إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة [9]

كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة [9]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اشتهر عند كثير من العامة عند رمي الجمرات أنهم يرمون الشيطان، وأن الشيطان يتأثر ويتضرر بهذا الرمي، حتى صاروا يرمون الجمرات بحصى كبيرة، بل قد يرمي بعضهم بالأحذية، هذا بالإضافة إلى تسمية الكثيرين للجمرات باسم الشيطان فيقولون: الشيطان الكبير والشيطان الصغير، وكل ذلك إما من الجهل وإما من الغلو الذي حرمه الشرع، وإنما يكون الرمي بحصى كحصى الخذف مع التكبير والدعاء، فيلزم التقيد بما أمر به الشرع فلا إفراط ولا تفريط.

    1.   

    وقت رمي الجمرات

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

    قال المؤلف رحمه الله: [ وعن جابر رضي الله عنه قال: (رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم النحر ضحىً، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس) رواه مسلم ].

    بداية وقت رمي الجمرات ونهايته

    يبين لنا جابر في هذا الحديث متى ترمى الجمرات، وذكر بأن جمرة العقبة رماها صلى الله عليه وسلم ضحىً؛ لأنه حينما أفاض من المزدلفة قبل طلوع الشمس، والمسافة من المزدلفة إلى منى حوالي ستة أو سبعة كيلو مترات، فلما جاء من المزدلفة على الراحلة، كان في الطريق زحام بين الرواحل فكان ينادي: (السكينة السكينة.) ولما وصل إلى منى أخذ في طريقه إلى العقبة، ومعلوم أن أول عمل للحاج في منى هو رمي جمرة العقبة، وكما يقولون: تحية منى يوم العيد هي رمي جمرة العقبة، فوصلها ضحىً فرماها، إذاً: رمي جمرة العقبة ضحىً، والضحى هو: قبل الزوال، وأما بقية الجمرات في أيام التشريق: الأول والثاني والثالث فترمى بعد الزوال، ووقت جمرة العقبة فيه خلاف كما تقدم، فمنهم من يقول: يبدأ بعد منتصف الليل، ومنهم من يقول: يبدأ بعد طلوع الفجر، ومنهم من يقول: يبدأ بعد طلوع الشمس على الخلاف المذكور في وقت الإفاضة من مزدلفة لأهل الأعذار وغيرهم.

    لكن متى ينتهي وقت الرمي؟

    الجواب: لا حد لانتهائه، والوقت الأفضل الذي رمى فيه رسول الله هو الضحى، فلو أن إنساناً تأخر في عرفات وفي مزدلفة، ولم يصل إلى منى إلا بعد العصر، فأول ما يصل إلى منى عليه أن يرمي جمرة العقبة، ولا نقول: إن وقت الرمي هو في الضحى، وإنما وقت الضحى هو الأفضل، فإذا تأخر إلى الزوال أو إلى العصر، أو إلى ما بعد العصر فلا مانع من أن يرمي، وإنما الخلاف في جواز رمي الجمرات ليلاً، فلو تأخر إنسان ووصل إلى منى ليلاً فهل يرمي الجمرات أو لا يرميها؟

    الجواب: الأئمة الثلاثة يقولون: يجوز أن يرمي في الليل عن اليوم الماضي.

    والإمام أحمد يقول: إن غربت الشمس فلا رمي، وعليه أن يؤخرها إلى غد؛ لأن الأيام الثلاثة كلها أيام رمي، والرمي فيها أداء لا قضاء، ولا فدية على من تأخر في رمي يوم إلى اليوم الثاني، ولكن عليه الترتيب، كما جاء في حديث الرعاة الذين رخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذهبوا ليرعوا الإبل، ثم بين أن عليهم أن يأتوا ليرموا عن اليوم الثاني أولاً، ثم عن اليوم الثالث.

    وعلى هذا فالسنة في رمي جمرة العقبة أنه يبدأ من الضحى، ويبدأ قبل ذلك لأهل الأعذار، وأما بقية الجمرات الثلاث في غير يوم العيد فإن جمرة العقبة قد خرجت عن كونها عقبة، وصارت من الجمرات الثلاث في أيام التشريق الثلاثة، ووقتها هو وقت بقية الجمرات حيث يبدأ من الزوال، ولا نقول: قد رميناها بالأمس ضحىً ولابد أن نرميها اليوم ضحىً؛ لأنه إذا خرج يوم العيد لم يعد هناك وقت للرمي إلا من الزوال، إلا قول يذكر عن عطاء وعن غيره في جواز الرمي قبل الزوال، وهذا يذكره بعض العلماء من باب التخفيف، ولكن يقولون: إنما رمى صلى الله عليه وسلم من بعد الزوال.

    ويستمر الرمي من بعد الزوال إلى قبيل غروب الشمس وهذا باتفاق، فإذا دخل الليل ولم يكن قد رمى فيرمي في تلك الليلة عن اليوم الماضي، والإجماع على أنه لا يرمي ليلاً عن اليوم الآتي، ولكن يرمي ليلاً عما سبق أن فاته في نهار تلك الليلة، إلا ما جاء عن أحمد رحمه الله فإنه قال: إذا دخل الليل فلا رمي في الليل.

    والجمهور يقولون: الليل يستدرك فيه ما فات في النهار، وعلى هذا يبدأ الرمي في أيام التشريق الثلاثة بعد الزوال، الأولى فالوسطى فالكبرى، والآن نقول: الكبرى، ولا نقول: العقبة؛ لأن العقبة تكون في يوم العيد. والله سبحانه وتعالى أعلم.

    1.   

    الترتيب في رمي الجمرات والتبكير والدعاء عندها

    قال المؤلف رحمه الله: [ وعن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر على أثر كل حصاة، ثم يتقدم، ثم يسهل، فيقوم فيستقبل القبلة، ثم يدعو ويرفع يديه ويقوم طويلاً، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل، ويقوم فيستقبل القبلة، ثم يدعو فيرفع يديه ويقوم طويلاً، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله) رواه البخاري ].

    يبين لنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما في هذا الحديث كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرات، فيذكر لنا أنه كان يرميها على الترتيب، فيبدأ برمي الجمرة الدنيا، والدنيا تقابل القصوى، والدنيا والقصوى أمر نسبي، فالمتوجه من منى تكون الجمرة الدنيا بالنسبة إليه هي الأولى التي يقال لها: الصغرى، فيرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات.

    حكم رمي الجمرات بغير الحصى

    وهنا نص على الحصى، ولذا يتفق العلماء على أن الجمار لا ترمى إلا بالحصى، ولا يجوز الرمي بأي نوع آخر من أنواع الجمادات، فلو رمى الحاج بسبعة دنانير ذهب بدل السبع الحصيات ما أجزأ ذلك عنه، وكذلك لو رمى بسبع حبات فاكهة: تفاح أو رمان أو برتقال ما أجزأ ذلك عنه، ولو رمى بحجر مطبوخ الذي هو الفخار ما أجزأ، أو بقطع من الصبة (الخرسانة) ما أجزأ، أو بطوب من الطين وهو قاس يابس جامد ما أجزأ، ولا يجزئ الرمي إلا بالحصى.

    ثم يزيد بعض الفقهاء على ذلك ويقول: بشرط أن تكون على طبيعتها، فلا يأتي بحجر كبير ويكسره ليأخذ منه أجزاء بمثابة الحصى، والحصى معروف وهو: حبات من الرمل كبيرة مستقلة بذاتها مستديرة أو مستطيلة أو مضلعة كل ذلك حكمه سواء.

    كيفية رمي الجمرات

    إذاً: رمى بسبع حصيات، والرمي لابد فيه من رفع اليد، ومن حركة الرمي والدفع، ولذا يقولون: لو أخذ الحاج الحصاة وهو عند الحوض ووضعها فيه كما يضع الكأس على الطاولة فإنه لا يجزئ، بل لابد من حركة الرمي، وأن تطير الحصاة في الهواء من يد الرامي إلى أن تسقط في الحوض.

    والعبرة بالرمي إنما هو إلى دائرة الحوض (المرمى) وليس المقصود أن تصيب البنيان الذي في وسط الحوض الذي يسمى (الشاخص)؛ لأن هذا الشاخص ما بني إلا مؤخراً، وكذلك الحوض ما بني إلا بعد ثمانمائة سنة من الهجرة، بناه أهل مكة باجتهادهم، وإنما كانوا يقيسون موضع الرمي بثلاثة أذرع، أو بخمسة أذرع على حسب كثرة الرمي، ثم بني هذا الحوض ليحفظ الحصى، وليحدد موضع الرمي، ولذا تجدون في كتب الفقه في أحكام المناسك أنهم يقولون: من رمى وتدحرجت الحصاة إلى أقصى الكوم فإنها لا تجزئ، ولكن إن استقرت في وسط المرمى الذي هو خمسة أذرع من كل جهة أجزأت، يعني: أن دائرة قطر الحوض عشرة أذرع؛ لأن مسافة الوتر من الدائرة أو من المحيط إلى المركز خمسة أذرع، ثم بني هذا الشاخص في الوسط ليكون علامة على موضع الرمي، وليتلقى الحصى من الجهات الأربع حتى لا تتعدى إلى المقابل فتؤذي، فإذا رميت أيها الحاج! وصادفت الشاخص المبني القائم وسط الحوض وارتدت الحصاة من الشاخص إلى الحوض أجزأت، أما إذا كانت الرمية التي رميت بها الشاخص قوية فارتدت بقوة وسقطت خارج الحوض فلا تجزئ ولا يعتد بها؛ لأن الغرض ليس هو الشاخص المبني القائم، ولكن الغرض أن تستقر الحصاة في داخل المرمى.

    وقالو: لو أنك رميت الحصاة فصادفت عنق بعير مقابل فتدحرجت ونزلت في المرمى أجزأت، ولو رميتها على هودج مقابل وتدحرجت ونزلت في المرمى أجزأت، وعلى هذا فإنك إذا كنت في الدور الثاني وأردت أن ترمي فإنك ترمي في حوض صغير أسطواني، وتتدحرج الحصاة من المرمى حتى تنزل من الفتحة إلى المرمى الأصلي في الأسفل وهكذا.

    وقالوا: في حكم الصغير الذي يحج به وليه ويريد أن يرمي عنه، إن كان يحسن أن يلعب ويأخذ الحصى ويرمي فعل الرمي بنفسه، وإن لم يكن يحسن فإنه يضع الحصاة في كفه، ثم يأخذها هو -أي: الولي- من كف الصبي ويرمي بها نيابة عنه.

    إذاً: في قوله: (يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر على أثر كل حصاة) فيه الترتيب، وطريقة الرمي، والتكبير عقب كل حصاة، وأن يكون الرمي بالحصى لا بغيره.

    الذكر الذي يقال عند رمي الجمرات

    قوله: (يكبر عقب كل حصاة)، قد تقدمت الإشارة إلى هذا، فمن العلماء من يرى أنه يقول: (باسم الله، الله أكبر؛ إرغاماً للشيطان وإرضاءً للرحمان)، (إرغاماً للشيطان) لأنه كان بالأمس بعرفات، وما رؤي الشيطان أحقر ولا أذل ولا أصغر منه من يوم عرفة؛ لكثرة ما يرى من تنزل الرحمات، وكما يقال: يحثوا على رأسه التراب ويقول: يا ويلتا! لأنه قد اجتهد في إضلال الناس، فمنهم من بلغ عمره عشرين.. ثلاثين.. خمسين.. ستين.. سبعين.. ثمانين سنةً، وهو يجلب عليه بخيله ورجله، ويحتنكه ويقوده، ويفعل ما شاء فيه، فإذا كان يوم عرفات تنزل الله سبحانه وتعالى وتجلى لأهل الموقف وقال لهم: (أفيضوا مغفوراً لكم)، إذاً: كل تعبه مع هذا الإنسان الذي بلغ عمره ثمانين أو تسعين سنةً ذهب وانتهى في عصرية، أو في عشية، إذاً: سيكون في تلك الحالة أشد ما يكون أسفاً على ما كان من عمله سابقاً، وحينما يأتي الحاج إلى رمي الجمار يقول: (إرغاماً للشيطان)، أي: على ما أصابه في يوم عرفة يكون الرمي، زيادة في إذلاله واحتقاره وإصغاره.

    (وإرضاءً للرحمان) لأن الإنسان ما خرج من بلده وترك أهله وولده وماله وتحمل مشاق الحل والترحال إلا ابتغاء وجه الله، كما جاء في حديث المباهاة: (إذا كانت عشية يوم عرفة ينزل ربنا إلى سماء الدنيا، فيباهي بأهل الموقف ملائكة السماء، يقول: يا ملائكتي! هؤلاء عبادي جاءوا شعثاً غبراً ماذا يريدون؟ فتقول الملائكة: يا رب! أنت أعلم بما جاءوا إليه، جاءوا يرجون رحمتك ويخشون عذابك)، إذاً: يقول: (إرضاءً للرحمان)؛ لأنه جاء يرجو رحمة الله، فمن هنا حينما يتخلص الحاج من تلك الأثقال التي حملها عليه الشيطان، فإنه يطلق من قيوده، ويفك من احتناكه، ويصبح طليقاً قوياً سوياً، فيأتي إلى الشيطان وكأنه يقول له: هاه! قد جلبت علي تلك السنوات كلها وأنا عاجز أمامك، وأما الآن فقد تقويت؛ لأن ما أثقلتني به قد ذهب عني، وما كبلتني به من القيود قد انطلقت منها، وهأنذا أبدؤك بالحرب، (باسم الله، الله أكبر، إرغاماً للشيطان وإرضاءً للرحمان).

    إذاً: رمي الجمار ليس الغرض منه ضرب الشيطان، كما يظن بعض الجهال أنه يضرب الشيطان أمامه، فالشيطان لن يقعد له حتى يرميه! ولا حتى يضربه! ولذا ترى أحدهم يأتي بحجارة أو يأتي بنعل أو يأتي بمظلة ويرمي بها، ولا يدري أن الشيطان يضحك عليه بهذا العمل، إنما الرمي هو كما قال صلى الله عليه وسلم: (بحصاة كحصى الخذف) فيرمي على هذه الوجهة، وبهذا المقصد، وهو يستشعر رحمة الله وفضله عليه، ونعمته عليه بهذا الموقف.

    مشروعية الإكثار من الدعاء عقب رمي الجمرات

    قوله: (ثم يسهل) لأن المكان هناك في حافة الوادي إلى جهة الميمنة عال، وإلى جهة الميسرة مجرى الوادي، فيسهل ثم يتقدم، أي: بعيداً عن الزحام وعن حلقة الرمي (ويستقبل القبلة، ويدعو طويلاً) يقول بعض العلماء ومنهم شارح الكتاب: جاء عن ابن عمر أنه حدد المدة بين رمي الجمرتين بمقدار ما تُقرأ سورة البقرة؛ لأنه يكثر من الدعاء في هذا المقام.

    مشروعية رفع اليدين في الدعاء بعد رمي الجمرات

    قوله: (ويرفع يديه) وقضية رفع اليدين في الدعاء في الآونة الأخيرة أثارت المشاكل بين العامة وطلاب العلم، ونرى بعض الناس يعيبون على من يرفع يديه في الدعاء، ويقولون: رفع اليدين في الدعاء ما جاء إلا في مواضع مستقلة، كالاستسقاء وعند رؤية البيت، وفي عرفات وما عدا ذلك لا ترفع فيه اليدان، وبهذه المناسبة فإن النووي رحمه الله ذكر بعض مواطن رفع اليدين في الدعاء، ثم قال: (ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه في الدعاء في أكثر من ثلاثين موضعاً، ومن ظن أن رفع اليدين قاصر على هذه الثلاثين فهو أجهل من كذا).

    إذاً: القاعدة العامة هي رفع اليدين في الدعاء، وقد استدل بعض العلماء على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليستحي من عبده أن يمد إليه يديه فيردهما صفراً) يستحي الله من العبد أن يمد يديه إليه يسأله حاجته أن يردهما صفراً أي: بدون شيء، وإنما يضع له شيئاً فيها، وهذا عام في كل دعاء، وجاء في الحديث الآخر: (وذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام ومشربه حرام، فأنى يستجاب له) فما ذكر صلى الله عليه وسلم نوعاً من الدعاء، وإنما قال: (الرجل يطيل السفر) أي: أن الدعاء يكون على أي حالة من الحالات. إذاً: القاعدة والأصل في الدعاء أن يرفع الإنسان يديه إلى الله سبحانه وتعالى، وهنا في هذا الموضع نص على أنه يرفع يديه في الدعاء عقب رمي الجمرة الأولى والوسطى، وأما جمرة ذات العقبة فليس فيها دعاء ولا وقوف، وعلى هذا لا يكون فيها رفع، إذاً: نستصحب الأصل في التشريع وهو أن كل دعاء يجوز رفع اليدين فيه، وأما الذين يحددون الرفع بشيء معين فإنهم يحتاجون إلى نص على إثبات ذلك، وإلى نص بالنفي لما سواها، والنووي يقول: (رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه في ثلاثين موضعاً، ومن ظن أن رفع اليدين قاصر على هذه الثلاثين فهو أجهل من كذا).

    إذاً: ننصح أنفسنا أولاً، والإخوة الذين يقولون: نتحرى الوارد في السنة أن لا يشددوا على أنفسهم، ولا يشددوا على الناس، ولا يمنعوا الجائز؛ لأن رفع اليدين في الدعاء هو الأصل.

    قوله: (ثم يأتي إلى الوسطى كذلك فيرميها بسبع حصيات يكبر عقب كل حصاة، ثم يسهل، ثم يستقبل القبلة، ثم يدعو طويلاً ويرفع يديه، ثم يأتي إلى ذات العقبة) ذات بمعنى صاحبة، وجمرة العقبة مضاف ومضاف إليه، والإضافة تقتضي التمليك أو التخصيص، والتمليك يكون فيمن يصح تمليكه، كما تقول: كتاب زيد، والتخصيص يكون فيما لا يصح تمليكه، كما تقول: باب الدار، فالباب مختص بالدار، وجمرة العقبة أي: ذات العقبة، فإن الحاج يرميها من بطن الوادي ويذهب ولا يقف عندها.

    ولماذا لا يقف ولا يدعو؟

    الجواب: أشرنا فيما تقدم إلى أن المكان عندها كان ضيقاً، وأنها كانت ترمى من جهة واحدة، وأن العقبة كانت تمنع الرمي من بقية الجهات.

    ثم قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل) ومع كونه يقول: رأيته يفعل، نضيف إليها قوله صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم) وبالله تعالى التوفيق.

    مسألة في مشروعية رفع اليدين عند الدعاء على الإطلاق

    ورفع اليدين كثر الكلام فيه، وحصل فيه النقاش والإساءة في المفاهمة بين الإخوان، وقد سمعت أن بعض الإخوان المنتسبين إلى طلبة العلم يقول: بعض الناس عند الدعاء يخشع ويبكي، وإذا سمع القرآن لا يتأثر، فنقول: هذا ليس بصحيح، بل القرآن أشد تأثيراً، كما قال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:23]، لكن يا إخوان! لما قام الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر في العريش، هل قام يقرأ: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ ... [البقرة:1-2]، وهل قام يقرأ: يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [يس:1-2].. هل قام يقرأ كتاب الله أو قام يلتجئ ويتضرع إلى الله بالدعاء ويقول: (اللهم! أنجز لي ما وعدت، اللهم! إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض بعد)؟ الجواب: كان اجتهاده في الدعاء، وكان رافعاً يديه مبالغاً في رفعهما، حتى إن رداءه كان يسقط من على كتفيه، فيقوم أبو بكر ويرد عليه الرداء ويقول: حنانيك يا رسول الله! بعض ذلك يكفي، إن الله منجز لك ما وعد، فاستكثر أبو بكر هذا، وأشفق على الرسول صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: كل موطن له حالته، ولكل مقام مقال، ونحن حينما نقرأ القرآن الكريم إذا جئنا إلى قصة موسى عليه السلام مع فرعون ووو.... فما هو الذي سيخشِّع ويبكِّي..؟! فهو سرد تاريخي لقصة رسول مع عدوه، وأمثال هذا، لكن حينما تأتي الآيات التي فيها رقائق، والتي فيها وعد ووعيد، فهذا هو الذي يحرك الشعور ويحرك العاطفة، وربما تذرف منه العين، فقد جاء أن ابن مسعود قرأ على النبي من سورة النساء حتى بلغ: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً [النساء:41]، فقال له: أمسك، وذرفت عيناه؛ لأنه تذكر ذلك الموقف، وتذكر تلك الحالة، التي قال الله عنها: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ [عبس:34-35] وقال سبحانه: وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى [الحج:2]، إذاً: البكاء يكون في مواطن، وليس في كل حالة.

    والدعاء عبادة، كما قال صلى الله عليه وسلم: (الدعاء مخ العبادة) وقال: (الدعاء هو العبادة) قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي [غافر:60] فقال: (عن عبادتي) ولم يقل: عن دعائي، مع أن المذكور في أول الآية هو الدعاء، ولكن الله سبحانه وتعالى في هذا الأسلوب وضع العبادة موضع الدعاء ليبين أن العبادة والدعاء متساويان. ومثل هذا قوله سبحانه: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ [آل عمران:97] ولم يقل: (ومن لم يحج) وإنما قال: (ومن كفر) إذاً: من لم يحج وهو مستطيع تساوي: من كفر.

    وعلى هذا يا إخوان! فإن الواجب على الإنسان أن يكون في حالة دعائه إلى ربه حاضر القلب، خاشعاً، متذللاً، ضارعاً إلى الله كما فعل صلى الله عليه وسلم عند الملتزم، فنظر إليه عمر فإذا به يبكي، فقال: (أتبكي يا رسول الله؟! قال: نعم يا عمر ! هاهنا تسكب العبرات) وهل كل مكان مثل الملتزم الذي عند باب الكعبة؟ الجواب: لا، ليس كل مكان مثله.

    إذاً: الدعاء له أوقاته،ولهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد، فاجتهدوا في الدعاء) ولهذا يحرم عليك أن تقرأ القرآن وأنت ساجد، وإنما تدعو وتجتهد في الدعاء. والله تعالى أعلم.

    1.   

    الحلق في النسك أفضل من التقصير

    قال المؤلف رحمه الله: [وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم! ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله! قال في الثالثة: والمقصرين) متفق عليه ].

    فهذا الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة للمحلقين، والمحلقون هم: الذين حلقوا شعور رءوسهم عند التحلل، والمقصرون هم: الذين قصروا بالمقص أو بالمكينة التي حدثت الآن، ولم يحلقوا بالموسى، والله سبحانه وتعالى ذكر الأمرين فقال: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح:27] فنص على الأمرين، إذاً: كلا الأمرين مجزئ، ولكن تقديم الحلق في قوله تعالى: (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) يدل على أن الأفضل هو الحلق، وهنا كون المسألة فيها أفضلية يدل على أنها متقاربة، ودل على الأفضلية أنه صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين مرتين، وهم يسألونه: يا رسول الله! والمقصرين، يعني: وادع للمقصرين، وهو يعرض عنهم ويقول: اللهم! ارحم المحلقين، وفي الثالثة قال: والمقصرين. ومتى كان هذا الدعاء؟

    الجواب: يختلف العلماء في وقته، فمنهم من يقول: كان في صلح الحديبية، ومنهم من يقول: كان في حجة الوداع، والنووي وغيره يرجح أنه كان في حجة الوداع، ولكن الذي يظهر أنه كان في عمرة الحديبية، وذلك أنهم سألوا: ما بال المحلقين يا رسول الله؟! -يعني: دعوت لهم ثلاث مرات أو مرتين- قال: (لم يشكوا في أي شيء) أي: عند أن أمرهم بالتحلل في عمرة الحديبية، فإنه لما منع المشركون المسلمين من أن يأتوا إلى البيت، وأن يطوفوا ويسعوا ويكملوا العمرة على وجهها، تم الصلح معهم وكتبت الصحيفة، وكان في الصلح خير كثير جداً، وقد سمى الله عمرة الحديبية فتحاً، وأنزل فيها سورة الفتح، فقال عمر : (أفتح هي يا رسول الله؟! قال: نعم، هي فتح) وقال صلى الله عليه وسلم فيها: (والله! ما يطلبون مني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أجبتهم إليها) أي: مطلقاً، فانتزع الله -بفضله- من المشركين اعترافاً بالكيان الإسلامي، بينما الرسول سبق له وأن خرج من مكة مختفياً في الغار ليلاً، لكن وبعد ست سنوات يأتي إلى مكة بجيش، ويأتي معتمراً ويدخل عليهم عنوة، فجلسوا مع النبي صلى الله عليه وسلم على مائدة المفاوضات، وهذه الجلسة على المفاوضة، وتوقيع المسلمين وتوقيع سهيل بن عمرو على الصحيفة يساوي اعترافاً من المشركين بالكيان الإسلامي الذي فاوضوه، يعني: أنهم اعترفوا بالأمة الإسلامية، وهذا يعد فتحاً عظيماً.

    لما تم ذلك الصلح قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: تحللوا، وانحروا الهدي، واحلقوا شعوركم: أي: أن العمرة قد انتهت، ولكن بعضهم قال: كيف انتهت ونحن لم نر الكعبة؟!! وكيف انتهت ونحن ما طفنا ولا سعينا؟!! لأن لهم مقاييس وللرسول صلى الله عليه وسلم مقاييس أخرى، فتوانوا عن التحلل، فغضب صلى الله عليه وسلم، ودخل على زوجه أم سلمة ، فقالت:ما لي أراك غاضباً، أغضب الله من أغضبك؟ قال: وما لي لا أغضب وأنا آمر الأمر فلا يؤتمر به، قالت: وما ذاك؟ قال: تصالحنا مع القوم، وانتهت العمرة، وأمرتهم أن ينحروا ويتحللوا فلم يتحلل أحد قالت -انظر الحكمة والروية والعقل-: أتحب أن يفعلوا ذلك؟ قال: نعم، قالت: لا عليك، خذ المدية، واخرج على الناس ولا تكلمن أحداً، واعمد إلى هديك فانحره، ثم ادع الحلاق واحلق شعرك، ثم الزم خيمتك، فإذا به صلى الله عليه وسلم قد وجد حلاً عملياً يقطع على أولئك المتوانين مطامع الرجاء في حل آخر؛ لأنه إذا كان الرسول قد نحر وحلق، فما هو الذي بأيديهم بعد هذا، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نحر هديه بادروا إلى نحر هديهم، ودعوا الحلاق وكادوا يقتتلون على الحلاقة، وانتهت القضية، وفي هذا الظرف منهم من حلق، ومنهم من قصر، والذي حلق والذي قصر كلاهما امتثل، وكلاهما تحلل، ولكن الذي حلق شعره كان حلقه على يقين بالأمر (مائة في المائة)، وأما الذي قصر فكأنه تحلل وهو يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، وليس هو على الثقة وعلى اليقين الذي عليه الذي حلق شعره؛ لأن الذي حلق شعره متيقن وليس عنده شك.

    إذاً: الأولى ترجيح أن ذلك الدعاء كان في عمرة الحديبية.

    حلق النبي صلى الله عليه وسلم شعره في حجة الوداع وبعض ما يتعلق بذلك

    والرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع لما نحر بعض الهدي وأناب علياً في نحر الباقي، ودعا الحلاق ناوله أولاً الشق الأيمن فحلقه، ثم قال: خذ هذا الشعر وقسمه على الناس -على الحاضرين- ثم ناوله الشق الأيسر فحلقه، فقال: خذه أنت، وهنا بعض الناس قد يفكر ويسأل: لماذا يقسم الشعر عليهم؟ الجواب: لأن هناك مصلحتين:

    المصلحة الأولى: إكرام شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقى على الأرض؛ لأنه إذا ما حصل إنسان على شعرات منه فإنه سيطويها ويحتفظ بها في أعز مكان عنده، وقد كان السلف رضوان الله عليهم من حصل على شيء من شعرات رسول الله يحتفظ بها، فـخالد بن الوليد كان في قلنسوته التي يضعها على رأسه شعرات من شعر رسول الله، وأم سلمة كان عندها شعرات وضعتها في جلجل فضة، وكانت إذا جاء المحموم إليها ماصتها في الماء وسقته إياه فيعافيه الله، هذه مصلحة أولى وهي إكرام شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهان ويلقى على الأرض.

    المصلحة الثانية: التبرك، فقد كانوا يتبركون ببصاقه ومخاطه صلى الله عليه وسلم كما جاء في صلح الحديبية حينما قال عروة بن مسعود الثقفي : (والله! لقد دخلت على كسرى في ملكه وقيصر في ملكه، فما رأيت قوماً يعظمون ملكهم كتعظيم أصحاب محمد لمحمد، والله! ما تفل تفالة ولا تنخم نخامة إلا سقطت في كف أحدهم يدلك بها وجهه، ولا توضأ وضوءاً إلا اقتتلوا على مائه ليتمسحوا به) وأم أيمن لما شربت بوله صلى الله عليه وسلم، قال لها: (لا توجعك بطنك أبداً)، وابن الزبير لما قال له صلى الله عليه وسلم: (خذ هذا -أي: دم الحجامة- وغيبه عن الناس في مكان لا يراه أحد، فذهب بعيداً وشربه، ولما رجع قال له: ماذا فعلت؟ قال: شربته، قال: ويل للناس منك، وويل لك من الناس) أي: لأثر دم رسول الله الذي في جوفه.

    وكانوا يأتون بالأطفال إليه ليحنكهم تلمساً لبركة يده صلى الله عليه وسلم، وأبو قتادة لما خرجت عينه في أحد ردها ومسح عليها بكفه فكانت أحسن عينيه، وأشياء كثيرة في هذا الموضع عملها أصحابها التماساً لبركة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نقول: علم الله أننا لو أدركنا التراب الذي وطئه لاكتحلنا به في أعيننا، ولكن هل يتعدى هذا إلى غيره؟ الجواب: نقول: لا، بل هذا خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأننا لم نجد أصحابه فعلوا ذلك مع غيره، إذاً: هذه الأشياء قاصرة عليه؛ لأنه هو الذي اختص بمثل هذه الأمور.

    وبهذا يتبين أن قوله: (اللهم ارحم المحلقين) أي: الدعاء للمحلقين كان في صلح الحديبية.

    القدر الذي يقصر من الشعر في النسك

    وهنا يأتي بحث فقهي: الرسول صلى الله عليه وسلم حلق شعره كله، وبدأ بالشق الأيمن ثم الشق الأيسر، وبإجماع المسلمين أن هذه الصفة هي أكمل الصفات، لكن لو أن إنساناً لم يحلق شعره كله، وأراد أن يقصر فكم يحلق من حجم رأسه، وكم يقصر من طول شعره؟

    الجواب: أحمد ومالك يقولان: الواجب تقصير كامل الشعر، فإن حلق فليحلق الجميع، وإن قصر فليقصر الجميع، وأما أبو حنيفة رحمه الله فيقول: يجزئ ربع الرأس حلقاً أو تقصيراً، وهذه المسألة هي مثل المسألة التي تبحث في مسح الرأس عند قوله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة:6] فكم يمسح من الرأس في الوضوء؟ فيها خلاف، وهذه المسألة مثلها، والشافعية يقولون: كل ما صدق عليه حلق أو تقصير ولو ثلاث شعرات فإنه يجزئ، والنووي رحمه الله يقول: وقد أفرط بعض منا -أي: من الشافعية- فقال: ولو قصر بعض شعرة لأجزأه، ثم قال: وكيف يأخذ بعض الشعرة، فإنه إذا أخذ من شعره بالمقص فسيأخذ كثيراً، فكيف يتمكن من قص شعرة دون غيرها؟

    قالوا: إذا غطى الإنسان رأسه بالحناء، فطلعت شعرة من تحت الحناء وبرزت من فوق فجاء بالمقص وأخذ هذا الجزء البارز من الشعرة من فوق الحناء، فإنه يكون قد أخذ بعضها، قال: وهذا إفراط، أي: أنه لا ينبغي مثل هذا في النسك. وعلى هذا نجد في المسألة عدة أقوال:

    فمنهم من قال: يحلق أو يقصر كل الرأس، ومنهم من قال: ربع الرأس، ومنهم من قال: ولو ثلاث شعرات، هذه أقوال الأئمة رحمهم الله، ولا نملك أن نقول شيئاً في ذلك إلا أن السنة هي حلق أو تقصير جميع الرأس.

    ثم إذا جئنا إلى حديث بيان فضل الحج: (جئنا نسألك، قال: إن شئتما أخبرتكما... إلخ، وعن حلقك شعر رأسك فلك بكل شعرة حسنة ووضع سيئة ورفع درجة) إذاً: كتابة حسنة وإسقاط سيئة ورفع درجة كل هذا بشعرة واحدة، ثم بعد هذا نذهب ونأخذ شعرة، أو نأخذ ثلاث شعرات، أو نأخذ ربع الرأس! هذا فيه تفريط، بل لو استطعنا أن نأتي برأس آخر جنب الرأس الأصلي حتى نحلق شعراً أكثر لفعلنا، حتى يزداد الأجر.

    كيفية حلق رأس الأصلع في النسك

    وأما الأصلع فيقولون: الأصلع يمر الموسى على رأسه، وإذا وجد شعر أزاله.

    وهنا مسألة عند العلماء: إذا كان المحرم متمتعاً وعنده تحللان: تحلل للعمرة، وتحلل للحج، فهل الأفضل في حقه في تحلل العمرة أن يحلق أو أن يقصر؟ الجواب: بعض الناس إذا كان متمتعاً يحلق البعض ويترك الباقي إلى الحج، وهذا لا يجوز؛ لأن هذا يسمى قزعة الشيطان؛ لأن الإنسان حتى في الأيام العادية إما أن يحلق شعر رأسه كله أو يتركه كله، وأما أن يحلق بعضاً ويترك البعض فهذا يسمى (قزعة الشيطان).

    ويقول بعض العلماء في هذه المسألة: إن كان هناك وقت بين تحلل العمرة وتحلل الحج ينبت فيه الشعر بحيث يستطيع أن يحلقه في الحج فله أن يحلق في العمرة؛ لأنه يمكن أن يوجد الحلق في النسكين، وإذا كان الوقت قريباً، فإذا حلق في العمرة لا يجد ما يحلقه في الحج فيكتفي في العمرة بالتقصير، وإذا كان سيقصر من الشعر فكم يقصر؟

    الجواب: يقولون: لا يقل عن قدر أنملة، فإذا كان إنسان عنده شعر طويل -خمسة سم مثلاً- فعليه أن يأخذ منه اثنين سم، ويشمل جميع جوانب الرأس بالقص، كما تقدم.

    وأما المرأة فقد جاءت النصوص بأنه لا حلق عليها، وإنما عليها التقصير، وكيف تقصر؟ قالوا: تجمع شعر رأسها في كفها إلى أن يبقى قدر أنملتين أو أنملة وتقص من أطرافه، وعليها أن تعمم بالتقصير جميع الشعر، وبعضهم يتندر ويقول: إذا حلقت المرأة فهل يجزئها ذلك؟ الجواب: نقول: هذه مثلة، والمرأة لا تحلق شعرها، وما كن يحلقن إلا في المصائب، عياذاً بالله! إذاً: المرأة تقصر ولا تحلق.

    1.   

    الترتيب في أعمال يوم النحر

    قال المؤلف رحمه الله: [ وعن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج، وجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: ارم ولا حرج، فما سئل يومئذٍ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج) متفق عليه ].

    هذا الحديث من أجمع أحاديث الحج، وأيسرها على الحجاج، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم وقف يوم العيد فأخذوا يسألونه، هذا يقول: يا رسول الله! ما شعرت، يعني: نسياناً وسهواً لا عمداً، حلقت قبل أن أنحر، قال: انحر ولا حرج، والترتيب الطبيعي لأعمال هذا اليوم هي كالآتي: أولها: رمي جمرة العقبة، وثانيها: نحر الهدي، وثالثها: حلق الرأس، ورابعها: طواف الإفاضة.

    أما رمي جمرة العقبة فإنها تحية منى، وهذا باتفاق، وأما النحر قبل الحلق فلقوله سبحانه: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة:196] ثم بعد الحلق النزول لطواف الإفاضة، هذا هو الترتيب الطبيعي، فإذا سها إنسان أو جهل وغيّر في هذا الترتيب فلا شيء عليه؛ لأن هذا السائل قال: ما شعرت حلقت قبل أن أنحر -مع أن النحر كان أول- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: افعل ولا حرج، أي: ما دام أن هذا الشيء قد وقع، ونلاحظ أن الأسئلة هنا هي عن أمور قد وقعت بالفعل، وفرق بين كون الشيء وقع فعلاً وبين كونه سيقع، ولم يوجد أحد قال: أنا أريد أن أحلق قبل أن أنحر، وإنما كل من سأل كان يسأل أسئلة عملية واقعية، وما دام أن الأمر قد وقع فهل نرفع الواقع؟ الجواب: لا نرفعه، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن أجاز هذا العمل؛ التماساً لقوله: لم أشعر أي: أنا ناسٍ أو جاهل، فماذا أفعل؟ قال: (افعل ولا حرج)، إذاً: أجاز المغايرة بين الرمي والحلق فقال: (افعل ولا حرج)، وكذلك قال آخر: نحرت قبل أن أرمي، فقال له: (ارم ولا حرج)، ثم يأتي الراوي بقضية وقاعدة عامة فقال: فما سئل عن شيء ذلك اليوم قدم أو أخر إلا قال: (افعل ولا حرج)، وما هو الذي سيقدم أو يؤخر في ذلك اليوم؟ هو ما ذكرنا: الرمي والنحر والحلق والإفاضة، أيها قدم سهواً أو جهلاً أو نسياناً، فلا حرج في ذلك ولا شيء على من قدم أو أخر.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.