إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه [2]

كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هناك عدة أنواع من المكاسب محرمة مثل: ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن، وإنما نهي عن هذه المكاسب لما تتضمنه من شر وفساد. وبعض أنواع البيوع مختلف فيها، مثل الشرط في البيع، والراجح: أن الشرط إذا كان يتمشى مع العقد، ولا يعود عليه بالبطلان، وليست فيه مخالفة شرعية فجائز، وإن كانت فيه مخالفة شرعية، أو يعود على العقد بالبطلان، أو لا يتمشى معه فهو باطل، ولو كان مائة شرط.

    1.   

    شرح حديث: (إذا اختلف المتبايعان..)

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة فالقول ما يقول رب السلعة أو يتتاركان) رواه الخمسة وصححه الحاكم ].

    قوله: (إذا اختلف المتبايعان) يختلفان في ماذا؟ قد يختلفان في الثمن، وقد يختلفان في نوعية السلعة، وقد يختلفان في حجم السلعة، وفي تعجيل الثمن وتأجيله... إلخ.

    فمثلاً: اشترى رجل سلعة، وعند الدفع أراد أن يدفع عشرة ريالات، فلم يقبل البائع ذلك، وطلب اثني عشر ريالاً فاختلفا، أو اختلفا في نوعية السلعة.... إلخ.

    فأي خلاف بين المتبايعين قبل أن يفترقا، والسلعة لا زالت موجودة، فنأخذ كلام البائع، لكن ما الفرق بينهما، وهما طرفان متعادلان، هذا يدفع وهذا يدفع؟ ما الذي قدم البائع على المشتري في موقف الخلاف؟ فالمشتري يقول: أنا اشتريت كما أردتَ، وقبلت بما قلتَ، ولكنك تأسفت وندمت، وقلت: العشرة قليل، وطلبت الزيادة، فطلبك للاثني عشر زائد عما تعاقدنا عليه، إنما دفعك إليه الطمع! وإذا كلفنا البائع بالبيع بعشرة فسيكون متضرراً، وأيضاً المشتري لو كلفناه الشراء باثني عشر فسيكون متضرراً، فما القول؟! ما زالت السلعة في ملك البائع، ولا يتم البيع إلا عن تراضٍ، والبائع لم يرض بهذا الذي قاله المشتري، إذاً: كلام المشتري غير مقبول؛ لأنه لم يملك السلعة بعد، وكلام البائع هو المقدم؛ لأنه المالك للسلعة، والسلعة ما زالت في يده، ويقال للمشتري: إن رضيت بما قال البائع، فسيكون البائع راضياً بالبيع، وأنت راض بالشراء، وإذا لم ترض فلا تقدم رأيك على رأي البائع وهو صاحب السلعة.

    إذاً: (إذا اختلف المتبايعان) سواء في: عين السلعة.. في القيمة.. في شرط.. في أجل.. في أي نوع من أنواع الخلاف الذي يقع بين المتبايعين، فالقاعدة عندنا: القول قول البائع؛ لأنه صاحب السلعة وصاحب الحق، ولا نأخذها منه إلا عن تراضٍ.

    1.   

    شرح حديث: (نهى عن ثمن الكلب..)

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن) متفق عليه ].

    ذكر المؤلف في الحديث السابق بعض الأعيان المنهي عن بيعها كالخمر، والميتة... إلخ، ثم ذكر اختلاف المتبايعين، ثم ذكر بعض أنواع الكسب المحرمة، ولو قدم هذا على اختلاف المتبايعين لكان أنسب.

    النهي عن ثمن الكلب

    قال: (نهى عن ثمن الكلب) هنا لا يوجد بيع ولا شراء، ولكن في بعض صوره، فلم يقل: نهى عن بيع الكلب، نهى عن ثمنه، ولماذا نهى عن ثمن الكلب؟ وهل هو عام في الجنس أو يستثنى منه بعض الأوصاف؟

    بعض الناس يقول: استثني من ذلك كلب الصيد؛ لأنه معلم ينتفع به، وما عداه لا منفعة فيه، وهو تابع للقاعدة العامة: ما لا فائدة فيه فليس محلاً للبيع. وقالوا: العلة في النهي عن ثمن الكلب هو منع بيعه، ولماذا لا يباع؟ لأنه لا فائدة فيه. فإذا كانت فيه فائدة؟ قالوا: لا اعتبار لهذه الفائدة مع وجود النجاسة؛ لأنه نجس؛ ولكن النجاسة لم يتفقوا عليها؛ فقد قال مالك بطهارة الكلب! فقالوا: الفائدة منه غير مضمونة، لكن أرباب الخبرات سيضمنون الفائدة: ككلب الصيد، وكلب الحراسة، وكلب الماشية، وبعضهم يقول: النهي منصب على ما عدا الثلاثة، فقد ورد في الحديث: (من اقتنى كلباً نقص من أجره كل يوم قيراط، إلا كلب صيد، أو ماشية، أو زرع) استُثني هذا: بأن صاحبه لا ينقص من أجره شيء؛ للحاجة إليه.

    فالنهي عن ثمن الكلب قيل: عام في الجنس، وقيل: ما عدا ما فيه منفعة، والنهي، لعدم الانتفاع بالكلب في غير الأصناف الثلاثة التي رخص في اقتنائها.

    حكم مهر البغي

    قوله: (نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي) البغاء محرم، والبغاء ممنوع، حتى في الجاهلية، وإنما كانوا يكرهون فتياتهم على البغاء، وقد عذر الله سبحانه هؤلاء الفتيات المكرهات فقال: وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:33] -وهو -كما يقولون- أخبث أنواع الكسب؛ لأنه يأتي عن أسوأ وأخس طريق؛ فنهى عن مهر البغي، سواء كانت مع شريكها أو كانت لسيدها، وقد كانوا في السابق يكرهون الفتيات على البغاء؛ لتأتيهم بالمال الذي تأخذه أجرة ممن زنى بها، أو كان في حال المقابلة هي وشريكها في العمل، وأخذت مهراً على فعله معها، فهذا منهي عنه، ولا يحق لها أن تأخذ هذا المهر، ولا يحق لسيدها أن يرسلها في طريق البغاء لتأتيه بمهر، وسمي الأجر الذي يدفع مهراً؛ لأنه في مقابل مهور الحرائر، أو الزواج المشروع.

    حكم الكهانة وأجرتها

    قوله: (وحلوان الكاهن) .

    حلوان: على وزن فعلان، من الحلاوة، وهو الأجر الذي يأخذه الكاهن على كهانته، والكاهن -كما يقولون- هو: كل من ادعى علم غيب ماض أو حاضر أو مستقبل، وقيل: العراف: هو الذي يدعي معرفة الغيب المستقبل، والكاهن: هو الذي يدعي علم الغيب الماضي، فإذا خفي على الناس شيء مسروق، يأتي الكاهن ويقول: سرقه فلان، وهو مدفون في المكان الفلاني. ينبئ عنه وقد وقع فيما مضى، أما العراف: فإنما يقول: سيأتي كذا، سيحدث كذا، ويخبر بما يمكن أن يكون في المستقبل، وكلهم سواء، وأجرتهم حرام.

    والصديق رضي الله تعالى عنه أرسل خادماً له يأتي بطعام، فجاء فقدمه لـأبي بكر ، فلما طعمه سأله: من أين هذا؟ قال: كنت تكهنت لرجل في الجاهلية، فلقيني فأعطاني حلواني، فهذا هو. فوضع الصديق إصبعه في حلقه واستقاء ما أكل من حلوان الكاهن.

    والذي يهمنا هنا تحريم دفع الأجرة لهؤلاء؛ لأن فعلهم باطل، ومحادة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]، وإن صادف أن واحداً من هؤلاء صدق فيما أخبر، فقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب ذلك: وهو أن الشياطين يسترقون السمع، حتى إذا دنوا من السماء، سمعوا صريف الأقلام، ولربما سمع الأخير منهم -قبل أن يأتيهم الشهاب- كلمة من الملائكة في القضاء والقدر، فينزل بها أو يلقيها إلى من تحته، قبل أن يدركه الشهاب، ومن تحته يلقيها إلى من تحته حتى تصل إلى الأخير، فيذهب بها إلى صاحبه، ويخبره: سيقع كذا وكذا. وهو صحيح، فيتكلم الكاهن بذلك، فيقع ما يقول، ويزيد معها مائة كذبة، ويصدق؛ لأنه في الوقت الفلاني أخبر بكذا، ووقع ما أخبر به!

    إذاً: فالكاهن يسترق السمع، وتكون حقاً، ويُصدق بها عند الناس، فيروج معها مائة كذبة.

    فحلوان الكاهن هذا نهى الله سبحانه وتعالى عنه، ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عنه، سواء كان الكاهن الذي يأخذه، أو الذي يذهب إليه ويدفعه له.

    وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن الإتيان إلى هؤلاء، وقالوا: (من أتى عرافاً لم تقبل له صلاة أربعين يوماً)، وإذا ردت عليه صلاة أربعين يوماً فما الذي بقي له؟!

    إذاً: هذا مما نهى عنه صلى الله عليه وسلم، وأيضاً مهر المرأة الباغية، وهكذا كل ما لم تكن فيه فائدة أو كان محرماً شرعاً، كالرهان، أو الميسر، وما لا فائدة فيه، أو فيه مضرة، أو فيه أكل أموال الناس بالباطل.

    الإخبار بحالة الطقس المتوقع ليس من الكهانة

    هناك شيء أكثر الناس يعرفه، لكن ربما خفي على بعض الناس، وهو ما نسمعه في نشرة الأخبار الجوية: يكون الطقس في يوم غد -بإذن الله- غائماً جزئياً، ويطرأ كذا، ورياح كذا، وسحب كذا، ويمكن -بإذن الله- أن ينزل المطر... إلخ، فبعض العوام يظن أن ذلك من الكاهنة، والواقع أنه ليس غيباً وليس كهانة، ولكنه إخبار بالواقع، فكل دولة لها مراصد جوية، فإذا كانت في الهند مراصد، ورصدت توجه الرياح بسرعة كذا كيلو في الساعة، فستخبر دول الخليج: بأنه هبت ريح بسرعة كذا، يعني: ستصلكم في وقت كذا، فحينما تصل إلى دول الخليج، فدول الخليج ستخبر السعودية، والسعودية بعد أن تصلها ستخبر مصر، ومصر ستخبر ليبيا، وليبيا ستخبر المغرب، وهكذا يتناقل الخبر، ويكون صحيحاً، والريح ماشية في طريقها، وربما تكون ممطرة؛ لتحملها الماء، أو سحب ثقيلة، أو نحو ذلك.

    إذاً: ليس هذا من باب الغيب، وإنما هو تلقي الخبر الواقعي من بلد قبل البلد المخبرة، وهي تخبر بناءً على الأخبار التي جاءتها (لا سلكياً)، وهذا ليس من باب الكهانة ولا من باب علم الغيب.

    1.   

    شرح حديث: (كان على جمل له قد أعيى)

    قال رحمه الله: [ (وعن جابر بن عبد الله أنه كان على جمل له قد أعيى فأراد أن يسيبه، قال: فلحقني النبي صلى الله عليه وسلم فدعا لي، وضربه؛فسار سيراً لم يسر مثله، فقال: بعنيه بأوقية. قلت: لا. ثم قال: بعنيه. فبعته بأوقية، واشترطت حملانه إلى أهلي، فلما بلغت أتيته بالجمل، فنقدني ثمنه، ثم رجعت فأرسل في أثري، فقال: أتراني ماكستك لآخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمك، فهو لك) متفق عليه، وهذا السياق لـمسلم ].

    قوله: (كان على جمل له قد أعيى) أي: أعيى من المسير، وكان هذا في عودتهم من غزوة تبوك، وكانت المسافة طويلة، والجمل أعيى من السير وتعب، حتى كاد جابر أن يزهد فيه ويسيبه، ويمشي على قدمه، ماذا يفعل به وهو لا يقدر على المشي؟

    قوله: (فأراد أن يسيبه قال: فلحقني النبي صلى الله عليه وسلم).

    إذاً: النبي صلى الله عليه وسلم كان في مؤخرة الجيش، وهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم: إذا كانوا في الذهاب إلى الغزوة يكون في المقدمة، وإذا كانوا قافلين -في العودة- يكون في المؤخرة.

    لماذا؟ يكون في المؤخرة؛ ليتفقد مثل هذا الذي أعيى جمله، وفي المقدمة لماذا؟ ليشجع ويتأسى به الآخرون؛ لأن المقدمة تدل على الشجاعة، وعلى قوة العزيمة، لكن العودة لا يحتاج فيها إلى ما كان في الذهاب، ولكنه صلى الله عليه وسلم كان يسير في المؤخرة؛ ليتفقد حال من يعتريه ما يوجب مساعدته.

    وقوله: (فدعا لي، وضربه، فسار سيراً لم يسر مثله).

    كأنه قال: ما بالك يا جابر ؟! ما بالك متأخراً؟! قال: أعيى جملي، قال: ناولني عصاً، أو قضيباً، فأعطاه القضيب فضربه، فإذا بالجمل الذي أعيى يسبق الركب، وصار يتسابق ويتزاحم مع ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطريق.

    مداعبته صلى الله عليه وسلم لجابر

    تأتي المداعبة اللطيفة: يا جابر ! أنت كنت زهدت في جملك وتريد أن تسيبه، فهل تبيعه الآن؟! انظروا اللطافة إلى أي حد! معناه: أنك كنت زاهداً فيه، ولا تريد من ورائه شيئاً، فهل تبيع؟! كأنه يقول: هاه! هل ناسبك الآن؟ أيصلح لك؟! أتبيعني جملك؟! قال: لا. أنت بالأمس كنت تريد أن تسيبه، والآن نريد أن نشتريه منك نقداً، فتقول: لا! كنت أريد أن أسيبه لما كان أعيى، ولكنه الآن صار ممتازاً، لماذا أبيعه؟ قال: بعني. إذاً: ما دام أتت الثانية، أو أتت المساومة، فلابد من الطاعة، فهل استحى جابر من رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أعاد إليه: بعني، أو استجاب له؛ لأنه فعل أمر: (بعني)؟ قال: بعتك.

    قوله: (فقال: بعنيه بأوقية. قلت: لا) .

    الأوقية: أربعون درهماً.

    (بعنيه بأوقية) هل أوقية ذهب أو فضة؟ كان أكثر تعامل أهل الحجاز بالفضة، (بعنيه بأوقية. قال: لا) ثم أعاد عليه الأمر، فقال: (بعتك) ولكن نحن في منتصف الطريق، فكيف أبيعك الجمل! وأنا أين أذهب؟!

    وقوله: (ثم قال: بعنيه. فبعته بأوقية، واشترطت حملانه إلى أهلي).

    بعد أن انتهوا، وتم البيع بإيجاب وقبول، ولم يدفع الثمن بعد، قال: (واشترطت حملانه إلى أهلي) أنا صحيح بعتك، ولكننا في الخلاء فأشترط عليك -وقد اشتريته، وأصبح في ملكك- أن يحملني إلى المدينة، إذاً: حملانه من محل العقد إلى المدينة خارج عن العقد، العقد تم بالإيجاب والقبول، ولكن جابراً اشترط منفعة له في المبيع، والرسول صلى الله عليه وسلم وافقه بدليل: أن جابراً لما وصل المدينة جاء بالجمل، وقال: خذ حقك، وأعطني حقي. فقال صلى الله عليه وسلم: يا فلان! أعطني الثمن. وانظر إلى المضي في المداعبة إلى أي حد!

    قال: (فلما بلغت أتيته بالجمل فنقدني ثمنه، ثم رجعت فأرسل في أثري ) .

    أخذت الثمن ورجعت، وكل واحد ذهب في سبيله، أرسل في أثري، قال: تعال.

    قوله: (قال: أتُراني ماكستك لآخذ جملك؟) .

    تعال يا جابر ! أنت بعتني هناك، وأخذت الثمن الآن وانتهينا، لم تعد بيننا مساومة، أتراني -بمعنى: أتظنني- ماكستك هناك عند العقد؟ (حينما قلت: بعني بأوقية. فقلت: لا. قال: بعني) هذه هي المماكسة، والبيع إما أن يكون على المماكسة -وهي المساومة- أو على الوضيعة، أو على المرابحة، أو على المساواة.

    أتراني ماكستك هناك -ونحن في الخلاء- لكي آخذ جملك منك؟ لا، أنا ما فعلت هذا يا جابر ! خذ جملك، هو لك والثمن. ولماذا لم يقل له من البداية: يا جابر ! خذ هذه الأوقية؟ لكن كيف يأخذها جابر بدون بيع وشراء، فلو جاء وقال: خذ يا جابر ! سيقول: لماذا هذه يا رسول الله؟! ما موجبها؟!

    فإذا أراد الصديق أن يصانع صديقه، وكان ذا حياء، فيجب أن يحتال في صورة ترفع الحياء والخجل عن صاحبه: أنا أريد أن أشتري منك هذا. قال: والله أنا في حاجته، ولكن ما دمت تريد أن تشتريه فأنا لا أقول لك: لا، فإذا كانت قيمته عشرة تعطيه عشرين، أما لو جئت وقلت له: يا فلان! هذه العشرة هدية لك! سيتساءل: ما موجبها؟ لعله رآني محتاجاً، وماله كثير، أنا... أنا... وسيحصل في نفسه مثل هذا الحرج، ولكن لو قال: بعني هذا، هذا أعجبني، ما له نظير في السوق، فسيقبل ذلك بسرور، أنت وهو والناس كلهم يعرفون أنه يساوي عشرة، لكن دفعت له عشرين، وظاهر الأمر أنك دفعت العشرة الزائدة لكونك رغبت في هذه السلعة، وليس هناك غضاضة على البائع بالمكارمة في الثمن، وهنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أتراني ماكستك لآخذ جملك بالأوقية؟ خذ الجمل والأوقية فهما لك.

    حكم الشرط في البيع

    وهنا مبحث طويل، وهو: الشرط في البيع. وخلاصة مبحث الشرط في البيع: أن يشترط البائع فيما باع، أو يشترط المشتري فيما اشترى، أو اشترط في عين السلعة، مثال اشتراط البائع على المشتري: حديث جابر ، ومثال اشتراط المشتري على البائع لا في عين السلعة: أن يقول له: أشتري منك هذا الحمل -ونحن هنا- بشرط أن توصله لي إلى البيت، إذاً: اشترط المشتري على البائع شيئاً لمصلحته، وجابر اشترط شيئاً لمصلحته، وهو البائع، ومثال الشرط في عين السلعة: أشتري منك هذه السيارة بشرط أن تكون ماركة كذا، فنحن لا نعرف الماركات ولكن سنسأل، أشتري منك كذا، على أن يكون موديل سنة كذا، أشتري منك كذا، على أنه من نوع كذا، فالشرط هنا في السلعة، أو قال: تزوجني كذا على أنها بكر، فهذا شرط في عين المرأة.

    إذاً: الشرط إما أن يكون لمنفعة البائع، ويشترطه في المبيع، أو لمصلحة المشتري، ويشترطه في المبيع، أو بينهما في عين السلعة، وكل هذه الشروط في مضمونها: إما أنها تتمشى مع مقتضى العقد، والعقد يتطلبها أو يجيزها، فهذه لا شك في جوازها، وإما أنها تتعارض مع مقتضى العقد، فهي ممنوعة، مثلاً: بعت السلعة، قال والثمن قال له: حتى نصل إلى المدينة، قال: أريد رهناً، فهذا شرط لمصلحة توثيق العقد، أو أن البائع قال: بعتك ولكن بشرط ألا تبيعه لغيرك، وألا تهبه لأحد، وإنما تبقيه في ملكك! ومقتضى العقد أنك إذا اشتريت شيئاً فإنك تملكته، وإذا ملكته فأنت حر في التصرف فيه، فاشتراطه عليك ألا تبيعه، نقص في التمليك، وهذا يتنافى مع العقد؛ ولذلك فهذا الشرط باطل.

    نموذج في اختلاف وجهات النظر

    وهنا مسألة من لطائف العلم في شروط البيع، يقول عبد الوارث : جئت إلى مكة فوجدت فيها أبا حنيفة ، وابن أبي ليلى ، وابن شبرمة ، فقلت: هؤلاء -والله- هم علماء العراق، لأنتهزن فرصة وجودهم، فجئت إلى أبي حنيفة وقلت له: ما تقول في شرط وبيع؟ قال: الشرط والعقد كلاهما باطل. وذهبت إلى ابن أبي ليلى فقال: البيع صحيح، والشرط باطل، فذهبت إلى ابن شبرمة، فقال: العقد صحيح، والشرط صحيح. قلت: ويا عجب! ثلاثة أئمة من بلد واحد يختلفون في مسألة واحدة! فرجعت إلى أبي حنيفة وقلت: إن ابن أبي ليلى يقول كذا، وابن شبرمة يقول كذا. فقال: ما علي مما قيل لك، (نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط)، إذاً: أتى بالحكم بأن العقد والشرط باطل من هذا الحديث.

    فذهبت إلى ابن أبي ليلى ، فقلت: إن صاحبك يقول كذا، وابن شبرمة يقول: كذا، ولما رجعت إلى أبي حنيفة أخبرته بما قلت أنت، وبما قال ابن شبرمة . فقال: كذا، فقال ابن أبي ليلى : ما علي مما قيل لك، (جاءت بريرة إلى أم المؤمنين عائشة تستعديها -أو تستسعيها- في مساعدتها في المكاتبة، قالت: إني كاتبت أهلي على كذا أوقية، إلى زمن كذا. فقالت: اذهبي إليهم وأخبريهم: إن شاءوا نقدتها لهم كلها -أي: الثمن- ولي الولاء، فذهبت وأخبرت أهلها. فقالوا: لا، تشتريها والولاء لنا. فرجعت بريرة إلى أم المؤمنين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء، قال: ما بال هذه المرأة؟ فأخبرته. قال: ما عليك، اشتريها واشترطي لهم. فلما اشترتها واشترطت لهم خرج صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، ودعا الناس، وقال: ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، ولو مائة شرط) فأجاز البيع وأبطل الشرط.

    قال: ثم ذهبت إلى ابن شبرمة ، وأخبرته بما حصل، وبما قال صاحباه، فقال: ما علي مما قيل لك، لقد باع جابر جمله إلى النبي صلى الله عليه وسلم واشترط عليه حملانه إلى المدينة، فصح العقد وصح الشرط.

    ما تقولون في هذا؟ هل نعيب في مسألة وقع الخلاف فيها بين الأئمة؟! يتعين ويجب على كل طالب علم أو طويلب علم إذا بلغه خبر اختلاف الأئمة في مسألة واحدة؛ أن يتأدب وأن يتريث وأن يستطلع، انظر إلى هذا السائل، وهو عبد الوارث سأل، وأخذ الجواب من الثلاثة، وكانت أجوبة مختلفة، ورجع إليهم واحداً واحداً، وسمع الدليل من كل واحد، مع أن كل واحد لما سمع مقالة الثاني ودليله، لم يرجع عما عنده من دليل أيضاً؛ لأنه عنده أرجح مما سمعه من الغير.

    إذاً: من انقدح عنده ترجيح نص على نص آخر، فله الحق أن يقول بما انقدح عنده رجحانه، ولا يعاب عليه.

    وهذه -كما أشرنا- مسألة واحدة: بيع وشرط، يختلف فيها هؤلاء الأئمة الأعلام، ولم يعب واحد على الآخر، ولم يترك واحد ما عنده من النص تقليداً للآخر، ومن أراد الزيادة في هذا فليرجع إلى كتاب "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" للإمام ابن تيمية رحمه الله، فقد ساق نماذج عديدة في أسباب الخلاف: في اختلاف وجهات النظر في النص، في تعدد الأدلة، في تعارضها، في عدم ثبوتها... إلى آخره، فقد ذكر عشرة أسباب توجب الخلاف بين العلماء.

    قاعدة في الاشتراط في البيع

    حديث جابر ركن في هذا الباب، والقاعدة بعد ذلك: كل شرط يتمشى مع مقتضى العقد فهو صحيح؛ لأنه لا يتعارض مع قوة العقد، وكل شرط يتنافى مع مقتضى العقد فهو فاسد؛ لأن الشرط فرع عن العقد، والفرع لا يبطل الأصل، إذاً: نبطل الفرع ويبقى الأصل سليماً، كما في قضية بريرة .

    وللعلماء بحث في قوله صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله) ، بعض الناس ينتظر أن يجد في كتاب الله نص الشرط، ويبحث عن نص شرط بريرة ، وشرط عائشة على بريرة أن يكون الولاء لها، ومتى يكون هذا التفصيل في كتاب الله؟! وهل كتاب الله جاء لتفصيل الجزئيات؟! إنما جاء كتاب الله بقواعد عامة تشريعية تصلح لكل زمان ومكان، فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله) أي: كل شرط لا يتمشى مع مقتضى كتاب الله -فيما يجوز وما لا يجوز- فهو باطل، ولو مائة شرط، ما هو الشرط الذي لا يوجد في كتاب الله؟ هو الشرط الذي يتنافى مع مقتضى العقد.

    ولذا فالفقهاء قعدوا هذه القاعدة: لكل من البائع والمشتري أن يشترط، ولكلٍ الحق في ما اشترطه، وعلى الثاني أن يوفي بشرطه (المؤمنون عند شروطهم) لأن الشرط جزء من المعقود عليه، فقد يكون تنازل في الثمن من أجل الشرط، وقد يكون زاد في الثمن من أجل الشرط الذي اشترطه لنفسه، إذاً: ما كان من شرط يتناسب مع مقتضى العقد فالشرط صحيح، وما كان من شرط يتناقض، ويتعارض مع مقتضى العقد فالشرط باطل، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    المعجزة النبوية

    نرجع مرة أخرى: هذا جمل أعيى عن المسير، قال: أعطني عصا. فضربه فإذا بالجمل يسابق ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم! ماذا كان في هذه العصا؟ لا شيء، فلم تكن عصا سحرية! ولم تكن عصا موسى! ولم يسقه شراباً، ولا لبناً، ولا سمناً، ولا أعطاه علفاً، مع أن هذه الأصناف هي موجبات القوة، إنما ضربه -والضرب منهك- فإذا به يأتي بنتيجة عكسية.

    إذاً: هذه معجزة، ويقول السيوطي رحمه الله: ما من معجزة أوتيها نبي إلا وأعطي محمد صلى الله عليه وسلم نظيرها: عصا موسى تفلق البحر، وعصا موسى تنقلب حية، وعصا موسى تفعل الأعاجيب، وهذه عصا تعطي البعير قوة، من أين جاءته هذه القوة؟ العصا ما فيها قوة، ولكن اليد التي ضربت جعل الله فيها البركة.

    الزبير في غزوة الخندق ضرب شخصاً على رأسه فشقت غطاء الرأس، وشقت الرجل نصفين، ونزلت إلى الفرس فقسمته نصفين، فقال قائل: والله ما أجود سيفك يا زبير ! قال: لا، الكلام ليس للسيف، الكلام على اليد التي ضربت بالسيف.

    وكذلك هنا، ليست العبرة في عصا يقود بها جابر بعيره، ولكن العبرة باليد التي ضربت البعير، ونظير هذا: حينما دخل صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح، وأتى إلى الكعبة وكانت الأصنام التي حولها (360%) صنماً، حوالي ثلاثمائة صنم، ومثبتة بالرصاص، وماذا فعل صلى الله عليه وسلم؟ هل قال: ائتوا بسلم، ائتوا بمعول، ائتوا (بكمبريشن)؟! لا، القضيب الذي في يده كان يشير به إلى الصنم، فما أشار إلى صنم في قفاه إلا خر لوجه، ولا أشار إلى صنم في وجهه إلا خر لقفاه، وهكذا قوضت تلك الأصنام بكاملها بإشارة من العصا! هل كان فيها أشعة (ليزر) تذيب الرصاص وتسقطه؟ وأليس هذا القضيب كان في يده صلى الله عليه وسلم حينما كان يصلي عند الكعبة وجاءوا بسلى الجزور ووضعوه على ظهره؟ بلى كان موجوداً، فهل فعل شيئاً من هذا؟! ألم يكن في يده حينما منعوه من دخول مكة عند عودته من الطائف، ولم يدخل إلا في جوار رجل مشرك؟ لماذا لم يكسر الأصنام أو بعضها بالعصا، ويبين لهم القوة؟! لماذا لم يفعل ذلك؟ لكل شيء أوانه، لو فعل في ذاك الوقت لقامت حرب أهلية، ولكن ماذا لو بقيت الأصنام على الكعبة سنة أو سنتين أو ثلاث أو عشر، وقد كانت معلقة على جدران الكعبة من عشرات السنين؟ وحينما يأتي الحق ويزهق الباطل ينتهي الأمر.

    إذاً: هذه من المعجزات التي أوتيها صلى الله عليه وسلم، وكما قال السيوطي : ما من معجزة أوتيها نبي إلا وأوتي محمد صلى الله عليه وسلم مثلها، فالحجر التي ضربها موسى فانفجر منها الماء وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ [البقرة:60] قد أوتي محمد صلى الله عليه وسلم معجزة من جنسها، بل أبلغ منها، وذلك لما أتوا ليتوضئوا ولم يكن هناك ماء، فجاءوا بركوة، ووضع النبي صلى الله عليه وسلم أصابعه فيها، فنبع الماء من بين الأصابع، الماء يخرج من خلال الحجر أمر طبيعي وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ [البقرة:74] هذه طبيعة الحجارة، لكن أن يخرج من بين اللحم والدم فيتوضئون عن آخرهم! هذا أبلغ.

    إذاً: كونه صلى الله عليه وسلم يضرب الجمل الذي قد أعيى، فإذا به يعطى قوة! حتى يسابق ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه معجزة من معجزاته صلى الله عليه وسلم التي أظهرها الله سبحانه وتعالى على يديه صلى الله عليه وسلم؛ تصديقاً لما جاء به من عند الله سبحانه وتعالى.