرح حديث نهي عمر عن بيع أمهات الأولاد

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. أما بعد.

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (نهى عمر عن بيع أمهات الأولاد فقال: لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، يستمتع بها ما بدا له، فإذا مات فهي حرة) رواه مالك والبيهقي ، وقال: رفعه بعض الرواة فوهم ].

    يذكر المؤلف رحمه الله عن عبد الله بن عمر ، أن عمر رضي الله تعالى عنه نهى عن بيع أمهات الأولاد، أمهات الأولاد الأصل أنهن إماء وجواري مملوكات، وللسيد أن يستمتع بمملوكاته بملك اليمين، والاستمتاع بملك اليمين جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:3] ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المؤمنون:5-6]. وعبر عن الإماء بـ ما ملكت أيمانهم ؛ لأن الغلبة في مواطن القوة تسند إلى اليد اليمنى؛ لأنها الأقوى لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [الحاقة:45] وقال بعضهم:

    إذا ما راية رفعت لمجد تلقاه عراضة باليمين

    ولما كان الجهاد بذلاً للقوة، وبذلاً الطاقة؛ عبر عن الأسارى الذين يؤخذون في الجهاد بملك اليمين التي هي شعار القوة، وتقدمت الإشارة إلى أن الإسلام لم يبح استرقاق البشر إلا في ميدان القتال، وفي غير ميدان القتال لا رق، وموجبه أن الكفار عارضوا مسيرة الإسلام، وأرادوا أن يوقفوها، وأن يستبدلوا بالإسلام غيره، فلما قدر عليهم بالأسر استرقوا وسلبوا الحرية.

    سرُّ جواز الاستمتاع بملك اليمين من غير حد بعدد

    وهنا يقول عمر : لا تباع ولا توهب، ولكن يستمتع منها ما شاء، فإذا مات عتقت. ومن هنا نعلم السر في أن الله سبحانه أباح للحر أن يستمتع من الحرائر بعقد النكاح بأربع، ولكن الاستمتاع بملك اليمين بلا عدد ولا حد، فلو امتلك أربعين أمة، أو مائة أمة فله أن يستمتع بجميعهن.

    وهذا موضع تكلم المستشرقون من خلاله على الإسلام، وقالوا: إنه أعطى الرجل المجال لإشباع غريزته ورغباته فيمن شاء من النساء، وغاب عنهم قول عمر : فإذا مات عتقت، وهو أن السيد إذا ما استولد الأمة، أو مجرد أن حملت منه، ولو سقط الجنين وتبينت فيه خلقة الإنسان، فإنها تصبح في عرف الشرع أم ولد، يعني: أم ولد للسيد، فإذا مات عتقت من رأس ماله، لا من الثلث، فإذا لم يترك إلا أم ولد فقط فإنها تعتق، وليس هذا كالذي تقدم: أن رجلاً أعتق عبداً له عن دبر، فباعه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرجل كان مديناً، فاسترجع العتق وباعه، وسدد الدين، أما أم الولد فلا تباع في الدين؛ لأنها بمجرد موت سيدها اكتسبت الحرية، فنقطة الصفر التي فاضت فيها روح سيدها هي نقطة الصفر التي تحررت فيها؛ ولهذا لا ترث؛ لأنها لم تكتسب الحرية في حياته، ولكن بعد أن انتهت حياته بدأت حريتها، فلم يلتقيا.

    وعلى هذا فمن حكمة الشرع أن أباح للرجل الحر أن يستمتع من الإماء بقدر ما شاء؛ لأن استمتاعه من الإماء بمثابة الطعم له في السنارة؛ لأنه بمجرد أن تحمل منه الأمة تصير أم ولد، وبذلك تكون قد اقتربت من التحرر، والشرع يحث على تحرير الرقيق.

    والمرأة التي تملك العبيد لا يحق لها أن تمكن نفسها من واحد منهم؛ لماذا؟ لأن ولدها سواءً كان من حر، أو من عبد، أو من ملك يمين؛ يكون حراً، إذاً: تمكينها العبد لا يأتي بجديد، بخلاف الأمة فإنها بذلك تكتسب الحرية، وولدها يصير حراً، ونسلها كذلك يكونون أحراراً، فاستمتاع السيد بالأمة لمصلحتها هي، وليس لمصلحته هو؛ لأنها تخرج من ملكه إجبارياً دون اختياره.

    النهي عن بيع أمهات الأولاد

    الذي حصل في قصة عمر أنه كان جالساً فسمع صياحاً، فقال: يا يرفأ ! -غلام له- انظر ما هذا الصياح! فذهب فوجد امرأة بيعت دون ولدها، باعها سيدها ولم يبع ولدها؛ لأن ولدها حر، إذ أنه من رجل حر، ولو حملت من غير سيدها فإن الولد يكون مملوكاً، أما إذا حملت منه فولده يصير حراً، وأمه تتحرر بموت السيد، فقال: إن أم ولد تباع، والصياح بين ولدها وبينها! فقال عمر رضي الله تعالى عنه: ادع لي من كان هنا من قريش. فجمعهم وقال: هل ترون الإسلام جاء بقطعية الرحم أم أنه جاء بوصلها؟! قالوا: جاء بوصلها، قال: أرأيتم لو أن أحدكم من أم ولد وبيعت أمه وفُرّق بينهما أيقبل ذلك؟! قالوا: لا، قال: إذاً: لا تباع أم ولد بعد اليوم، ونهى عن بيع أمهات الأولاد.

    وإذا نظرنا إلى أمهات الأولاد فإننا نجد أن النهي عن بيعهن؛ لأنهن اقتربن من الحرية، فمتى مات سيدها تحررت وصارت حرة، لكن هناك شيء آخر: إذا اشترى الإنسان الأمة ومعها أولادها -من غيره- أو أنه زوجها لعبد، أو لحر، وأنجبت، فأولادها في الرق يتبعونها في ذلك، فأراد أن يبيعها، فقد جاء النهي عنه صلى الله عليه وسلم أن يفرق بين المرأة وولدها -أي: الأمة وولدها- أو بين الأخ وأخيه، قال: إما أن يباعا معاً -الأمة والولد- وإما أن يبقيا معاً؛ تجنباً لقطيعة الرحم، وقاس العلماء زيادة على ذلك: كل ذي رحم لا يجوز أن يفرق بينهما.

    وقال الآخرون: النص موجود في الأمة وولدها، والأخ مع أخيه فقط.

    وهل هذا النهي عام يتناول جميع مراحل العمر أم أنه خاص بما دون البلوغ؟

    قال البعض: إذا ما بلغ الولد وأصبح مستقلاً، فلو بيعت أمه وحدها فلا مانع؛ أما دون البلوغ فلا يجوز؛ لأنه ما زال صبياً، وهو في حاجة إلى أمه، وعطفها عليه.

    من هي أم الولد؟

    عمر رضي الله تعالى عنه أول من نهى عن بيع أمهات الأولاد، وسواء كان لها ولد حاضر، أو مات ولدها، المهم أنها جاءت بولد من السيد، فثبت أنها أم ولد بهذا الولد، فإذا عاش الولد سنة، أو سنتين فمات، فإن ذلك لا يخرجها عن كونها أم ولد، وتصير حرة بموت سيدها، وهل تباع؟ لا؛ لماذا؟ لأنها أمسكت بأول خيط للحرية؛ فلا تباع، ولا توهب، ولا ترهن، فكل عقد يئول إلى نقل ملكيتها، لا يجوز، فلا تورث، ولا توهب، ولا تباع، ولا ترهن؛ لأن كل ذلك ينقل الملكية، والسبب في ذلك ما هو؟ أنها في طريق الحرية.

    هذا ما جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه.

    وبعضهم -كما قال المؤلف- يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان جالساً فسمع، فسأل، فمنعه، فإذا كان الأمر مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو أصل في التشريع، وإذا كان موقوفاً على عمر ، فـعمر حينما قال ذلك قاله على ملأ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووافقوه، وإن كان قد حدث أن علياً رضي الله تعالى عنه كان موافقاً على هذا، وبعد عمر رأى علي أن تباع، فقيل له: كنت مع عمر موافقاً! قال: والآن بدا لي ألا أوافق. قالوا: رأيك مع غيرك أحب إلينا من رأيك وحدك. فقال علي وأنا لا أحب المخالفة، امضوا على ما كنتم عليه. إذاً: المخالفة للجمهور ليست جيدة، وكما قال ابن مسعود للذي اشتكى عثمان بأنه أتم في منى، وقد قصرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقصرنا مع أبي بكر ، وقصرنا مع عمر ، انظر ما فعل الرجل! قال: يا ابن أخي! الخلاف شر، فإن صليت في رحالك فاقصر، وإن صليت معه فوافقه. ومحل الشاهد عندنا قوله: (الخلاف كله شر)، وهنا علي رضي الله تعالى عنه يقول: لا أحب الخلاف، امضوا على ما كنتم عليه، ولو كان على غير رأيه الذي استجد له.

    1.   

    شرح حديث: (كنا نبيع سرارينا..)

    قال رحمه الله: [ وعن جابر رضي الله عنه قال: (كنا نبيع سرارينا أمهات الأولاد، والنبي صلى الله عليه وسلم حي، لا يرى بذلك بأساً) رواه النسائي وابن ماجة والدارقطني ، وصححه ابن حبان ].

    المؤلف يأتي بالحديث هذا -حديث جابر - (كنا نبيع سرارينا -جمع سرية-: أمهات الأولاد) يعني: الذي نهى عمر عن بيعهن كنا نبيعهن زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، (ولا يرى بذلك بأساً) فكيف عمر رأى به بأساً؟! إذاً: المسألة متعارضة! قالوا: ليس عندنا من اليقين الذي يجعلنا نجزم بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم ببيعهم سراريهم، ولم يثبت أن رجلاً جاء وقال: يا رسول الله! بعت سريتي -أم ولد-، وكونه موجوداً وفي عهده؛ مظنة لعلمه به، والمظنة غير اليقين، وكما قالوا: (كنا نعزل والقرآن ينزل، ولو كان شيئاً ينهى عنه لنهينا عنه). مع أن النهي قد جاء في صحيح مسلم والترمذي وغيره، وأنها الموءودة الصغرى: (أو تفعلون؟! ما من نفس منفوسة إلا وهي آتية، شاء أحدكم أم أبى)، (ولو أن أحدكم ألقى الماء على حجر، وأراد الله أن يأتي بالولد لجاء) والرجل الذي جاء واستفسر الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن لي جارية، وأريد منها ما يريد الرجل من المرأة، وأخشى أن تحمل، أفأعزل؟ قال: اعزل أو لا تعزل ما قدر لها سيأتيها، وبعد سنة جاءه وقال: يا رسول الله! الجارية حملت، قال: الله أكبر! أنا عبد الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- لو أن أحدكم ألقى الماء على حجر وأراد الله منه الولد لجاء)، والآن الطب يثبت هذا، فلو أراق الرجل الماء على حجر، وتجمرت به امرأة لنفذ الماء إلى الداخل وحملت، وهو شبيه بالتلقيح الصناعي، -الذي ملئوا به الدنيا صياحاً- فيؤخذ الماء من الرجل، ويوضع في رحم المرأة، وتتلقح بدون علاج، وبدون جماع، قالوا: كنا نعزل والوحي ينزل، فمن قال لكم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع على هذا: فهذه أمور فرضية، وقد جاء النهي عن ذلك، وهنا كذلك، يقول: والرسول حي.

    فالذين وافقوا عمر رضي الله تعالى عنه يقولون: ليس عندنا دليل قاطع بأن الرسول صلى الله عليه وسلم علم، وأقر، وسكت، وإنما لوجوده بين أظهرهم فمظنة ذلك أن يعلم بمثل هذه الصور.

    وبعضهم يقول: الحديث الأول مرفوع، فيكون ناسخاً لهذا؛ لأن المنع مقدم، والمنع إنما يكون بعد الإباحة؛ لأن الإباحة على الأصل والبراءة الأصلية، فجاء المنع فنسخ البراءة الأصلية، فيكون المنع هو المقدم.

    1.   

    شرح حديث: (نهى عن بيع فضل الماء)

    قال رحمه الله تعالى: [ وعن جابر بن عبد الله قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع فضل الماء) رواه مسلم].

    من المنهي عن بيعه: بيع أم الولد، وكذلك التفريق بين ذوي الرحم، وجاء في الحديث: (من فرق بين الأم وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة)، ولا يدخل في هذا ما إذا كان يملك أمة، وزوجها وأنجبت، فأصبح يملكها ويملك ما أنجبته، فإذا باع باع الجميع، وإذا أبقى أبقى الجميع.

    المراد بفضل الماء

    وبعد ذلك جاء بالنهي عن بيع فضل الماء، والفضل هو: الزائد عن الحاجة سواء كان الماء للشرب واستعمال الآدمي، أو كان للزرع وسقي الحيوان؛ لأن هذه هي أنواع استعمال الماء، فهناك ماء لاستهلاك الشخص، وماء للزرع، وماء لسقي الحيوان، فهنا نهى عن بيع فضل الـماء، و(ال) هنا للجنس، وقد حملها كثير من العلماء على جنس الماء، وفضل الماء: ما زاد عن حاجة صاحبه، فإذا حفر بئراً، وجاء الماء، فله أن يستعملها استعماله الشخصي، وما زاد عن حاجته فهو فضل، وإذا سقى زرعه، فما زاد عن حاجة زرعه فهو فضل، وإذا كانت عنده ماشية، فسقى الماشية، وبقي فضل من الماء عن ماشيته، فكل ذلك داخل في فضل الماء.

    حكم بيع فضل الماء

    اختلف العلماء: هل النهي هنا للتحريم أو للكراهة والتنزيه؟

    ونفرق بين الماء وموقع الماء، فسواء كان الماء في بئر أو في عين، أو في غدير، أو حفرة امتلأت ماءً وزادت عن حاجة صاحبها، كذلك إذا كان في الخلاء، ومعه ماء فائض عن حاجته، ووجد من يضطر إليه، فهذه مسألة أخرى: ويتعين عليه أن يبذل الفائض من مائه للمضطر إليه، ولو منعه الماء حتى مات فإن كان تعمد المنع لإماتته؛ اقتص منه، وإن لم يكن تعمد فعليه ديته؛ لأنه تسبب في وفاته بشيء هو في غنى عنه.

    ويقول بعض العلماء: إن النهي عن بيع فضل الماء قد نسخ، وبعضهم يقول: هذا للكراهية والتنزيه؛ للإرفاق بين المسلمين، ويجوز بيعه، هذا كله إذا كان الماء في موطنه: في بئره، في عينه، في مجرى السيل، في حفرته في الخلاء، أما إذا حازه لنفسه: في وايت، في قربة، في إبريق، فلا يحق لأحد أن يزاحمه عليه.

    ولا يدخل في فضل الماء ما إذا كان الشخص لديه ماء في خزان البيت، ويكفيه لعدة أيام أو أسابيع، فهذا ليس فائضاً عن حاجته، فإن كان فائضاً الآن فهو في حاجته غداً.

    بيع الماء في زمن النبوة

    بعضهم يقول: كان بيع الماء موجوداً في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما في قصة بئر رومان -بئر عثمان - كان رومان -وهو رجل يهودي- يبيع الماء على أهل المدينة، فيأتون ويستسقون منه القربة بكذا أو الإناء بكذا، فضيق على المسلمين، فقال صلى الله عليه وسلم: (من يشتري بئر رومان، يوسع به على المسلمين، وله الجنة) فذهب عثمان رضي الله تعالى عنه إلى رومان وساومه على البئر، فامتنع؛ لأنها مورد كسبه، فقال: لا أبيعها أبداً. فأعطاه وساومه إلى أقصى حد، قال: هلاّ بعتني نصفه، وساومه على النصف بقريب من ثمن الجميع، فرضي وفرح رومان ، وباعه نصف البئر، فلما امتلك عثمان نصف البئر، اتفقا على تناصف البئر، على أن يكون يوم لـعثمان ، ويوم لـرومان ، ولما اتفقا على ذلك، أعلن عثمان لأهل المدينة: اليوم الفلاني لـعثمان ، واليوم الفلاني لـرومان ففي يوم عثمان من أراد الماء مجاناً فليأخذه، فكان الناس يأخذون الماء في يوم عثمان ، وكان رومان ينتظر في يومه فلا يأتي إليه أحد؛ لأنهم اكتفوا بماء الأمس -ماء عثمان - فأتى رومان وقال لـعثمان: اشتر الباقي. قال: لست في حاجة إليه، وهذه بصيرة المسلم! (اتقوا فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله) .

    فكان رومان يبيع الماء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يجوز ما دام في حوزته، وفي بئره، أو في ملكه، أو في عينه التي تجري في أرضه، أما الأماكن والمواطن العامة، فلا يجوز بيعه فيها، كالسيل الذي يجري تأتي وتبيعه! أنت لا تملكه، فكيف تبيعه.

    فأجاب المانعون وقالوا: هذا ليس بدليل، رومان يهودي، واليهود كانت لهم سلطة في المدينة، وقد جاء الرسول صلى الله عليه وسلم ولهم نفوذ في المدينة، إلى أن كتبت الصحيفة بينهم، فما كان للرسول صلى الله عليه وسلم أن يعارض أعمالهم وتصرفاتهم.

    ولكن هذه الحجة ليست قائمة؛ لأن الصحيفة جعلت رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعاً لكل ما اختلفوا فيه، فأصبح الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحاكم في المدينة على كل الطبقات: اليهود، والمسلمين، والمشركين، والمنافقين، الكل تحت إمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكمه.

    حديث: (الناس شركاء في ثلاثة) وعلاقته بهذا الباب

    هذا الموضوع فتح على الناس أبواباً أخرى، فقالوا: لا يجوز أن يبيع الحطب الزائد، ولا الكلأ الموجود في أرضه، فلا يمنع غيره من أن يرعاه، إذا كان زائداً عن حاجته، واستدلوا بحديث: (الناس شركاء في ثلاث)، وقامت فتنة الاقتصاد على هذا الحديث ممن جهله.

    والتحقيق: أن الناس شركاء -صحيح- في الماء، والنار، والكلأ، والنار يتبعها الحطب، لكن شركاء في ما هو عام، الآن في الوقت الحاضر، في الشعاب، والوديان، لكل واحد منا أن يقول: الناس شركاء، من شاء فليذهب فليحتطب، وما احتطبه فهو له، ولا يمنع أحد أحداً؛ لأنهم شركاء فيه، ومن سبق إلى شيء أخذه، ولكن بعد أن يحتطب ويحوزه هل تأتي وتقول: أحضر نصف الذي عندك، أنا شريكك؟! أنا قائم من الليل، أجمع الحطب، وأكسر، وأحزم، وأحمل، وأمشي، وأنت قاعد في بيتك، فتأتي وتقول: أنا شريك معك! لا يمكن هذا أبداً.

    والشاب الذي جاء يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة، فوجده جلداً قوياً، فقال: يا هذا! الصدقة لا تحل لك، قال: ما عندي شيء، أنا وعجوز في البيت لا نمتلك إلا حلساً نفترش نصفه، ونلتحف بالنصف الثاني، وقعباً نأكل ونشرب فيه، قال: عليَّ بهما. فباعهما صلى الله عليه وسلم بدرهمين -في المسجد- وقال: خذ هذا الدرهم واشتر طعاماً واجعله عند أمك، وهذا الدرهم اشتربه فأساً وحبلاً وائت، ثم جعل عوداً في الفأس وقال: اذهب فاحتطب، ولا أرينك خمسة عشر يوماً، احتطب وبع، هذا الذي يحتطب ويأتي ويبيع، يبيع ما يملكه أو ما لا يملكه؟ هل لأحد أن يقول: أنا لي نصف ما احتطبتَ؟ لا، أنت وهو شركاء في الحطب ما دام في موقعه، لكن إذا حازه وجمعه وحزمه، فليس لك فيه حق، وهؤلاء الذين كانوا ينادون بالإشتراكية، هل أحد منهم يسمح لإنسان أن يدخل بيته ويأخذ كأساً من الماء؟! فقد كانوا يبيعون الماء والنار، فمصلحة المياه، تضع العداد باللتر، والكهرباء -وهي نار- العداد يعد عليه بالفولت، والفحم كانوا يبيعونه، ولم يشركوا الناس ولا في واحد من ذلك؛ لماذا؟ لأنه في حيازتهم.

    إذاً: قوله: (شركاء) إنما هو في ما كان في موطنه وموقعه، أما بعد أن حازه، وأصبح في يده وملكه، فليس لأحد فيه شراكة.

    فهنا النهي عن بيع فضل الماء، وأدخلوا معه: (الناس شركاء في ثلاثة) ولكن هذا ليس بصحيح، فإنما يراد بذلك الإرفاق، مع اتفاق الجميع: بأن من باع البئر فإن البيع صحيح، والماء تبع للبئر، فـرومان لما باع نصف البئر كان له نصف الماء تبعاً، إذاً: بيع مكان الماء، ومجرى الماء، ومحتوى الماء، جائز.

    إذاً: جرم الماء السائل الشفاف هو الذي لا يباع، وإذا زاد عن حاجتك فأعطه لغيرك، ولكن هذا من باب الإرفاق، وليس من باب الوجوب، فلو كان الماء جارياً في الوادي، ويمر على بلدك، أو على مزرعتك، فخذ حاجتك، ولا تبع الباقي، ولكن أرسله إلى من وراءك، وهكذا لو وجدت غديراً في الأرض: حفرة بها ماء، وليست ملكاً لك، فلا تملك أن تبيعها، ولو كانت في ملكك فلا تمنع أحداً يحتاج أن يأخذ الماء ما دام زائداً عن حاجتك.

    ولـابن القيم رحمه الله زيادة بحث في هذا الموضوع، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (النهي عن بيع ضراب الجمل وعسب الفحل)

    قال رحمه الله تعالى: [ وزاد في رواية: (وعن بيع ضراب الجمل).

    وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عسب الفحل) رواه البخاري ].

    علة النهي عن بيع ضراب الجمل

    ضراب الجمل: هو ماؤه الملقِح، نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع هذا الماء -مني الجمل- ولماذا؟ قالوا: يرد عليه عدة محظورات، فهل تملك أن تستخرج ماء الفحل منه؟ لا، وإذا بعت فكم الكمية؟! ومن يقدرها؟ وإذا تجاوزنا الكمية، فهل تضمن بأن هذا الضراب من هذه المرة سيلقح وينتج أو أنه يمكن أن ينتج ويمكن ألا ينتج؟!

    إذاً: شروط استيفاء البيع بالملك: القدرة على التسليم، معرفة السلعة، كل ذلك مجهول في ضراب الفحل.

    جواز المكارمة في ضراب الفحل دون المشارطة

    وجاء أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنا نكارم -أو نكرِم أو نُكرَم- على ضراب الفحل. قال: لا بأس) إنسان عنده فحل، فيأتيه صاحب الناقة فيطلق فحله عليها، ثم يكارمه بكيس شعير، بشيء من العلف للجمل دون مشارطة بيع، فلا بأس بذلك، وهذا عام في جميع الحيوانات ذات الذكور والإناث، فعسب الفحل هو ضراب الفحل، نهى صلى الله عليه وسلم عن بيعه مشارطة، أو مساومة، أو مكاسرة، لكن أن يكارم عليه فلا مانع من باب المجاملة، ومقابلة المعروف بالمعروف.

    حكم استئجار الفحل للضراب

    مالك رحمه الله يرى جواز استئجار الفحل ليوم أو يومين أو ثلاثة، ليكون في إبله للضراب، يستأجر الجمل، لا أن يشتري الضراب، وأيضاً نقول: المدة التي استأجره فيها، هل ندري كم سيكون منه ضراب؟ وما هو الذي سينتج وما الذي لا ينتج؟ قالوا: يتساهل في ذلك؛ لأن الأجرة وقعت على وجود الجمل عند صاحب النوق مدة معينة، أما كونه يحصل على ضراب كثير أو قليل، فهذا متروك، وغير منظور فيه، ومسامح فيه، وكما يقولون: الآن خمسة أشخاص دخلوا الحمام، والحمام يستعمل فيه الماء الحار، والمكث في الحمام له أجرة، واستهلاك الماء له أجرة، والأجرة متساوية، على كل واحد خمسة ريالات، فهل كلهم يدخلون في دقيقة واحدة، ويخرجون في دقيقة واحدة، أم يتفاوتون؟! فهناك شخص يمكث أكثر من الثاني، فاستفاد من الحمام أكثر من غيره فتساهلنا، وهل الخمسة يتفقون في مقدار الماء الذي يستنفدونه في الحمام؟! لا، مع أن كل واحد دفع خمسة ريالات، وبعضهم قد يستهلك عشرين لتراً، وبعضهم ثلاثة لترات.

    والآن إذا ذهبت إلى مكتب الطيران، فستجد التذكرة من المدينة إلى جدة بمائة ريال، ثم راقب الناس في المطار، تجد واحداً وزنه خمسين كيلو جرام، والآخر وزنه مائة وخمسين، وكل منهما له نفس التذكرة، هل الخطوط تحاسب على الوزن وعلى الثقل؟ لا، ومثل هذه الفوارق متسامح فيها.

    فـمالك أباح استئجار الفحل، فيبقى عند المستأجر وقتاً معيناً ومدة معلومة، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (نهي عن بيع حبل الحبلة)

    قال رحمه الله: [ وعنه (أي: ابن عمر ) (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع حَبَل الحبلة، وكان بيعاً يبتاعه أهل الجاهلية، وكان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها) متفق عليه، واللفظ للبخاري ].

    مما نهي عن بيعه ما فيه غرر؛ لأنه غير معروف، وغير مضمون، مثل ما جاء في هذا الحديث، وهو مثال عام لكل ما فيه غرر، أبيعك ما في جيبي! أبيعك ما في الصندوق! وما الذي في الصندوق؟! لا أدري، إذاً: هذا غرر، أبيعك هذا الثوب على طيه ولا تفكه؟! وهل أنا أدري ما بداخله؟! أبيعك ما يأتيني به فلان! وهل أنا أدري ما الذي سيأتيك به؟! فكل ما فيه غرر داخل في هذا الحديث: (نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع حبل الحبلة) حَبَلها: الذي في جوفها، وهل النهي عن بيع الطبقة الأولى وهي: الحمل الموجود أم أن النهي عن بيع الطبقة الثالثة، وهي: أن تنتج الناقة أنثى، فيكبر هذا النتاج، ثم ينتج، فيكون جيلاً ثالثاً أو أن النهي ليس منصباً على عين الحمل، وحمل الحمل، بل جعل الحمل موعداً لوفاء الدين؟!

    (نهى عن بيع حبل الحبلة)، قالوا: يحمل على أمرين: أن ينتظر وضع الحمل ثم يكبر هذا الحمل إلى أن يبلغ وينتج، فحينئذ حل الدين، هذا واحد: أن يجعل حبل الحبلة موعداً لوفاء الدين، وإذا وقفنا عند هذه: فلو اشتريت عبداً وقال: حلول ثمنه عند حبل الحبلى التي عندك، أو حبل الحبلى التي عندي والتي تعرفها، ما المانع في هذا؟

    قالوا: لا ندري متى يأتي حبلها هذا الموجود، والمعروف عند الناس: تسعة أشهر، أو سنة، طيب هذه التي جاءت، متى تكبر؟ ومتى تحمل؟ ومتى تنتج؟ لا تجد شيئاً مضموناً يمنع النزاع، فنهي أن يجعل هذا الوصف موعداً لوفاء الدين، وهذا أحد المعاني التي فُسر بها الحديث، مع أنه بعيد.

    والمعنى الثاني -القريب-: أن يقول قائل لآخر: بعني الناقة. فيقول: لا؛ هذه عزيزة عندي. طيب: بعني الذي في بطنها -نتاجها-، وبعض الناس يحرص على النوعية خاصة في الخيل، فيحجز الحمل الموجود في هذه الفرس، ويشتريه -تكون معروفة بأصالتها، فيحرص الناس على سلالتها، فيتسابقون في شراء نتاجها- وكذلك الإبل، ففي زمن عمر باع رجل ناقة بثمانين جملاً -أنا ما كنت أظن أن يصل السعر إلى هذا الحد- فالنوعية والسلالة تجعل الناس يرغبون في نتاجها، فصاحب هذه الناقة الأصيلة لن يبيعها، ولكن سيبيع نتاجها، فيأتي إنسان ويشتري حبلها، وهو لم يأت بعد، فنهي عن ذلك، لماذا؟ لا ندري هل ستأتي بناقة أو جمل؟ وهل ستأتي بكبيرة أو صغيرة؟ وكما يقولون: سمحة الخلقة أو لا! بيضاء أو حمراء! وهناك صفات يرغب فيها المشتري قد تختلف، وهل ستأتي بمولود حي، أو أنها تموت ولا تنتج؟!

    أما بيع حبل الحبلة: فالمراد أن تنتظر الحبلى حتى تضع، ثم ينتظر المولود حتى يكبر وينتج، ونتاجه هو المبيع، فالجهالة تكون في هذا أكثر وأكثر، فإذا منع في الحمل الموجود بالفعل؛ فيمنع في نتاجه فيما بعد من باب أولى، والسبب في ذلك وجود الغرر، وكل بيع فيه غرر في السلعة، أو في الثمن؛ فهو منهي عنه، فمثلاً: لو قال قائل: اشتريت منك الناقة بما في يدي! بما أحمل من النقد، بما في هذا الصندوق! بما في هذه الخرقة! ولا تعرف هل هو نحاس، أو ذهب، أو فضة، أو حصاة؟! ولا تعرف كم عدده، ولا مقداره، ولا وزنه..! فهذا غرر.

    إذاً: النهي عن بيع حبل الحبلة يحمل على أحد الأمرين: أن يجعل موعداً لسداد الديون، وهذا ضعيف، أو أن يقع البيع على نفس الحمل حينما يأتي، أو على نتاج الحمل بعد أن يوضع، وهذا فيه غرر كبير؛ ولهذا نهي عنه، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث : (النهي عن بيع الولاء وهبته)

    قال رحمه الله تعالى: [ وعنه (أي: ابن عمر ) رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء، وعن هبته) متفق عليه ].

    تقدم لنا أن الولاء نعمة بموجب الحرية، أو وصف اعتباري يلحق المعتق، ويتبع المعتِق، وهي صلة بين المعتِق وعتيقه، صفة معنوية يربط المعتَق بمن أعتقه، ونبه فيها صلى الله عليه وسلم بقوله: (الولاء لحمة كلحمة النسب)، ولحمة النسب لا تباع، ولا توهب، فهل تبيع أخاك أو تبيع ولدك؟ لا، النسب لا يباع، فكذلك الولاء حل محل النسب، فلا يباع، ولا يورث، ولا يوهب، فكيف لا يورث، وصاحب الولاء قد مات، وترك ورثة؟! قالوا: نعم، لا ينتقل بالفرض، ولكن ينتقل بالعصبة، للأولى الذي يحل محل المعتِق، وأشرنا في قصة بريرة بأنه لو مات إنسان وله ولاء على عبد، وخلّف ورثة: ولد، وبنت، وزوجة، وأم، فالولاء خاص بالولد، وليس للبنت، ولا للزوجة، ولا للأم نصيب ميراث فيه؛ ولهذا لا يبيعه، ولا يهبه -أي: الولاء- إنما يبقى ارتباط وثيق بين المعتِق والمعتَق، والله تعالى أعلم.